إستراتيجيات الإعلام المصري خلال فترة حكم محمد مرسي وما بعد الانقلاب
الملخّص
تتناول هذه الورقة دور الإعام في إسقاط حكم محمد مرسي؛ إذ يرى الكثير من المحللين والمتابعين أنّ الإعام المعارض له قام بدورٍ أساسي في عزله عبر ما كانت تبث ه وسائل الإعام المطبوعة والمرئية ضدّه طوال عامٍ كامل. ترصد الورقة السياسات الإعامية التي اتبعتها وسائل الإعام المصرية وتحل لها، بدءًا من تول ي الرئيس محمد مرسي مقاليد الحكم في الباد نهاية حزيران / يونيو 2012، وتمتدّ إلى فترة ما بعد عزله وحتى الآن. وتحدّد الورقة عددًا من أهمّ الإستراتيجيات التي اتبعتها وسائل الإعام. وتتناول نماذجَ من تغطيات الإعام المصري دليا عليها، مع تناول خلفيات عمل بعض وسائل الإعام المصرية والسمات المشتركة التي تجمع بينها، ومحاولة تفسير أسباب اتباعها هذا النوع من الخطاب الإعامي. إضافة إلى رصد أشكال التحريض التي قام بها عدد من وسائل الإعام المصرية ضدّ معارضي الانقاب، وتتبع عدد من الشائعات التي أطلقها الإعام تجاههم وتقصّي جذورها، وتحليلها.
خطاب الإعلام المصري المعارض لمرسي
يُعدّ وصول الرئيس محمد مرسي إلى رئاسة الدولة في مصر الحدث الأبرز الذي مرّت به جماعة الإخوان المسلمين طوال تاريخها؛ فلم يسبق للجماعة التي تنتشر فروعها في عشرات من دول العالم أن وصل أحد أعضائها إلى سدّة الحكم في أيّ من تلك الدول. لكن هذه التجربة لم تلبث أن جرى إجهاضها بالانقلاب الذي حدث في الثالث من تموز / يوليو عام 2013. إذ أعلن الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع عزل مرسي من منصبه بعد تظاهرات حاشدة خرجت يوم الثلاثين من حزيران / يونيو الماضي، لتضع حدًّا لتجربة الحكم الإخوانية. ويُ كن القول إنّ سقوط مرسي كان نتيجة عددٍ من العوامل والأسباب؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.
خلفيات مالكي وسائل الإعلام وعلاقتها بالإستراتيجيات
قبل أن نتناول أهمّ الإستراتيجيات الإعلامية التي اتّبعها الإعلام المعارض لمرسي، نعرض للسمات المشتركة التي تجمع وسائل الإعلام الرئيسة في مصر، والتي تمكّننا من تقديم تفسير لأسباب معارضتها مرسي عبر تغطياتها الإعلامية. يُ كن تحديد عددٍ من السمات المشتركة التي تجمع بين وسائل الإعلام المعارضة لمرسي، كما يلي، وهي: الانتماء للنظام القديم الذي قامت ضدّه ثورة الخامس والعشرين من يناير.2011 الخصومة الأيديولوجية مع جماعة الإخوان والتيار الإسلامي الذي ينتمي إليه مرسي. يلاحظ المتابع للإعلام المصري انحياز مالكي عددٍ كبير من وسائل الإعلام الرئيسة للنظام القديم الذي قامت ضدّه ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وقد نجح هؤلاء في الظهور مرّة أخرى بعد الثورة بوجوهٍ مختلفة محاولين تقديم أنفسهم مرة أخرى للجمهور واستعادة ما فقدوه من صدقية، بسبب العلاقات التي كانت تربط رجال الأعمال بنظام مبارك وملاحقة بعضهم بعد ثورة يناير. فمالك قناة "دريم" هو رجل الأعمال أحمد بهجت الذي نشبت بينه وبين البنوك نزاعات قضائية بسبب قروض تقدَّر بعدة مليارات من الجنيهات. أمّا قناة "التحرير"، فيمتلكها رجل الأعمال سليمان عامر الذي قرّر القضاء مصادرة أمواله قبل عامين بوصفه متّهمً مع وزير الزراعة الأسبق يوسف والي في قضية إهدار ثروة مصر الزراعية. أمّا قناة "صدى البلد"، فيمتلكها رجل الأعمال محمد أبو العينين القيادي السابق في الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يتزعّمه مبارك. وكذلك الأمر نفسه مع مالك قناة "المحور"، رجل الأعمال حسن راتب القيادي السابق في الحزب الوطني.
ونجد السيد البدوي رئيس حزب الوفد الليبرالي ورجل الأعمال البارز مالكًا شبكة قنوات "الحياة"، بالشراكة مع شقيق زوجة حسن عبد الرحمن رئيس جهاز أمن الدولة أثناء عهد مبارك1. وكان البدوي أحد اثنين قاما بشراء جريدة "الدستور"، ثمّ قاما بإقالة رئيس تحريرها إبراهيم عيسى الذي كان معارضًا نظام مبارك في ذلك الوقت، وقاما بتغيير سياسة الجريدة التحريرية، ثم قام البدوي ببيع حصته في الجريدة إلى شريكه رضا إدوارد2. واتّهمه الصحفيون باغتيال الجريدة والانسحاب بعد أداء مهمّته. كما قدّمت شبكة قنوات "الحياة" التي يملكها، تغطية منحازة ضدّ ثورة يناير، وكانت إحدى الأدوات الإعلامية في مواجهة الثورة والدفاع عن مبارك. وقد تدخّل البدوي بنفسه لمنع الصحفي أحمد الصاوي من استكمال سلسلة مقالات كان يكتبها عنه في جريدة "المصري اليوم" يكشف فيها علاقات البدوي مع رموز النظام القديم. وبالفعل قامت الجريدة بمنع نشر مقالات الكاتب، ما جعله ينتقل إلى جريدة أخرى3. ويبرز رجل الأعمال نجيب ساويرس مالك قناة "أون تي في"، إضافةً إلى عددٍ من أسهم جريدة "المصري اليوم"، والذي تدور شكوكٌ قويّة حول قيامه بتمويل حركة "تمرد" التي سعت لإطاحة مرسي.
أمّا أبرز هؤلاء جميعًا، فهو محمد الأمين مالك قنوات "سي بي سي" وجريدة "الوطن" المعروفة بعلاقاتها القويّة بالأجهزة الأمنيّة. يوصف محمد الأمين بأنّه "ميردوخ مصر" نظرًا لتحكّمه في المشهد الإعلامي، من خلال شراء عدد كبير من القنوات الفضائية وامتلاكها، إضافةً إلى شراكاته وعلاقاته المتشعّبة برموز نظام مبارك. لقد قام محمد الأمين وشريكه منصور عامر، بحسب مستندات نشرتها مجلة "الأهرام العربي"، بمنح عدد كبير من رموز النظام السابق ممّن يقفون أمام القضاء الآن، مثل أحمد نظيف، وأحمد عزّ، وحبيب العادلي، وجمال مبارك، وصفوت الشريف، وزكريا عزمي، وكمال الشاذلي، "فلل" و"شاليهات" مجهّزة بالكامل4. وما يؤكّد العلاقة القويّة التي تربط الأمين بجهات أمنيّة داخل الدولة، هو انفراد جريدة "الوطن" التي يملكها، بعددٍ من الموضوعات والتقارير الصحفية التي لا يمكن أن يقوم بها إلا جهاز أمني أو مخابراتي ويقوم بإرسالها للجريدة للنشر. مثال ذلك، قيام الجريدة بنشر "يوميات مبارك أثناء محاكمته" عام 20125، والتي تحتوي على صورٍ لا يُكن التقاطها إلا عن طريق شخصٍ ملازم للرجل من حراسته، وبالتأكيد تكون الحراسة على أشدّها ولا يستطيع أيّ شخص التقاط مثل هذه الصور إلا لو سُمح له بذلك؛ وقيام الجريدة بنشر تسجيلات صوتية مسرّبة أثناء حملة مرسي الرئاسية. ومؤخّرًا، قامت الجريدة ببثّ مقاطع فيديو لمرسي أثناء احتجازه. وهو ما يشير إلى عمل "مخابراتي" وأمنيّ لا علاقة له بالصحافة. ويحلّ الأمين ضيفًا دائمًا في الفعاليات التي يدعو فيها الجيش الشخصيات العامّة والإعلاميين. لقد دعا الأمين السيسي لحفل إفطار في رمضان الماضي بعد الانقلاب مباشرةً؛ فأرسل السيسي اللواء عباس حلمي سكرتيره الشخصي ومدير مكتبه الذي يعدّ أرفع منصب بعد السيسي في الأمانة العامّة لوزارة الدفاع، ولم يسبق أن أرسل السيسي شخصًا بهذا المستوى لمناسبةٍ دعي إليها. وللشخصين صورة شهيرة تجمع بين الأمين، وعباس حلمي، ومجدي الجلاد رئيس تحرير جريدة الوطن المملوكة للأمين، والعقيد أحمد علي المتحدث الرسمي للقوّات المسلحة المصرية. لقد أكّدت صحيفة "إندبندنت" Independent The البريطانية الدور السياسي الذي يقوم به الأمين، عندما أكّدت محاولة رجال أعمال بارزين - من بينهم الأمين - إقناع رئيس المخابرات السابق مراد موافي بالترشّح للرئاسة؛ وذلك أثناء مأدبة عشاء جمعت الأمين، وأحمد بهجت، صاحب قنوات "دريم" الفضائية، ورجل الأعمال البارز حسن راتب مع رئيس المخابرات السابق6.
مرسي والإعلام
شهد عهد مرسي منذ بدايته تغطياتٍ إعلامية منحازة ضدّه، لكنّها لم تكن بالشكل المكثّف الذي بدأ منذ إصدار مرسي الإعلان الدستوري في تشرين الثاني / نوفمبر 2012؛ إذ كان الإعلام يركّز انتقاداته على أداء جماعة الإخوان المسلمين وحزب "الحرية والعدالة" التابع لها، ولم تكن قد مضت على رئاسة مرسي أشهرٌ قليلة، إضافةً إلى المساندة الواضحة التي كان يلقاها مرسي في ذلك الوقت من شخصيات وكيانات ثورية. لكن في الثاني والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر 2012، أصدر مرسي إعلانًا دستوريًّا حصّن به قراراته من الطعن أمام القضاء. وعزل بموجبه النائب العام الذي عيّنه مبارك. كما نصّ على إعادة المحاكمات الخاصّة بقتل متظاهري ثورة يناير. وهو الإعلان الذي تسبّب في انقسام المشهد السياسي، وتخلّ عن مرسي عددٌ من الشخصيات المحسوبة على ثورة يناير، واتّهموه بالديكتاتورية. بعد إصدار الإعلان مباشرةً، ظهر مالكو وسائل الإعلام، ورؤساء تحرير الصحف الخاصة، ومقدّمو برامج (التوك شو) في اجتماعاتٍ مستمرّة؛ من أجل تدشين هذا التحالف الذي ظهر للنور في شكل تغطيات إعلامية هاجمت مرسي باستمرار حتى إسقاطه في منتصف عام.2013
ففي الخامس والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر عام 2012، عقدت نقابة الصحفيين المصرية جمعية عمومية طارئة، كانت نتيجتها إصدار بيان ينصّ على رفض الإعلان الدستوري، كما قرّرت الانسحاب من الجمعية التأسيسية لوضع الدستور على الرغم من رفض نقيب الصحفيين في ذلك الوقت ممدوح الولي الانسحاب. لكن مجلس إدارة النقابة الذي يسيطر عليه المعارضون، أصدر القرار على الرغم من الاعتراضات7، وتأكيد نقيب الصحفيين أنّ نصاب الجمعية لم يكتمل. وأكّدت عبير السعدي وكيل النقابة الكلام نفسه8، وهو ما يدلّ على وجود رغبة واضحة في توجيه نقابة الصحفيين نحو اتّخاذ مواقف سياسية معيّنة. أمّا رؤساء تحرير الصحف الخاصة، فقد قرّروا الاحتجاب عن الصدور لمدة يومٍ في الرابع من كانون الأول / ديسمبر عام 2012 احتجاجًا على الإعلان الدستوري. في حين قرّر عددٌ من القنوات الفضائية تسويد شاشاته في اليوم التالي9. وشهدت الاجتماعات التحضيرية التي سبقت الإعلان عن إنشاء "جبهة الإنقاذ الوطني" المعارضة لمرسي، مشاركة مكثّفة من جانب عددٍ كبير من الصحفيين والإعلاميين؛ مثل: جيهان منصور، ووائل الإبراشي، ومجدي الجلاد، وياسر رزق، وغيرهم ممّن يتحكّمون في المشهد الإعلامي المصري. ما يؤكّد أنّ الإعلام دخل إلى مشهد معارضة مرسي منذ البداية، وتحوّل إلى أداة سياسية موجّهة ضدّه. وقد شهدت الفترة الزمنية منذ تشرين الثاني / نوفمبر 2012 وحتى الآن ما يُ كن أن نعدّه أحد أوضح النماذج التطبيقية لنظرية "الإطار الإعلامي." وهي النظرية التي تقوم على أساس أنّ مضامين وسائل الإعلام لا يكون لها مغزى في حدّ ذاتها، إلا إذا وُضعت في سياق وأطر إعلامية لتحقيق هدفٍ معيّ. بحيث يجري تحديد جوانب معيّنة من الواقع تتعلّق بحدثٍ ما أو قضية وجعلها أكثر بروزًا في النصّ الإعلامي بصورةٍ تساهم في بناء إدراك الجمهور في ما يتعلّق بالموضوع أو القضية التي يجري إبرازها. وكما يرى Entman المنظّر الأبرز لهذه النظرية، فإنّ تأثير الأطر الاعلامية لا يجري عبر تشكيل الإطار بصورة متعمّدة فقط، بل يتحقّق بالحذف والتجاهل والإغفال من القائم بالاتصال. وقد يُقدِّم - عن عَمدٍ أو غير عَمد - أحكامًا من خلال أطر تنظِّم قيمَه ومعتقداته، ويمارس دورًا مهم في بناء الأخبار التي تقود للتأكيد على جوانب معيّنة في القصّة الخبرية، وتشكيلها. ويؤطّر القصص الخبرية من خلال اختياراته التي يقوم بها أثناء تحريره تلك القصص. وتؤثّر هذه الاختيارات بدورها في الطريقة التي يفسّ الجمهور القصص من خلالها10.
الإستراتيجيات الإعلامية
اتّبعت وسائل الإعلام المصرية عدة إستراتيجيات للتعامل مع حكم مرسي. واستمرّت حتى مرحلة ما بعد الانقلاب. ويُ كن تحديد أهمّ هذه الإستراتيجيات في ما يلي:
تبديل المواقع
كشفت ثورة الخامس والعشرين من يناير التضليل الإعلامي الذي كان يمارسه الإعلام المصري بشقّيه الرسمي والخاص11. ما أدّى إلى اختفاء عدد كبير من العاملين في مجال الإعلام بعد نجاح الثورة مباشرة بعدما تبيّ قيامهم ببثّ أخبار مغلوطة لتشويه الثورة. لكن، وبعد عدة أشهر من نجاحها، اعتمد الكثير منهم على ضعف ذاكرة الجماهير للعودة مرة أخرى لتصدُّر المشهد من جديد.
وإذا كان الإعلام الرسمي هو القوّة الرئيسة التي اعتمد عليها النظام لضرب ثورة يناير، فإنّ دولة مبارك ما لبثت أن أدركت فشل الإعلام الرسمي وانصراف الجماهير عنه لافتقاده الصدقية، فبدأت في الاعتماد على شبكةٍ جديدة من الإعلام الخاصّ الذي يؤثّر في الجماهير. وهكذا وجد المصريون أنفسهم أمام طوفانٍ من الصحف والقنوات الجديدة التي يجري إنشاؤها عقب الثورة، ظاهرها هو الانحياز
للثورة والانفتاح على الحريات، لكن باطنها هو إعادة تقديم الوجوه القديمة نفسها بطريقة جديدة12. وتعدّ قناة "سي بي سي" أبرز نتيجة لتلك الإستراتيجية؛ فقد بدأت بميزانية تتجاوز مئات الملايين من الجنيهات، وقامت بحملة إعلانية ضخمة غير مسبوقة في شوارع القاهرة والمحافظات للترويج للقناة قبل بدء البثّ. وضمّت القناة وجوهًا إعلامية معروفة بانحيازها لنظام مبارك وعدائها لثورة يناير؛ مثل لميس الحديدي، وخيري رمضان الذي هاجم الثورة علنًا13، وقبل ذلك هاجم الشابّ خالد سعيد أحد ضحايا عنف الشرطة المصرية أثناء فترة حكم مبارك، والذي عُدّت حادثة وفاته أحد المحفّزات المباشرة لقيام ثورة يناير14. وقد أكّد الأمين في احتفالية إطلاق القناة أنّه ليست لديه أيّ توجهات سياسية أو دينية15، وأنّ رأس مال هذه القناة هو "وقف خيري" هدية لشعب مصر، وعليه، فالقناة لا تهدف للربح، بل لإعادة تشكيل الوعي16. وقد ثبت عدم صحّة هذا الكلام بعد ذلك كما رأينا في انحيازات القناة وحرصها الشديد على تحقيق الأرباح بالملايين. وشهدت تلك الفترة أيضًا عودة المذيع عمرو أديب إلى تقديم برنامجه على قناة "أوربت" بعد توقّفٍ دام عدّة أشهر. إضافةً إلى ذلك، ظهرت قنوات إعلامية وصحف جديدة مثل: "قناة التحرير"، و"قناة النهار"، وجريدة "الوطن"، وقناة "صدى البلد" وغيرها.
الاحتواء
اتُّبِعت تلك الإستراتيجية مع عدد من الإعلاميين المعروفين بانحيازهم لثورة يناير، عن طريق التعاقد معهم لتقديم برامج على شاشات تلك القنوات، وكتابة مقالات في صحفهم؛ مثل الشاعر عبد الرحمن يوسف الذي تعاقدت معه قناة "سي بي سي" في البداية، لكنّه لم يستطع إكمال عمله مع القناة، وكذلك مع باسم يوسف الذي تعاقدت معه القناة نفسها، والذي تفرّغ للسخرية من مرسي وتيّاره السياسي طوال عامٍ كامل، والإعلامي محمود سعد الذي عمل في قناة "النهار"، والذي كان يناصر ثورة 25 يناير، لكنّنا وجدنا أداءه يختلف اختلافًا كبيرًا عقب عمله في قناة "النهار" الفضائية؛ إذ وجدناه مهاجمً شرسًا لمرسي، ووقّع استمارة حركة "تمرّد" على الهواء مباشرةً17، على الرغم من مخالفة هذا كلّ الأعراف والقواعد الإعلامية، وأخيرًا وجدناه يدعو الفريق السيسي إلى الترشّح لانتخابات الرئاسة، وإلى تحصينه في الدستور في حالة فشله في السباق الانتخابي؛ بحيث يعود إلى موقعه وزيرًا للدفاع في حالة عدم انتخابه رئيسًا18.
أخونة الجميع
اعتمدت وسائل الإعلام في مهاجمتها مرسي وسياساته، على التشكيك دائمًا في ولاء كلّ من يعمل معه، وترديد أنّ له جذورًا إخوانية، حتى لو لم يكن ينتمي لجماعة الإخوان أو التيار الإسلامي. على سبيل المثال، تساءلت لميس الحديدي عمّ إذا كان حاتم بجاتو أمين عام لجنة الانتخابات الرئاسية الماضية من الخلايا الإخوانية النائمة. وذلك بعد تعيينه وزيرًا للشؤون القانونية والبرلمانية19. وقام الإعلام أيضًا، بدعم مزاعم "حزب النور" بخصوص تعيين ما يقارب 13 ألف من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين في أجهزة الدولة. واتّضح في النهاية أنّهم لا يزيدون على 190 شخصًا فقط20. ولم ينْجُ السيسي نفسه من اتّهامات الأخونة؛ إذ اتّهمته وسائل الإعلام بأنّه مقرّب من الإخوان عقب تعيينه وزيرًا للدفاع مباشرة21، كما
أكّد المذيع توفيق عكاشة أكثر من مرّة على انتماء السيسي للإخوان، وهو الاتهام الذي وجد صدى كبيرًا عند كثيرين، وتأكّد عدم صحّته بعد الانقلاب22. وتكرّر الأمر نفسه مع وزير الداخلية محمد إبراهيم الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام لقب "وزير داخلية الإخوان"، ومع الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء السابق23" كما حرصت الصحف والقنوات الفضائية على إفراد مساحات واسعة للحديث عمّ سمّته "أخونة مؤسسات الدولة"؛ مثل "أخونة الإعلام24"، و"أخونة الأوقاف25"، وغيرها. وعقب استقالة البرادعي احتجاجًا على فضّ اعتصام رابعة العدوية بالقوّة، تخبرنا جريدة تابعة لمؤسسة "الأهرام" أنّ البرادعي يقود اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان26. لم تقتصر هذه الحملة على المصريين فقط، بل اتّخذت طابعًا دوليًّا أيضًا؛ إذ وجدنا تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا السابقة تظهر على إحدى قنوات التلفزيون المصري لتؤكّد أنّ شقيق الرئيس الأميركي باراك أوباما ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأنّه مسؤول عن إدارة استثمارات التنظيم الدولي للجماعة27. أمّا أوباما نفسه، فقد أكّدت جريدة "الوفد" التابعة لواحد من أعرق الأحزاب المصرية في أحد أعدادها أنّه عضو خفيّ في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان28. كما نشرت جريدة "الوطن" تقريرًا صحفيًّا يؤكّد وجود خلايا إخوانية نائمة في الكونغرس الأميركي29.
نشر الشائعات
إذا كان لنا أن نطلق على العام الماضي لقبًا ما، فهو يستحقّ عن جدارة لقب "عام الشائعات"، والتي كان الإعلام هو السبب الرئيس في ترويجها بكثافة غير مسبوقة ضدّ مرسي.
لقد صرّح الدكتور ياسر علي المتحدث الرسمي السابق باسم رئاسة الجمهورية أنّه كان يرصد نحو 130 شائعة أسبوعيًّا تطلقها وسائل الإعلام المصرية ضدّ مرسي30، والتي كانت تنشر دائمًا اعتمادًا على مصادرَ صحفية مجهولة تتّخذ عدة أسماء، منها "مصادر مطّلعة"، أو "مصادر سيادية"، أو "مصادر عسكرية." وكذلك الأمر مع قيام الإعلام باستخدام عدد من خصوم مرسي السياسيين في المجالات كافّة؛ لمهاجمة مرسي تحت زعم أنّهم خبراء محايدون. ومع مرور الوقت، جرى تكوين دائرة إعلامية لنشر الشائعات، تعتمد في بدايتها على قيام جريدة أو أكثر بنشر الشائعة اعتمادًا على مصادرها المجهولة، ثمّ تقوم البرامج المسائية بتناول الشائعة والتعليق عليها وتأكيدها عبر وسائلَ عدّة؛ لكي يقتنع المشاهدون والمتابعون بها، حتّى إذا صدر نفيٌ رسمي. ويُ كن رصد أشهر الشائعات التي جرى إطلاقها خلال عام من حكم مرسي في ما يلي: بيع قناة السويس: اتّهم الإعلام مرسي بالتخطيط لبيع الأراضي التي سيقوم عليها مشروع تنمية منطقة قناة السويس للأجانب، بخاصّة دولة قطر. وأكّد أنّ مشروع القانون الذي كان يجري التجهيز لإصداره بخصوص المشروع، هو تمهيد لبيع الأرض بالكامل. وعلى الرغم من صدور قرار بإعادة تشكيل اللجنة المكلّفة بإدارة مشروع إقليم قناة السويس دون تعديل اختصاصات اللجنة أو سلطاتها التي جرى الاعتراض عليها قبل ذلك31، وتأكيد الرئيس
المؤقت على أهمية المشروع، لم يُبد أحدٌ أيّ اعتراض بخصوصه. وكأن المشكلة كانت فقط في إقامة المشروع في عهد مرسي. التخلّ عن منطقة حلايب وشلاتين للسودان: ردّد الإعلام هذه الشائعة عقب عودة مرسي من زيارته الخرطوم في نيسان / أبريل الماضي، اعتمادًا على تصريحات لعددٍ من المسؤولين السودانيين الذين كانوا يوجّهونها لمواطنيهم ربّ ا لتهدئتهم بخصوص هذه القضية الخلافيّة، لكن الصحف المصرية زادت وقالت – اعتمادًا على مصادرَ مجهولة - أنّ الدكتور عصام الحداد مساعد مرسي للعلاقات الخارجية قاد مفاوضات مع الجانب السوداني للتنازل عن حلايب32؛ لتكتمل صورة مرسي لدى الإعلام أنّه يريد "بيع مصر" بالكامل. ولم تنس هذه الصحف الدفاع عن الفريق السيسي، وتأكيد رفضه التنازل عن حلايب، على الرغم من أنّ الموضوع لم يُطرح للنقاش أصلً خلال الزيارة33. بيع سيناء: لا يوجد مصدر محدَّد لهذه الشائعة، لكن يُ كن عَدّها "شائعة ممتدّة" تحدّث فيها كثير من الإعلاميين والصحفيين وأسهبوا في الحديث عنها على مدار أزمنة متفاوتة، ومفادها أنّ مرسي اتّفق مع حكومة حماس في غزة على التخلّ عن سيناء لتهجير الفلسطينيين إليها لإقامة دولة فلسطينية. في حين أكّد البعض حصول مرسي وخيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين على مبلغ 8 مليارات دولار دفعةً واحدة من أوباما، مقابل التنازل عن جزء من سيناء، وأنّ الكونغرس الأميركي سيستجوب أوباما بخصوص هذا الموضوع34. وقد ردّد هذه المقولات عددٌ لا يستهان به من الإعلاميين والسياسيين في محافلَ متنوّعة35، وتعامل معها بمنتهى الجدية36. ما أدّى إلى صدور نفيٍ رسمي أميركي37. تأجير الأهرامات لدولة قطر: تقدّم مواطن يُدعى محمد محفوظ بخطاب إلى هيئة الآثار يطالب فيه بتأجير الآثار المصرية لمدّة خمس سنوات لعددٍ من الدول الخليجية. وعلى الرغم من عدم معقولية الطلب واستحالة تنفيذه عمليًّا على أرض الواقع، أكّدت جريدة "اليوم السابع" أنّ هناك عرضًا فعليًّا من دولة قطر لتأجير الآثار المصرية مقابل 200 مليار دولار، وأنّ هذا العرض تدعمه جماعة الإخوان المسلمين38. وقد دخلت جريدة "الوطن" سباق نشر الشائعات؛ لتؤكّد في خبرٍ لها نقلً عن "مصادرَ مطّلعة"، أنّ مرسي وافق على تأجير الآثار بعد اجتماعه مع حسن مالك رجل الأعمال الإخواني، لقرابة ساعة، بحضور صاحب الاقتراح39. وتطوّر الموضوع ليصبح أمرا بديهيًّا لدى عددٍ كبير من الجمهور المصري. ودعم ذلك باسم يوسف، بتخصيصه إحدى فقرات برنامجه للحديث عن قطر ورغبتها في شراء كلّ شيء في مصر بما في ذلك الأهرامات40.
خطوبة نجل مرسي على ابنة هشام قنديل: لم تقتصر الشائعات على الجوانب السياسية فقط، بل امتدّت أيضًا إلى الأمور الشخصية، لكنّها هذه المرة لم تنشر من خلال قنوات الإعلام الاحترافي، وإنّ ا كانت شائعة قويّة تردّدت عن طريق مواقع إنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، تفيد بخطوبة نجل مرسي الأصغر الذي يبلغ من العمر 17 عامًا على ابنة الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء، لكنّها وجدت صدى عند
البعض، ما جعل رئيس الوزراء يردّ شخصيًّا على هذه الشائعة ويفنّد الغرض منها41. كما صدر نفيٌ رسمي من رئاسة الجمهورية42. رحلة زوجة مرسي إلى طابا: رحلة شخصية قامت بها زوجة مرسي إلى طابا مع نجلها، لكنّها تحوّلت إلى وقودٍ نشط للشائعات التي طاردت العائلة بالكامل. وعلى الرغم من أنّ نجل مرسي تحمّل نفقات الرحلة بالكامل، لم يذكر الإعلام أيّ شيء بخصوص هذا الأمر، وإنّ ا بدأ في التساؤل عن تكلفة هذه الرحلة ومن الذي دفعها. وامتدّ ذلك إلى تقدير تكاليف غير حقيقية للرحلة من أجل إثارة سخط الجمهور تجاه مرسي، وتصويره بمظهر الرئيس المسرف الذي يصرف الأموال الطائلة على عائلته مثلما كان يفعل مبارك43. عمل نجل مرسي براتب 38 ألف جنيه: بغضّ النظر عمّ إذا كان عمل نجل الرئيس في القطاع الحكومي أثناء رئاسة والده عملا صحيحًا أم لا، فإنّ الإعلام لم يكتف بتناول القضية بتفاصيلها الحقيقية، وإنّ ا حرص على إبراز تفاصيل أخرى إضافية لاستفزاز المشاهدين؛ إذ طلقت شائعة مفادها أنّ نجل مرسي سيتقاضى راتبًا قدره أ 38 ألف جنيه، وهو رقم ربّ ا لا يتقاضاه مرسي شخصيًّا. ووجدنا عمرو سليم، وهو أحد رسّامي الكاريكاتير المعروفين، ينشر رسمً له في جريدة "الشروق" اعتمادًا على هذه المعلومة غير الحقيقية.
التسفيه
واحدة من السياسات الإعلامية التي كانت تتبعها وسائل الإعلام المصرية، هي التقليل من أيّ إجراءات أو خطوات يقوم بها مرسي. نجد هذا واضحًا في زيارة مرسي المحافظات المصرية عقب انتخابه؛ إذ تسهب الصحف في الحديث عن الإجراءات الأمنيّة المشدّدة التي تتّخذها قوّات الأمن لحماية مرسي، وسخط المواطنين جرّاء هذه الإجراءات. كما كانت الصحف تتبارى في تقدير أعداد جنود الأمن المركزي المكلّفين بتأمين زيارات مرسي. أوضح مثال لذلك، هو تعامل الصحف المصرية مع زيارة مرسي محافظة أسيوط في تشرين الثاني / نوفمبر عام 2012؛ فالمتابع لتغطية الصحف الزيارة يجد أنّ جريدة "الأهرام" قالت إنّ القوّة المكلّفة بتأمين موكب مرسي تبلغ 5 آلاف جندي44. بينما أكّدت جريدة "المصري اليوم" أنّ القوّة تبلغ 7 آلاف45. في حين رفعت جريدة "الشروق" الرقم إلى 12 ألف جندي46. أمّا عملية إجراء الاستفتاء على الدستور الجديد في كانون الأوّل / ديسمبر الماضي، فقد استماتت وسائل الإعلام لإثبات حدوث عمليات تزوير أثّرت في النتيجة النهائية؛ وذلك بهدف التقليل من حجم إنجاز إصدار دستور جديد للبلاد، وضرب أيّ شرعية محتملة له. وقد وصلت وسائل الإعلام في هذا الصدد إلى نشر أخبار غير صحيحة، وغير منطقية. على سبيل المثال، أكّدت جريدة "الوطن" في عنوان صفحتها الأولى في اليوم التالي مباشرةً بعد إجراء الاستفتاء أنّ عدد رافضي الدستور فاق عدد الموافقين عليه، وأنّ هناك عمليات تزوير لزيادة أعداد الموافقين47، على الرغم من أنّ عملية فرز الأصوات لم تكن قد بدأت أصلً. من المعروف أيضًا أنّ الصحف تُرسل إلى المطبعة في الخامسة مساء كلّ يوم، فكيف علمت الجريدة أنّ أعداد رافضي الدستور فاقت أعداد المؤيّدين على الرغم من عدم انتهاء فترة التصويت من الأساس؟ أمّا باقي وسائل الإعلام، فقد نشطت في رصد أيّ تجاوزات محتملة وتضخيمها، لدرجة قيامها بادّعاء وجود مخالفات غير حقيقية وغير موجودة بالأساس، مثل:
أكّد مراسل قناة النهار أنّه جرى ضبط المستشار أشرف محمد علي، رئيس محكمة المنيا الابتدائية، وهو يقوم بالتصويت لأحد المواطنين بالمخالفة للقانون. واتّضح أنّ المستشار المذكور موجود خارج مصر في ذاك اليوم. وقد اتّصل المستشار بالقناة وأبدى استياءه الشديد من هذا الادّعاء، وأجبر المذيع محمود سعد على الاعتذار إليه48. تسبّبت قناة "سي بي سي" في إحدى أكبر الشائعات التي جرى نشرها خلال عملية الاستفتاء؛ إذ أكّد مراسل القناة أنّه جرى اكتشاف أنّ المشرف على اللجنة الفرعية رقم 25 في مدرسة الوعي القومي بشبين الكوم في محافظة المنوفية ليس قاضيًا، وأنّه يعمل "منجد"، ما أثار سخرية خيري رمضان المذيع في القناة49، وتناولت الموضوع المذيعة منى الشاذلي في قناة "إم بي سي مصر" أيضًا50. وتحوّل الأمر إلى نكتة يجري تداولها. واتّضح في النهاية أنّ المشرف على اللجنة هو وكيل النيابة محمد ممدوح محمود سالم، وأنّ الحديث عن كونه "منجد" ليس حقيقيًّا51.
وعندما اندلعت أزمة اختطاف سبعة من الجنود المصريين في سيناء، دعا عدد من الصحفيين والإعلاميين إلى ضرب الخاطفين دون النظر إلى أرواح الجنود المختطفين، بزعم الحفاظ على هيبة الدولة. وعندما انتهت الأزمة بتحرير الجنود وهروب الخاطفين، تحدّثت وسائل الإعلام عن "صفقة" جرت بين الدولة والخاطفين من أجل إنهاء الأزمة، لدرجة أنّ جريدة "الوطن" نشرت تفاصيل صفقة أكّدت أنّها جرت مع الخاطفين تضمّ من بين بنودها الإفراج عن مجموعة من المسجونين52، على الرغم من أنّ عددًا من الأسماء التي أوردتها الجريدة قد توفّ عام 2006 53. وبالطبع كان لبرنامج "البرنامج" الذي يقدّمه المذيع الساخر باسم يوسف دورٌ كبير في عملية التسفيه التي كان يتعرّض لها مرسي، والذي نجح بصورةٍ كبيرة في السخرية من مرسي ونظامه والتقاط أيّ هفوة تصدر منه أو من أركان حكمه والمقرّبين منه، والسخرية منها.
الحشد لتظاهرات 30 يونيو
قامت وسائل الإعلام بدور أساسي في حشد الجماهير للخروج يوم الثلاثين من حزيران/يونيو، وقامت بعمل حملات دعائية مطوّلة لحملة "تمرّد" لجمع التوقيعات ضدّ مرسي. وظهر منسّقو الحملة يوميًّا على شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد. وظهر عددٌ من المذيعين وهم يقومون بتوقيع استمارة الحملة على الهواء مباشرةً، ويدعون الشعب المصري إلى النزول لإسقاط مرسي54. وقبل فترةٍ قصيرة من يوم 30 حزيران / يونيو، تخلّ الإعلاميون عمّ تبقّى من حياديتهم وموضوعيتهم، وصاروا يدعون المواطنين إلى النزول صراحةً، ويشجّعون المحافظات التي لم تشهد نزولا كبيرًا على النزول والمشاركة. ومع خروج التظاهرات الحاشدة في الثلاثين من حزيران / يونيو، ادّعى الإعلام وصول العدد إلى أكثر من ثلاثين مليون مصري، وقد نُسب الخبر إلى شبكة "سي إن إن" الأميركية، ولم يكن ذلك صحيحًا. لكنّ الإعلاميين تعاملوا مع الرقم وكأنّه حقيقة، لدرجة أنّ عددًا كبيرًا من المسؤولين في الدولة قد استخدموه بعد ذلك لتبرير الانقلاب؛ مثل وزير الخارجية نبيل فهمي، والفريق السيسي نفسه الذي قال في
حوارٍ له مع جريدة "المصري اليوم" بعد الانقلاب، إنّ أقلّ التقديرات حول الأعداد التي نزلت إلى الشوارع يوم 30 يونيو بلغت 14 مليونًا وفي أعلى التقديرات 33 مليونًا55. ونتساءل كيف يكون هناك هذا التفاوت الكبير في التقديرات لدرجةٍ تصل إلى فارق 19 مليون شخص. وقد ثبت عدم صحّة كلّ تلك الأرقام فيما بعد؛ إذ قامت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وشبكة الجزيرة بتحرّي حقيقة الأعداد التي يُ كن أن تشارك في التظاهرات56. وبناءً على معطيات علمية موضوعية، ثبت أنّ ميدان التحرير يُ كن أن يمتلئ بنحو نصف مليون شخص على أقصى تقدير، وأنّ جميع الساحات التي كانت مسرحًا للتظاهرات لا يزيد عدد من شاركوا فيها عن 4 ملايين في جميع أنحاء مصر57. وحتى استمارات حركة "تمرد" نفسها التي أعلنت عن تجاوزها رقم 22 مليون استمارة، لم يطّلع عليها أحد من غير الحركة، ولم يثبت صدقيتها وصحّتها من مصدرٍ محايد وموضوعي؛ ليظلّ الأمر غير معروف حتى الآن.
التهوين
مثلما قام الإع ماا المصري بالتقليل من أعداد المتظاهرين أثناء ثورة يناير في بدايتها ووصفها بالعشرات، فإنه قام بالأمر نفسه مع التظاهرات المعارضة للانقلاب العسكري، والتي أكّد منذ البداية أنّها تظاهرات بسيطة وقليلة وغير مؤثّرة؛ إذ تؤكّد الصحف الصادرة في اليوم التالي للتظاهرات أنّها مسيرات بسيطة ومحدودة العدد، وأنّ الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها المسيرات والتظاهرات من قبل أجهزة الجيش والشرطة والبلطجية هي "اشتباكات" بين المتظاهرين و"الأهالي" الذين استفزّتهم هذه المسيرات فخرجوا يعترضون عليها. ويجد المتابع لهذه الصحف مئات الأخبار التي تتحدّث عن "اشتباكات بين الإخوان والأهالي"، في عشرات المناطق يوميًّا. ونجد تناقضًا واضحًا في خطاب الإعلام الذي يتحدّث عن عدم وجود تظاهرات معارضة للانقلاب، وفي الوقت نفسه يتحدّث عن الخسائر التي تتعرّض لها البلاد نتيجة استمرار التظاهرات. فإذا كانت تظاهرات غير مؤثّرة كما يقولون، فلماذا تؤدّي إلى هذه النتائج الضخمة؟
التخويف
على الرغم من سقوط أعداد كبيرة من القتلى بين صفوف معارضي الانقلاب برصاص قوّات الأمن، تجاهل الإعلام ذلك واتّهم معارضي الانقلاب بتبنّي العنف في فعالياتهم. وأكّد عدد من الإعلاميين أنّ من يتصدّى لمعارضي الانقلاب هم "أهالي" وليسوا من البلطجية أو من قوّات الشرطة والجيش. واحتلّ شاشة الفضائيات المصرية شعارٌ واحد بعنوان "مصر ضدّ الإرهاب"، في محاولة لاصطناع حربٍ يجري تجييش المجتمع لمواجهتها. وكما رُفع الشعار في جميع الفضائيات فجأةً، جرت إزالته بصورةٍ مفاجئة أيضًا، وإن كان البعض تحدّث عن تعليمات صدرت بذلك حتّى لا تتأثّر السياحة. وتُسارع وسائل الإعلام دائمًا إلى اتّهام معارضي الانقلاب بالمسؤولية عن أيّ حادث عنف يقع على الرغم من عدم ثبوت أيّ دليل ضدّهم، مثلما فعلت جريدة "اليوم السابع" عندما أكّدت قيام جماعة الإخوان المسلمين بتكوين ما سمّته الصحف "ميليشات الموت"، وعن خططٍ مؤكّدة لحرق القاهرة وتفجير أعمال عنف58. واتّهمت الجريدة نفسها القيادي الإخواني أسامة ياسين بتدريب عدد من أفراد الجماعة في قطاع غزة على أعمال العنف59. ولم تمض عدة أيام على هذا التقرير حتى أُلقي القبض على الشخص نفسه في إحدى الشقق في منطقة التجمع الخامس في القاهرة. وقامت الجريدة نفسها بنشر الخبر من دون أيّ تعليق أو اعتذار عمّ نشرته من أخبار مغلوطة60.
وقد سارع الإعلام إلى اتّهام الإخوان بالمسؤولية عن عملية قتل 25 جنديًّا في مدينة رفح في سيناء. وعلى الرغم من ذلك، أثبتت التحقيقات براءتهم وجرى القبض على الفاعل الحقيقي. وتبيّ عدم وجود أيّ صلة بينه وبين الإخوان61. تكرّر الأمر نفسه مع حادث الهجوم على مزرعة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل الذي سارع إلى اتّهام الإخوان بالمسؤولية عن الحادث، وقال إنّ قرار الهجوم على مزرعته قد اتُّخذ في ميدان رابعة العدوية قبل فضّ الاعتصام. وكذلك الأمر مع حادث سرقة متحف "ملوي" في المنيا، والاعتداء على عددٍ من الكنائس62. ولم تختلف النتيجة النهائية أيضًا التي أثبتت عدم علاقة الإخوان بأيٍّ من تلك الأحداث.
استخدام الدين
في الخطاب الذي ألقاه الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع في الثالث من تموز/ يوليو، كان لافتًا الحرص على وجود شيخ الأزهر والبابا "تواضروس" جالسيْ بجوار السيسي. وعرضت الفضائيات هذه الصورة وركّزت عليها مرارًا أثناء قيام السيسي بإلقاء خطابه؛ وذلك للدلالة على الإجماع الذي يحظى به تحرّكه ضدّ مرسي. وقد كان هذا المشهد إيذانًا بعملية تصدير للدين في الحرب الدائرة ضدّ معارضي الانقلاب. من مظاهر الاستخدام الإعلامي المكثّف للدين، قيام وسائل الإعلام باستغلال حبّ الشعب المصري للشيخ الشعراوي. وهو استغلال لم يكن الأوّل من نوعه. أثناء ثورة يناير وقبل تنحّي مبارك، كان الإعلام المصري حريصًا على بثّ مقطع صوتي مدّته عدّة دقائق للشيخ الشعراوي يتحدّث عن "الثائر الحقّ الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد"؛ وذلك في سياق دعوة المتظاهرين إلى الانصراف من ميدان التحرير والعودة إلي بيوتهم، على اعتبار أنّهم قد حقّقوا أهدافهم بالفعل، ويجب الالتفات إلى البناء63. أمّا بعد الانقلاب، فقد استُخدم الشعراوي مرةً أخرى لمواجهة المتظاهرين؛ إذ بدأت وسائل الإعلام – بما فيها المحطات الإذاعية - في عرض مقطعٍ آخر للشعراوي وهو يتحدّث عن مصر ومكانتها في نشر الإسلام، وكأنّها رسالة إلى جماعة الإخوان تؤكّد أنّها تتاجر بالدين لتحقيق أغراض سياسية64. لكن مع الوقت اكتشف المتابعون أنّ الانقلاب وأذرعته الإعلامية استدعوا "الدين" بقوّة من أجل تدعيم سلطتهم. ووجدنا الشيخ مظهر شاهين الذي كان أحد الوجوه البارزة لثورة يناير، والذي دخل في خصومة كبيرة مع مرسي أثناء فترة حكمه، يتحوّل إلى مقدّم برامج في الفضائيات الداعمة للانقلاب، وأطلق "فتوى" تؤكّد أنّ الشراء من محال مملوكة للإخوان "حرام شرعًا"65.
أمّا أحمد كريمة أحد أساتذة الأزهر، فقد أفتى بأنّ صيام المعتصمين باطل شرعًا67. في حين أكّد عبد الله النجار أستاذ الشريعة والقانون في جامعة الأزهر، أنّ القتلى الذين وقعوا أثناء فضّ اعتصامَي رابعة والنهضة ليسوا شهداء، مشيرًا إلى أنّ من يقول عنهم كذلك "جاهل"68. هذا عن الأزهر، أمّا على مستوى التيار السلفي، فلم يجد الإعلام أفضل من "الدعوة السلفية" وذراعها السياسية "حزب النور" الذي شارك في الانقلاب ودعمه؛ إذ تسابقت الصحف والقنوات إلى نشر تصريحات مسؤولي الدعوة السلفية التي تؤكّد أنّ الانقلاب على مرسي يتوافق مع الشريعة الإسلامية، وأنّ الخروج في تظاهرات ضدّ الانقلاب حرام شرعًا69. وهي تصريحات تنشر بصفة دورية قبل أيّ تظاهرات ينظّمها معارضو الانقلاب.
ولم يقتصر استخدام الدين على الاستعانة بالشيوخ والعلماء فقط، وإنّ ا امتدّ ذلك أيضًا إلى الصحفيين والإعلاميين؛ إذ وجدنا مقالة لأحدهم عنوانها "العشرة المبشّين بجهنم"، ومقالة أخرى قام فيها صاحبها بتحريف إحدى الآيات القرآنية لتصبح "وسيق الذين تأخونوا إلى جهنّم زمرا"، وهناك من كتب مقالة يؤكّد فيها أنّ طاعة السيسي تتوافق مع الشريعة الإسلامية70.
مخاطبة الغرب
لم ينجح الإعلام في تسويق فكرة الثورة الشعبية إلى العالم؛ إذ لم يعترف بحكومة الانقلاب إلّ عددٌ محدود من الدول، فبدأت السلطة الحاكمة في توجيه خطابها إلى الغرب لإقناعه بفكرة الثورة. وأرسلت عددًا من الوفود والشخصيات العامّة إلى أوروبا والولايات المتحدة لهذا الغرض. هذا على المستوى السياسي، أمّا على المستوى الإعلامي، فقد جرت ترجمة هذه السياسة إلى مشاركة الفضائيات المصرية في هذه الحملة لمخاطبة الغرب، على الرغم من أنّها قنوات غير مشاهدة في أوروبا والولايات المتحدة من الأساس. وشاهد الجمهور المصري عدّة إعلانات مترجمة للّغة الإنكليزية تُبثّ عبر الفضائيات المصرية موجّهة للغرب تؤكّد أنّ ما حدث في مصر هو ثورة وليس انقلابًا. وتتّهم الإخوان بالإرهاب والمسؤولية عن أعمال العنف. وقامت بعض هذه القنوات بتخصيص قناة أخرى فيها ترجمة فورية لبرامجها إلى اللغة الإنكليزية مثل قناة "المحور." وقامت جريدة "التحرير" بإصدار ملحق خاصّ باللغة الإنكليزية بعنوان "ثورة وليس انقلاب"71. وهي مجهودات لم تؤدِّ إلى نتائجَ تُذكر. وفي جريدة "انترناشونال هيرالد تريبيون" International Herald Tribune وعدد آخر من الصحف الأجنبية، تظهر صفحة مدفوعة الأجر تدعم الانقلاب، وتتّهم الإخوان بأعمال العنف وتربطهم بتنظيم القاعدة. ولا أحدَ يعلم الشخص أو الجهة التي تقف وراء هذه الحملة72. ومن الواضح أنّ عدم تحقيق نتائج إيجابية أدّى إلى ارتباكٍ في الأداء الإعلامي؛ فوجدنا إحدى المذيعات المصريات تعلن للشعب المصري أنّ الشعب الأميركي قد انتفض ضدّ أوباما، وأنّه يطالب بانتخابات رئاسية مبكرة بسبب دعمه "الإرهاب" في مصر. وقالت إنّ الشعب المصري قد علّم الشعب الأميركي معنى الثورة73.
التحريض ضدّ الأجانب
"حتتدخّل في مصر هتاكل تلاتين جزمة وفي وسط الشارع ومش بالقانون ولا حاجة. المصريين هيعملوا معاك أحلى واجب. هيلبسوك الطرحة بتاعة مرشدك اللي انت جاي تدافع عنه." هذا ما قاله المذيع يوسف الحسيني في برنامجه التلفزيوني "السادة المحترمون" على قناة "أون تي في" بتاريخ 10 تموز / يوليو 2013 ضدّ اللاجئين السوريين. وهو نموذج لخطاب الكراهية الذي ساد الإعلام المصري ضدّ الأجانب عقب الانقلاب74. وفي إطار الحرب التي يجري تجييش المجتمع لها، قامت بعض وسائل الإعلام بنشر رسائل تحريض ضدّ الفلسطينيين والسوريين والأتراك وبثّها، بزعم مشاركتهم في الفعاليات المعارضة للانقلاب، وصلت إلى قيام أحد المذيعين بتهديد اللاجئين السوريين علنًا في برنامجه بقتلهم وحرق بيوتهم75.
وهو ما أدّى إلى موجة عنف واسعة ضدّ السوريين في مصر، وصلت إلى درجة هروب عددٍ منهم وعودتهم إلى بلادهم مرةً أخرى76.
بدأت هذه الأخبار التحريضية منذ تولّ مرسي مقاليد الحكم. وطوال عامٍ كامل، كان الإعلام المصري ينشر بصفة دورية أخبارًا وتقاريرَ تتّهم حركة حماس بالمشاركة في أعمال العنف في مصر، وأنّ الحركة خطر على الأمن القومي المصري. ولم تقدّم وسائل الإعلام أيّ دليل على صحّة هذه المعلومات سوى الكلام المنشور نقلا عن مصادرَ مجهولة. مثال ذلك قيام جريدة "المصري اليوم" بنشر ما قالت إنّه نصوص 5 مكالمات سرّية جرت بين جماعة الإخوان المسلمين ومسؤولين من حركة حماس أثناء ثورة يناير، وتتضمّن اتهامًا صريحًا لحماس بالمشاركة في "موقعة الجمل"77. لكن الجريدة لم تقدّم أيّ تسجيلات صوتية لتلك المكالمات على الإطلاق، واكتفت بالقول إنّ إدارة الأمن الوطني قامت بتسليم التسجيلات إلى المهندس خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان78. وقد أدّت هذه الأخبار إلى موجة من الكراهية للفلسطينيين في الشارع المصري من المواطنين الذي يتابعون وسائل الإعلام. أمّا عن الأجانب، فقد أدّت هذه الحملة الإعلامية إلى تعاملٍ شديد العنف معهم في مصر، إلى درجة أدّت إلى وفاة عدد منهم بعد القبض عليه جرّاء التعذيب في أقسام الشرطة؛ منهم مواطن فرنسي توفّ نتيجة تعرّضه للضرب المبرح على يد سجناء مصريين آخرين79. وتوفّ أحد المواطنين الأميركيين أثناء احتجازه في أحد السجون المصرية80. وانتشرت أنباء القبض على الأجانب في الشارع المصري نتيجة شكّ المصريين فيهم بعد الحملة الإعلامية ضدّهم81. وقد رأت جريدة "واشنطن بوست" Post Washington أنّ مصر أسوأ مكان في العالم للسياحة بعد تصاعدٍ مخيف لخطابات التحريض ضدّ الأجانب والقومية الشعبوية82.
التماهي مع السلطة
هاجم الإعلام مرسي بضراوة لعدة أسباب. وعلى الرغم من أنّ ما يحدث في البلاد حاليًّا يعدّ ردّة حقيقية عن ثورة الخامس والعشرين من يناير، تجاهل الإعلام ذلك تمامًا ولم يهاجم أو ينتقد إلّ عددًا قليلً من إجراءات السلطة الحاكمة. وتحوّل الإعلام من معارض سلطة مرسي إلى مؤيّد تمامًا للانقلاب، حتى تحوّل أقرب ما يكون إلى الإعلام التعبوي الموجّه الذي ساد البلاد في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. اتّضح ذلك عندما دعا وزير الدفاع الشعب المصري إلى النزول للشارع لتفويضه لمواجهة ما قال إنّه "الإرهاب المحتمل"؛ إذ خرجت تسْع قنوات فضائية ببيان إلى الشعب المصري تؤكّد فيه قيامها بإلغاء عرض المسلسلات الرمضانية يوم الجمعة وحتّى فجر السبت، لنقْل فعاليات التظاهرات "اتّساقًا مع إرادة الشعب المصري، وتلبية الدعوة للاحتشاد في كلّ ميادين مصر الجمعة المقبل ضدّ الإرهاب والعنف"83. هذا عن الإعلام الخاصّ، أمّا الإعلام الرسمي فمن الطبيعي أن تكون السلطة السياسية الجديدة مسيطرة عليه بالكامل بسبب طبيعة ملكيته التابعة للدولة؛ إذ حرصت السلطة على اختيار الدكتورة درية شرف الدين وزيرةً للإعلام، والتي كانت تعمل مستشارة لإدارة الشؤون المعنوية التابعة للجيش منذ وقتٍ طويل، ما يؤكّد أنّ قرار اختيارها وزيرةً للإعلام صدر من إدارة الشؤون المعنوية التي تتحكّم في المشهد الإعلامي المصري بالكامل حتى الآن؛ إذ يلاحَظ تشابه عناوين الصحف المصرية يوميًّا، وكأنّها صادرة من جهة واحدة. لم تكن هذه السيطرة وليدة اللحظة، بل إنّ التاريخ يشهد للعسكر بالسيطرة الكاملة على المشهد الإعلامي منذ وقتٍ طويل. ويكفي إلقاء نظرة على القيادات الإعلامية داخل وزارة الإعلام المصرية لنرى سيطرة واضحة من ضبّاط الشؤون المعنوية والمخابرات السابقين على المناصب العليا داخلها84. لقد أدّت هذه السيطرة إلى تماهي الإعلام بالكامل مع السلطة الجديدة وسياساتها. وخفتت الأصوات المعارضة والانتقادات بصورة غير مسبوقة. وقامت معظم وسائل الإعلام باستبعاد الضيوف الذين
من الممكن أن يقدّموا آراء متعارضة مع سياسات الانقلاب. وظهرت نتائج هذه التغيّ ات بسرعة على أداء وسائل الإعلام. اتّهم الإعلام مرسي بالإسراع في عملية كتابة الدستور، على الرغم من أنّ كتابته جرت في ستّة أشهر كاملة على الهواء مباشرة، وعلى الرغم من أنّ لجنة تعديل الدستور التي جرى تعيينها بعد الانقلاب تضع دستورًا في مدةٍ أقلّ من ثلاثة أشهر وسط تعتيمٍ كامل على عملها، لم يتّهمهم أحد بالإسراع في عملية كتابة الدستور. أمّا باسم يوسف، فقد كان يؤكّد أنّ السبب الرئيس لهجومه على مرسي هو وجوده على رأس السلطة في مصر، وعليه، فإنّ من حقّه أن يهاجمه طالما أنّه يتمتّع بالسلطة الكافية. لكن، بعد عزل مرسي توقّف باسم يوسف عن تقديم برنامجه لمدة طويلة، بل كتب مقالات استمرّ فيها في مهاجمة مرسي وجماعة الإخوان على الرغم من أنّهم لم يعودوا في السلطة. وعندما عاد ببرنامجه وحاول انتقاد السيسي جرى منْع إذاعة برنامجه، ووجدنا عددًا من الإعلاميين يهاجمونه على انتقاد السيسي، ويؤكّدون أنّ السيسي "خطّ أحمر"85. في عهد مرسي، انتقد الإعلام بشدّة واقعة حبس صحفي بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، وعلى الرغم من إصدار مرسي عفو عن الصحفي ظلّ الإعلام يهاجم مرسي ويتّهمه بالعداء للإعلام بطريقة سافرة. أمّا في عهد الانقلاب، وعلى الرغم من تراجع الحريات الإعلامية تراجعًا كبيرًا، ومقتل عدد من الصحفيين والمصوّرين برصاص الجيش والشرطة، لم يتحدّث أحد عن انتهاكات الإعلام الخطيرة في عهد الانقلاب. هاجم الإعلام مرسي بضراوة عند الإعلان عن البدء في مشروع "سدّ النهضة"، واتّهمه بالتفريط في مصالح مصر المائية. لكن بعد الانقلاب خرج حازم الببلاوي رئيس حكومة الانقلاب يؤكّد أنّ سدّ النهضة سيكون مصدر رخاء لجميع دول المنطقة. وأكّد وزير الريّ في الحكومة نفسها موافقة مصر على إنشاء السدّ، واستعدادها للمشاركة في عملية البناء86. وتغيّ ت لهجة الخطاب الإعلامي تجاه هذه القضية، وبدأ الحديث عن فوائد سدّ النهضة يستحوذ على اهتمامات وسائل الإعلام. اتّهم الإعلام مرسي بالتقليل من قدر مصر باعتمادها على قطر وتركيا، من أجل تأمين الاقتصاد المصري، إلا أنّهم صمتوا تمامًا على المعونات والمساعدات التي تتدفّق من دول خليجية أخرى كان لها مصلحة في إسقاط نظام مرسي. وعندما كان معارضو الانقلاب يُقتلون بالعشرات برصاص قوّات الأمن أمام النصب التذكاري في مجزرة "المنصة"، تجاهل الإعلام المصري هذه المجزرة أثناء حدوثها بالكامل، ولم تبثّ أيّ متابعة لما يحدث حتى اليوم التالي87.
تشويه الحراك الشعبي المعارض للانقلاب
كانت عملية التشويه الخطوة التي لجأ إليها الإعلام المصري بعد أن تأزّمت الأمور، ووصلت إلى درجة لا يحتمل معها الانقلاب بقاء الاعتصام في ميدان رابعة العدوية يومًا آخر. بدأت عملية تشويه الحراك الشعبي المناهض للانقلاب واعتصام رابعة العدوية منذ أيامه الأولى. لكنّها تصاعدت يومًا بعد يوم حتى وصل التحريض الإعلامي ذروته قبل عملية فضّ الاعتصام مباشرة؛ وذلك لتهيئة الرأي العامّ لعملية الفضّ. ويُ كن حصر أبرز محاولات التشويه في ما يلي: في البداية، نشرت الصحف أخبارًا عديدة عن رغبة المعتصمين في مغادرة ميدان رابعة العدوية، لكن قيادة الاعتصام تمنعهم من الخروج88.
الاتّجار بالأطفال: خرجت بعض وسائل الإعلام بأخبار عن قيام المعتصمين بإحضار أطفال لمقرّ الاعتصام، على الرغم من أنّ الأطفال كانوا ذاهبين مع أحد مسؤولي الجمعيات الخيرية لشراء ملابس العيد لهم، لكن جرى القبض عليهم وتلفيق تهمٍ كاذبة لاستغلالها في تشويه الاعتصام89. انتشار الأمراض: حاول الإعلام نشر شائعة تفيد بانتشار الأمراض المعدية بين المعتصمين؛ وذلك لتخويف المتعاطفين والمتضامنين مع المعتصمين من الذهاب إليهم90. جهاد النكاح: ظهر أحد المذيعين على قناة "التحرير"، وهو يدّعي وجود علاقات جنسية بين المعتصمين وعدد من السيدات السوريات تحت مسمّى "جهاد النكاح" غير الموجود أصلً في الدين الإسلامي، لكنّها اعتمدت على شائعة أخرى مرتبطة بالثورة السوريّة91. بدأت قصّة هذه الشائعة عندما تناقل البعض على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدة منسوبة للداعية الإسلامي محمد العريفي يتحدّث فيها عن "زواج المناكحة" الذي يجب أن تقوم به المرأة المسلمة مع المجاهدين في سورية. وعلى الرغم من أنّ هذه التغريدة لم ترد على الإطلاق على حساب العريفي، تناقلت عدّة مواقع عربية وإيرانية "الفتوى" من دون أيّ تدقيق. وتشبّثت بها وسائل الإعلام الموالية للنظام السوري، وقام بعضها بفبركة قصة عن عودة عدد من السيدات التونسيات إلى وطنهنّ بعد حملهنّ من "جهاد النكاح." بل تحدّث فيه وزير الداخلية التونسي على الرغم من عدم تقديمه أيّ دليل يثبت صحّة تصريحاته92. وفي أيلول / سبتمبر 2013، برز "جهاد النكاح" من جديد، عندما بثّت فيديوهات ل "شهادات" ونشرت "جداول أعمال" لنساء يقمن بهذا النشاط في سورية، في مختلف وسائل الإعلام السورية واللبنانية بخاصّة قناة "الجديد" اللبنانية الموالية للنظام السوري. وقامت إحدى مذيعات قناة "التحرير" المصرية بالحديث عن هذا الجدول كأنّه حقيقة دامغة، على الرغم من أنّه مكتوب بخطّ اليد. وقامت بالربط بين ما يحدث في سورية وما يقوم به معارضو الانقلاب في اعتصامهم بحسب زعمها93. أسلحة كيماوية: في السادس من آب / أغسطس عام 2013، خرجت الصفحة الأولى من جريدة "الأخبار" المصرية، بعنوان رئيس يؤكّد أنّ المعتصمين في ميدانَ "رابعة" و"النهضة" يمتلكون أسلحة كيماوية. وأكّدت جريدة "الوطن" أنّ جماعة الإخوان قامت بنقل أسلحة كيماوية وصواريخ من سورية فجرًا إلى ميادين الاعتصام94. مجلس حرب في رابعة: نشرت جريدة "الشروق" في صفحتها الأولى في السادس من آب / أغسطس خبرًا رئيسًا – نقلا عن مصادر مجهولة - بعنوان "رصد أسلحة ثقيلة فى اعتصام الإخوان يؤخّر فضّ ه" مع تفاصيل تؤكّد أنّ أسباب تأخّر فضّ الاعتصام ترجع إلى قيام المعتصمين بإعلان "مجلس حرب" على الجيش والشرطة، وأنّهم يمتلكون أسلحة ثقيلة وأوتوماتيكية وكلاشنكوف، وصواريخ. وسوف تستخدم تلك الأسلحة في مواجهة الشرطة وتؤدّي إلى مجازر، وهو ما تريده جماعة الإخوان." وبالتدقيق في الخبر يتبيّ أنّ مصدره مقطع فيديو جرى تصويره في شبه جزيرة سيناء عن ردود أفعال التنظيمات الجهادية هناك على بيان عزل مرسي في الثالث من تموز / يوليو، وفيه يصعد أحد المجهولين إلى المنصّة ويتحدّث عن ضرورة إعلان "مجلس حرب." إلا أنّ أحد الأشخاص قام بتحميل الفيديو ونشره مرةً أخرى على موقع "يوتيوب" بعنوان آخر ونسبه لمنصّة اعتصام رابعة، ويبدو أنّ المصدر الأمني "المجهول" الذي تحدّث للشروق قد استقى معلوماته من فيديو "مفبرك"95. لكن وزير خارجية الانقلاب استغلّ هذا الخبر ليخرج بتصريحٍ آخر يؤكّد فيه هو الآخر أنّ في الاعتصامين أسلحة ثقيلة، لكنّه في هذه المرة
نسبه لمنظّمة العفو الدولية96. ونشرت المنظمة بيانًا نفَت فيه هذه المزاعم، ما اضطرّ الوزير إلى تقديم اعتذار97. تعذيب وقتلى أسفل منصّة رابعة: تناقل الإعلام حكايات كثيرة عن منصّة ميدان رابعة، كان أبرزها قيام قيادات الاعتصام بتعذيب عدد من الأشخاص وقتلهم ودفنهم أسفل المنصّة. وأكّد أحمد موسى المذيع في قناة التحرير أنّ في أسفل المنصّة "كرة أرضية" لدفن الجثث98. استمرّت هذه الحملة الشعواء عبر عشرات من وسائل التشويه حتى جرى فضّ الاعتصام بمجزرة تعدّ هي الأسوأ في تاريخ مصر الحديث99. وحتّى بعد عملية فضّ الاعتصام وسقوط آلاف الضحايا، هاجم بعض الإعلاميين رمز "رابعة"، مؤكّدين أنّه رمز "ماسوني"100. وإذا بجريدة "الأهرام" تنشر "تحقيقًا صحفيًّا" يؤكّد ماسونية الرمز، وأنّ عبدة الشيطان يستخدمون الرمز في طقوسهم، وأنّ أعضاء الكنيست الإسرائيلي قاموا برفع أيديهم برمز رابعة101. وزعمت جريدة "الأخبار" إحدى أكبر الصحف المصرية وأعرقها، أنّ إسرائيل قامت بإطلاق اسم "رابعة العدوية" على أحد الشوارع في مدينة القدس تضامنًا مع الإخوان، على الرغم من أنّ الشارع موجود بالاسم نفسه منذ الثمانينيات. يعرف المصريون إشارة "رابعة" منذ سنوات طويلة، ويشير بها المواطنون الذاهبون إلى ميدان "رابعة العدوية" لعربات النقل والمواصلات التي تذهب إليه هناك لاستيقافها. ومن هنا جاء تصميم رمز "رابعة" الشهير. في حين قالت المصمّمة التركية صالحة إيرين والمهندس التركي جهاد دوليس اللذان صممّا الشعار، إنّ اللون الأسود يرمز إلى الكعبة، والأصفر يرمز إلى مسجد قبّة الصخرة، واللون الأصفر مستوحى من صورةٍ رأتها "صالحة" منذ سنوات، كانت الشمس ساطعة على مسجد قبّة الصخرة.
خاتمة
في ختام الدراسة، نستخلص عددًا من النتائج، وهي: نجاح الإعلام المصري الموالي لنظام مبارك في العودة مرةً أخرى لتصدّر الواجهة من جديد والتأثير في الرأي العامّ المصري والسيطرة على الفضاء الإعلامي. كان الإع ماا المعارض أحد الأدوات الفاعلة التي استخدمها السياسيون لمواجهة نظام حكم مرسي، كما كان أحد العوامل الحاسمة في حشد الجمهور وتعبئته للتظاهر ضدّه حتى إسقاطه. معتمدًا على سياسات غير مهنيّة في أحيانٍ كثيرة. تورّط عدد من وسائل الإعلام المصرية في خطابات تحريض ضدّ معارضي الانقلاب والمعتصمين في ميدانَ رابعة والنهضة. وقاد حملة تشويه كبيرة ضدّهم لإقناع الرأي العام بضرورة مواجهتهم بالقوّة، ما مهّد لارتكاب مذابحَ دموية ضدّهم تجعله شريكًا في هذه الجرائم. ترى الدراسة أنّ الإعلام المصري تحوّل بعد الانقلاب إلى إعلام تعبوي لا يختلف كثيرًا عن فترة الستينيات من القرن العشرين. ما جعل التغطيات الإعلامية تبدو وكأنّها صادرة عن مصدرٍ واحد.