البرازيل وثورات الربيع العربي
الملخّص
تعدّ البرازيل من القوى الصاعدة في النظام الدولي خال حقبة ما بعد الحرب الباردة، ويصفها البعض بالقوّة المتوسطة الجديدة Power Middle New. والموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي تحرّكه مجموعة من الدوافع والمحاذير في آنٍ واحد. وقد تبن ت البرازيل منهج عدم التدخّل في شؤون العالم العربي، وراقبت بقلقٍ كل ا من التطوّرات الداخلية في الدول العربية ودور بعض القوى الخارجية للتدخ ل في شؤون تلك الدول. كما أك دت مرارًا على أنّ التدخ ل العسكري الغربي في شؤون الدول العربية يجري بصورةٍ انتقائية، ويسبّب أضرارًا أكثر من المنافع والفوائد التي يحق قها. ولقد تباينت ردود أفعال البرازيل، وكذلك أسلوب تعاملها ومواقفها من الثورات التي شهدتها المنطقة العربية. بحيث لا يمكن القول إنّ هناك نمط ا موحّدًا من الاستجابة البرازيلية لما شهدته بعض البلدان العربية من ثورات. تناقش هذه الورقة ردود الفعل البرازيلية المتباينة وتحللها مشخصة العوامل التي وقفت وراء ذلك التباين. كما ترصد الورقة بعض النتائج المتوق عة للموقف البرازيلي، وتأثيراته المحتملة في دور البرازيل على المستوى الدولي، و مصالحها الاقتصادية في المنطقة العربية.
أبعاد الموقف وتداعياته
مقدمة
مثَّل انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية فترة الحرب الباردة، نقطة تحوّل محورية في تاريخ العلاقات الدولية والنظام الدولي المعاصر. ومنذ ذلك الوقت وهناك حوار محتدم بشأن طبيعة النظام العالمي الجديد؛ فمن قائلٍ إنّه نظام يقوم على قطبية أحادية، إلى من يقول إنّه نظام يقوم على تعدّد الأقطاب، في حين يؤكّد رأيٌ ثالث أنّه مازال في مرحلة سيولة، ولم تتحدّد معالمه بعد. يُرجع البعض سبب عدم استقرار الباحثين على رأيٍ محدّد بشأن طبيعة النظام الدولي في المرحلة الراهنة، إلى حقيقة أنّ الولايات المتحدة الأميركية، وإن كانت القوّة العسكرية الأولى في العالم، إلا أنّها لا تملك القوّة الاقتصادية التي تجعلها مهيمنة. وفي الوقت نفسه تصاعدت مكانة بلدان وقوى أخرى، تمتلك قوّة اقتصادية ضخمة، وإن كانت تفتقر إلى القوّة العسكرية الكافية مقارنةً بالولايات المتحدة الأميركية1. ويُشار إلى الدور المتزايد لهذه القوى والبلدان منذ نهاية نظام القطبية الثنائية من خلال أوصاف عدَّة من قَبيل "القوى الصاعدة" Powers Emerging أو "القوى المتوسّطة الجديدة" New Powers Middle. ومن بين هذه البلدان تبرز البرازيل واحدةً من القوى الصاعدة في النظام الدولي خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة2. كان للثورات التي اجتاحت العالم العربي، والتي بدأت في تونس في كانون الأوّل / ديسمبر 2010 تداعيات محلّية ودولية مهمّة، وتباينت ردود أفعال القوى الإقليمية والدولية بشأنها، بخاصّة لما قد يكون لهذه الثورات من تأثير في نفوذ بعض القوى الإقليمية والدولية ومواقعها ومصالحها. وتبدو أهمية هذه الثورات انطلاقًا ممّ قد تسفر عنه من إعادة ترتيب العديد من الأوضاع الإقليمية والدولية، وما يرتبط بذلك من تغييرات جوهرية في علاقات البلدان العربية بعددٍ من القوى الكبرى في النظام الدولي. وكانت البرازيل من بين الدول التي سعت لأن يكون لها حضور ومشاركة في مجريات الأحداث المرتبطة بثورات الربيع العربي. وفي هذا الإطار، تستهدف الدراسة رصد أبرز أبعاد الموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي، كما تستعرض المحدّدات والدوافع الرئيسة التي تحكم هذا الموقف، إضافةً إلى البحث في تداعيات الموقف البرازيلي وتأثيراته المحتملة، من حيث دورها على المستوى الدولي أو علاقاتها بالقوى الكبرى، ومصالحها الاقتصادية في المنطقة العربية.
أهمية دراسة الموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي
تشهد مكانة البرازيل ودورها على الساحة الدولية تعاظمً ملحوظًا منذ انتهاء الحرب الباردة؛ إذ أصبحت جزءًا ممّ أسماه فريد زكريا "صعود الآخر"، مع الصين والهند وجنوب أفريقيا ومجموعة أخرى من البلدان الصاعدة3. وفي عام 2011، عدّ المجلس الأميركي للشؤون الخارجية البرازيل من بين مجموعة الدول التي سوف تسهم بدرجة كبيرة في صوغ شكل العالم في القرن الحادي والعشرين4، كما صرّحت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس Condoleezza Rice في عام 2006 بأنّ قوى ودولً ناهضة مثل الصين، والهند، والبرازيل، ومصر، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا في القرن الحادي والعشرين، تعيد تشكيل مسار التاريخ بصورةٍ متزايدة5.
دخلت البرازيل مع نجاح الرئيس السابق لويس ايناسيو لولا دا سيلفا Silva da Lula Inácio Luiz عام 2002، والرئيسة الحاليّة ديلما روسيفRousseff Dilma عام 2010، في الوصول إلى رئاسة البلاد، مرحلةً جديدة في تاريخها المعاصر، تبوّأت فيها مكانة مرموقة على
الصعيد الدولي. ويعود ذلك أساسًا إلى التغييرات العميقة التي شهدتها البلاد خلال فترة حكمهما، من قبيل ترسيخ المسار الديمقراطي، والأداء الاقتصادي الناجح، إلى جانب تبنّي سياسات اجتماعية أكثر عدالة. وواكب ذلك كلّه انتهاج البرازيل سياسة خارجية أكثر استقلالية، بخاصّة مع التوجّهات اليسارية لحزب العمّ ل البرازيلي الذي ينتمي إليه كلٌّ من لولا وروسيف. حرصت البرازيل على إعادة صوغ علاقتها مع القوى الكبرى، بخاصّة الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ سعت إلى الانعتاق من علاقة التبعيّة التي ربطتها بها إبّان فترة الحكم العسكري الذي ساد البرازيل في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، وسرعان ما أخذت هذه العلاقة تتغيّ بصورة أكثر وضوحًا مع تولّ لولا دا سيلفا رئاسة البرازيل؛ إذ سعى جاهدًا إلى مقاومة الهيمنة الأميركية وسياساتها الأحاديّة في العالم. تمتلك البرازيل من المقوّمات والإمكانات المادية والثقافية والتاريخية ما يمكّنها من الإسهام في وضع القواعد الحاكمة للتفاعلات الدولية، وممارسة أدوار فاعلة على المستوى الدولي؛ فلدى البرازيل أضخم اقتصاد في أميركا اللاتينية، وثاني أقوى اقتصاد في الأميركتين، إضافةً إلى كونها سادس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلّ الإجمالي6. وتعدّ البرازيل في الوقت الراهن إحدى الدول المقرضة للبنك الدولي، الأمر الذي يمكّنها من الضغط لتغيير "الكوتا" التصويتية داخل هذه المنظمة الدولية، ما قد يسمح لها بمزيدٍ من التأثير في قرارات البنك الدولي7. وللبرازيل قوّة بشرية ضخمة؛ فهي تحتلّ المرتبة الخامسة عالميًّا، من حيث تعداد السكّان الذي يبلغ نحو 200 مليون نسمة. وتعدّ خامس أكبر دولة في العالم من حيث المساحة؛ إذ تبلغ مساحة إقليمها نحو 58. ملايين كم 2، أي ما يُقارب نصف مساحة أميركا الجنوبية. وهي من الاقتصادات الصاعدة إلى جانب الصين والهند وروسيا الأعضاء في مجموعة العشرين التي تطالب بدورٍ أكبر في تسيير النظام الاقتصادي العالمي. كما أنّ لدى البرازيل شركاء رئيسين من دول الجنوب في 8منتدى "إبسا" للحوار Forum Dialogue IBSA، والذي يضمّ الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا؛ وجرى إطلاقه في حزيران / يونيو 2003 في برازيليا. وهي أيضًا عضو في "تجمّع البريكس" BRICS الذي يعدّ اختصارًا للأحرف الأولى لكلٍّ من: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، ذلك التجمّع الذي يمثّل منافسًا قويًّا للاقتصاد الأميركي والأوروبي9. يرتبط نجاح البرازيل في تعزيز دورها على المستوى الدولي، وقدرتها على التعامل مع الملفّات والقضايا الدولية الشائكة، ومن بينها ثورات الربيع العربي - بصورةٍ كبيرة - بقوّة اقتصادها القومي، وقدرتها على تحقيق نموٍّ اقتصادي متواصل. ولذلك، فمع تزايد المشكلات الاقتصادية التي بدأت تواجهها البرازيل في مطلع عام 2013، تصاعدت الأصوات القائلة إنّ القطب الجنوبي يتّجه نحو فقدان بريقه، بخاصّة مع إعلان وزارة التنمية والصناعة والتجارة الخارجية البرازيلية أنّ العجز التجاري خلال الثلث الأوّل من عام 2013 وصل إلى 6.15 مليارات دولار أميركي، في حين حقّقت البلاد فائضًا تجاريًّا خلال الفترة نفسها من عام 2012، بلغ 798 مليون دولار أميركي، وارتفع معدّل التضخّم إلى %5.86 عام 2012، وزاد الدّيْن الخارجي من 310.8 مليار دولار أميركي عام 2011 إلى 397.5 مليار دولار أميركي عام 2012 10. وبعد أن بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في البرازيل 66.660 مليون دولار أميركي عام 2011، انخفض إلى 65.272 مليون دولار أميركي عام
ثمّة اتّجاه آخر يرى أنّ التراجع في الميزان التجاري البرازيلي، إنّ ا يعب عن نوبةٍ عابرة لن تستمرّ في المستقبل، وسوف تمارس البرازيل بعدها دورها على المسرح الدولي بوصفها قوّة إقليمية ودولية صاعدة؛ وهم يستدلّون على رأيهم ذلك بالإشارة إلى أنّه على الرغم من حالة الركود الاقتصادي التي شهدتها البرازيل في بداية عام 2013، فإنّ اقتصادها سرعان ما سجّل نموًّا بمعدّل %1.5 من إجمالي الناتج المحلّ خلال، ما يعدّ مؤشّالربع الثاني من عام 2013ًا على بدء تعافي الاقتصاد البرازيلي11.
أسس سياسة البرازيل الخارجية ومرتكزاتها
تحدّد المادّة 4() من الدستور الفيدرالي البرازيلي، أسس السياسة الخارجية ومبادئها؛ إذ تشير إلى أنّ علاقات البرازيل الدولية تحكمها مجموعة من المبادئ؛ وهي: الاستقلال الوطني، واح اررم حقوق الإنسان، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخّل، والمساواة بين الدول، والدفاع عن السلام، ومحاربة الإرهاب والعنصرية، والتعاون بين شعوب العالم من أجل تقدّم البشرية، وضمان حقّ اللجوء السياسي. كما جرت الإشارة في هذه المادّة إلى أنّ جمهورية البرازيل سوف تسعى إلى تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين شعوب أميركا اللاتينية، حتّى يتحقّق هدف إقامة تجمّع أمم أميركا اللاتينية12.
على الرغم من أنّ البرازيل تُعدّ أكبر دول أميركا الجنوبية، من حيث المساحة وعدد السكّان، فإنّها ظلّت لسنوات عديدة قوّة إقليمية خامدة. وفي هذا الإطار، هناك تفسيران لخروج البرازيل إلى العالم الخارجي وبصفة خاصّة عالم الجنوب؛ أحدهما يرى في البرازيل صاحبة رسالة تسعى إلى كسر هيمنة الشمال على الجنوب، وثانيهما براغماتي يتمثّل بالرغبة في فتح أسواق جديدة لترويج السلع والمنتجات البرازيلية13. بصفة عامّة، وضعت القيادة البرازيلية هدفين رئيسين متكاملين لدور البرازيل في النظام الدولي؛ يكمن الأوّل في الاستفادة من السياسة الخارجية في توطيد العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دولٍ بعينها، لتحسين الأوضاع الاقتصادية الداخلية، والتي تعود بالنفع المباشر على المواطن البرازيلي. أمّا الثاني، فهو بلورة وضعٍ متميّز للبرازيل، والظهور كفاعل مهمّ على الساحة الدولية، بهدف تعديل بنية النظام الدولي، ليكون نظامًا متعدّدَ الأقطاب تشارك فيه أقطاب جنوبية صاعدة، لا أن يظلّ منغلقًا على سيطرة الفاعلين الدوليين الكبار، بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك، فهي تركّز بصفة خاصة على مسألة حصولها على مقعدٍ دائم في مجلس الأمن الدولي، وهو المطلب الذي يلقى دعمً قويًّا من كلٍّ من روسيا والصين، حليفتيها في "البريكس." وهذا يفسّ مطالباتها المستمرّة بضرورة إصلاح منظّمة الأمم المتحدة، وتوسيع دائرة المشاركة الدولية في مجلس الأمن الدولي، وزيادة قوّتها التصويتية في البنك وصندوق النقد الدولييّن14. إضافةً إلى ما سبق تستهدف البرازيل توحيد قارّة أميركا الجنوبية وتكاملها في مجالات حفظ السلام، والنقل والمواصلات والاتصالات، وكذلك تعزيز التكامل الإقليمي بهدف تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية؛ وذلك من خلال السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية)، the Southern Common Market (Mercosur ""ميركوسور وعبر اتحاد أمم أميركا الجنوبية أيضًا the Union of South. 15 American Nations تستند البرازيل إلى عدّة أدوات لتحقيق أهداف سياستها الخارجية؛ منها: تشكيل التحالفات الدبلوماسية، وإقامة التجمّعات والتكتلات مع بعض الدول النامية في أفريقيا وآسيا. كما أعطت في السنوات الأخيرة أولوية كبرى لإقامة حوار سياسي مع القوى المتوسّطة الأخرى مثل الهند، وجنوب أفريقيا، إضافةً إلى الصين وروسيا16. تعتمد البرازيل على الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف؛ وذلك من خلال المشاركة بفاعلية في المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة وأجهزتها الفرعية المهمّة، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة الدول الأميركية، فضلً عن المشاركة بنشاطٍ فاعل في لقاءات منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية وقممها17.
بدأ دور البرازيل يتنامى في العديد من الملفّات الدولية، وعلى رأسها الإسهام الفعّال في مجموعة العشرين، والقضايا المتعلّقة بالتجارة الدولية، وحماية البيئة العالمية والتغيّ ات المناخيّة ومحاربة الفقر والجوع على المستوى العالمي، بل وفي الأزمات الدولية؛ كما حدث في الخلاف بين الغرب وإيران على خلفية برنامجها النووي، وتنسيق البرازيل مع تركيا في هذا الأمر. وهي تقوم بدورٍ مهمّ في مجال حفظ السلم والأمن الدولييّن؛ وذلك من خلال قيادتها بعثة الأمم المتّحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي، ومساهماتها الواضحة في عملية إحلال السلام في تيمور الشرقية18.
أبعاد الموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي
مع سعي الرئيسيْ لولا وروسيف إلى تنويع العلاقات الخارجية وتحقيق استقلالية سياسة البرازيل الخارجية، فقد حرصا على تطوير العلاقات مع الدول العربية. وأضحى ذلك توجّهًا رئيسًا لدى الرئيس لولا ومن بعده الرئيسة روسيف؛ وذلك في إطار المساعي الرامية إلى تدعيم التعاون الجنوبي - الجنوبي. احتلّ الشرق الأوسط - ربّ ا للمرة الأولى - قلب الدبلوماسية البرازيلية في ظلّ حكم الرئيس لولا، الذي حاول استثمار ما يربط الشعبين البرازيلي والعربي من علاقات تاريخية وثيقة وأواصر إنسانية قويّة، في تعميق التواصل بين بلاده والعالم العربي؛ إذ يوجد فيها نحو 12 مليون مواطن من أصول عربية (غالبيتهم من أصول لبنانية، وسورية، وفلسطينية)، وقد شغل بعضهم مناصبَ مهمّة في مختلف أجهزة الدولة البرازيلية19. عملت الدبلوماسية البرازيلية على توثيق علاقات بلادها مع الدول العربية؛ فافتتحت بعثات دبلوماسية في خمس عشرة دولة عربية، إضافةً إلى مكتب تمثيل في رام الله20. ودخلت في حوارات، وعقدت الاتفاقيات الثنائية وعلى مستوى المنطقة، لدعم التعاون الاقتصادي والثقافي. كما أنّ للبرازيل عددًا من المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية، وكثيرًا ما اتّخذت مواقفَ مندّدة بالعدوان الإسرائيلي المستمرّ على الفلسطينيين. وجاء اعتراف البرازيل بالدولة الفلسطينية، والذي دفع عددًا من دول أميركا اللاتينية إلى اتّخاذ خطوات مماثلة، ليؤكّد موقف البرازيل التاريخي المساند لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة اقتصاديًّا، ومتّصلة الجغرافيا ضمن حدود 1967 21. كان لولا هو مهندس قمّة منتدى الدول العربية ودول أميركا الجنوبية أسبا The Summit of South American-Arab Countries ""، والتي تُعدّ من أهمّ المبادرات على المستوى الدبلوماسي، بوصفها آليّة مؤسسية لدعم العلاقات بين الطرفين. وقد عقدت القمّة الأولى في البرازيل عام 2005. واستضافت قطر القمّة الثانية عام 2009. أمّا القمّة الثالثة، فجرى عقدها في بيرو عام 2012. وكانت البرازيل أوّل دولة من دول أميركا الجنوبية والكاريبي تشغل منصب "مراقب" داخل جامعة الدول العربية22. وخلال فترة رئاسته، زار لولا سورية، ولبنان، والإمارات، ومصر، والجزائر، وقطر، وليبيا، والسعودية. وفي آذار / مارس 2010 قام لولا بزيارة إسرائيل، وفلسطين، والأردن، إضافةً إلى إيران، ووُصفت الزيارة بالتاريخية؛ لأنّها كانت المرّة الأولى التي يزور فيها زعيم برازيلي المنطقة منذ 134 عامًا؛ إذ كانت آخر زيارة للأراضي المقدّسة قام بها الإمبراطور البرتغالي "بطرس الثاني" عام 1876، أي قبل استقلال البرازيل عن البرتغال23.
إضافةً إلى الدوافع الإستراتيجية التي تقف وراء الموقف البرازيلي من القضايا العربية بصفةٍ عامّة وثورات الربيع العربي بصفةٍ خاصّة، فإنّ
هذا الموقف لا يمكن فهمه بمعزل عن دوافعه الاقتصادية، بخاصة أن الدبلوماسية البرازيلية في مقاربتها للشؤون الدولية والشرق أوسطية استندت أساسًا إلى رغبتين أساسيتين؛ هما ضمان حصّتها من الطاقة، إذ تعدّ من كبرى بلدان العالم المستهلكة للطاقة، وتعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دول المنطقة. وعليه، فتقارب البرازيل مع الدول العربية، يستهدف بالأساس تقوية تجارتها مع دول المنطقة؛ فالدول العربية - بعدد سكّانها الكبير، وثرواتها الهائلة من النفط والغاز الطبيعي - تبدو سوقًا جذّابة للصادرات وللاستثمارات البرازيلية، وموردًا مهمًّ للطاقة. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أنّ حجم التبادل التجاري بين البرازيل والدول العربية، ارتفع ليصل إلى نحو 26 مليار دولار أميركي في عام 2012، بعد أن سجّل 25,11 مليار دولار في عام 2011. كما بلغ إجماليّ قيمة الواردات البرازيلية من الدول العربية 11.10 مليار دولار في 2012، مقارنةً ب 9.98 مليار دولار في 2011. وفي المقابل، سجّلت الصادرات البرازيلية إلى الدول العربية قيمة 14.83 مليار دولار في 2012. وتُعدّ المملكة العربية السعودية، وقطر، والبحرين، والكويت من الشركاء التجاريين الرئيسين للبرازيل في المنطقة العربية. وفي أيار / مايو 2005 جرى توقيع اتفاقية إطارية للتعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري والفنّي بين دول مجلس التعاون الخليجي والسوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية (ميركوسور.) وفي الوقت الراهن، تجري محادثات بهدف توقيع اتفاقية للتجارة الحرّة بين الطرفين24. ومن العوامل التي قد تسهم في تطوير العلاقات بين الطرفين أنّ البرازيل لا تمتلك أيّ ماضٍ استعماري في الشرق الأوسط، فضلً عن أنّ البرازيل والدول العربية قد وقَعتا ضحيّة الغزو الاستعماري، ما يجعل تنسيق المواقف وتوحيد الجهود السياسية والاقتصادية، ضرورة للطرفين25. في ضوء هذه المقدمة، وإذا ما وقفنا على حقيقة أهداف السياسة الخارجية البرازيلية، سنتمكّن من فهم الموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي، وتفسيره. هذا الموقف الذي تحرّكه مجموعة من الدوافع والمحاذير في آنٍ واحد؛ فقد تبنّت البرازيل منهج عدم التدخّل في شؤون العالم العربي، وراقبت بقلقٍ التطوّرات الداخلية في الدول العربية، وكذلك دور بعض القوى الخارجية للتدخّل في شؤون تلك الدول، كما أكّدت مرارًا أنّ التدخّل العسكري الغربي في شؤون الدول العربية إنّ ا يجري بصورةٍ انتقائية، ويسبّب أضرارًا أكثر من المكتسبات التي يحقّقها. جدير بالذكر أنّ البرازيل حصلت على العضوية غير الدائمة - لمدّة عامين - في مجلس الأمن الدولي في بداية عام 2010، ما ساعدها على أن تترجم تصوّراتها ورؤاها السياسية بشأن ثورات الربيع العربي - والتي جرى التعبير عنها في تصريحات مسؤوليها المختلفة - إلى سلوك تصويتي ومواقف سياسية فعلية داخل المجلس، إضافةً إلى مشاركتها في عدّة اجتماعات وجلسات للجمعية العامة للأمم المتحدة، وحضورها المتكرّر في مؤتمرات قمم تجمّع "البريكس" ومجموعة "الإبسا."
الموقف من الثورتين التونسية والمصرية: من الفتور وعدم الاكتراث إلى التدخ ل والرفض
عندما اندلعت الثورة المصرية في 25 كانون الثاني / يناير 2011، لم يكن قد مضى شهرٌ على وجود ديلما روسيف في السلطة؛ إذ تولّت رئاسة البرازيل في الأوّل من كانون الثاني / يناير 2011 خلفًا للرئيس لولا دا سيلفا الذي حكم البلاد لمدّة ثماني سنوات. عندها، أعلنت روسيف أنّ البرازيل لا يمكنها التدخّل في الشؤون الداخلية المصرية. وأكّدت أنّها تأمل أن تسفر الأحداث التي شهدتها مصر عن حلٍّ ديمقراطي يضمن رفاهية مواطنيها. وأعلن وزير خارجيتها السابق أنطونيو باتريوتا Patriota Antonio أنّ "التظاهرات التي شهدتها مصر ما هي إلا ردّة فعل طبيعية للإحباط الشعبي من تردّي الوضع الاقتصادي، وضعف الاندماج الاجتماعي في البلاد26". من ثمّ، فإنّ الموقف البرازيلي من الثورة المصرية، ومن قبلها التونسية، اتّسم بقدرٍ كبير من الفتور وعدم الاكتراث. وربّ ا يعود ذلك من جهةٍ أولى، إلى عدم وجود توافقٍ حقيقي بين الأنظمة السابقة في هاتين
الدولتين، والرؤية السائدة في البرازيل بشأن الموقف من النظام الدولي الراهن بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. ومن جهةٍ أخرى، يمكن أن نُرجع الفتور الذي اعترى الموقف البرازيلي من الثورتين المصرية والتونسية إلى أنّه جرت إدارتهما من خلال فواعل وقوى داخلية، ولم تشهدا أيّ تدخّل واضح لقوى خارجية في أحداثها ومجرياتها، بعكس الثورتين الليبية والسورية. ولذلك فإنّ الموقف البرازيلي من الثورتين المصرية والتونسية، لم يكن أكثر من تأييد مطالب الشعوب العربية وطموحاتها في هاتين الدولتين، والتطلّع لإقامة علاقات أكثر قوّة معها في المستقبل27. وعلى النقيض من ذلك، طرأ تغيّ واضح على الموقف البرازيلي ممّ شهدته مصر في الثلاثين من حزيران / يونيو، والثاني من تموز / يوليو 2013، وما ارتبط بذلك من عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي؛ إذ استدعت البرازيل السفير المصري لديها عقب فضّ اعتصامَي رابعة العدوية والنهضة في مصر في منتصف آب / أغسطس 2013. ودانت وزارة الخارجية البرازيلية في بيانٍ لها، ما سمّته "الوحشية" في قمع المعارضين في مصر. وطالبت بالحوار والمصالحة بوصفهما المدخل الأساسي لدعم عملية التحوّل الديمقراطي في مصر. ووصفت الرئيسة روسيف - أكثر من مرّة - في تصريحاتها ما جرى في مصر بالانقلاب، وأمرت بفصل مذيع من التليفزيون الرسمي لوصفه ما جرى في مصر بالثورة. وأصدرت تعليمات مشدّدة لأجهزة الإعلام الرسمية لوصف ما حدث في الثالث من تموز / يوليو 2013 بالانقلاب العسكري. يبدو أنّ هناك دوافعَ عدّة تقف خلف التوجّه البرازيلي في شأن التوجّس ممّ شهدته القاهرة؛ أوّلها أنّ البرازيل نفضت عن كاهلها الحكم العسكري قبل نحو عقدين، وباتت تعطي أولويّة للحكم الديمقراطي المدني الذي يرتكز بالأساس على تولّ المدنييّن مفاصل الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية. وبناءً عليه، يبقى لديها هاجس مشروع من تدخّل القوّات المسلّحة المصرية في الحياة السياسية. وثانيها أنّ الحكومة وقطاعات عريضة من الشعب البرازيلي تأثّرت معنويًّا بالمواجهات في الشوارع والميادين، وأعمال العنف التي شهدتها مصر. وربّ ا أعادت هذه المشاهد تذكيرهم بالقمع الذي مارسه النظام العسكري السابق في البرازيل. ما دفع قطاعات رسمية وشعبية واسعة إلى التعاطف مع معتصمي "رابعة" و"النهضة." وثالثها أنّ تركيا وإيران قامتا بدور لا تخطئه عين في دعم التوجّه البرازيلي حيال الأزمة المصرية؛ إذ نجحت الدولتان، وكلاهما يتمتّع بعلاقات إستراتيجية مع القطب الجنوبي، في إقناع البرازيل بأنّ تظاهرات 30 يونيو لا تعدو كونها مؤامرة حيكت بليلٍ أو من وراء ستار؛ للقفز على السلطة الشرعية التي جاءت عبر صناديق الاقتراع. ويتمثّل رابع هذه الدوافع في مخاوف روسيف من أن تستلهم جماهير البرازيل الناقمة عليها أو مؤسساتها العسكرية التجربة المصرية، بخاصة أنّ بلادها قد شهدت في تموز / يوليو الماضي احتجاجات هي الأضخم من نوعها منذ عام 1992، احتجاجًا على تخصيص الحكومة أكثر من 26 بليون دولار من الأموال العامّة، لإنفاقها على مونديال 2014، وأولمبياد 2016 اللذيْن تستضيفهما البرازيل، ورفضًا لقيام الحكومة البرازيلية برفع أسعار بعض السلع وتذكرة المواصلات العامّة. وفي هذا السياق العامّ، يمكن فهم دوافع الموقف الرسمي في البرازيل لاتّخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه ما حدث في القاهرة، وإصرار الرئيسة ديلما روسيف على وصف ما جرى في الثالث من يوليو بالانقلاب العسكري، والتمسّك بشرعية الدكتور مرسي رئيسًا لجمهورية مصر العربية. ويمثّل الموقف البرازيلي مؤشًّا على احتمال حدوث تراجع في العلاقات المصرية - البرازيلية في المستقبل؛ وذلك بعد أن أحرزت تقدّمًا نوعيًّا بعد زيارة الرئيس المصري السابق محمد مرسي للبرازيل في أيار / مايو 2013، والتي وُصفت آنذاك بأنّها تاريخية، لكونها أوّل زيارة يقوم بها رئيس مصري للبرازيل28.
الموقف من الثورة الليبية: المصالح الاقتصادية تأتي أولّا
أعلنت البرازيل مع بداية الثورة الليبية تضامنها مع الشعب الليبي في بحثه عن المزيد من المشاركة السياسية والديمقراطية من أجل تحديد مستقبل البلاد السياسي؛ وذلك في ظلّ مناخ يتّسم بحماية حقوق الإنسان واحترامها. ولكنّها شدّدت من ناحية أخرى على عدم إمكانية التوصّل إلى حلّ للقضية الليبية عبر الوسائل العسكرية، ودعت جميع الأطراف إلى اللجوء إلى الوسائل السلمية لحلّ الصراع الدائر في ليبيا29.
وفي شباط / فبراير 2011، أيّدت الحكومة البرازيلية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1970 بفرض عقوبات دولية على نظام معمر القذافي، وتفويض المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم التي اقترفتها قوّات القذافي ضدّ المدنيين الليبيين. لكنّها امتنعت عن التصويت مع الصين والهند وروسيا وألمانيا، على فرض المزيد من العقوبات على ليبيا، وإقامة منطقة حظر طيران فوقها، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي صدر في 17 آذار / مارس 2011، معلّلةً ذلك بأنّ التدخّل العسكري ليس حلًّ مفيدًا لمشكلات ليبيا30. وما إن بدأ تطبيق القرار، حتى أثارت حملة القصف الجوّي التي قام بها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في ليبيا لدعم المعارضة الليبية، قلق البرازيل التي أخذت في انتقاد العمليات العسكرية ضدّ ليبيا. ورأت أنّ منطقة حظر الطيران تحوّلت إلى حملة قصف لمدة ستّة أشهر، وهذا ما رأته تغييرًا في روح القرار. كما أكّدت أنّ الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا قد تخطّوا التفويض الممنوح للتدخل العسكري لحماية المدنيين، وأساءوا استخدام مفهوم "مسؤولية الحماية"؛ لتحقيق هدفهم الحقيقي المتمثّل بتغيير النظام الحاكم وإطاحة معمر القذافي من الحُكم. وهو الأمر الذي لا يستند إلى أيّ مبدأ في القانون الدولي31. وصرّحت رئيسة البرازيل بأنّ هذا التدخّل بحجّة حماية المواطنين المدنيين، يتسبّب في مقتلهم؛ فحجم العمليات العسكرية التي قام بها حلف الناتو في ليبيا وطول مدّتها وكذلك حدّتها، تسبّب في خسائرَ بشرية هائلة، كما ألحق دمارًا واسعًا بمدنٍ ليبيّة بأكملها. لذلك طالبت البرازيل بالوقف الفوري لإطلاق النار32. ويمكن القول إنّ جوهر الموقف البرازيلي كان الرفض الكامل لتدخّل الناتو عسكريًّا لحسم مجريات الأمور في ليبيا، بوصف أحد العوامل المؤثّرة وبشدة في تشكيل بنية النظام العالمي الجديد. ولذلك، فقد دانت تدخّل قوّات الناتو بشدّة، ورأت أنّ الغرض منه لم يكن دعم مطالب الشعب الليبي بالديمقراطية، وإنّ ا الدفاع عن مصالح الغرب الاقتصادية والإستراتيجية33. يعدّ العامل الاقتصادي من العوامل الرئيسة التي تفسّ الموقف البرازيلي من الثورة الليبية؛ فعندما قام الناتو بضرباته العسكرية في ليبيا كان يعمل فيها ثلاث من الشركات البرازيلية الدولية المتخصّصة في مجال الإنشاء والتعمير، إضافةً إلى شركة "بتروبراس" النفطية التي كان لها عقود نفطية في ليبيا بملايين الدولارات الأميركية. وخلال عامَي 2008 و 2010، كانت ليبيا هي سابع أكبر دولة تستقبل الصادرات البرازيلية في أفريقيا، ومن ثمّ فإنّ مصالح البرازيل الاقتصادية كانت تهدّدها الاضطرابات التي اندلعت في ليبيا. ولذلك، فقد رفضت الحكومة البرازيلية في آذار / مارس 2011 طلب الحكومة الليبية القيام بدور الوسيط بين السلطات والمعارضة هناك. ولم تقم بإرسال مبعوث دبلوماسي إلى بنغازي للوساطة بين الطرفين سوى في تموز / يوليو 2011. ورفضت البرازيل الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي ممثّلً شرعيًّا للحكومة الليبية. ولم تعترف بالحكومة الليبية الجديدة إلا في 16 أيلول / سبتمبر 2011 بعدما صوّتت لمصلحة مشاركتها في الجمعية العامّة للأمم المتحدة34.
الموقف من الثورة في سورية: بين التصريحات الرسمية والمواقف الفعلية
تتبع البرازيل نهجًا حذرًا في ما يتعلّق بالأزمة السورية. وقد جرى التعبير عن موقفها من الثورة في سورية على لسان دبلوماسيّيها والمسؤوليين الحكوميين فيها أكثر من مرّة. وتمثّل الموقف البرازيلي من الثورة السوريّة على مستوى التصريحات الرسمية، بمحاورَ عدّة، وهي: أوّلً: رفض أيّ تدخّل خارجي في شؤون سورية الداخلية، والتأكيد على ضرورة وقف أعمال العنف، وإحلال السلام لن يجري إلّ من خلال المفاوضات بين الطرفين، دون فرض موقفٍ ما على أحد أطراف الصراع35.
ثانيًا: التعامل مع ما تتعرّض له سورية على أنّه مؤامرة خارجية، وأنّ الإرهاب والقتل والترويع الذي يجري فيها تحرّكه قوى خارجية، ويهدف إلى زعزعة استقرارها وأمنها، ويخدم مخطّطات خارجية تتعدّى حاجات سورية إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي. لذلك، تؤكّد البرازيل دومًا على أنّها تدرك تمامًا ثقل الحملة التي تتعرّض لها سورية. وتستوعب بفهمٍ واضح الأهداف التي يسعى البعض إلى تحقيقها من السيناريو القائم على الأرض36. ثالثًا: التأكيد على أنّ الاتهامات التي توجَّه للحكومة السورية بالمشاركة في أعمال تعذيب واغتيال واغتصاب، واستخدام القوّة ضدّ المدنيين، وحالات الإعدام التعسفي، وقتل المحتجيّن والمدافعين عن حقوق الإنسان واضطهادهم، إنّ ا تمثّل خطورةً شديدة، وإنّها تؤيّد التظاهرات من أجل تشكيل حكومة أفضل ومزيد من فرص العمل. وترفض استخدام العنف لقمع مثل هذه التظاهرات. ولكنّها تشيد دائمًا بأيّ مبادرة من الحكومة السورية تستهدف إجراء إصلاحات سياسية في البلاد37. رابعًا: كرّرت البرازيل أكثر من مرّة، رفضها أيّ عمل عسكري ضدّ سورية، وأكّدت دعمها خطّة مبعوث الأمم المتحدة السابق كوفي أنان، والمبعوث الدولي - العربي إلى سورية حاليًّا الأخضر الإبراهيمي لحلّ الأزمة38. وطالبت مجلس الأمن باستصدار قرار يوقف تدفّق الأسلحة وتهريبها إلى سورية. كما أشادت بموافقة الأخيرة على الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية39. خامسًا: أعلنت البرازيل عن قلقها من تسييس النقاش الدائر حول حقوق الإنسان في سورية. ورفضت استخدام هذه المسألة في نهاية المطاف لتبرير تدخّلٍ عسكري فيها؛ كما حدث في ليبيا تحت شعار "مسؤولية الحماية"، خصوصا أنّ سورية تقوم بدورٍ رئيس في استقرار منطقة الشرق الأوسط، وأنّ أيّ قرار أممي ضدّ دمشق سيزيد المنطقة توتّرًا. كما شدّدت على أنّ أيّ تدخّل عسكري في سورية يجب أن يحصل على موافقة الأمم المتحدة40. سادسًا: يأتي الموقف البرازيلي متّفقًا تمامًا مع موقف دول "البريكس" و"الإبسا"؛ إذ أكّدت جميعها على رفض التدخّل الخارجي في شؤون سورية الداخلية، ودعم المساعي الدولية لحلّ الأزمة بالسبل السلميّة، ورفض أيّ عمل عسكري ضدّها41. كما شدّدت على أنّ الحوار هو السبيل الوحيد للتوصّل إلى حلٍّ للأزمة، مع ضرورة احترام المجتمع الدولي سيادة سورية واستقلالها ووحدتها، وسلامة أراضيها، وخيارات شعبها42.
المواقف البرازيلية الفعلية من الثورة السورية
تأتي التصريحات الرسمية للمسؤولين البرازيليين متّسقة إلى حدٍّ كبير مع سلسلة المواقف التي اتّخذتها بلادهم إزاء الأزمة السورية خلال عضويّتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي، أو من خلال مشاركتها في اجتماعات الجمعية العامّة للأمم المتحدة، أو في مؤتمرات قمم "البريكس" و"الإبسا"؛ ففي آب / أغسطس 2011 دعمت البرازيل بيانًا رئاسيًّا صدر عن مجلس الأمن لإدانة انتهاكات حقوق الإنسان، واستخدام السلطات السورية القوة ضدّ المدنيين. وأيّدت أيضًا قرارًا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإيفاد لجنة إلى سورية للتحقيق في الانتهاكات، وتقصّ الحقائق برئاسة دبلوماسي برازيلي (باولو بينيروا)، والذي جرى تعيينه في أيلول / سبتمبر 2011 43. وفي آب / أغسطس 2011، قامت البرازيل والهند وجنوب أفريقيا بإرسال وفدٍ دبلوماسي مشترك يمثّله مبعوثو الدول الثلاث؛ لإجراء مباحثات مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم. وأكّد الوفد في
ختام زيارته سورية "ثبات موقف بلادهم ضدّ أيّ تدخّل خارجي في الشؤون الداخلية السورية، وعبّ وا عن ثقتهم بأنّ الإصلاحات التي يقودها الرئيس بشار الأسد على مختلف المستويات ستخلق واقعًا جديدًا في سورية يلبّي طموحات وتطلّعات شعبها، مؤكّدين على أنّ المجتمع الدولي مطالَب بمنح الفسحة اللازمة من الوقت كي تعطي هذه الإصلاحات ثمارها، بدلً من إعطاء مؤشرات مشجّعة للمجموعات المسلّحة لتصعيد الاضطرابات والعنف"44.
وفي جلسة مجلس الأمن المنعقدة بخصوص سورية في تشرين الأوّل / أكتوبر 2011، قامت البرازيل مع الهند، وجنوب أفريقيا، إضافةً إلى لبنان، بالامتناع عن التصويت على مشروع القرار الذي قدّمته فرنسا وبريطانيا وألمانيا والبرتغال أمام المجلس؛ للتنديد بأعمال العنف في سورية. في حين قامت روسيا والصين - وهما من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن - باستخدام حقّ النقض لإحباط مشروع القرار45. يمكن تفسير امتناع البرازيل عن التصويت بدلً من التصويت ضدّ القرار، بأنّ فترة عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن كانت على وشك أن تنتهي مع بداية عام 2012. وهي عضوية استمرّت لمدة عامين. وعليه، فهي لا تريد إغضاب الولايات المتحدة الأميركية بالاعتراض بصورةٍ مباشرة، بخاصة أنّ خيار الامتناع عن التصويت يكفي لتحقيق الغرض المطلوب. كما أنّ دول "الإبسا" كانت تعلم جيدًا أنّ روسيا والصين ستستخدمان حقّ النقض، ما يشير إلى نوعٍ من التنسيق الناعم في المواقف بين دول "البريكس" و"الإبسا." خصوصًا أنّ هذه الدول لا تستطيع معاداة الولايات المتحدة الأميركية بصورةٍ مستمرّة في المحافل الدولية، فضلً عن وجود اتفاقيات اقتصادية وسياسية وإستراتيجية مهمّة بينها وبين الحكومة الأميركية46. وفي إطار مساعيها لحلّ الأزمة السوريّة، قامت البرازيل في تشرين الثاني / نوفمبر 2011 بتوزيع مشروع في الأمم المتحدة يدعو إلى استبدال مبدأ "مسؤولية الحماية" protect to responsibility الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2005، والذي يفرض على الدول مسؤولية حماية سكّانها من الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي وما يتّصل بها من الجرائم ضدّ الإنسانية، ويطالب المجتمع الدولي بالتدخّل إذا لم يجْر الوفاء بهذا الالتزام، بمجموعة من المبادئ والإجراءات تُعرف ب "المسؤولية أثناء الحماية" while responsibility protecting. وتجادل البرازيل بأنّ التدخّل الخارجي الذي يستهدف حماية المدنيين، يجب أن يكون محكومًا بضوابطَ واضحة ومقبولة من الجميع، بحيث يكون اللجوء إلى استخدام القوّة العسكرية هو السبيل الأخير، وأن يجري في حدودٍ ضيقة جدًّا، وبتفويض من مجلس الأمن نفسه، وعلى أساس قواعد القانون الدولي47. بعبارةٍ أخرى، ترى وجهة النظر البرازيلية أنّ التدخّل الدولي من خلال إعمال مبدأ "مسؤولية الحماية"، يمكن أن يسمح باجتذاب العناصر الإرهابية إلى مناطقَ لم تكن موجودة فيها من قبل؛ ما يفتح المجال أمام موجاتٍ جديدة من العنف، والمثال البارز على ذلك تجربة التدخّل الدولي في العراق48. وأكّدت رئيسة البرازيل "أنّ من غير الممكن أن نسمح اليوم باستبدال ائتلاف بعض الدول لشنّ الحرب من دون موافقة أعلى سلطة أممية في مجلس الأمن، كما جرى الأمر سابقًا، فهذا سيكون مناقضًا للشرعية الدولية49". عندما تبنّت الجمعية العامّة للأمم المتحدة في آب / أغسطس 2012 مشروع قرار عربي يتضمّن إدانة سورية، ويدعو إلى انتقالٍ سياسي فيها، أيّدت القرار 133 دولة من إجمالي 193، من بينها البرازيل وجنوب أفريقيا. في حين عارضته 12 دولة من بينها الصين وروسيا. وامتنعت
عن التصويت عليه 31 دولة من بينها الهند. وخلا نصّ القرار من الدعوة إلى تنحّي الرئيس السوري بشار الأسد بسبب اعتراض دول، مثل البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا على إدراج فقرة كهذه. ودفعت هذه المعارضة الدول العربية التي تطالب بتنحّي الأسد إلى إسقاط مطلبها من صيغة القرار غير الملزِم50. وفي كلمتها أمام قمّة منتدى دول أميركا الجنوبية والدول العربية "أسبا" التي استضافتها "ليما" عاصمة بيرو في الأوّل والثاني من شهر تشرين الأوّل / أكتوبر 2012، عبّ ت رئيسة البرازيل في الكلمة التي ألقتها في القمّة عن شعورها بالأسى الشديد لما تشهده سورية من أحداث، نظرًا لأنّ بلدها موطنٌ لملايين العرب. وأكّدت أنّ العنف الدائر هناك تتحمّل مسؤوليته بالأساس الحكومة السوريّة. ولكنّها شدّدت على أنّ المعارضة المسلّحة مسؤولة كذلك عن أعمال العنف؛ نظرًا للتسليح الكبير الذي تحصل عليه من بعض القوى الخارجية. وفي السياق ذاته، أوضحت روسيف أنّ حلّ الأزمة السورية يكمن بدرجة أولى في تشجيع الحوار الوطني51. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 2012، رفضت الحكومة البرازيلية الاعتراف ب "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" الذي تَشكَّل في الدوحة؛ إذ ربطت بين اعتراف مجلس الأمن الدولي بشرعية هذا الائتلاف، واعترافها به52. سبق أن دعت البرازيل ومعها دول "البريكس" حينما اجتمعت في نيودلهي في آذار / مارس 2012، إلى وضع حدٍّ لأشكال العنف كافّة وانتهاك حقوق الإنسان في سورية. وفي الاجتماع الذي عقده نوّاب وزراء خارجية التجمّع في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 بخصوص منطقة الشرق الأوسط، أكّد المجتمعون أنّ حلّ الأزمات في المنطقة يجب أن يكون في إطار القانون الدولي، وعبر الحوار الوطني وبمشاركة جميع الأطراف، مع ضرورة احترام استقلال دول المنطقة وسلامة أراضيها وسيادتها. ورفض البيان التدخّل الخارجي في الشؤون الداخلية لدول المنطقة53. وقامت دول تجمع "البريكس" في ختام القمّة السنوية التي شاركت فيها البرازيل واستضافتْها مدينة ديربان في جنوب أفريقيا في 26 و 27 آذار / مارس 2013، بإصدار بيانٍ اكتفت فيه بالتعبير عن بالغ قلقها بشأن تدهور الوضع الأمني والإنساني في سورية، كما دانت الانتهاكات المتزايدة لحقوق الإنسان في ظلّ تواصل العنف. وأشار البيان إلى أنّ الاتفاق الذي جرى التوصّل إليه في جنيف في 30 تموز / يونيو 2012 برعاية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، والذي يهدف إلى تكوين حكومة انتقالية في سورية، يشكّل الأساس لتسوية الأزمة السوريّة. كما رفض البيان من جديد أيّ عسكرة أخرى للصراع، وحثّ الأطراف كافّة على تيسير الوصول الآمن والكامل والعاجل للمنظمات العاملة في المجال الإنساني54.
محدّدات الموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي ودوافعه
إذا كان رفض الصين وروسيا التدخّل العسكري في سورية، واستخدامهما حقّ النقض في مجلس الأمن الدولي ضدّ قرارات خاصّة بالأزمة السورية يمكن أن تفسّه مصالح هاتين الدولتين الاقتصادية والإستراتيجية، فكيف يمكن تفسير الموقف البرازيلي من الثورة السوريّة؟ من خلال استعراض التحليلات المتعلقة بالموقف البرازيلي من ثورات الربيع العربي بصفة عامة، والثورة السورية بصفةٍ خاصة، يمكن القول إنّ هذا الموقف انعكاس للمبادئ العامة الحاكمة للسياسة الخارجية البرازيلية، وبخاصّة منذ وصول لولا إلى الحكم. وبصفة عامة، هناك مجموعة من الدوافع الإستراتيجية والاقتصادية البنيوية التي تفسّ الموقف البرازيلي من تلك الثورات، ومن بينها: أوّلً: يبرز موقف البرازيل من ثورات الربيع العربي بصفة عامة والثورة السورية بصفة خاصة، قلقها الحقيقي من الآثار المترتبة على ما يسمّى "التدخلات الإنسانية" التي قد يُساء استخدامها وتوظيفها في أغراض غير حماية المدنيين مثل تغيير الأنظمة، وربّ ا تؤدّي إلى تكرار النموذج الليبي بل تكريسه في حلّ الأزمة السورية وغيرها من الأزمات. وهي تخشى أن يتحوّل التدخّل الدولي إلى أداة جديدة يفرض بها الشمال
هيمنته على العالم، وأن يكون وسيلة لتشكيل بنية النظام العالمي الجديد الذي تسعى لأن يكون لها حضورٌ قويّ فيه55. ثانيًا: يرتبط موقف القوى الصاعدة عمومًا والبرازيل خصوصًا من الثورة السورية بلا شكّ، بالعامل الاقتصادي؛ إذ ترى هذه الدول أنّ استقرار منطقة الشرق الأوسط مفيدٌ لها وللعالم أجمع، نظرًا لما تمثّله من أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة إليها. ولذلك، فموقف البرازيل من الثورتين الليبية والسورية إنّ ا يبرز انزعاجها وتخوّفها المتزايد ممّ سيكون للثورات العربية من انعكاسات على قدرتها على الوصول إلى مصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وفتح أسواق جديدة لمنتجاتها واستثمارات لشركاتها. ثالثًا: من بين العوامل التي تفسّ الموقف البرازيلي من الثورة السوريّة ارتباطها بشراكات اقتصادية وإستراتيجية قويّة مع كلٍّ من الصين التي تعدّ أكبر شريك تجاري للبرازيل، وروسيا التي تربطها بها علاقات إستراتيجية وتعاون وثيق في مجال التسلّح. وهاتان الدولتان تعارضان بشدة أيّ تدخّل عسكري في سورية. ومن ثمّ، فإنّ البرازيل تخشى من أن تتّخذ موقفًا معارضًا لمواقف الصين وروسيا، ما قد يؤثّر سلبيًّا في علاقتها بهاتين الدولتين، ودعمهما مساعيها الرامية إلى الحصول على مقعدٍ دائم في مجلس الأمن. رابعًا: يرتبط الموقف البرازيلي من الثورة السوريّة بما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "من سوريا يبدأ النظام العالمي الجديد"، بخاصة أنّ الأخيرة تقع ضمن دائرة المقاومة لمشروع الهيمنة الأميركية. وبالفعل، ربّ ا تكون المسألة السوريّة هي اللحظة التاريخية الفارقة التي ستسجّل تاريخ التحوّل في النظام الدولي؛ إذ يشهد العالم تبلور رؤية مجموعة من الدول التي تجتمع على الرغبة في تغيير النظام الدولي في اتّجاه نظام متعدّد الأقطاب، يكون من شأنه تقويض الهيمنة الأميركية على العالم56.
هل البرازيل أحد الخاسرين نتيجة ثورات الربيع العربي؟
وجد الساسة البرازيليون أنفسهم خاسرين، إستراتيجيًّا واقتصاديًّا، بسبب مواقفهم المتردّدة من التحولّات التي أحدثتها الثورات العربية في كلٍّ من تونس ومصر وليبيا واليمن، ولذلك فهناك اعتقاد سائد داخل الأوساط السياسية البرازيلية، يفيد بأنّ حمايتهم النظام السوري، يمكن أن توجِد حضورًا برازيليًّا قويًّا في مختلف ملفّات الشرق الأوسط، وفي التسويات التي يمكن أن تحدث في المستقبل بخصوص إيران وملفّها النووي، وكذلك بالنسبة إلى القضية الفلسطينية. وينطلق الموقف البرازيلي ومعه بقية دول "البريكس" من قناعةٍ بأنّ حلف الناتو والغرب أداروا المعركة في ليبيا ضدّ النظام لمصلحتهم، وخسروا هم كلّ شيء، وأنّ الولايات المتحدة الأميركية والغرب في تعاملهم مع الأزمة السورية الراهنة يسعون أيضًا إلى تحقيق مصالحهم القومية، ما سيكون له انعكاسات خطيرة عليهم57.
ويؤكّد بعض الباحثين أنّ موقف البرازيل من هذه الثورات، قد يكلّفها كثيرًا من الزاوية الإستراتيجية، بخاصة في ما يتعلّق بسعيها للحصول على مقعدٍ دائم في مجلس الأمن الدولي؛ إذ سيؤدّي تردّدها في تقديم دعمٍ أكبر لمحتجيّن يطالبون بالديمقراطية في نهاية المطاف إلى الإضرار بمصالحها في منطقةٍ مهمّة بالنسبة إلى طموحاتها الرامية إلى تعزيز العلاقات مع الدول النامية. ويكفي أن نذكر أنّ البرازيل سعت مؤخّرًا إلى كسب تأييد الدول العربية لدعم مرشّحها روبرتو ازيفيدو، لتولّ منصب المدير العامّ لمنظمة التجارة العالمية58. وفي هذا الإطار، يرى عددٌ من المراقبين أنّ رفض البرازيل تدخّل القوى الغربية عسكريًّا لدعم ثورات الربيع العربي (في ليبيا، وسورية) يجعلها في خطر المراهنة على الجواد الخاسر، وسوف يضرّ بمصالحها الاقتصادية في المنطقة؛ لأنّ أيّ حكومة يقودها المعارضون في سورية ومن قبلها ليبيا، ستواجه بمشكلات سياسية مع البرازيل، لأنّه سينظَر
إليها على أنّها لم تدعم جهود إطاحة القذافي في الماضي، وتعارض جهود إطاحة الأسد في الوقت الحالي. ولذلك فمن الضروري معرفة كيف تُقدّر البرازيل أثر هذا الموقف عند الثوّار السوريين، وهل تخاطر بذلك مع النظام الجديد الذي قد يتشكّل إذا ما سقط نظام الأسد كما فعلت في ليبيا، أم أنّها تقدّر أنّ النظام الحالي لن يزول، وأنّها بذلك تقدّم أساسًا جديدًا للمصالح البرازيلية مع دمشق في المرحلة القادمة، وسيجعل من سورية وإيران شريكين أساسيين في هذه المنظومة الجديدة، ما سيؤدّي إلى إنهاء الأحادية القطبية للولايات المتحدة الأميركية59؟
خاتمة
إذا تتبّعنا موقف البرازيل من مجمل الثورات التي شهدتها المنطقة العربية منذ أواخر 2010 وحتّى الآن، والتي بدأت في تونس، وانتقلت إلى مصر، وليبيا، واليمن، ولا تزال مشتعلة في سورية، يمكن القول إنها لم تتّخذ موقفًا محدّدًا من هذه الثورات؛ إذ كان الموقف البرازيلي من الثورتين الليبية والسورية على النقيض تمامًا من موقفها من الثورتين المصرية والتونسية. وربّ ا يرجع ذلك إلى اختلاف طبيعة الأنظمة العربية التي قامت الثورة ضدّها؛ فعلى سبيل المثال، كانت البرازيل تصنّف ليبيا وسورية - قبيل اندلاع الثورات العربية المتعاقبة - بأنّهما دولتان تقعان ضمن دائرة المقاومة لمشروع الهيمنة الأميركية، في حين تصنّف تونس ومصر، بوصفهما دولتين حليفتين للولايات المتحدة الأميركية والغرب. وعلى هذا الأساس، نشأت علاقات ثنائيّة قويّة بين كلٍّ من نظامَي القذافي والأسد والبرازيل. وكان واضحًا أنّ هناك درجة عالية من التوافق في المواقف الدولية بين هذين النظامين العربييّن من جهة، والدول اللاتينية وفي القلب منها البرازيل، من جهةٍ أخرى. وممّ لا شك فيه أنّ طريقة حسم الأزمة السوريّة سوف تؤثّر بقوّة في مستقبل الصعود البرازيلي على الساحة العالمية، بخاصة في ظلّ مشاركة أطرافٍ وقوى كبرى في إدارة الأزمة، ما يكشف عن حقيقة أنّ النظام الدولي لم يعد نظامًا أحاديَّ القطبية كما كان في الماضي، بل هناك تحرّك حثيث نحو إقامة نظام دولي جديد يقوم على التعدّدية القطبية. وربّ ا تكون الأزمة السوريّة وطريقة إنهائها هي نقطة بدء ميلاد هذا النظام العالمي الجديد، بخاصة أنّ البرازيل تعلم جيّدًا أنّه إذا سقط نظام الأسد، فلن يبقى لها من حلفاء في منطقة الشرق الأوسط سوى طهران60. وهذا يفسّ كيف أنّ البرازيل تدعم سياسة عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتتبنّى في الوقت نفسه الدبلوماسية الحركية التي تطوّر مواقفها وفقًا لقراءةٍ مستمرّة للمستجدّات. وهذا ما دفعها إلى التصويت على قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة بشأن سورية في شباط / فبراير 2012، والذي دان بشدّة ما تقوم به السلطات السوريّة من انتهاكاتٍ مستمرة وواسعة وممنهجة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما أيّدت قرارًا من مجلس حقوق الإنسان لإيفاد لجنة إلى سورية للتحقيق في الانتهاكات هناك. من جانبٍ آخر، يمكن عَدّ الثورات العربية بداية محتملة وواعدة للتحوّل الديمقراطي، ومن ثمّ تحقيق التنمية الاقتصادية والاستقلال السياسي في دولها. الأمر الذي من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام التعاون البرازيلي - العربي على أسسٍ أكثر ثباتًا وقوّة؛ إذ من المتوقّع أن تنتج عملية التحوّل الديمقراطي في الدول العربية، مع الوقت، نظمً ديمقراطية مستقرّة، تكون لديها سياسة خارجية مستقلّة ورشيدة، وسوف تتّجه النظم الجديدة نحو إقامة علاقات وتحالفات مع البرازيل وغيرها من الدول اللاتينية. ما يعني مزيدًا من القوى الجنوبية الصاعدة التي من الممكن أن تعقد تحالفات جديدة فيما بينها، والتي ستعمل جاهدة من أجل تغيير النظام العالمي بوضعه الراهن، وتحوّله إلى نظامٍ يستوعب تلك الأقطاب الصاعدة. على الرغم من وجود خسائرَ مباشرة وواضحة للعلاقات بين بعض الدول العربية والقطب الجنوبي، بسبب نجاح الثورة الليبية واستمرار الثورة السوريّة حتى الآن، فإنّ باب التوقّعات لا يزال مفتوحًا، سواء في ما يخصّ مسار نهاية الأحداث في الثورة السوريّة، واحتمال استمرار حالة الاضطراب السياسي فيها لفترة ليست بقصيرة، وهو ما سيؤثّر سلبيًّا في البرازيل، أو في ما يخصّ مستقبل التحالفات العربية - البرازيلية التي إذا لم تتطوّر بصورة إيجابية، فسوف تؤثّر سلبيًّا في فرص صعود القطب اللاتيني، بحيث تُضعف من مجمل قوّة منظومة الدول الصاعدة61.