مراجعة كتاب مصر وإسلاميّوها بعد ثورة 25 يناير
(الجزء الثاني)
المؤلّف: مجموعة باحثين. الناشر: مركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي.2012 - عدد الصفحات: 250 صفحة.
يأتي الجزء الثاني من هذا الكتاب مكملً لموضوعات الجزء الأول الذي قمنا بمراجعة له في العدد السابق من هذه المجلة. ويتبنى الجزء الثاني مفهومًا أوسع للأمن الاجتماعي كمدخل رئيس في فهم الأزمات الأمنية السياسية والفكرية التي تجتاح العالم العربي. ويناقش احتمالات المخاطر التي تهدد الأمن الاجتماعي والسياسي على حد سواء، والتي يثيرها بعضهم جراء التغيير الذي أحدثته ثورة 25 من يناير في مصر في بنية الحكم وتوجهاته بعد تولي الإسلاميين سدة السلطة فيها، ومدى تأثير ذلك في الأمن الإقليمي في المنطقة العربية بأسرها. وقد بدأت التهديدات غير التقليدية للأمن تشهد تحولات في المنطقة العربية، سواء في تلك الدول التي حدثت فيها الثورات وغيرت بنية الحكم فيها، أو تلك التي لا تزال تشهد مناوشات ثورية، إن صح التعبير. وشكّل الانفلات الأمني على المستويين السياسي والاجتماعي ملمحًا أساسيًا في المراحل الانتقالية الحالية التي تشهدها دول الربيع العربي. فما هي انعكاسات ذلك على شعارات الأمن الاجتماعي التي من أجلها اندلعت تلك الثورات، والتي تلخصت في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؟ وهل يشكل إخفاق الإسلاميين بعد وصولهم إلى الحكم - الذي يتوقعه بعض المحللين السياسيين والأمنيين في ضوء ضعف خبرتهم - في تحقيق هذه الشعارات وتلبية تلك الطموحات الجماهيرية، تهديدًا للاستقرار والأمن في تلك البلدان على المديين القريب والمتوسط؟ وعلى غرار الجزء الأول من الكتاب، كانت فاتحة دراسات الجزء الثاني - الذي ضم 12 دراسة – دراسة للباحث والأكاديمي المصري الدكتور محمد حلمي عبد الوهاب بعنوان "السلفيون والثورة: أي دور سياسي؟ وقد استعرض فيها النشأة التاريخية للجماعات السلفية في مصر، ومن أهمها "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية" و"جماعة أنصار السنة المحمدية." ورصد اتساع دائرة المنضمين لها وعرض أهم أسباب ذلك؛ مثل الثورة النفطية في الخليج، منبع السلفية، وترهل الدولة المصرية، وتراجع دورها الذي تسبب في تراجع دور الأزهر الشريف بحكم تبعيته المطلقة للدولة، وفي الوقت نفسه، دعم بعض الشخصيات والتيارات السلفية للنظام الحاكم، إلى درجة الإفتاء بحرمة الإضرابات والاعتصامات العمالية وغيرها، وكانت مكافأة رموز هذا التيار هو الحصول على ترخيص لبعض القنوات الفضائية. ويستبعد الباحث إمكانية انحياز القوى السلفية للديمقراطية في المستقبل المنظور، مع أنهم يستخدمون آلياتها مثل التظاهر والاعتصام والانتخابات، نظرًا لطبيعة الخلفية التي ينطلقون منها، والتي لا تتعاطى مع الديمقراطية بجدية وواقعية. واختتم دراسته بمناقشة مسألة "الخروج على الحاكم" في الفكر السلفي، فعلى الرغم من أنّ هذه المسألة من الأبجديات الديمقراطية، يثور جدل كبير بين الإسلاميين عامة والسلفيين خاصة حول مشروعية تلك المسألة، واعتبارها تفتح مجالً للفتنة والخروج على الجماعة وتفتيت وحدتها، ولا سيما إذا كانت السلطة بيد السلفيين أو كانوا مشاركين فيها. وأكد على أنّ القوى السلفية لن تنحاز للديمقراطية بسبب رؤيتها الجامدة للنص، وبسبب رؤيتها الخاصة لمسألة الخروج على الحاكم وخطابها "الدوغمائي."
ولم يكن الباحث موفقًا في وصف الخطاب السلفي في ب "الدوغمائية" التي تعني التعصب للرأي والجمود الفكري، لأنه إذا صح هذا التحليل في الشأن الديني، فإنه لا يصح في الممارسة السياسية للتيار السلفي الذي أثبت "براغماتية" عالية في التعاطي مع التيارات السياسية كافة، إلى حد قيام حزب النور بإنهاء تحالفه مع حزب الحرية والعدالة، وتماهيه مع توجهات جبهة الإنقاذ الوطني التي يغلب عليها التيار الليبرالي واليساري، بل وتأييد انقلاب الجيش في 3 تموز/ يوليو الماضي على حليفهم الرئيس محمد مرسي! ويتتبع الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية صلاح الدين حسن، من خلال دراسته "الإخوان المسلمون: تداعيات تأسيس الحزب" تطور موقف جماعة الإخوان المسلمين من قضية تشكيل حزب سياسي يعبِّ عنها، خلال المراحل السياسية المختلفة التي مرت بها، بدءًا برفض مؤسس الجماعة ومرشدها الأول الشيخ حسن البنا النظام الحزبي باعتباره غير ملائم للبيئة المصرية، ثم رفض المرشد الثالث عمر التلمساني في السبعينيات من القرن الماضي تحويل الجماعة إلى حزب سياسي. ويرصد الباحث تحول موقف الجماعة عند تأسيسها حزب الحرية والعدالة عقب ثورة 25 يناير، والذي سبقه عدة تجارب للانخراط في
الحياة السياسية والبرلمانية المصرية من خلال ائتلافات حزبية. وتناول الإطار النظري والسياسي العملي لتشكيل الحزب ومفهومه وتداعياته على الحياة السياسية المصرية، ويناقش العلاقة الملتبسة بين الحزب الناشئ والجماعة العريقة. ويصف الارتباك الذي ساد الجماعة إبّان تكوينها للحزب بعد تنحي الرئيس حسني مبارك. ومع أنّ العلاقة بين الحزب والجماعة علاقة وطيدة، فإنه توقع حدوث أزمة بينهما، مستشهدًا بتكوين الجماعة وفلسفة الحزب في رؤية عبد المنعم أبو الفتوح، ومعه تطلعات شباب الجماعة؛ إذ يرفض الجمع بين السلطة المعنوية، متمثلة في الدعوة، والسلطة السياسية. ويعتقد الباحث أنّ المشكلة التي تدعو للقلق هي أنّ الإخوان انتقلوا من مرحلة تحديات القمع التي اعتادوا عليها، والتي تخلق صراع الهوية، إلى تحديات الحرية التي يجب أن تقابل بالإصلاح والتطوير، وهذا هو الأكثر صعوبة بلا شك. وما لبث الإخوان أن عادوا إلى مرحلة معاناة القمع مرة أخرى بعد عزل الجيش للرئيس محمد مرسي؛ ما يعني جزئيًا فشل الإخوان في التعامل مع تحديات الحرية وضرورة الإصلاح والتطوير التي أشار إليها الباحث. أما الباحث المصري ياسر قانصوه أستاذ مساعد الفلسفة السياسية، فتناول في دراسته المعنونة " الإخوان ونظرية السلطة: سياسة شرعية أم علاقة نفعية؟ " استخدام الإخوان لنظرية السلطة. وقد تجاوز الخطاب الدعوي وتأسيسه الشرعي للسلطة، وتناول نظرية الحاكم الرعوي عند ابن تيمية التي تجعل الجماعة محورًا للاهتمام، وقارن بينها وبين "المرشد" عند جماعة الإخوان الذي لا يُسأل. كما ضمت الدراسة تحليلً لكتابات حسن البنا التي جنّد فيها أتباعه ليكونوا حربًا على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام، مبيّنًا تناقضها مع تصريحات منتسبي حزب الحرية والعدالة مؤخرًا؛ وهو ما يراه الباحث تغيّ ا في أفكار الجماعة بشأن السياسة والنفعية. وأوضح الباحث أنه عند البحث عن جذورٍ لنظرية السلطة أو صورة الخطاب السياسي عند الإخوان، فإنه يطالعنا العدد الأول من جريدة النذير، وفي الافتتاحية التي كتبها الشيخ حسن البنا تحت عنوان "خطوتنا الثانية"، تساءل فيها موجهًا حديثه إلى الإخوان: "ما خطوتكم القادمة"؟ ومن ثم يجيب: "أقول لكم فاسمعوا: سننتقل من حيز دعوة العامة فقط إلى حيز دعوة الخاصة أيضًا، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، سنتوجه بدعوتنا إلى المسؤولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وهيئاته وأحزابه، وسندعوهم إلى منهاجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا، وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم بل زعيم الأقطار الإسلامية في طريق الإسلام في جرأة لا تردد معها، فإن أجابوا الدعوة، وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم، وإن لجأوا إلى المواربة والروغان وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام" النذير، العدد الأول، الافتتاحية (جريدة، 30 ربيع الأول.)1357 ه ومن خطاب "الوعيد" بلهجته الحاسمة التي تحدث بها مؤسس الجماعة حسن البنا تجاه كل من لا يقبل دعوة الجماعة إلى الإسلام الصحيح، كما تفهمه الدعوة الإخوانية، إلى خطاب "الملائمة والمواءمة" الذي يتحدث به سعد الكتاتني أحد أبرز قيادات الإخوان، ووكيل مؤسسي حزب الحرية والعدالة الذي دفع به الإخوان إلى المعترك السياسي كامتداد طبيعي للتنظيم وفق قواعد اللعبة السياسية، ولذا جاءت قيادات الحزب "مختارة" من قمة السلطة في التنظيم، لا "منتخبة" من القاعدة. يجيب الكتاتني عن سؤال: هل الحزب سيدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية أم لا؟ بقوله: "إنّ أسس الحزب ستنطلق من مبادئ الشريعة الإسلامية المتوافقة مع المادة الثانية من الدستور، وهذه نقطة تميّز؛ لأنه لا توجد أحزاب على أسس من الشريعة الإسلامية، وسيكون حزبًا يدعو إلى دولة عصرية حديثة ومدنية، الأمة فيها مصدر السلطات، وبها سيادة قانون وتؤمن بآليات الديمقراطية، والشعب هو من يختار نوابه ورئيسه، ويستطيع أن يحاسبه ويعزله، وتوجد تعددية وتداول سلطة، وكل هذه مبادئ مستقرة فنحن لا ندعو لدولة دينية، بل مدنية، ومن حقنا أن نختار المري اليوم، العدد المرجعية التي تناسبنا" (جريدة 2499 بتاريخ
قد يبدو الخطابان مختلفين، فالأول يحمل دلالات الثقة بالنفس والقدرة على المبادأة والحشد والحسم، بينما يطرح الثاني بعضًا من قواعد اللعبة السياسية كالمناورة والإيمان بالتعددية وآليات العمل الديمقراطي مع وضع لافتة لا يُختلف حولها: "المرجعية الإسلامية"، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الأول: يجري إعلانه عبر منبر الجماعة أو جريدة النذير، الذي يحمل اسمها في حد ذاته دلالة معينة، بينما يطرح الثاني مقولاته من خلال جريدة يمكن أن تحسب على التيار الليبرالي. وبينما يحصر الأول هدفه في نصرة الإسلام فحسب، يفسح الثاني مجالً لمرجعيات أخرى كالشيوعية والليبرالية والتي من حقها، طرح مرجعياتها كما ذكر الكتاتني نفسه.
ويكشف قانصوه أنّ ثورة 25 يناير طرحت أمام جماعة الإخوان تحديًا كبيرًا، ووضعت الجماعة ذاتها في مأزق كبير في ما يخص خطابها السياسي؛ إذ إنها تحاول الفكاك من خطاب سلفي (تقليدي) أحادي، إلى خطاب سياسي مستحدث يظهر إيمانه بالتعددية وقبول الآخر في مسألة تولي مقاليد السلطة. لكن هذا التحول لم يتأسس على إدراك واقعي لوجه الاختلاف الحاسم بين الخطاب الدعوي الذي يجري استدعاؤه متى لزم الأمر، والذي يلهب المشاعر ويثير الحماس في النفوس وقد ينجح نسبيًا في التعبئة الجماهيرية للوصول إلى السلطة، وبين الخطاب السياسي الذي يجب أن يرسم ملامح واضحة للعمل السياسي للوصول إلى السلطة وفق برنامج محدد يطمح إلى المستقبل عبر حلول عملية لمشكلات مزمنة طالما عانتها الجماهير التي سئمت دغدغة مشاعرها القومية تارة والدينية تارة أخرى.
وعلى المستوى التنظيمي الداخلي، ألقى الكتاب الضوء على دور الأخوات المسلمات في الثورة، فتناولت فاطمة عبد الحافظ - باحثة دكتوراه في التاريخ بكلية الآداب في جامعة القاهرة - في دراستها " المرأة في خضم الثورة: الأخوات المسلمات أنموذجًا " تأثيرات الثورة على دور الناشطات ووضعيتهن التنظيمية داخل جماعة الإخوان المسلمين. وقدمت لهذا بالحديث عن النشأة والتطور، مرورًا بالحقبة التأسيسية منذ التأسيس حتى الخمسينيات، والحقبة الثانية حتى الستينيات، والثالثة من السبعينيات وحتى الآن. واستعرضت الدور السياسي الذي قامت به الأخوات منذ بدء الألفية، وأدرجته تحت التصنيفات التالية: الدور السياسي المتمثل في ترشيح بعض الأخوات في الانتخابات، ودعم الحملات الانتخابية للمرشحين من الإخوان وحشد الأصوات لهم، من خلال الزيارات المنزلية، والعمل كمندوبات للمرشحين، وتنظيم الحملات المطالبة بالإفراج عن الإخوان المعتقلين. التصدي للأجندة النسوية المحلية والدولية من خلال "اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل" التي نهضت بمهمة تفكيك الأطروحات العالمية بشأن المرأة، وصوغ رؤى إسلامية بديلة، مثل إصدار وثيقة حقوق الطفل في الإسلام، وميثاق الأسرة. الدور الاجتماعي الذي تجسد في إنشاء بعض دور الرعاية الاجتماعية للفقراء والأيتام، الأمر الذي يصب في مصلحة حشد الأصوات للمرشحين الإخوان في الانتخابات. الدور التربوي والدعوي المتمثل في استقطاب ناشطات جدد للجماعة، والإشراف على نشاط الأسر الأسبوعي للأخوات، ومتابعة نشاط طلائع الفتيات الصغيرات الذي يطلق عليه "قطاع الزهرات." وركّزت الدراسة على الأخوات وثورة 25 يناير، حيث كلفت فيها "الأخوات المسلمات" بإعداد الطعام، وبعض الأدوار اللوجستية، والمشاركة في الشبكات الإعلامية الداعمة للثورة. وأشارت الدراسة إلى بعض الأصوات المهمشة التي تعبِّ عن تجاوزات في حقوق المرأة داخل الجماعة وتطالب بالمزيد من الحريات. أما الصحافي والباحث السياسي المصري، أحمد فودة، ففي دراسته "شباب الإخوان في مواجهة الحرس القديم: صراع أجيال أم تنوع أفكار؟" تناول صراعات الجيل الجديد من الإخوان، والانشقاقات قديمًا وحديثًا. وركز على الانشقاقات بعد الثورة منذ اليوم الأول؛ إذ رفضت فيه قيادة الجماعة المشاركة في التظاهر، ولم تنخرط رسميًا إلا في اليوم الثاني أو الثالث للثورة، وتجلت الخلافات في مؤتمر شباب الإخوان الأول، وطرحهم مسائل حاسمة حول الشورى ودراسة الأفكار بحرية واستشارة المختصين وفتح باب التحزّب بلا قيد، وانتخاب الهيئات، بالإضافة إلى رغبة بعضهم في وقف إجراءات تأسيس حزب الحرية والعدالة حتى وقت قريب، والانشقاقات التي نتجت من ذلك، خاصة من قيادات جيل الوسط، ومن أهمهم عبد المنعم أبو الفتوح. وعزا الباحث أسباب الانشقاق إلى البنية المؤسسية غير الديمقراطية للإخوان، وصراع الأفكار، ووجود تيارات فكرية متباينة داخل الجماعة؛ التيار الأول هو المسيطر على قيادة الجماعة، وهو المعبِّ عن جيل النشأة الذي مر بالمراحل العصيبة في عمر الجماعة (الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين)، والذي يسعى للحفاظ على كيان الجماعة كهدف أعلى. وفي السبعينيات نشأ التيار الثاني الذي حمل لواءه جيل عاش ظروفًا تختلف عن ظروف الجيل السابق، من حيث وجود بيئة أكثر انفتاحًا لممارسة العمل الدعوي
والسياسي. وكان قادة هذا التيار من طلاب الجامعات الناشطين الذين مارسوا قدرًا أكبر من العمل السياسي مقارنة بالدعوي، وانفتاحهم على قوى المجتمع الأخرى. ثم جاء التيار الفكري الثالث، والذي عبّ عنه الحركة. جيل شباب الجماعة في الألفية الجديدة؛ إذ نشأ في ظل ثقافة أكثر انفتاحًا، تواكبت مع تطور وسائل الاتصال والتفاعل الشعبي، وعدم قدرة النظام الحاكم أو الجماعة على حد سواء السيطرة على هذه الأدوات الجديدة. وخلص الباحث إلى فشل عملية إدارة الاختلاف في الجماعة بين تلك التيارات الفكرية، نظرًا لانخفاض مرونة الجماعة في التعاطي مع مخالفيها، واتباع إستراتيجية ترحيل الأزمات، وعدم وجود وزن مؤثر للأجيال الشابة داخل معادلة الصراع.
أثبتت التطورات المتلاحقة خلال العام الذي قضاه الإخوان في الحكم، وما تلاه من محنة إقصائهم عن الحكم والمشهد السياسي، صدق ما أشار إليه الباحث، لأنّ هذه المحنة هي بالفعل في جزء منها وليدة انخفاض مرونة الجماعة في التعاطي مع مخالفيها. وفضلً عن دراسته في الجزء الأول من الكتاب، شارك الباحث حسام تمام بدراستين أخريين في الجزء الثاني. في دراسته الأولى " ترييف الإخوان: تراجع الجماعة عن تراثها المديني "، يطرح ما يمكن تسميته إشكالية التحديث المؤسسي والقيمي داخل الحركة الإسلامية؛ إذ أبدت الجماعة في السنوات الأخيرة، مجموعة من المظاهر القيمية والسلوكية أقرب إلى انتشار ثقافة ريفية داخلها، تنبئ بعملية "ترييف" للجماعة تكاد تقطع مع تراثها بوصفها جماعة مدينية في طبيعة عضويتها. وأوضح الباحث أنّ تمدد جماعة الإخوان داخل الريف المصري، ولا سيما بعد اشتداد قبضة النظام عليها، ذو علاقة بابتعاد الريف عن الرقابة الصارمة من قبل الدولة، لافتًا إلى أنّ هناك تزامنًا واضحًا بين الركون إلى المحافظة والانغلاق وتغليف المكون الريفي من حيث الانتماء المناطقي في عضوية المؤسسات الإخوانية، وبين تغليب المكون السلفي الموصوم بالمحافظة من الاتجاه الأيديولوجي العام داخل
ويدرس الباحث ظاهرة سيادة ثقافة ريفية تخالف ما نشأت عليه الجماعة تاريخيًا، وهي ثقافة تتوسل بالقيم الأبوية، إذ الطاعة المطلقة، وانتشار ثقافة الثواب والعقاب والتخويف حتى في العلاقات التنظيمية، وسيطرة الخوف من المختلف أو المتميز، مع الميل للركون إلى التماثل والتشابه بين أعضاء الجماعة التي صارت تميل إلى التنميط. وكما توضحه الدراسة، يمكن القول إنّ زيادة نفوذ المحافظات ذات الطابع الريفي داخل الجماعة لها علاقة باتجاه الحركة نحو مزيد من المحافظة، وهذا يعكس ميلً واضحًا نحو مقاومة ضغوط محاولات الإصلاح التي كانت تأتي أيضًا من داخل الجماعة نفسها، وهي الرؤية التي يتبناها تيار التنظيم داخل الإخوان، إذ يعتبر أنّ الجماعة تتعرض لاختراق وأنه لا بد من إصلاحها. وتساءل الباحث: هل يشكل هذا البعد القيمي المشترك في السلفية كما في المناطق الريفية البعد الأيديولوجي الكفيل بتجاوز التناقضات الجيلية والاجتماعية والمصلحية التي كانت مسؤولة عن أزمات الإخوان خلال السنوات الأخيرة؟ أم إنه سيكون تقليدًا قائمًا على قيم الطاعة والتنميط والامتثال للمبدأ التنظيمي على حساب تعددية الآراء، بحيث يرجح تراجع الأيديولوجية الإخوانية الجامعة التي كانت هي الضامن لوحدة الصف داخل الجماعة. وفي دراسته الأخرى " الإخوان المسلمون والعنف والحركات الجهادية " تناول حسام تمام التساؤلات حول علاقة الإخوان المسلمين بالعنف المسلح والجهاد الذي خضع مفهومه للتغيير منذ التقطته حركات الإسلام السياسي في القرن العشرين. ورأت الدراسة أنّ الفارق بين الإخوان والآخرين من الإسلاميين هو فارق الخبرة الذي يعطي الإخوان دائمًا قدرة أفضل على قراءة المشهد بواقعية خوفًا من فاتورة الحساب، مؤكدًا أنّ موقف الإخوان من العنف المسلح وفكرة الجهاد ظلّ يتأرجح من الناحية العملية بين أطروحتي الدولة والأممية كما توارثها الإخوان من المرحلة "البناوية" والمرحلة "القطبية." أما الفكرة الجهادية لدى الإخوان فقد جرى تأطيرها اجتماعيًا وثقافيًا بشكل سمح للإخوان بتجنب التورط المباشر أيديولوجيًا وتنظيميًا في معركة الجهاد، حتى في مراحل الانسداد السياسي. ومعركة الجهاد لدى الإخوان تبدو رهنًا بدرجة الحضور أو الابتعاد عن السياسة، بما يضمن
بقاء الجماعة واستمراريتها التي هي أصل الوجود الإخواني لسببين: الأول، بفضل ميراث مرشدها الأول خلال الثلاثينيات والأربعينيات، وهذا يفسر مسارعة الإخوان - وعلى نهج البنا - للنأي بالجماعة عن أفكار التكفير في الستينيات، ولحظة اغتيال السادات، وفي أوائل التسعينيات. والسبب الثاني تراث الدولة القوية شديدة المركزية في مصر. ويخلص الباحث إلى أنه لا يزال لدى الإخوان معرفة بصعوبة تحقيق اندماج كامل في دواليب السلطة التي لا تزال عصية، حتى في وجود تنظيم إخواني قوي، يضاهي انتشارها في المجتمع المصري. أما الباحث محمد أبو الرب، أستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت الفلسطينية، فجاءت دراسته بعنوان "الفضائيات الدينية: الإثارة والتسليع وسؤال المضمون." وقد تناول علاقة الخطاب الدعوي الإسلامي التلفزيوني بقضيتي التسليع والخيارات التقنية، موضحًا توظيف الفضائيات الدينية البنية الفنية التي تقوم عليها دراما الاتصال لتحقيق التأثير، وإسهام الرسائل الدعوية المتلفزة في خلق نمط جديد من التدين. وأكد على أنّ تلك الفضائيات تأخذ الخطاب الديني بعيدًا عن جوهر الدين نفسه، ليصبح الدين مرتبطًا بقيم السوق، بما يحمله ذلك من خيارات تنافسية؛ أهمها التنافس على كسب الجمهور، والتنافس على كسب المعلنين. وحديثًا باتت تبرز تصنيفات للدعاة، فيقال فلان داعية متخصص للطبقة الوسطى في المجتمع مثل الداعية عمرو خالد، وداعية متخصص للطبقات الدنيا، ومنهم الدعاة في فضائية "الناس"، مثل "أبو إسحاق الحويني" ومحمود المصري. واعتبر الباحث أنّ دراسته بمنزلة منبه لذوي الشأن والاختصاص بأنّ ما تلصقه بعض الفضائيات الدينية بالدين الإسلامي، هي أخطر عليه من الجماعات المسلحة والإرهابية والتي تتخذ من الدين ذريعة لإضفاء شرعية على ممارساتها. وكما قدم عرضًا لأحد الكتب التي تناولت ثورة 25 يناير في الجزء الأول من هذا الكتاب، يقرأ الباحث عمر البشير الترابي كتاب "الثورات العربية الجديدة المسار والمصير: يوميات من مشهد متواصل"، للمفكر الموريتاني السيد ولد أباه؛ الذي تناول الثورات في الوطن العربي، وحاول وضعها في إطار فلسفي، مشددًا على ضرورة تحجيم دور المؤسسة العسكرية في مصر، تفاديًا لما أسماه الثورة المضادة. وقد جمع الكتاب بين أسلوب تحليل الحدث واستنطاقه بمنهج النظر الفلسفي والرؤية التأملية الاستشرافية في سياقات الثورات العربية، وجاء الكتاب في سبعة أبواب، متناولً تلك الثورات من زوايا مختلفة، ومقارنًا بينها وبين الثورة التي أسقطت تشاوسيسكو، وبعدها عاد أرباب نظامه في أول انتخابات، واستشهد بها ليؤكد خطورة المغالاة في الأمان، ومنبهًا إلى عدم تحميل اللحظة الانتقالية مطالب تعجيزية قد تجر إلى تبديد مكاسب التغيير، وناقش نموذج الثورات التشيكية والبرازيلية الناجح الذي أوصى به أوباما، ونقيضه المتمثل في نموذج التجربة اللاتينية بسبب هشاشة الإعداد الدستوري. والكتاب هو ملاحظات متفرقة ومهمة تناولت الثورات العربية، وقدمت لها إطارًا فلسفيًا على اضطرابه وتناقضه أحيانًا، ومع ذلك فهو مساهمة مهمة لتمكين الباحثين من أرشيف جيد، ومداخل فلسفية مهمة لفهم الاحتجاجات العربية، وتعامل المثقف والمفكر معها. ويختتم الجزء الثاني بثلاث مقالات مترجمة، الأولى لديفيد بلوك أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، حول "ازدواجية خطاب جماعة الإخوان في مصر"، محذرًا من الاهتمام بما يقوله الإخوان باللغة الإنكليزية، وداعيًا إلى عدم الركون إلى أي "تطمينات" خاصة تقدمها الجماعة. ونظرًا إلى تاريخ الإخوان المسلمين في ازدواجية الخطاب، يرى الكاتب أنه ينبغي على المراقبين التعامل مع أي شيء تقوله الجماعة باللغة العربية بالقدر المطلوب من الشك، وأنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الجماعة، لكن لا يتعين أن تثق بأي شيء تقوله حتى تُثبت العكس على الأقل. والمقالة الثانية "الإخوان المسلمون يدعمون الإرهاب"، وكانت خلاصة شهادة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت مولر أمام لجنة مجلس النواب عن علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب؛ إذ رأى أنّ الجماعة الإسلامية التي ألهمت أيديولوجية الإرهابيين مثل أسامة بن لادن، موجودة في الولايات المتحدة وتدعم الإرهاب في أميركا وخارجها. أما المقالة الثالثة والأخ ةرر فهي لأميتاي إتزيوني أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، وتناولت "الدروس المستفادة من ليبيا" بعد مشاركة حلف شمال الأطلسي "الناتو" في إسقاط حكم القذافي، مؤكدًا على ميزة أن تكون القوات بعيدة عن الأرض، وعدم الخوض في رهانات بناء الأوطان.