عرض كتاب كراهية هتلر لليهود: النمطيّة والحقيقة
Hitlers Judenhass - Klischee und Wirklichkeit
المؤلّف: رالف جورج رُوث. الناشر: بيبر فرلاغ، ميونيخ، ألمانيا.2009 - عدد الصفحات: 376 صفحة.
لا شك في أنّ الكتابة في موضوع يثير كثيرًا من العواطف لدى أوساط اجتماعية وسياسية من الأمور التي تكون غايةً في الصعوبة؛ فأيّ كلمة تُكتب فيه ستخضع لرقابة صحافية وقانونية وشرعية لا ترحم، حتى في أوروبا، عندما يتعلق الأمر بموضوع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر، والمرحلة النازية، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يقع في هذا الإطار.
ربما تعلم فئة قليلة أنّ كُتب هتلر، وفي مقدمها "كفاحي – "1925، محظور نشرها في ألمانيا، وربما تعلم فئة قليلة جدّا أنّ موظفي سفارات ألمانيا يجولون في معارض الكتب في البلاد العربية باحثين عن نسخة من الكتاب بالعربية، كي يطالبوا الناشرين أو الكتبيين، في أدب ومن دون أيّ مرجعية قانونية، بسحبه من التداول. هذا، في ظننا، يعكس العصبية المرافقة لأيّ حديث في العهد النازي وكبار رجالاته، على الرّغم من أنّ ألمانيا تصدر العديد من الكتب والأفلام عن تلك المرحلة، بل إنّ مانفريد رومل، ابن القائد العسكري النازي إرفين رومل، انتُخب مراتٍ عديدةً رئيسًا لمدينة شتتْغارت الألمانية، إذ يعدُّ والده من الأبطال؛ لأنه شارك في محاولة اغتيال هتلر، وفضَّ ل، عندما قُبض عليه الانتحار مع تأبين وطني وشعبي له، عندما خُيِّ بين ذلك وبين القتل والتشهير. وهذا يحدث في الوقت الذي تمنع شروط استسلام ألمانيا النازية استخدام الاسم (بروسيا) لأيّ ولاية من ولايات الدولة؛ ما يعكس حالة عدم الارتياح السائدة، حتى بعد مرور نحو ستين عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهزيمة ألمانيا النازية، واستسلامها غير المشروط. ومن هذا المنظور اخترنا هذا الكتاب الذي يتحدث عن شخصية هتلر وما رافقها من أحداث وجرائم لا حدّ لها، انطلاقًا من رأيٍ علميٍ، قدر الإمكان. الكتاب يبحث، إذن، في ولادة فكرة معاداة اليهود التي يشار إليها في الآداب السياسية العربية خطأً ب "معادة السامية"، وأسباب ما يسمَّى هوس معاداة هتلر والنازيين لليهود. ويعود المؤلف إلى "صلح فرساي" الذي عقد عقب الحرب العالمية الثانية وفرَض شروطًا قاسيةً على ألمانيا، وسلبها كثيرًا من أراضيها؛ إذ تظهر بوضوح في الخريطة المرفقة بالكتاب (ص 112 - 113) مناطق ضُ مَّت إلى الدول المجاورة، وأخرى حظرت على الدولة الألمانية إقامة أيّ تحصينٍ فيها؛ ما يسمح للدول المجاورة بغزوها بسبب عدم توافر إمكانية الدفاع عنها. وتُضاف إلى ذلك التعويضات الهائلة التي فُرض على ألمانيا دفعُها لجيرانها. لكن هل كان هتلر، من البداية، معاديًا لليهود؟ يطرح المؤلف هذا السؤال، وهو من الصحافيين الذين يحظون باحترام المؤسّسة الحاكمة في ألمانيا، مثلما طرحته دار النشر الألمانية التي أصدرت الكتاب. يقول الكاتب على الرّغم من النمطية السائدة عن هتلر من جهة أنه معادٍ لليهود من البداية، فإنّ الحقيقة تثبت أنه لم يكن كذلك، بل إنّ مناوئيه ومنتقديه كانوا ينعتونه حتى عام 1919 بأنه عضو في مجلس الجنود الذي يسيطر عليه الألمان اليهود.
الكتاب، إذن، يبتعد عن الصور النمطية التي "تُشيطن" الزعيم النازي منذ البداية، ويذكر حقائق موثَّقة تستدعي إعادة النظر في ما كُتب عنه، بحسب المؤرخين الألمان. فالمؤلف يذكر أنّ هتلر احتفظ بعلاقات صداقة شخصية بكثير من الألمان اليهود، على الرّغم من ادعائه، أنه كان يحاول إخفاءها؛ وذلك اعتمادًا على ادعاء الزعيم الألماني النازي أنّ معاداة اليهود كانت تجري في عروقه، أو أنه كان معاديًا لليهود بالفطرة. ومن الأمثلة التي يقدمها المؤلف أنّ إدوارد بلوخ، طبيب والدة هتلر، كان يهوديًّا، وأنه سهَّل له الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1938. ويضاف إلى هذه الأمثلة، أيضًا، رفيقه في الفرقة العسكرية غوغو غوتمان الذي منحه هتلر وسامًا عسكريًّا لبطولاته في الحرب العالمية الأولى. وقد عمل أيضًا على كسب عضوية الجيش بدعمٍ من جمهورية المجالس البافارية الثورية التي كان الألمان اليهود يتحكمون فيها.
هذه بعض الحقاق التي يذكرها الكتاب، مُزيحًا الستار عن أمور مهمَّة، سحبت من التداول لأسباب معروفة، وهي الخوف من "أنسنة" النازية في وقت تستمر فيه ألمانيا في شعورها بأنها خاضعة لابتزاز الصهيونية، وهي في غنى عن فتْح أبواب جديدة تضطرها لدفْع المزيد من التعويضات. الكتاب لا يتعامل مع الانتقال الفكري للزعيم النازي فحسب، بل يضيف إلى ذلك سيرة رجل عمل فنانًا لم ينجح، وأضحى أقوى رجال أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي، وهو من دون أيّ شهادة أكاديمية. ويلخص المؤلف أسباب كراهية هتلر لليهود في نقاط رئيسة هي صلح فرساي، والتعويضات الهائلة التي فرضتها دول التحالف على بلاده، إضافةً إلى كراهيته للاشتراكية؛ إذ عَدَّ الحركة الشيوعية صناعةً يهوديةً معاديةً للرأسمالية والمسيحية، على أننا نشير في هذا السياق إلى أنّ لينين عارض صلح فرساي، ورفض المشاركة فيه، وقال إنه وصفة لحرب عالمية ثانية. وهذا ما حصل فعلً. ويبحث الكتاب في هذه المسائل وغيرها عبْ ستة فصول ذات عناوين دالة هي: 11. التأريخ بدلً من الأدلجة الحقائق المسكوت عنها: مجلس الجنود في جمهورية المجالس اليهودية 33. معاداة اليهود الراديكالية انعكاسًا للبلشفية اليهودية
44. سببية غير مريحة: معادة اليهود الراديكالية انعكاسًا للرأسمالية اليهودية
55. اللامعقول: صاحب نظرية المؤامرة العالمية 66. العواقب المتنازع عليها: نفعي أو ذرائعي حتى تدمير العالم وعلى الرّغم من النقاط المهمّة التي أوردها المؤلف، وهي المرة الأولى التي تُطرح فيها في ألمانيا، يبقى الكتاب ناقصًا من منظورنا؛ لأنه لم يأخذ في الحسبان التراث المسيحي الطويل من معاداة اليهود على الصعيد الشعبي، على الرّغم من أنّ عام الثورات في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر حوّل معظمها إلى دول مدنية. أمّا الأمر الثاني الذي ينبغي الإشارة إليه فهو إهمال ما كتب عن دعْم الرأسماليين الأميركيين اليهود لهتلر في بداية صعوده، ثمّ تخلّيهم عنه؛ ما قاد إلى النتيجة المتداولة. وأمّا الأمر الثالث الذي نرى أنّ المؤلف أهمله، فهو تقليد تاريخية معاداة اليهود في الديانة المسيحية، الكاثوليكية أو البروتستانتية. فمن المعروف أنّ كتاب المصلح البروتستانتي مارتن لوثر اشتمل على معاداة اليهود، على نحو غير مسبوق، من منطلق لاهوتي خالص. هذه، إذن، هي المرة الأولى التي تُتناول فيها سيرة هتلر الفكرية والسياسية من هذا المنظور، مع محاولة تقديم تلك الحقبة من تاريخ ألمانيا تقديمًا خاضعًا للتعليل العقلاني.