الضفة الأخرى: الرؤية الأثيوبية للصراع على مياه النيل

أحمد محمد أبو زيد

الملخّص

تحصر هذه الدراسة هدفها، وهي تناقش السياسات المائية لكلٍ من مصر وأثيوبيا، في شرح وجهة نظر الطرف الآخر في الصراع، وهو أثيوبيا، ومناقشة رد فعلها على التصعيد الإعلامي المصري الداعي لشن حربٍ مباشرة عليها، أو خلق القلاقل لها، إن هي أصرت على تشييد سد النهضة على النيل الأزرق الذي تصل منه ما نسبته %85 من المياه إلى مصر. تستعرض هذه الورقة تاريخ النزاع حول مياه النيل بين أثيوبيا (إحدى دول المنبع) ومصر (دولة المصب)، والموقف الأثيوبي من الاتفاقيات التي أبرمت في الماضي. تركز الورقة بصورةٍ خاصةٍ على شرت منذ ثورة عرض الكتابات الأثيوبية، التي ن 25 يناير 2011، دون أن تتدخل بنقدها أو تفنيدها؛ وذلك كي يتمكن القارئ من فهم وجهة نظر الطرف الآخر، للصراع حول المياه مع مصر. فما تعرضه الورقة بالأساس هو وجهة النظر الأثيوبية. ولا يعني عرضها هنا، بالضرورة، أن الكاتب يتفق معها أو يتبناها بصورة كليةٍ أو جزئية.

مقدمة

انتشرت دعاوى كثيرة في الصحف وبقية وسائل الإعلام المصرية (وبخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي)، في الأسابيع التي سبقت يوم 30 يونيو 2013، تدعو إلى تبني خيار الحرب مع أثيوبيا أو غيرها من الدول الأفريقية التي تفكِّر في المساس بحصة مصر من المياه. وتنوّعت هذه الدعاوى من القيام بحرب شاملة باستخدام الجيوش، أو ضربات استباقية بالطيران لمواقع السدود، أو القيام بعمليات خاصة لتدميرها، أو بثّ الفتنة والتخريب الداخلي في هذه الدول لمنعها من استكمال هذه المشروعات، بحيث تكون تلك رسائل تحذير لأي دولة في حوض النيل تفكِّر في إيذاء مصر أو تتعدّى على حقوقها الشرعية. هناك افتراض خاطئ سائد بين دوائر صناع القرار المصري وأغلبية النخب السياسية في ما يتعلق بعلاقات مصر الأفريقية ومع دول حوض النيل تحديدًا، وهو أنّ مصر يجب أن تكون قويّة بما يكفي للسيطرة عليه بصورة كاملة، أو على الأقل أن تعمل على تهيئة الظروف التي تمنع أثيوبيا من بناء سدود على النيل الأزرق. من الممكن أن تؤدي مثل هذه الأطروحات والدعاوى إلى إضعاف الدولة المصرية؛ فهي تخلو من العقلانية والمنطق، وهي غير واقعية وعدائية. لن تتطرق هذه الدراسة إلى الحديث عن السياسات المائية لكلٍ من مصر وأثيوبيا، لكنها ستحاول شرح وجهة نظر الطرف الآخر في الصراع (أثيوبيا)، ومناقشة الردّ الأثيوبي على الدعاوى القائلة بقيام الحرب بين الطرفين، وذلك عبر عرض الكتابات ووجهات النظر الأثيوبية التي نشرت منذ ثورة 25 يناير 2011 من دون التدخل بالنقد أو تفنيد هذه الكتابات؛ كي يتمكن القارئ من تكوين وجهة نظر كاملة حول الرؤية الأثيوبية للصراع مع مصر، وذلك عملً بمبدأ "اعرف عدوك." أيّ أنّ ما يُعرَض هنا بالأساس هي رؤية النظر الأثيوبية، ولا يعني عرضها هنا بالضرورة أننا نتفق معها أو نتبناها بصورة كليةٍ أو جزئية. وبناء عليه، قُسِّمت الدراسة إلى ثلاثة أجزاء وخاتمة؛ ففي الجزء الأول نتناول عبر التتبع التاريخي سجل الصراعات والنزاعات بين مصر وأثيوبيا بشأن مياه النيل من وجهة النظر الأثيوبية، والتي كانت السبب الرئيس وراء تجدد الصراعات بين البلدين منذ نحو ألف وخمسمئة سنة. وفي الجزء الثاني نتطرق بالتفصيل للصراع المستمر في المرحلة الممتدة بين ثورة 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013، ثم التطورات التي شهدها الصراع في ما بعد تنحية الرئيس السابق محمد مرسي. وفي الجزء الثالث سنقوم بعرض رؤية الجانب الأثيوبي وكيف ترى الأدبيات الأثيوبية إمكانية إدارة الأزمة الحالية مع مصر بصورة يجري معها تجنّب الحرب، التي تمثل في رأينا أسوأ الخيارات وأكثرها كارثية لكلا الطرفين وجيرانهما؛ أي التحرك من حروب المياه إلى دبلوماسية المياه. وسنعرض البدائل والخيارات التي يروِّج لها الجانب الأثيوبي باعتبارها مخرجًا للأزمة وحلها. وفي الخاتمة نحاول تقديم تصور لكيفية إدارة مصر لأزمة المياه مع الجانب الأثيوبي بناء على الأفكار والرؤى والتصورات الأثيوبية التي جرى عرضها في الدراسة.

أولا: جذور الصراع المصري - الأثيوبي بشأن النيل

لا تعد الجولة الراهنة من الصراع بين مصر وأثيوبيا بشأن مياه النيل هي الأولى بين الطرفين؛ إذ شهد البلدان صراعات وحروبًا عديدة بسبب المياه. تاريخيًا، كان الصراع يقع بين مصر والسودان من ناحية، وأثيوبيا من ناحية أخرى. وتبرر مصر مطالبها وحقها الطبيعي في ملكية مياه النيل استنادًا إلى معاهدتين: الأولى هي معاهدة عام 1929 بين بريطانيا التي كانت تحتل مصر في ذلك الوقت، والتي كانت بحاجة للقطن المصري كمادة خام لصناعة الغزل والنسيج، وبين حكومات المستعمرات البريطانية في حوض النيل كالسودان وأوغندا وكينيا وتنجانيقا وغيرها. وطبقًا لهذه المعاهدة يحظر على المستعمرات البريطانية في حوض النيل بناء أي مشاريع أو سدود على النيل إلا بعد الحصول على موافقة مصر. وترفض أثيوبيا الاعتراف بهذه المعاهدة بصورة أساسية؛ كونها لم تكن مستعمرة بريطانية، ومن ثمّ، فهي لا تخضع للمعاهدات والاتفاقيات التي وقعها التاج البريطاني ولا تلتزمها. أما المعاهدة الثانية فكانت معاهدة ثنائية عقدت بين مصر والسودان في عام 1959 لتقسيم مياه النيل بينهما، بحيث تحصل مصر على نسبة %75 والسودان على نسبة %25؛ وذلك من دون استشارة أثيوبيا أو مشاركتها، وهي التي تنبع من أراضيها هذه المياه، مما فاقم العلاقات بين الدول الثلاث.

الصراع في العصور القديمة

بوصفها واحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا، كانت مصر تنظر إلى حقها في مياه النيل حتى قبل 3000 سنة قبل الميلاد، كحق طبيعي لا منازع لها فيه، لأنه لم تكن هناك دول أو حضارات أو حتى مجتمعات بشرية منظمة في شرق أفريقيا ووسطها يمكنها تحدي أو الطعن في حق مصر في الحصول على مياه النيل1. ظل النيل والحفاظ على تدفقه أولوية لكل من جلس على عرش مصر؛ إذ تذكر البرديات والكتابات الجدارية القديمة أنّ من بين العهود التي يتلوها الفرعون الجديد تعهده بالحفاظ على النيل ورعايته. فتقدير المصريين لدور النيل في توفير الغذاء وتحقيق النمو السكاني والعمراني كان منذ زمن بعيد. وكان المصريون القدماء يعتبرون النيل آلهة يجب تقديسها، إذ تذكر بعض المصادر التاريخية أنّ الفترات التي شهدت تراجعًا في منسوب مياه النيل (كما حدث في عام 1740 قبل الميلاد بحسب العهد القديم) كانت مصحوبة بالمجاعات والفوضى السياسية والهلاك. وهذا ما يمكن أن يفسِّ سبب الهلع والخوف الشديد من أي دعاوى تمس النيل من جانب بعض الدول الأفريقية2. كانت العلاقة بين كلٍ من أثيوبيا ومصر طويلة وممتدة في التاريخ، وتأرجحت بين الانسجام والتنافر. ولعل من أهم أسباب الصراع والنزاع بين الطرفين - إلى جانب القضايا الدينية - هو الحصول على مياه النيل3. يمكن القول بأنه مع أفول الدولة الفرعونية المصرية المتأخرة ووقوع مصر تحت سيطرة الفرس ثم الأغريق (نحو 400 قبل الميلاد) كانت الإمبراطورية الأثيوبية تأخذ منحى متصاعدًا، فقد كانت هناك سلطة أثيوبية قوية في منطقة أكسوم تسيطر على إمبراطورية كبيرة تمتد من المرتفعات الأثيوبية عبر البحر الأحمر إلى اليمن، وكانت منغمسة بشدة في التجارة المزدهرة في منطقتي المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط. ومع تحوِّل مصر إلى ولاية رومانية ثم مسيحية، وتحوّل إمبراطورية أكسوم في عهد الملك عيزانا Ezana في عام 330 بعد الميلاد إلى المسيحية، توثقت العلاقات بين الطرفين بصورة كبيرة نظرًا لتوّحد الكنيستين (الإسكندرية وأكسوم) على اتّباع مذهب مرقص الرسول، وتعيين الأسقف الأكبر في أثيوبيا من قبل البطريرك المصري في الكرازة المرقصية بالإسكندرية لمدة ستة عشر قرنًا4.

الصراع في عصر الفتح الإسلامي

استمرت العلاقات بين الطرفين تسير في تعاونٍ حتى تم فتح مصر على أيدي العرب المسلمين في عام 640، فتحوَّلت مصر إلى الإسلام، ومن ثمّ تراجعت قيمة المسيحية ووزنها كديانة رسمية بالنسبة إلى أغلبية الشعب المصري. وقد أثار ذلك استياء أثيوبيا بسبب استمرار تبعية كنيستها الرسمية لبابا الإسكندرية الذي يتبع هو نفسه للحاكم المسلم في مصر. وما زاد الطين بلة - من وجهة نظر الأثيوبيين - سيطرة المسلمين العرب على المدينة المقدسة (القدس)؛ وهو ما أدى لإبعاد الكثير من الحجاج الأثيوبيين. لم ترضَ أثيوبيا بوصفها مملكة مسيحية مقدسة - ينظر حكامها لأنفسهم باعتبارهم من نسل النبي سليمان عليه السلام - بما فعله العرب. وبدأ مستوى العلاقات التوافقية والتعاونية بالتراجع (كان اللقب التاريخي للأباطرة الأثيوبيين "أسد يهوذا.)" ومع وجود ما تعتبره انتهاكًا لحقوق الأقباط المصريين (خصوصًا في أواخر العصر العباسي وبداية العصر المملوكي)، بدأت أثيوبيا تُظهر رفضها لهذه المعاملة المسيئة للمواطنين المسيحيين، محاولة استغلال المياه في الحرب ضد مصر. ففي الفترة 1225-1190 أعلن الإمبراطور الأثيوبي "اليبيلا" حربه الصليبية (بتعبير أندرو كارلسون) وعكف على بناء مدينة القدس الجديدة بدلً من تلك التي "يحتلها" العرب المسلمون، ودعا المسيحيين للحج إلى أثيوبيا بدلً من القدس. ومن جانب آخر، هدَّد الإمبراطور بتحويل نهر "تيكيزي" من مساره فلا يستمر في مجراه الطبيعي المسمى "نهر عطبرة" في السودان الذي يلتقي بالنيل الرئيس عند مدينة عطبرة الحالية5. وكان أول مصري

  1. Robert Collins, The Nile  (New Haven: Yale University Press, 2002), pp. 2-15. نهر النيل: نشأته واستخدام مياهه في الماضي والمستقبل (القاهرة وانظر أيضًا: رشدي سعيد،: دار الهلال، 2001)، ص 275-274.
  2. Andrew Carlson, “Who Owns the Nile? Egypt, Sudan, and Ethiopia's History-Changing Dam,” Origins: Current Events in Historical Perspective , vol. 6, no. 6 (March 2013), at: http://origins.osu.edu/article/who-owns-nile-
  3. Haggai Erlich, The Cross and the River: Ethiopia, Egypt, and the Nile  (Boulder: Lynn Rienner Publishers, 2002), pp. 3-21. 4  Ibid.
  4. egypt-sudan-and-ethiopia-s-history-changing-dam
  5. J. Abbink, “A Bibliography on Christianity in Ethiopia,” ASC Working Paper, no. 52 (Leiden: African Studies Centre, 2003), pp. 2-3.

كتب عن هذه المحاولة الأثيوبية لتحويل نهر النيل هو القس القبطي جرجس المكيني، الذي كتب إلى بابا الإسكندرية يحذره من خطورة هذه الخطوة على مصر. لم تقم أثيوبيا بهذه الخطوة لأسباب عديدة ليس هنا مجال ذكرها، إلا أنّ التضييق الذي مارسه الحكم المملوكي جدَّد عداء أثيوبيا لمصر. وبحلول منتصف القرن الرابع عشر، عندما اشتدت الممارسات والانتهاكات ضد الأقباط، أرسل الإمبراطور دوايت الأول السليماني تحذيرًا لسلطان مصر يرجوه الكف عن اضطهاد المسيحيين. ولمّا رفض السلطان، أعدَّ الإمبراطور جيشه وعقد العزم على غزو مصر لتحرير الأقباط. وبالفعل تحرّك بجيوشه حتى وصل شمال السودان، إلا أنّ حرارة الجو والعطش وبُعد المسافة وغيرها من الأسباب، أدت إلى تراجعه.

الصراع في الحقبة الاستعمارية

على الرغم من تراجع حدة الصراع، فإنه لم ينته تمامًا، وتجدد مرة أخرى في صورة صراع ديني؛ إذ شهد القرن السادس عشر حروبًا بالوكالة بين المسلمين والمسيحيين في المناطق الحدودية لأثيوبيا من الشمال ومن الجنوب، فقد كانت أثيوبيا المسيحية محاطة بسلطنات إسلامية في الصومال والسودان. بل وصل الأمر حدّ قيام أحد السلاطين المسلمين (السلطان أحمد قران، حاكم سلطنة عدل) غزو أثيوبيا، كما حاولت مصر ذلك أيضًا6. تواصل الصراع بين الطرفين حتى القرن التاسع عشر، وتجدَّد حينما بدأت سلالة محمد علي التوسّ ع والسيطرة على المناطق المجاورة لمناطق نفوذها بغرض بناء إمبراطورية للسلالة العلوية. وبلغت ذروة هذه الحملات في عهد الخديوي إسماعيل، حين خاضت مصر وأثيوبيا حربًا ضروسًا من أجل السيطرة على مداخل البحر الأحمر ومخارجه وإحكام السيطرة على منابع النيل. ففي عام 1876 وقعت معركة جورا، التي تقع حاليًا داخل حدود إريتريا7، والتي تعد نقطة فاصلة في تحديد العلاقات بين الطرفين حتى اليوم. ومنذ عام 1865 (وحتى عام 1885) سيطرت مصر على ميناء "مصوع" - الموجود حاليًا في إريتريا - والتي كانت تستأجره من الدولة العثمانية، وسيطرت أيضًا على أجزاء من إريتريا بين عامي 1872 و 1884، كما كان هناك مخطط لغزو أثيوبيا في عهد الخديوي إسماعيل الطامح لبناء إمبراطورية مصرية في أفريقيا، في ما عرف ب "حملة الحبشة." إلا أنّ الجانب المصري بقيادة محمد راتب باشا مُني بخسائر عسكرية على أيدي القوات الأثيوبية بقيادة يوحنس الرابع في معارك مثل كوندت وجورا. وقد ساعد التفاوت في عدد الجيوش في كسر الجيش المصري، الذي كان قوامه 20 ألفًا مقابل نحو 100 ألف جندي أثيوبي8. بعد هزيمة الجيش المصري في جورا، قامت بريطانيا باحتلال مصر في عام 1882، إلى جانب احتلال عدد من دول حوض النيل؛ مثل إريتريا وأوغندا ورواندا وبوروندي وكينيا وغيرها. ومن جانب آخر نجحت أثيوبيا في هزيمة الإيطاليين عام 1896 والحفاظ على استقلالها والنجاة من حملة "التكالب على أفريقيا"، على الرغم من أنها كانت قد فقدت نحو ثلث عدد سكانها بسبب المجاعة العظيمة التي أصابتها بين عامي 1888 و 1892. ومع ذلك، لم يتوقف الصراع بين البلدين؛ فقد ساهم التنافس البريطاني - الفرنسي للسيطرة على الأراضي والموارد في أفريقيا في تجدد الصراع حول النيل مرة أخرى، ووصلت ذروة هذا الصراع في عام 1898، وتحديدًا في حادثة فاشودة9. فقد قامت فرنسا بتدعيم علاقاتها مع الإمبراطورية الأثيوبية، وبالفعل نجحت في إقناعها بفكرة بناء سد على النيل الأبيض، وذلك لتقويض النفوذ البريطاني وتقليل مخاطر السيطرة البريطانية على النيل ومن ثم سيطرتها على القارة الأفريقية، ما يمكّنها من مواجهة أثيوبيا بمفردها10. ولأنّ بريطانيا كانت في حاجة ماسة للمياه وغيرها من الموارد الطبيعية وتستفيد من محاصيل الزراعة في مصر والسوادان (مثل

  1. 9 لنظرة شاملة بشأن فاشودة، انظر: Sir Bates Darrell, The Fashoda Incident of 1898: Encounter on the Nile (New York: Oxford University Press, 1984); E. Osei Adjei, A History of Egypt, the Sudan, and Ethiopia in the 19th century (New Tafo: Ghana, E.O. Adjei, 1991). 10  M.W. Daly, Empire on the Nile: The Anglo Egyptian Sudan, 1898-1934 (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), pp. 1-11.
  2. Winston Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest
  3. لمزيد من التفاصيل، انظر: Charles George Gordan, General Gordon's Khartoum Journal (London: Kimber, 1961); P.M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881-1898 (Oxford: Clarendon Press, 1958).
  4. 6  Erlich, pp. 42-57. للمزيد من التفاصيل انظر: أنتوني سوريال عبد السيد، العلاقات المصرية - الأثيوبية -1855 1935 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003.)
  5. of the Soudan [1899] (London: Hodder & Stoughton, Sevenoaks, Kent, 1987); Alfred Milner, England in Egypt (New York: Howard Fertig, 1970).

القطن)، فقد أعلنت عن رفضها التام اعتزام أثيوبيا بناء سد على النيل الأبيض، فما كان من فرنسا وأثيوبيا إلا الاستعداد استباقيًا بإعداد حملة عسكرية لمنع بريطانيا من القيام بأي هجوم ضد هذا المشروع، وذلك عن طريق تجييش وحدات عسكرية كبيرة مكونة من مجموعة من الجنود قادمة من شرق أفريقيا عبر أثيوبيا، وأخرى قادمة من غرب أفريقيا عبر الكونغو. ولما علمت بريطانيا بهذه الخطة، وهي التي كانت قد استولت على الخرطوم بعد القضاء على الثورة المهدية، قامت بإعداد أسطول بحري بالإضافة إلى قواتها العسكرية التي جمعتها تحت قيادة الجنرال هربرت كتشنر، وبدأت الإبحار عكس مجرى النهر وصولً إلى مدينة فاشودة التي كان الجنرال الفرنسي ج. ب. مارشان قد استولى عليها، ووصلت قوات كتشنر للموقع المقترح لبناء السد، واستعد لمهاجمته. إلا أنّ عدم قدرة أي من الطرفين على تحقيق الانتصار الكامل، أدى إلى تسوية المسألة دبلوماسيًا، إذ انسحب مارشان من فاشودة وتم الاتفاق على إنكار حقوق فرنسا في منطقة أعالي النيل11. هذا التوافق بين فرنسا وبريطانيا لم يكن ليرضي الأخ ةرر؛ فقد كانت في حاجة ماسة لزيادة منسوب المياه. وبعد موقعة فاشودة اكتشفت بريطانيا أنّ معلوماتها خاطئة بالاعتقاد أنّ المصدر الرئيس لمياه النيل يأتي من الجنوب وليس من الشرق (هضبة الحبشة)، كما اكتشفت أنها مخطئة أيضًا عندما قللت من قوة أثيوبيا ونفوذها في منطقة شرق أفريقيا. وبناء عليه، فقد حاولت مرارًا التقرّب من الإمبراطور الأثيوبي من أجل التوافق على زيادة حصة المياه اللازمة لاستمرار التوسعات الزراعية وريها في منطقة دلتا النيل بمصر. وبالفعل، توصل البريطانيون في عام 1902 إلى اتفاق مع الإمبراطور الأثيوبي منليك الثاني يتعهد خلاله الإمبراطور لحكومة جلالة ملكة بريطانيا (وفقًا للمادة الثالثة من الاتفاقية) بعدم إقامة/ تشييد (أو حتى الموافقة على) أي مشروعات مياه تجري في النيل الأزرق أو على بحيرة تانا من شأنها تعطيل أو التأثير في تدفق المياه للسودان، إلا بعد موافقة من الحكومة البريطانية والحكومة السودانية12.

الصراع في القرن العشرين

بعد حصول مصر على الاستقلال عن بريطانيا عام 1923، تفاوضت مع وزارة المستعمرات البريطانية (باعتبارها المسؤولة عن المناطق التي ينبع منها النيل)، وتم التوصل إلى اتفاقية ثنائية لتحديد حقوق مصر في مياه النيل في عام 1929؛ إذ تم بناء على هذه الاتفاقية تحديد حق مصر من المياه بنحو 48 مليار متر مكعب من تدفق المياه، وجميع المياه في موسم الجفاف، وأعطت لها الحق في استخدام حق النقض "الفيتو" في أي مشاريع عكس مجرى النهر؛ وتم منح السودان (الذي لم يكن قد حصل على استقلاله بعد) حقه في مياه النيل بنحو أربعة مليارات متر مكعب13. يعد الخطأ الرئيس الذي وقعت فيه المملكة المصرية في عام 1929، وكررته الجمهورية العسكرية في عام 1959، أنّ كليهما لم يستشر أو يجرِ التنسيق والتواصل مع أثيوبيا، على الرغم من أنّ أغلبية مياه النيل تأتي منها، كما أنّ أثيوبيا هي دولة ليست تابعة أو محتلة من قبل بريطانيا، ومن ثمّ، كان الأولى أن يجري التفاوض معها وليس مع بريطانيا التي كانت تحتل أغلب مناطق منابع النيل. وقد أصبح مثل هذا النمط السياسي جزءًا كبيرًا من المشكلة والصراع بين البلدين. تكرَّر الخطأ نفسه لاحقًا، فبعد تحقيق الجلاء وإعلان استقلال السودان عن مصر عام 1956، تم توقيع اتفاقية ثنائية بين مصر والسودان في عام 1959 جرى على أساسها تقسيم مياه النيل بين الطرفين من دون استشارة أثيوبيا أو التنسيق معها. وهو الأمر الذي دعا الإمبراطور هيلا سيلاسي لتوجيه العتاب إلى مصر على تجاوز أثيوبيا وعدم وضعها في الاعتبار عند توقيع هذه الاتفاقية. كما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر عن عزمه بناء سد أسوان (السد العالي) من دون استشارة أثيوبيا أيضًا. على كل حال، يرى الأثيوبيون أنّ السلوك المصري ساهم في إعلان الإمبراطور هيلا سيلاسي انفصال الكنيسة الأثيوبية عن الكنيسة المصرية بعد نحو 1600 عام من الارتباط المؤسسي والكنسي. وأصبح بإمكان الكنيسة الأثيوبية تنصيب أسقفها بنفسها من ناحية،

  1. بشأن التنافس البريطاني – الفرنسي في حوض النيل، انظر: Michael Barthorp, War on the Nile: Britain, Egypt and the Sudan 1882-1898 (London: Blandford Press, 1984); Dominic Green, Three Empires on the Nile: The Victorian Jihad, 1869-1899 (New York: Free Press, 2007).
  2. للاطلاع على نص الاتفاقية بين أثيوبيا وبريطانيا والسودان، انظر:
  3. “ The Frontiers between the Sudan, Ethiopia, and Eritrea,” signed at Adis Ababa, May 15, 1902. Foreign & Commonwealth Office, Treaty Series No. 16, (1902), at: http://treaties.fco.gov.uk/docs/pdf/1902/TS0016.pdf 13  M.W. Daly, Empire on the Nile: The Anglo Egyptian Sudan, 1898-1934 (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), pp. 422-425.

واتخاذ قراراتها بصورة مستقلة وربما بما يتعارض مع ما تراه الكنيسة المصرية من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي سيضر جدًا بأي محاولات لتحسين العلاقات بين البلدين في المستقبل. وكما كان الوضع في بداية الحكم الإسلامي لمصر، عادت الحروب بالوكالة وحروب العصابات تسيطر على مجمل العلاقات بين مصر وأثيوبيا؛ إذ شجّع الرئيس جمال عبد الناصر الحركات الانفصالية والمعادية للنظام الإمبراطوري في أقاليم أوجادين وأريتريا والصومال وموّلها، وحتى تلك الموجودة داخل أثيوبيا نفسها14. وهو ما جعل الإمبراطور هيلا سيلاسي يقوم بالاتفاق مع وزارة الخارجية الأميركية على البدء في الإعداد لمشروعات هندسية ومائية وبحث مدى إمكانية تحقيقها على أرض الواقع. وبحلول عام 1964 انتهت الهيئة الأميركية من مشروع جاء في حوالي سبعة عشر مجلدًا تحت اسم "أثيوبيا: الأراضي والموارد المائية لحوض النيل الأزرق." هذا المشروع هو اللبنة الأولى التي بني على أساسها مشروع سد النهضة الحالي15. استمرت الحرب الباردة بين النظامين المصري والأثيوبي طوال عقدي الستينيات والسبعينيات. وساهم تراجع معدلات سقوط الأمطار والاقتراب من حافة المجاعات من جانب، وتسبب القلاقل التي نجح في زرعها النظام المصري عبر تأييده الحركات الانفصالية في إريتريا من جانب آخر، في قيام ثورة على الإمبراطور هيلا سيلاسي في عام 1974 وإطاحة النظام الإمبراطوري وإعلان جمهورية ماركسية بقيادة مانجستو هيلا ماريام. واتخذ هذا النظام أيضًا نهجًا متشددًا في التعامل مع مصر بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات الذي تصرف هو الآخر بطريقة استعلائية وبمنطق الهيمنة في سبيل تحقيق السلام مع إسرائيل، إذ وعد إسرائيل بإمدادها بالمياه بينما كانت أثيوبيا على شفا مجاعة كبيرة، وهو ما دعا مانجستو إلى إعلان نيته بناء سد على النيل الأزرق لحماية وطنه من خطر المجاعات. ومع إعلان مانجستو ذلك، صرّح السادات بأنّ أثيوبيا لو قامت بمثل هذا العمل فسوف تقوم مصر بتوجيه ضربة عسكرية لمنعها من استكماله. كما صرّح لجريدة أميركية بعد توقيع اتفاقية السلام أنّه "بعد تحقيق السلام مع إسرائيل، لم يعد هناك خطر يواجه مصر، اللهم إلا إذا كان من أجل حماية حقوقها من المياه"، وكان يقصد أثيوبيا16. على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، وتحديدًا منذ ثورة يوليو 1952، جادل الأثيوبيون بأنّ القادة السياسيين في مصر دأبوا على تكرار مقولات فضفاضة مثل "الحقوق التاريخية" لمصر في السيطرة على مياه النيل، والتهديد بالحرب ضد أي دولة من دول المنبع تحاول بناء السدود على نهر النيل بما قد يؤثر في كمية المياه المتدفقة إلى مصر. وهو الأمر الذي أضحى سمة مميزة لسياسات مصر المائية وعلاقاتها مع دول حوض النيل. في عقد الثمانينيات وقعت المخاوف التي كان النظام الأثيوبي يخشاها؛ ففي الفترة 1985-1983، وبسبب ندرة الأمطار على هضبة الحبشة، وقعت مجاعة هائلة في أثيوبيا، ومن قبلها الصومال، راح ضحيتها نحو مليون إنسان، أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وأثرت كثيرًا في الأوضاع السياسية والاجتماعية في دول الجوار مثل السودان. ولولا الاحتياطي المائي في بحيرة ناصر لكانت هذه المجاعة أصابت مصر هي الأخرى بأضرار جمة. استمرت لغة العداء والتصعيد بين مصر وأثيوبيا طوال عقد الثمانينيات وأوائل التسعينيات. فمن جانبها، رأت مصر أنّ السد العالي غير كافٍ لحمايتها من أخطار المجاعات، ومن ثم فهي تضغط نحو زيادة حصتها من المياه. أما أثيوبيا، فترى أنّ حقها مسلوب من جانب مصر والسودان، فبينما المياه تجري وتهدر أمام أنظار مواطنيها، فهم ما زالوا يعانون العطش ويموتون بسبب قلتها، وهو الأمر الذي يدفعها دفعًا لضرورة التحرّك من أجل استغلال هذه المياه لمصلحة شعبها وبقائه. منذ وصول ميليس زيناوي إلى رئاسة الحكومة في أثيوبيا في عام 1995 كان من الواضح أنّه عازم على المضي قدمًا في إقامة مشروعات على النيل من أجل حماية شعبه من خطر المجاعات التي هزت

  1. بشأن دور الرئيس جمال عبد الناصر في تمويل الجماعات المعادية للنظام الإمبراطوري في أثيوبيا ورعايتها، انظر: Erlich; Carlson; John H. Spencer, Ethiopia at Bay: A Personal Account of the Haile Selassie Years (Hollywood: CA; Tsehai Publishers, 2006); Martin Plaut, “Egypt–Ethiopia crisis: No Nile, No Egypt,” New Statesman (June 11, 2013), http://www.newstatesman.com/world-affairs/2013/06/egypt-ethiopia- at: crisis-no-nile-no-egypt
  2. بشأن المشروع الأميركي - الأثيوبي المشترك في ستينيات القرن الماضي انظر: Bureau of Reclamation, US Department of Interior, Land and Water Resources
  3. of Blue Nile Basin: Ethiopia, Main Report and Appendices I-V, (Washington, DC: Government Printing Office, 1964). 16  Bruh Yihunbelay and Asrat Seyoum, “Centuries-old feud Centuries,” The Reporter (June 8, 2013), p. 7 and 26.

مشاهدها ضمير العالم، وكذلك إعادة توجيه السياسات الاقتصادية والتنموية (المائية تحديدًا) التي ثبت فشلها وعجزها سابقًا عن حماية الأمن المائي والإنساني الأثيوبي. وتشير المعلومات المتاحة أنه كان راغبًا للغاية في الوصول لتوافق وتفاهم مع مصر بخصوص مستقبل المشروعات المائية والهندسية التعاونية المشتركة على النيل، وزيادة التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والتنسيق والتعاون السياسي والأمني والعمل على نشر الأمن والاستقرار في منطقة النيل وشرق أفريقيا17. ولكن طبيعة النظام السياسي المصري السابق وتوجهاته الخارجية والدولية، حالت دون المضي قدمًا في مشروعات التعاون ومساعي التفاهم ومحاولة الوصول إلى حلول وسطى ترضي جميع الأطراف وتحقق مصالح الجميع. ولم يحدث هذا التوافق والتعاون، وأعلن ميليس أكثر من مرة رفضه التمسك المصري باتفاقية 1959 واستمرار تجاهلها جميع مصالح بقية الشعوب المطلة على النيل. بعد إعلان إريتريا استقلالها عن أثيوبيا في عام 1993، سعت مصر مرارًا لاستغلالها كوكيل لصراعها مع أثيوبيا، بمعنى أنّ مصر - من وجهة نظر ميليس وربما تكون هذه حقيقة - تعاملت بمنطق "استقرار أثيوبيا هو اضطراب لمصر"، فقد استغل النظام المصري، وبخاصة بعد حادثة محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، التوتر الحادث في العلاقات مع أثيوبيا في تمويل الحركات المعادية لأثيوبيا ومساندتها، وهو الأمر الذي زاد الشقاق بين البلدين بصورة دفعت أثيوبيا للمضي قدمًا في تكوين تحالف مضاد لمصر، ورافض لاتفاقية 1959، وهو ما عرف ب "الاتفاق الإطاري التعاوني" (اتفاقية عنتيبي) لعام 2010، والتي تسعى لإعادة النظر في طريقة توزيع حصص الدول من مياه النيل، ورفض حق الاعتراض "الفيتو" على إقامة المشاريع على مجرى النهر (ما لم يخالف القانون الدولي.) وأعلنت مصر رفضها توقيع هذا الاتفاق، مع أنّ التصريحات الصادرة عن الدول الموقعة عليه تفيد باتفاق كل دول النيل - بما فيها مصر - على أغلبية المواد الواردة في الاتفاقية، ولم يكن الاختلاف إلا حول المادة 14 التي تقول إنّ الدول المطلة على النهر لها الحق في الاستخدام العادل لمياه النهر؛ أي بمسألة الأمن المائي18. استمر النظام المصري في التعامل مع دول النيل باستعلاء، فما كانت النتيجة إلا موافقة كل دول النهر على الاتفاقية ما عدا مصر والسودان، ويبدو أنّ الأخير سينضم إليها قريبًا، وأصبحت مصر وحيدة في مواجهة كل دول النهر، وهو الأمر الذي يظهرها أمام الشعوب الأفريقية على أنها عدوة لهم وكارهة لسعيهم نحو تحقيق الأمن والاستقرار والحلم بمستقبل أفضل. ترى أثيوبيا أنّ موافقة أغلبية الدول الأفريقية التي تشكل حوض النيل على اتفاقية عنتيبي سيجبر كلً من مصر والسودان على التخلي عن معاهدتي 1929 و 1959، والدخول في هذه الاتفاقية الجديدة التي تحوز موافقة بقية دول حوض النيل.

الصراع بعد ثورة 25 يناير: الرؤية الأثيوبية

أظهرت المراجعة المختصرة لتاريخ العلاقات بين مصر وأثيوبيا أنّ هناك عاملين رئيسين حدّدا نمط العلاقات بين الصراع والتعاون على مر التاريخ. العامل الأول هو المياه، إذ كانت المياه مدعاة للتوتر والتنازع أغلب الوقت، إما بسبب الجفاف الذي قد يصيب أحد البلدين أو كليهما، وإما ميل دولة المنبع لمنع المياه عن دولة المصب، أو رغبة دولة المصب في فرض سيطرتها على دولة المنبع لتأمين حاجاتها المائية للمستقبل19. أما العامل الآخر فهو الدين؛ إذ - كما أسلفنا - ارتبطت كنيسة أديس أبابا بكنيسة الإسكندرية لما يزيد على ستة عشر قرنًا. ولم تصبح المسيحية مدعاة للتوتر والنزاع إلا في أوقات اضطهاد الأقباط المصريين؛ إذ لجأت أثيوبيا لمعاقبة مصر عن طريق اعتراض مجرى النهر عند حدوث ذلك. ومن المتوقع أن يؤدي هذان العاملان دورًا كبيرًا في العلاقة خلال المستقبل المنظور.

  1. “ Ethiopia tells Egypt to stop belligerent talks and work towards
  2. greater cooperation,” June 13, 2013, at: http://nazret.com/blog/index.
  3. php/2013/06/13/ethiopia-tells-egypt-to-stop-belligerent-talks-and-work- towards-greater-cooperation 18  Ibid. 19 حسن بكر، حروب المياه في الرق الأوسط الجديد (القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، 1999)، ص .92-90

الصراع بعد ثورة 25 يناير

صعد موضوع أزمة مياه نهر النيل مع دوله إلى قائمة الاهتمامات الوطنية في مرحلة ما بعد مبارك بفعل ثورة 25 يناير 20. 2011 وساهم الزخم والشعبية التي حظيت بها الثورة المصرية في حلحلة الأمور وتحركها جزئيًا بين مصر وأثيوبيا. وساهمت حملة الدبلوماسية الشعبية في توصيل نظرة مصر ونقل مشاعرها ومخاوفها للقيادة الأثيوبية (قبل وفاة ميليس زيناوي بشهور) وتم الاتفاق على التباحث والتفاوض وعرض كل طرف وجه نظره21. إلا أنّ التطورات التي جرت بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي، وعدم وضوح، إن لم يكن غياب، أي توجه سياسي أو إستراتيجي أو وجود خطة عامة تحدِّد الأهداف والمصالح الوطنية المصرية العليا وكيفية تحقيقها، ساهم كل ذلك في إحداث ردة على التحول الذي حققته الثورة، وزاد الطين بلة كارثة ما عرف بفضيحة "المؤتمر الشعبي"22 والتصريحات المستهترة والعدائيّة. وتسبب ذلك في وقوع أزمات سياسية ودبلوماسية، ربما تحتاج مصر لسنوات من أجل رأب صدع تأثيراتها في مكانة مصر ومصالحها في القارة الأفريقية. ومن وجهة نظر واقعية، نرى أنّ اتباع خيار شنّ الحرب سوف يؤدي إلى تداعيات كارثية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المصرية في الداخل، كونه يزج بالدولة المصرية الضعيفة والمجتمع المصري (الهش في هذه اللحظة التاريخية الحرجة) في خضم عملية عسكرية لا قبل لخزانتها ولا بظروفها السياسية والاقتصادية بتحمِّل أعبائها وتداعياتها، ويعرِّض من جانب آخر المصالح الوطنية المصرية المركزية في أفريقيا (والمتمثلة بالأساس في الحفاظ على المياه وعلى استقرار حوض النيل) لأخطار جسيمة، ومن جانب ثالث يؤدي استعداء المجتمعين الدولي والإقليمي. ولعل الخيار الأفضل للتعامل مع أثيوبيا هو الأسلوب الدبلوماسي والمفاوضات السياسية. المثير هنا أنه قبل الإعلان عن عقد هذا "المؤتمر الشعبي" بثلاثة أيام فقط، توصلت لجنة مستقلة تضم خبراء من مصر وأثيوبيا والسودان إلى أنّ سد النهضة الأثيوبي للطاقة الكهرومائية لن يقلل إلى حد كبير من حصة المياه أو تدفقها إلى السودان ومصر، ومن ثم، لا يمثل السد تهديدًا كبيرًا لهما. وأكد التقرير النهائي للجنة على أنّ السد لا يستهلك المياه أو يخزنها أو يمنعها من الانسياب للوصول للأطراف الأخرى. فكما هو معلوم، يلزم لتوليد الكهرباء أن يمر الماء من خلال "توربينات" السد ويخرج بعد إنتاج الطاقة الكهرومائية23. لقد أظهرت هذه الواقعة مدى عجز الإدارة المصرية على إدارة الأزمات ومواجهتها منذ أن جاء رئيس للحكم عبر انتخابات ديمقراطية. ومن جانب آخر، بيّ هذا الاجتماع مدى ضحالة الفكر والوعي السياسيين لدى أغلب النخب السياسية والفكرية في مصر، سواء من الإسلاميين أو القوميين أو حتى الليبراليين. وهو الأمر الذي جعل الأثيوبيين (وغيرهم بالتأكيد حتى من المراقبين المصريين) يؤمنون بأنّ القيادة السياسية المصرية للبلاد في تلك الفترة، والجماعات والتنظيمات السياسية المتحالفة والمحيطة بها، لا تملك القدرة على إدارة أزمة سعي أثيوبيا لإنشاء سد على نهر النيل الأزرق بصورة تضمن الحفاظ على المصالح الوطنية المصرية، أو حتى ضمان حصول مصر على

  1. تمثل الاهتمام المصري (الشعبي أساسًا ثم الحكومي) بالشأن الأثيوبي ومشكلة مياه النيل في تزايد تناول جميع وسائل الإعلام المصرية لهما في الشهور الثلاثة الأولى بعد ثورة 25 يناير، وتوِّج بزيارة وفد ما يسمى "الدبلوماسية الشعبية" Diplomacy Public إلى أثيوبيا في نيسان/ أبريل 2011، والذي ضمّ عددًا كبيرًا من الشخصيات العامة المصرية من مسؤولين سابقين وحاليين وممثلين عن شباب الثورة المصرية، لمقابلة المسؤولين الأثيوبيين والفاعلين السياسيين هناك؛ بغرض إعادة فتح القنوات الدبلوماسية والتعاون والتفاهم المشترك بشأن سد النهضة، وإدارة الأزمة بين مصر وأثيوبيا بصورة ودية، وفتح صفحة جديدة مع مصر ما بعد مبارك.
  2. بشأن نتائج زيارة وفد الدبلوماسية الشعبية، انظر تصريحات مصطفى الجندي عضو الوفد بعد عودته من أثيوبيا، في: جمعة حمد الله، "وفد الدبلوماسية الشعبية يطلع العربي المصري اليوم على نتائج رحلة أثيوبيا ويزور الخرطوم الجمعة"،، 2013/5/5.
  3. كشف ما عرف إعلاميًا ب "الحوار الوطني من أجل النيل" الذي عقد يوم 3 حزيران/ يونيو الماضي، وحضره الرئيس محمد مرسي ولفيف من كبار السياسيين، وصرح العديد من القادة السياسيين المصريين خلال هذا الحوار الكارثي بإمكانية إعلان الحرب وشن الهجوم العسكري على أثيوبيا كواحدة من عدة إستراتيجيات متاحة للتعامل مع هذه التطورات الجديدة الجارية في أثيوبيا؛ فقد صرح كلٌ من أيمن نور ومجدي أحمد حسين ومحمد أنور السادات وغيرهم بأنّ مصر يمكنها دعم الحركات السياسية المنشقة العاملة في الصومال وأريتريا والقبائل الأثيوبية داخل حدود أثيوبيا ومواصلة تدريبها وتجهيزها بأسلحة عسكرية ثقيلة، وأن تعمل مصر على وصول الأجنحة المتطرفة المعادية لأثيوبيا للحكم في الصومال، أو التدّخل في المفاوضات السياسية الداخلية وتوجيه مسارها لما يخدم مصالحها مستغلة التقارب الديني والعقائدي مع الجماعات الإسلامية والأصولية هناك. وتحدّث بعضهم عن إمكانية أن تقوم الحكومة المصرية بتوظيف الحكومة الإريترية في أسمرة واستغلالها، وطلب السماح باستخدام أراضيها لمهاجمة أثيوبيا، بحيث يمكن لمصر استغلال رغبة إريتريا في الانتقام والثأر من أثيوبيا ورغبتها في تخفيف التوتر الداخلي وعدم الاستقرار بالانغماس والتهور بدخول حرب خارجية وهمية. فضلً عن حديث بعضهم عن إمكانية توجيه ضربة جوية لموقع بناء السد، أو الضغط على جيرانها العرب الأغنياء (مثل المملكة العربية السعودية) من أجل الضغط على الحكومة الأثيوبية بحكم استثماراتها الكبيرة هناك، من أجل اتخاذ موقف مرن في التعامل مع قضية السد. لمشاهدة وقائع هذا المؤتمر الذي تمت إذاعته على الهواء مباشرة
  4. من دون معرفة المجتمعين،:2013/6/3، انظر http://www.youtube.com/watch?v=kdyMi1hrpoA 23  Memar Ayalew Demeke, “Water Diplomacy or Water War? Which way?” The Reporter (June 8, 2013), p. 10.

حصتها الاعتيادية من المياه العذبة خلال السنوات القليلة القادمة، ناهيك عن قدرتها على إدارة علاقاتها وتسوية أزماتها السياسية الخارجية. لقد كان الجميع متفائلً بمستقبل الثورة المصرية ودورها المتوقع في تحسين علاقات مصر الخارجية مع جيرانها، فقد رأى الكثيرون بأنّ وجود نظم وحكومات ديمقراطية منتخبة في كلٍ من مصر وأثيوبيا سوف يساهم في تقوية دعائم التحالف والتعاون الثنائي بين الطرفين، فقد أملوا في أن يعمل هذان النظامان الديمقراطيان من أجل حفظ الاستقرار وتحقيق النمو الاقتصادي والرخاء في المنطقة وخارجها عبر القارة الأفريقية، بما لهما من تأثير ونفوذ ووزن إستراتيجي كبير في القارة السوداء. لكنّ هذه الآمال تقلّصت نتيجة السلوك التسلطي وغير الديمقراطي الذي انتهجته الدولتان.

الصراع بعد 30 يونيو 2013

طوال الفترة التي لحقت انقلاب 30 يونيو 2013 وحتى يومنا هذا، لم تشهد العلاقات المصرية - الأثيوبية أو طريقة تعامل الدولة المصرية تجاه أزمة سد النهضة أيّ تغيِّ يذكر، بل يمكن القول إنّ نظام ما بعد 30 يونيو ينتهج السياسات نفسها التي دأب نظام مبارك على اتباعها إلى حد كبير من حيث الاعتماد على التسويف تارة، ومجاراة أثيوبيا ومداهنتها تارة أخرى. فقد شهدت الشهور الأولى بعد 30 يونيو ارتفاع نبرة القبول الضمني ببناء أثيوبيا لسد النهضة بشرط عدم الإضرار بالمصالح والحصص المصرية من مياه النيل، وتغيرت نبرة تناول وسائل الإعلام لهذه القضية بصورة كبيرة، وما لبثت أن انزوت قضية النيل وسد النهضة وتراجعت قيمتها وأولوليتها في نشرات الأخبار والبرامج الإخبارية. قد يكون السبب لهذا التراخي رغبة النظام السياسي الجديد في مصر إصلاح ما أفسده نظام الإخوان المسلمين مع أثيوبيا وغيرها من دول النيل، أو أنّ هذا النظام يرى أنّ أولوياته بالأساس هي تدعيم أركانه الداخلية والعمل على فرض الاستقرار والأمن الداخلي أولً، وهو ما سيصبُّ في مصلحة أثيوبيا ويخدم مصالحها ويحقق ما تريده وهو التفرغ لبناء سد النهضة24. هناك سمة غالبة في منظومة السياسة الخارجية المصرية منذ نحو ثلاثة عقود، وهي الغياب الجلي لأي رؤية مصرية أو تخطيط لإدارة الأزمة، فضلً عن حلها مع أثيوبيا وغيرها من دول حوض النيل. وهو ما سيقود في رأينا ليس إلى تراجع المكانة والنفوذ المصريين (وهذه حقيقة مرة للأسف) ولكن إلى تهديد مصالح مصر الوطنية، وربما تهديد وجودها وبقائها ذاته، إذا لم تجر مراجعة عملية صنع السياسة الخارجية المصرية وتنفيذها وفق أسس ورؤى واقعية تتلاءم مع الأوضاع الدولية والإقليمية الموجودة على أرض الواقع، بعيدًا عن أوهام الهيمنة والتفوق التي هي جزء من الأزمة التي تعانيها مصر حاليًا.

في إدارة الأزمات الدولية: من حروب المياه إلى دبلوماسية المياه

يرى الكثير من الأثيوبيين - والأفارقة بحق أو باطل - أنّ مصر ومنذ فترة طويلة بنت سياساتها الخارجية تجاه دول حوض النيل وأفريقيا بادعاء فرض هيمنتها على النيل، والنيل الأزرق على وجه الخصوص، والنظر بدونية نحو هذه الشعوب والدول، وهو ما يجد انعكاساته في الغرور والاستعلاء الشديد والعلني في كيفية تعامل مصر مع بقية الدول الأفريقية المشتركة معها في حوض النيل.

  1. كلا السببين في رأينا خطأ وسوف يؤديان إلى نتائج سلبية وكارثية على الأوضاع الداخلية قبل الخارجية. ففي حالة أن نظام 30 يونيو يعتقد بأن مهادنة ركب أثيوبيا أو مسايرته على المديين القصير والمتوسط سوف يجبرها أو يجعلها تلين في مواقفها مع مصر أو تغيِّ من سياساتها الداعية لبناء سد النهضة، فهذا خطأ إستراتيجي عظيم، فالخبرة التاريخية تخبرنا بأنّ الدول الداعية لتغيير الأوضاع القائمة State Revisionist (أو العدوانية) لا تردع أو تغير سلوكياتها إلا عن طريق التحالف المضاد أو التكتل ضدها وليس مهادنتها. فهذه الدول تنظر إلى سلوكيات مثل المهادنة والمسايرة كإشارة تدل على ضعف الطرف الآخر، وهو ما يجعلها تتمادى في سلوكياتها العدوانية والمرفوضة من قبل الآخرين. أما في حال كان نظام 30 يونيو يعتقد أنّ التركيز على الأوضاع الداخلية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون له الأولوية على غيره من القضايا والأزمات التي تواجهها الدولة والمجتمع (عقلية الاستقرار أولً) فإنّ مثل هذا التفكير ستكون له عواقبه الكارثية على الدولة والمجتمع المصريين، وبخاصة أنّ قضية المياه وثيقة الصلة بالأوضاع الداخلية كونها تتعلق بالأساس بمصدر المياه العذبة الوحيد المتاح لمصر، وهذا صلب مسألة الأمن القومي والاستقرار السياسي والاجتماعي في مصر. فإذا ما جرى التركيز على مسارات العملية السياسية والتحول الديمقراطي وفرض الأمن والاستقرار، والتقليل من أهمية التحديات والتهديدات الخارجية والإقليمية المحيطة بالدولة المصرية، خصوصًا في ظل حالة الفوضى والسيولة والاضطراب المليئة بها المنطقة منذ عام 2011، فإنّ هذه التهديدات قد تؤدي ليس إلى زعزعة أمن النظام السياسي المصري الجديد واستقراره وحسب، بل ربما أيضًا القضاء عليه وعلى الدولة ذاتها، وتحديدًا في ما يخص موضوع المياه ومسألة الإرهاب الدولي. انظر: Norrin Ripsman and Jack Levy, “Wishful Thinking or Buying Time?” International Security , vol. 23, no. 2 (Fall 2008), pp. 148-181.

ويرى بعض المعلقين الأثيوبيين أنّ دعاوى مصر الساعية للاستئثار بمياه النيل الأزرق غير مستساغة، بل يعتبرها بعضهم إهانة لأثيوبيا التي ينبع من أرضها نحو %85 من إجمالي مياه النيل الأزرق، وهو ما يجعل المطالب المصرية تبدو محاولةً لليّ ذراع أثيوبيا وتقسيم جائر وغير منصف لحقوق الأثيوبيين، وإذعانًا للمساعي المصرية الداعية للهيمنة على النيل25.

بدائل إدارة الأزمة وخياراتها

من وجهة نظر المعلقين الأثيوبيين، ينبغي على مصر أن تغيِّ نظرتها نحو مساعي أثيوبيا لبناء سد النهضة باعتبار ذلك إعلان حرب عليها بما يحرّضها على القيام بعمل عسكري لتدمير السد ومهاجمة أثيوبيا، ربما بحجة أنّ بناء سد النهضة لا يؤثر سلبيًا في تنميتها الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل أيضًا في بقائها ذاته. وهي المخاطر التي تتيح للدول وفقًا لقواعد القانون الدولي الدفاع عن نفسها من أي تهديد خارجي يمكن أن يلحق الضرر بسلامتها الإقليمية وسيادتها السياسية26. إنّ مصر إذا فعلت ذلك، فعليها أن تدرك عواقب مثل هذه الخطوة التي قد تؤدي إلى الانتحار السياسي، كما كتب أحد الدبلوماسيين الأثيوبيين. من جهة أخرى، يرى بعض المعلقين أنّ على مصر أن تدرك أن الحرب فقط ليست هي الطريقة الوحيدة المتاح أمامها لمواجهة التحديات والمخاطر التي قد يسببها بناء سد النهضة، ولكنّ هناك عددًا من الآليات والوسائل الدبلوماسية الأخرى27؛ إذ يمكن لمصر استخدام أذرعها السياسية وأدواتها الدبلوماسية في ممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي من أجل العمل على تحويل مشاعر الأطراف المتخاصمة ومواقفها، وهو ما يعرف بالدبلوماسية الإكراهية Coercive Diplomacy عن طريق فرض جميع الضغوط الدبلوماسية الممكنة28، وهي الإستراتيجية التي تتضمن التكتل دوليًا وإقليميًا وراء قضية مصر في مواجهة دعاوى أثيوبيا، والتصعيد لفرض العقوبات والمقاطعة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. ويتعين على مصر نبذ خيارات الحرب، وعدم التطرق إليها إلا باعتبارها الملاذ الأخير بعد استنفاد جميع الوسائل السياسية والتفاوضية السلمية، بل حتى عدم التلويح بها إلا بعد أن تتخذ أثيوبيا من الخطوات ما لا يمكن اعتباره سوى تهديد لأمنها القومي والمائي وتهديد للسلم والأمن الإقليميين وانتهاكها قواعد القانون الدولي. وقتها فقط ستكون الحرب المصرية على أثيوبيا مشروعة War Just، باعتبارها حربًا دفاعية من أجل الدفاع عن بقائها ووجودها. وفي هذا السياق تتعدد المسارات السياسية والدبلوماسية التي قد تستخدمها مصر وتوظفها للرد على التطورات الراهنة في أثيوبيا كجزء من أسلوب إداراتها للأزمة الراهنة، فقد جادل بعض الكتاب بأنّ مصر في هذا المجال قد تقوم ببعض الخطوات الدبلوماسية المضادة، مثل29: تبيان ضرر السد على مصر؛ إذ يمكن لمصر تبني حملة دبلوماسية دولية لتعريف المجتمع العالمي بالأضرار والآثار السلبية (بيئيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا) التي يمكن للسد الأثيوبي أن يحدثها، وتقديم مساعي أثيوبيا لبناء السد بوصفها إستراتيجية خططت لها أثيوبيا للإضرار بمصالح مصر الوطنية، وهي الإستراتيجية التي من شأنها إضافة طابع الارتباك والغموض على حقيقة التحرك الأثيوبي، ومن ثمّ إظهارها بمظهر الطرف المعادي الذي لا يراعي مصالح جيرانه. حثّ جامعة الدول العربية والمؤسسات الإقليمية والدولية على اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه أثيوبيا في ما يتعلق بسياساتها المائية، وذلك عبر التحرك الدبلوماسي الجماعي والمتعدد الأطراف، إذ يمكن لمصر الاستعانة بأشقائها العرب الذين لديهم استثمارات كبيرة في أثيوبيا (كالمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة) من أجل حثها على الضغط على أثيوبيا لاتخاذ مواقف تنم عن تعاون مع مصر ومطالبها في المياه، أو حتى تشجيع هذه الدول على فرض عقوبات دبلوماسية على أثيوبيا والحد من تدفق العملة الأجنبية عن طريق قطع علاقاتها التجارية، وحثها على عدم تصدير النفط لأثيوبيا في حال تشددها في مواقفها تجاه القاهرة، وهي الخطوات

  1. Yihunbelay and Seyoum, p. 26.
  2. “ Desisting from Political Grandstanding on Grand Renaissance Dam,” The Reporter (June 8, 2013), p. 2.
  3. عن وجهات النظر الأثيوبية والبدائل المطروحة من وجهة نظر الكتّاب الأثيوبيين، انظر: Melaku Mulualem, “Democratic peace theory vis-à-vis 'energy peace theory',” The Reporter (June 8, 2013), p. 10; Demeke, p. 10.
  4. بشأن المقصود بالدبلوماسية الإكراهية، انظر: Alexander George (ed.), “Avoiding War: Problems of Crisis Management,” (Boulder: Westview Press, 1991); Robert Art and Patrick Cornin (eds.), The United States and Coercive Diplomacy: Past, Present, and Future (Washington
  5. D.C.: USIP Press, 2003). 29  Mahmoud Salem, “Regarding the Dam,” The Reporter (June 8, 2013), p. 13.

التي سوف تؤدي لتردي الأوضاع الاقتصادية بما يظهر عجز الحكومة الأثيوبية وعدم قدرتها على إدارة الأمور في الداخل، ما قد يؤدي إلى أزمة سياسية داخلية كبيرة تخفِّف التركيز القومي الأثيوبي على موضوع بناء السد. إحالة القضية إلى المنظمات الدولية المختصة، مثل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية (على الرغم من أنّ مسألة الذهاب إلى محكمة العدل الدولية تحتاج لموافقة الطرفين محل الصراع) من أجل ممارسة الضغط الدبلوماسي على أثيوبيا، وذلك عبر تجهيز الدعاوى والأسانيد والحجج القانونية والتاريخية التي تجادل بأنّ أثيوبيا ببنائها لهذا السد إنما تعتدي على حقوق مصر التاريخية من المياه وتسعى لتقليلها وهو الأمر الذي قد يصيب مصر وشعبها بأخطار المجاعات. أما على الجانب الأثيوبي، وكونها هي الطرف المفتعل للأزمة الراهنة - من وجهة نظرنا - فعلى الحكومة الأثيوبية التخفيف من خطابها الذرائعي والمتشدد تجاه مصر، والكف عن الادعاء بأنّ مصر ترفض التعاون والتفاهم من أجل تسوية الصراع حول تقسيم مياه النيل. من جانب آخر، على أثيوبيا الاعتراف بأحقية مصر وشرعية مخاوفها من نقص حصتها من المياه اللازمة لاستدامة عملية التنمية واتقاء مغبة المجاعات المستقبلية، والتراجع عن نبرة التهديد والتربص بها كلما اشتدت الأزمة بينهما. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لأثيوبيا تعزيز التجارة والعلاقات التجارية أكثر من أي وقت مضى بما يدمج البلدين اقتصاديًا، إذ يمكن لأثيوبيا التعهد بتصدير الطاقة الكهربائية الرخيصة والربط بين البلدين من خلال إنشاء البنى التحتية، وهي السبل التي ستساعد في الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والسياسية وتعزيزها. ويمكن لأثيوبيا أيضًا انتهاج الإستراتيجية نفسها مع الصومال بما يقلل في نهاية المطاف من التهديدات التي يمثلها الصومال على أمنها واستقرارها30، وإعادة النظر في علاقاتها بإريتريا، كأن تسعى للتوصل إلى تسوية وتوافق معها، ويجب الاعتراف بالسيادة الوطنية لها على أراضيها إن هي أرادت تحييدها في صراعها المستقبلي مع مصر، أو إن كانت صادقة في المشاريع التي تطرحها للتكامل الإقليمي في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

خاتمة: مياه ودماء

كتب جمال حمدان في ستينيات القرن الماضي في كتابه شخصية مصر واصفًا الدور المصري في أفريقيا بالقول بأنّ "الدور المصري في أفريقيا يماثل دور الرجل الأبيض في العالم الحديث." ولم يكن يقصد المعنى الاستعماري بقدر ما كان يعني المدلول التنويري والتحديثي لمصر في القارة السوداء. لكن يبدو أنّ بعضهم في مصر أخطأ في تفسير مثل هذه الدعوة وتبنى التأويل الأخير؛ أي التحول لمستعمر، وهو ما نجده في التصريحات المتشددة تجاه أثيوبيا. إنّ الدعاوى التي روجها نظام الإخوان المسلمين في مصر بإمكانية وسهولة (بل ضرورة وشرعية) قيام مصر بشنّ حرب على أثيوبيا هي نموذج لأفكار وتوجهات عفا عليها الزمن. فليس من المقبول في ظل الأوضاع العالمية الراهنة، فضلً عن الأوضاع الداخلية المزرية، والتي لا جدال في أنها تمثل معوقًا عظيمً أمام قيام مصر بمثل هذه الخطوات المتهورة، التفكير في حرب بين دول حوض النيل في القرن الحادي والعشرين، كما جادل عن حق أحد الأكاديميين الأثيوبيين31. إنّ مصر ليست الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، والدول الأفريقية ليست المستعمرات الأفريقية البدائية، والنظام الدولي بالتأكيد ليس نظام القرن التاسع عشر. حتى الأسلوب المصري التقليدي في تأييد الجماعات الانفصالية والجماعات الإرهابية ومساندتها بات قديمًا ومستهلكًا وعاجزًا عن تحقيق أغراضه كما كان من قبل. يعني الانتقال من وضع حرب المياه إلى وضع دبلوماسية المياه أساسًا التحوّل من أسلوب الإدارة بالأزمة Management-by- Crisis الحالي، والذي يعني "استغلال الأزمة عن طريق تصعيدها لأقصى الدرجات، بحيث يحصل الطرف المستغل/ المصعِّد لها على أقصى حد من الأهداف والمصالح من وراء هذا الاستغلال/ التصعيد، حتى إن وصلت حدود هذا التصعيد إلى حالات الحرب" إلى مفهوم إدارة الأزمة Crisis Management الذي يعني في أبسط صوره "تسيير الأمور المتعلقة بالأزمة بصورة علمية ومنظمة لمنع أو تجنّب الوصول بالصراع إلى حالات الحرب أو على الأقل وقف التصعيد قدر الإمكان"32.

  1. Mulualem, p. 10; Demeke, p. 10.
  2. Seifulziz Milas, “Ethiopia: Is War over Nile Likely?” All Africa (June 9, 2013), at: http://allafrica.com/stories/201306110485.html
  3. حسن بكر أحمد، 32 إدارة الأزمة الدولية: نحو بناء نموذج عربي في القرن الحادي والعرين (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2005)، ص.87

إن النظام السياسي في مصر - منذ ثورة يناير - لديه تحديات داخلية جسيمة تجعله لا يهتم بإدارة شؤون خارجية، على الرغم من أهميتها وارتباطها بالداخل، وهو الأمر الذي يجعلنا نعتقد بأنّ الأزمة في سبيلها للتصاعد والتأزم مرة أخرى. وهذه المرة ستكون نتائجها وتداعياتها وخيمة على الأمن والاستقرار المصري. فعلماء إدارة الأزمة يعلمونا بأنّ الأزمة "إذا لم تجد من يديرها... فإنها ستدير نفسها ولكن على حسابك." إنّ الطبيعة السلطوية للنظام المصري، سواء نظام مرسي أو نظام ما بعد 30 يونيو، كانت جزءًا كبيرًا من الأزمة، فعدم الخبرة والقدرة على التشاور مع بقية أطياف التيار السياسي المصري، هو الذي يجعلنا نجادل بأنّ مستقبل مصر سيكون غير مبشِّ بسبب سوء هذه الإدارة. وفي ظل استمرار حالات الاحتقان السياسي والاجتماعي المزمن الذي تعانيه كلٌ من مصر وأثيوبيا، وورطة نظام الحكم الحالية في مصر، وعدم قدرتها على إدارة شؤون البلاد، فإنّ احتمالات التهور والرغبة في الهروب من هذه الأزمات الداخلية عن طريق اختلاق أزمة والتورط في صراعات خارجية وهمية، تصبح أكثر جاذبية وسهولة في تسويقها لدى الجماهير. إلا أنّ التجربة التاريخية تخبرنا بأنّ مثل هذه الإستراتيجية (التي تعرف في أدبيات العلاقات الدولية والصراع الدولي بالتوازن المستمر Omni-Balance كما وضعها البروفيسور ستيفن ديفيد أو تمرير الأعباء Burden-Shifting أو Buck-Passed بتعبير عالمي السياسة الواقعيين جاك سنايدر وميشيل ماندلبوم) كانت لها عواقبها الوخيمة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي للدولة33. يجب أن يعي كلا الطرفين أنّ حالة العداء والتصعيد المتبادلة والتراشق بالتصريحات والحرب النفسية (سواء الرسمية أو غير الرسمية) لا تصبّ في مصلحتهما، بل تكاد تكون مهلكة لكليهما. فهذه الحلول العدائية قصيرة الأجل، ولا تحقق مصالح البلدين على المدى البعيد. وعليهما أيضًا التخلي عن السلوكيات العدائية والتصعيدية والتحريضية تجاه الآخرين. وليس من مصلحة الجميع استمرار الحالة الراهنة من سياسة المحصلة الصفرية Zero-Sum Game في حوض النيل؛ أي أنّ تصر أثيوبيا على الاستمرار في اتباع نهج الفوز في التعامل مع مسائل متعلقة بنهر النيل، وتريد مصر فرض وجهات نظرها وتحقيق رغباتها وطموحاتها ولو على حساب الأطراف الأخرى. إنّ استمرار مثل هذه النهج في إدارة الأزمة يمثل العائق الرئيس أمام تسوية هذه الصراعات بصورة نهائية في المستقبل القريب. في الختام، إنّ الحل الوحيد المقبول والمرغوب فيه لحل هذه الأزمة هو اتباع نهج "الكل يكسب" Strategy Win-Win كما ذكر رئيس الوزراء الأثيوبي الراحل ميليس زيناوي في مقابلة له مع التلفزيون المصري في عام 2010 وبشكل واضح "إنّ الاستفادة من مياه النيل ليست لعبة محصلتها صفر. وهذا لا يعني أنه إذا كانت دول المنبع تستفيد، فإنّ دول المصب لا تستفيد، ولا يعني هذا أيضًا أنّ مصر والسودان تستفيدان من دون غيرهما من دول النيل... والحل الوحيد لنهر النيل هو الحل المربح للجانبين"34. إنّ مصر وأثيوبيا عليهما الإدراك بأنه إذا كانت الحرب هي السياسة بوسائل أخرى، فإنّ السياسة أيضًا هي حرب بوسائل أخرى، إلا أنّ خسائر الأخيرة محدودة ومكاسبها أكبر. وبناء عليه، فيجب عليهما الجلوس معًا والتفاوض، وتجنب الحديث عن الحرب؛ فقد ثبت أنها من دون جدوى، ولا تحقق سوى الخراب والندم. فالنيل كان طوال تاريخه المعلوم وسيلة للتعاون والرخاء والبناء، وليس أداة للحرب والدمار، ولا يجب أن يكون كذلك.