حماس ومصر: المأزق ومآلات العلاقة
الملخّص
تحاول هذه الورقة أن ترصد انعكاسات الانقلاب العسكري في مصر على قطاع غزة، وعلى حركة حماس التي تدير شؤون القطاع؛ وذلك في ضوء تصاعد حملة التحريض في الإعلام المصري ضدّ حماس، والفلسطينيين، واتهام الحركة بالضلوع في أعمال عُنفٍ حدثت في مصر إبان ثورة يناير، كما هو الشأن في الهجمات "الإرهابية" في سيناء، وما استتبع ذلك من تشديدٍ للحصار المصري على قطاع غزة، وتدميرٍ للأنفاق التي تمث ل شريان الحياة بالنسبة إلى الغزيين.
مقدمة
يمكن القول بدايةً إنّ سياسات النظام المصري تجاه الحركة وسيطرتها على القطاع، حكمتها ثلاثة محددات أساسية: أولً، المحدد الإستراتيجي الأمني الذي ظلّ يحكم علاقة النظام المصري بشبه جزيرة سيناء؛ ذلك أنّها تقع في مركز جيوسياسي إستراتيجي مهمّ شديد الحساسية، فهي بوابة لمصر ولقطاع غزة، وقد ازدادت أهميتها، خصوصًا، منذ حرب حزيران / يونيو 1967، بعد اتفاقية كامب ديفيد، ثمّ الانسحاب الإسرائيلي1. كما أنها تشكِّل مصدرَ قلق أمني لمصر؛ إذ يوجد فيها عدد من الجماعات الجهادية، إضافة إلى المهرِّبين، وتجار الأسلحة، وتنتشر من خلالها على الحدود المحاذية لقطاع غزة عشرات الأنفاق التي تسمح بمرور البضائع والأفراد بينها وبين القطاع. وعلى صعيد آخر، عانت محافظة سيناء تاريخًا طويلً من التهميش والقمع؛ ما جعلها خزانًا للتمردات ولعدم الاستقرار2. ومن ثمة فإنّ مشكلة سيناء مع النظام المصري ليست وليدة الظرف الحالي الناتج من تولي حماس إدارة قطاع غزة المحاذي لها، بل هي مشكلة تتعلق بأمن مصر. يضاف إلى ذلك أنّ أمن سيناء في صلب العلاقات المصرية الإسرائيلية المتجهة وفق النظام المصري إلى ال "تعايش"؛ فنجمت عن ذلك علاقات متوترة بقطاع غزة بلغت ذراها، حتى أنّ مصر لوَّحت بعمل عسكري أمني ضدّ القطاع3. ثانيًا، موقع مصر في الصراع العربي الإسرائيلي بعد كامب ديفيد ودورها في الملف الفلسطيني، فمنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979، وانتهاء الصراع المصري – الإسرائيلي، وانسحاب إسرائيل من سيناء، عمل النظام المصري على الاضطلاع بدور الوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد كانت مصر في العقود الثلاثة الماضية قاعدةً لما كان يُسمى محور الاعتدال الصديق لأميركا في المنطقة. ومن ناحية أخرى، اضطلعت مصر بدور الوساطة في ملف المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس؛ ذلك أنّ من عناصر قوة النظام المصري دوره في القضية الفلسطينية، وهذا يعني أنّ مصر إن تخلَّت عن هذا الملف، فإنها ستفقد الكثير من وزنها عربيًّا؛ لذا فهي لا تسمح بالتنازل عن هذا الموقع لأيّ دولة عربية أخرى.
ثالثًا، الارتباط الفكري والعاطفي بين حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين. فلقد مثَّل الإخوان تهديدًا خطرًا لحكم الرئيس حسني مبارك داخليًّا، ومن ثمة كان النظام المصري يَعُدُّ أيَّ نجاح لمشروع حماس السياسي إقامةً ل "حكم إسلامي" في الجوار؛ ما سينعكس على حركة الإخوان المسلمين داخل مصر. ومما ضاعف حدَّةَ هذه العلاقة تزامن نجاح حماس في انتخابات 2006 ودخول جماعة الإخوان المسلمين مجلس الشعب في انتخابات 2005، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية ضدّ حكم الرئيس مبارك. وعلى الرغم من أنّ حماس كانت قد "أعلنت نفسها منذ البداية جناحًا من أجنحة الإخوان المسلمين، وذلك في ميثاقها الصادر
في "1988/8/184، فإنّ خطابها السياسي ميَّزها من جماعة الإخوان من حيث كونها منظمةً فلسطينيةً ينحصر عملها على أرض فلسطين5.
حماس ومصر على المستوى الرسمي: من يدير ملف العلاقة؟
عملت حركة حماس منذ نشأتها، في كانون الأول / ديسمبر عام 1987، على إقامة علاقات مع كلّ الدول المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي؛ مثل مصر، والأردن، والعراق، وإيران، وسورية، ودول الخليج، وذلك على الرغم من الحذر الرسمي العربي في التعامل معها. لكنّ خصوصية العلاقة بمصر حكمتها جذور الحركة الإسلامية الإخوانية من جهة، وخشية مصر من أن يؤثِّر نجاح نموذج حركة حماس في قطاع غزة في الوضع الداخلي للإخوان فيها من جهة أخرى، إضافةً إلى تبني مصر مسار التسوية الذي بقيت حركة حماس خارجه. وهكذا حكمت التخوفات النظام المصري في فترة حُكم مبارك طبيعة العلاقة بالحركة، فانحصرت في أمن الدولة، وجهاز الاستخبارات، ثمّ في وزارة الخارجية المصرية، في أقصى مراحلها تطورًا. كما أنّ النظام المصري جمعته علاقة مميزة بحركة فتح والسلطة الفلسطينية؛ الأمر الذي دفعه إلى إبعاد أيّ "شبهة" للتقارب بينه وبين حركة حماس تصل إلى مستوى تعامله مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية التي تمثّلها. فقد قامت مصر على سبيل المثال بعد عملية الحسم العسكري لحماس، سنة 2007 في غزة، بنقل سفيرها والوفد الأمني من غزة لرام الله، ففُسِّ ذلك بأنه دعْم للسلطة الفلسطينية ممثلةً بالرئيس محمود عباس، وبعدم اعترافها بحماس. كما قامت مصر، أيضًا، برعاية مؤتمر شرم الشيخ بحضور السلطة الفلسطينية في رام الله والأردن وإسرائيل مع استبعاد حركة حماس التي أصبحت جزءًا من السلطة الفلسطينية عنه6. ولم تخرج العلاقات السياسية بين الحركة ومصر منذ البداية عن إطار جهاز أمن الدولة؛ فقد كانت الزيارة الأولى لرئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل لمصر سنة 1995 للحوار مع حركة فتح. وكان اللقاء برعاية أمن الدولة المصري7. وجرى اللقاء في كانون الأول سنة 1995 بهدف الوصول إلى اتفاق مع الحركة لمنع عرقلة الانتخابات الأولى التي كانت السلطة الفلسطينية تسعى لإجرائها، والتي قررت حماس مقاطعتها. وبحسب عضوٍ في المكتب السياسي في الحركة "استمرت علاقة حماس بالنظام المصري من خلال جهاز أمن الدولة حتى سنة 1998؛ إذ بدأت العلاقات مع جهاز الاستخبارات المصرية من خلال اللواء عمر سليمان في نهاية 1999-1998 حين زار رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل مصر والتقى عمر سليمان وأركانه ونائبه فؤاد سعد الدين، وبدأت العلاقة بمصر تتطور وتتعزّز مع الاستخبارات إلى عام 2002. كما جرى فتح علاقات مع وزارة الخارجية المصرية عام 2001، ممثلةً بعمرو موسى وكلّ وزراء الخارجية الذين تعاقبوا بعده. وهكذا يكون الباب الوحيد الذي بقيَ موصدًا أمام الحركة هو باب الرئاسة8. عام 2002 كانت أولى جلسات الخلافات بين الحركة ومصر ممثلةً بجهاز الاستخبارات، بقيادة عمر سليمان؛ إذ دعت مصر الفصائل الفلسطينية إلى حوار شامل في القاهرة. وكان يمثّل حركة فتح محمود عباس "أبو مازن"، وحضر الحوار ممثلون عن الفصائل الأخرى (الجبهة الشعبية، والجهاد الإسلامي، والجبهة الديمقراطية.. إلخ.) لكنّ هذه اللقاءات لم تصِ لْ إلى اتفاق في ذلك الوقت، وقد جاءت ضمن محاولة ضبطٍ وتوجيهٍ لمسار العمل الوطني الفلسطيني على إثر تطور أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتطور وزن حماس
في الساحة الفلسطينية، ومحاولات احتوائها نظرًا إلى أنّها خارج مؤسّ سة السلطة؛ فبدأت محاولات ضمّها إلى هذه المؤسّسة9. في 17 آذار / مارس سنة 2005، صدر ما سُمي "إعلان القاهرة"، وهو ناتجٌ من لقاء الفصائل الفلسطينية برعاية الاستخبارات ووزارة الخارجية المصرية ممثلتين بعمر سليمان وأحمد أبو الغيط؛ إذ أبدت حماس قدرا كبيرًا من المرونة بالموافقة على التهدئة والقبول ببرنامج مشترك يقوم على "أراضي 1967"، وإعادة بناء منظمة التحرير، والاتفاق على انتخابات تشريعية تشارك فيها الحركة. وأعلن أبو الغيط الاتفاق بحضور عمر سليمان، ومشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبحضور اثني عشر تنظيمً فلسطينيًّا. وشكّل فوز حماس بانتخابات 2006 نقطة تحوّل في علاقاتها الخارجية؛ وذلك لانتقالها من حركة مقاومة إلى حكومة تتيح التعامل مع الدول والجهات الخارجية. وأبدت حماس، منذ لحظة تسلمها مسؤولية السلطة، استعدادًا لاستعادة دعْم عمقها العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية. كما سعت الحركة للنأي بنفسها بعيدًا من أيّ عمل قد يُحسب تدخلً في شؤون الدول العربية، وقد عُدَّ هذا أمرًا مبدئيًّا بالنسبة إليها، هاجسها في ذلك تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. فقد ورد ذلك في كراس داخلي للحركة بعنوان "سياسات الحركة المرحلية في العلاقات السياسية"، من خلال القول: "لا تتدخل حركة حماس في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية وترفض في الوقت نفسه تدخُّل هذه الدول في سياستها وموقفها وشؤونها الخاصة"10، وقد ورد ذلك في وثيقة مكتوبة بعنوان "جولة في الفكر السياسي لحركة حماس" حدد فيها مشعل أولويات المكتب السياسي الجديد، على خلفية الانتخابات الداخلية للمكتب السياسي التي استضافتها القاهرة في نيسان / أبريل سنة 2013، وقد ورد فيها أنّ "حماس ترفض الدخول في أيّ معارك جانبية في المنطقة خلافًا لما فعله غيرنا في مراحل سابقة.. نحن لم نستخدم القوة والسلاح ضدّ أيّ دولة أو طرف عربي حتى لو آذانا وحاصرنا وأساء إلينا واعتقل إخواننا وعذبهم أو طعن مقاومتنا في ظهرها أو حرض علينا"11. وقد تجسد هذا الموقف في اهتمام قيادات الحركة بالقيام بجولة خارجية شملت دولً عربيةً وإسلاميةً، منها مصر، والسعودية، وسورية، وقطر، وليبيا، والسودان، والبحرين، وتركيا وإيران؛ وذلك بمجرد فوزها في الانتخابات التشريعية. وكان اهتمام الحركة منصبًّا على "مصر الحليف العربي الأكبر للقضية الفلسطينية"12. وكانت الحركة قد التقت برؤساء تلك الدول ماعدا مصر؛ إذ "كان للحركة طموح أن تلتقيَ حسني مبارك، لكن اللقاء تمَّ مع عمر سليمان عن جهاز المخابرات، ومع أحمد أبو الغيط وزير الخارجية، كما تمّ ترتيب لقاء مع أسامة الباز مستشار الرئاسة، ولم تلتَقِ مع الرئاسة"14، الأمر الذي حدَّد العلاقة بالنظام المصري في حدود الدوائر الأمنية... فكانت زيارات المكتب السياسي للقاهرة تجرى كلُّها من خلال جهاز الاستخبارات.
بعد الحسم العسكري، في /6/14 2007، وسيطرة حماس على غزة، بدأت مرحلة ثانية من الحصار اتبعها نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك تجاه غزة. فعلى الرغم من سماحه لبعض القوافل بالدخول استجابةً لضغط الرأي العامّ المصري والعربي في بعض الأحيان، فإنّ نظام مبارك لم يحمل أيّ إستراتيجية لكسر الحصار عن غزة، بل قام بتشديده، بدليل بناء السلطات المصرية الجدارَ الفولاذيَّ على حدودها مع قطاع غزة، بطول 10 كيلومترات وعُمق 30 مترًا تحت سطح الأرض، لمنع التهريب عبر الأنفاق، ومنْع إدخال المواد الغذائية والطبية، ويُستثنى من ذلك معبر كرم أبو سالم
الذي تسيطر عليه إسرائيل، إضافةً إلى تدمير أنفاق السبيل البديل الذي اعتمده الغزِّيون للخروج من حالة العقاب الجماعي التي فُرضت على القطاع؛ وذلك بعد اقتحام بعض الأهالي في غزة الحدود المصرية الفلسطينية لكسر الحصار15. وفي ضوء الحادث، أعلن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أنّ "الحركة مستعدة للتعاون مع مصر والسلطة الفلسطينية لضبط الحدود بين مصر وقطاع غزة[...]إننا في حركة حماس، والإخوة في الحكومة الفلسطينية بقيادة إسماعيل هنية، نعلن استعدادنا للوصول إلى تفاهم مع الإخوة في رام الله [السلطة الفلسطينية] والإخوة في مصر لتنظيم عملية عبور الحدود"16، داعيًا الأطراف العربية والدولية إلى كسر الحصار عن غزة. زادت الأمور تأزمًا بين الحركة والنظام المصري بعد أن أبلغت حركة حماس مصر رسميًّا بأنها ستقاطع مؤتمر المصالحة الفلسطيني الذي كان من المقرر عقده بالقاهرة، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008. وأرجعت ذلك إلى أنه لم يَجْرِ الالتفات إلى مطالبها بإجراء حوارٍ جاد17. كما أنّ الحركة رفضت تجديد اتفاق التهدئة الذي كانت رعته مصر، منذ 19 حزيران / يونيو 2008، بين إسرائيل وحركة حماس وقال مشعل: "لا تجديد للتهدئة مع إسرائيل، التهدئة كانت محدَّدة بستة أشهر تنتهي في 19 كانون الأول / ديسمبر، علمً أنّ العدو لم يلتزم باستحقاقاتها. نحن في حماس وغالبية القوى موقفنا هو أنّ التهدئة تنتهي ولا تجديد لها"18. وقد جاء رفْض تجديد الهدنة الذي اتفقت عليه جميع الفصائل نتيجةً لاستمرار الحصار؛ إذ أغلقت إسرائيل جميع المعابر الحدودية؛ ما سبَّب نقصًا حادًّا في المواد الغذائية الأساسية والمحروقات في القطاع خاصةً، فتكون إسرائيل بذلك قد خالفت الشرط الأساسي لاستمرار الهدنة؛ وهو رفْع الحصار. لقد قدّمت مصر، في 17 تشرين الأول / أكتوبر سنة 2009، ما عُرف بورقة المصالحة التي سُمِّيت "اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني"19، والتي وافقت عليها كلّ من السلطة الفلسطينية في رام الله وحركة حماس. وعادت حماس ورفضت توقيعها معلِّلة ذلك بأنّ "الورقة تضمنت نقاطًا لم يَجْرِ التباحث بشأنها في أيّ وقت سابق، وأنّ هناك نقاطًا جرى الاتفاق عليها وتمّ حذفها من هذه الورقة"20. وانعدمت فرص توقيع المصالحة بسبب الموقف المصري المنحاز إلى التسوية، وبسبب السياسة التي انتهجها الرئيس المخلوع حسني مبارك خ لاا العدوان الإسرائي ييعلى قطاع غزّة، في شتاء 2008 – 2009، إضافةً إلى سلوك السلطة الفلسطينية بعد تقرير "غولدستون" سنة 212009. وطوال سنة 2010 لم يشهد جهد المصالحة بين الحركتين أيَّ اختراق، ماعدا جولتيْ دمشق؛ فقد اتُّفق، في 10 تشرين الثاني / نوفمبر سنة 2010، على تسوية جميع البنود الخلافية في الورقة المصرية إلَّ الملفَّ الأمني22.
لقد رفض النظام المصري الاع اررف بسيطرة حركة حماس على القطاع، وعَدَّ سيطرة الحركة عليه انقلابًا وخروجًا على الشرعية، إلا أنه لم يغلق الباب أمام العلاقة بالحركة، وجرى تسليم هذا الملف إلى الأجهزة الأمنية في الدولة، وتحديدًا، جهاز الاستخبارات العامَّة المصرية الذي كان يُعَدُّ حلقة الوصل بين الطرفين. لكنّ المشكلة في هذا الموقف أنه أصبح مُختزلً لغزة في حماس، ولحماس في غزة. وأصبحت سياسة العقاب الجماعي للقطاع هي الأساس، على سبيل محاولة النظام المصري إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 2007، وذلك عبر خلْق حالة من الضغط الشعبي داخل القطاع ضدّ الحركة.
فلسطين في ثورة يناير
لقد صنعت النظرة الأمنية التوجّه السياسي المصري تجاه الحركة، لكنّ العداء تجاه الفلسطينيين لم يُعمَّم ليصل إلى الجانب الشعبي. فلطالما عبَّ الشعب المصري عن وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني وتبنَّى القضية الفلسطينية بوصفها قضية العرب. وفي هذا السياق تبرز نتيجة الاستطلاع الذي أجراه المركز العربي، عام 2011، لتصبَّ في هذا الاتجاه؛ إذ كان 83 في المئة من المصريين المستطلعة آراؤهم يعتقدون أنّ القضية الفلسطينية هي قضية العرب، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. وقد تكررت هذه النسبة في استطلاع عام 2012 بفارق بسيط %84() على النحو التالي23: لقد كانت فلسطين جزءًا أصيلً من شعارات الثورة المصرية وتطلّعاتها؛ فقد سميت الجمعة الأولى من أيار / مايو 2011 التي تزامنت مع ذكرى نكبة فلسطين، جمعة الوحدة الوطنيّة والقضيّة الفلسطينيّة، وقد شهد ميدان التحرير تأييد الانتفاضة الثالثة للفلسطينيين، والاحتفال بالمصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، واكتسى الميدان بالأعلام الفلسطينية التي ظهرت أكثر من نظيرتها المصرية24.
أمَّا بخصوص مشاركة الفلسطينيين في ثورة 25 يناير، فهي من الأمور التي لا يمكن دعمُها بالوقائع على الأرض، ماعدا ما يتعلَّق بالتضامن العاطفي والاف اررضي من خلال شبكات التواصل الاجتماعية مع الشعب المصري في ثورته. كما أنّ المجتمع الفلسطيني - سواء في مصر أو غزة - يُدرك أنّ الفلسطينيين هم أوّل المتَّهَمين، بعد كلِّ هبَّة أو احتجاج شعبي؛ الأمر الذي يعرِّضهم للاعتقال والترحيل25.
سياسة الحصار.. غزة حالة استثناء
عشية حرب حزيران / يونيو 1967، أصبح الاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول القانوني عن قطاع غزة، وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة سنة. الصادرة 1949 وفي قام 12 أيلول / سبتمبر 2005 رئيس الوزراء الإسرائيلي السَّ ابق أرئيل شارون بالانسحاب الأحادي الجانب من القطاع وإزالة جميع المستوطنات الإسرائيلية. وقد أرادت إسرائيل من خلال هذا الانسحاب أن تؤكّد أنها لم تَعُدْ تحتل أراضي قطاع غزة، وأنها لا تنطبق عليها المعايير الدولية تجاه قوة الاحتلال. لكنّ الواقع الفعلي بدا عكس ذلك؛ فإسرائيل لا تزال القوة المحتلة التي تملك "السيطرة الفعلية"، وهي المسؤولة عن القطاع؛ إذ بقيت الحدود والمعابر تحت السيطرة والتحكم الإسرائيليين، ونتيجةً لذلك أصبحت غزة "سجنًا كبيرًا" ذا بابٍ واحد هو معبر رفح على الحدود المصرية. وقد أحاطت إسرائيل قطاع غزة بنظام أمني يشمل سياجًا حدوديًّا وجدارًا إسمنتيًّا ومنشآتٍ عسكريةً، تمتدُّ على طول الحدود معه. وتجدر الإشارة إلى وجود خمسة معابر حدودية تعمل في قطاع غزة (إيرز، وناحل عوز، وكارني، وصوفيا، وكرم أبو سالم)، وإلى أنّ إسرائيل أبقت على فتْح اثنين منها فقط، أحدهما لإدخال البضائع (كرم أبو سالم)، والآخر لتنقُّل المواطنين (إيرز.) وقد أثَّر إغلاق المعابر الحدودية الثلاثة الأخرى تأثيرًا كبيرًا في حركة البضائع اليومية. علاوةً على ذلك فرضت إسرائيل قيودًا على عدد الشاحنات المسموح بإدخالها عبر كرم أبو سالم؛ ما يعني أنّ المعبر يعمل بجزء يسير من طًاقته المحدودة أصل26.
في هذا السياق يمكن القول إنّ قطاع غزة يمثِّل حالة "استثناء"27، فقد خرج من المسؤولية المباشرة للاحتلال ليكون تحت استخدام القوة المفرطة28. وإضافةً إلى تعرضه لتلك الحالة الاستثنائية، فإنه يتعرّض لما تفرضه السلطة الفلسطينية في رام الله في ظلّ الانقسام السياسي بينها وبين حركة حماس التي تدير قطاع غزة، وهو، أيضًا، المنطقة الأكثر فقرًا في الأراضي الفلسطينية (تبلغ نسبة الفقر %38.8)، والمنطقة الأكثر كثافةً سكانية 4.661( فردًا لكلّ كم 2)، فقد بلغ عد سكان القطاع عام 2013 نحو 1.7 مليون نسمة يعيشون على 40 كيلومترًا، غالبيتهم من اللاجئين. في الخامس عشر من تشرين الثاني 2005، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع وقَّعت السلطة الفلسطينية وإسرائيل اتفاقًا عُرف باسم "اتفاق المعابر"، وقد جرى من خلاله وضْ ع الشروط والضوابط والمعايير التي تنظِّم حركة المرور من الأراضي الفلسطينية المحتلة وإليها من خلال المعابر، ومن ضمنها معبر رفح. وتجرى الإشراف على المعبر من خلال الجانبين المصري والفلسطيني، بحضور
طرف ثالث ممثلً بالاتحاد الأوروبي، على أن تكون إسرائيل حاضرة تكنولوجيًّا على المعبر. واستخدم المسؤولون المصريون حجةً تقول إنّ فتْح المعبر سيسمح لإسرائيل - بما أنها قوة احتلال - بالتنصل من مسؤولياتها تجاه القطاع، والتهرب من ضرورة رفْع الحصار عنه. لكنّ ذلك الادعاء غير مبرر؛ لأنّ الحصار المفروض إسرائيليًّا يُعَدُّ شكلً من أشكال العقوبة الجماعية، وانتهاكًا للقانون الإنساني الدولي. فغزة أرض محتلَّة توجب على الاحتلال التزامات تجاهها، لكن ذلك لا يعني استمرار إغلاق معبر رفح - وهو المنفذ الوحيد لغزة إلى العالم الخارجي - ولا يبرِّر إغلاق المعبر لأسباب "المصلحة الوطنية" أو "الأمن القومي"، فسياسة المرور الانتقائية التي لا تسمح من خلالها مصر بالدخول من خلال المعبر إلَّ لمن تشاء، تنفي هذه المبررات. لقد تعرضت غزة بعد أن فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، واستقلت بإدارة قطاع غزة، بعد الحسم العسكري عام 2007، لمقاطعة دولية؛ فقد قامت الرباعية الدولية ممثلةً بالولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا، بمقاطعة حكومة حماس. وتمثّلت هذه المقاطعة بوقف المساعدات الدولية لحكومة إسماعيل هنية. واستمرت مقاطعة حماس، بوصفها سلطة حُكم في قطاع غزة إلى ما بعد سنة 29.2007 استمرَّ كذلك إغ قاا معبر رفح مدة ثلاث سنوات؛ إذ أعلنت السلطات المصرية، بتاريخ /6/1 2010، عن فتح المعبر استثنائيًّا في كلا الاتجاهين لإدخال المساعدات الإنسانية، ومرور فئات محددة من المواطنين، وهم المرضى، والطلبة الذين أوشكوا أن يفقدوا مقاعدهم الدراسية في الجامعات، والعاملون الذين اقتربت مواعيد انتهاء إجازاتهم، أو المعرضون لفقْد وظائفهم وأعمالهم، وأصحاب الإقامات المنتهية30. غلق معبر رفح كليا أو جزئيًا أ - منفذ سكان قطاع غزة الوحيد إلى الخارج - منذ توقيع اتفاقية المعابر في تشرين الثاني / نوفمبر 2005 حتى يوم 30 آب / أغسطس عام 1215( يومًا) من مجموع 2831( يومًا) بما نسبته نحو 43 في المئة31. وتعود نسبة التحسن إلى ما بعد الثورة المصرية؛ إذ شهدت حالة معبر رفح البري تحسنًا ملحوظًا، لأنّ المعبر لم يُغلق منذ 2011/1/25 حتى 2013/6/30، سوى 98(يومًا) من أصل 1014(يومًا)؛ أي ما نسبته 10 في المئة فقط32. غلق معبر رفح الحدودي بعد أحداث وأ 30 حزيران / يونيو، خلال الفترة المتراوحة ب 2013/7/1 و 2013/12/31، 100 يوم من مجموع 185 يومًا (من دون احتساب العطل الأسبوعية، لأنه يكون فيها مغلقًا)؛ إذ أغلق في تموز / يوليو 9 أيام33، آب / أغسطس وفي 14 يومًا34، وفي أيلول / سبتمبر وتشرين الأول / أكتوبر 33 يومًا35، وفي تشرين الثاني / نوفمبر 21 يومًا36، وفي كانون الأول / يناير 23 يومًا37. وقد اقتصر تشغيله على أربع ساعات يوميًّا أيام العمل، وعمدت السلطات المصرية إلى تقليص عدد المسافرين من 1200 مسافر إلى 200 مسافر في اليوم، أو 400 مسافر في أفضل الأحوال. عانى الفلسطينيون السفر من خلال مطار القاهرة مما يسمى "غرفة الترحيل" التي تجرى من خلالها عملية "الترحيل الجماعي" للفلسطينيين؛ ذلك أنّ الأجهزة الأمنية في مطار القاهرة تقوم بحجز المسافرين الفلسطينيين المقبلين إلى معبر رفح، أو المتجهين إليه، في الغرف المخصصة لتوقيف المجرمين والمشتبه فيهم، وهذه الأماكن
تفتقر إلى أيِّ مقوّم من مقومات النظافة، فضلً عن الراحة الأساسية؛ ومن أمثلة ذلك تجميعهم، والتحقيق معهم حتى يكتمل عدد معين من الباصات، وقد تستغرق العمليات ساعاتٍ، وأحيانًا عدّة أيام ليجريَ ترحيلهم إلى القطاع لضمان عدم دخولهم الأراضي المصرية. وتُعَدُّ هذه السياسة سمةً أساسيةً في التعامل مع فلسطينيي القطاع، وهي سياسة تَخ فُّ أو تزيد حدَّتها وفق تغيّ علاقة مصر بالفلسطينيين، وتغير نظرتها إليهم، من الناحية السياسية. وقد اشتدت حدَّة هذه السياسة بعد الانقلاب في 3 تمّوز / يوليو، وتعرض كثير من الفلسطينيين المقيمين في مصر بصورة دائمة، أو موقَّتة، لعمليات اعتقال من دون أيِّ سند قانوني أو قضائي، استجابةً لحملة التحريض من بعض وسائل الإعلام المصرية38. إنّ حملة التحريض بلغت ببعض السياسيين حدَّ رفض دعوة حمدين صباحي إلى فتح المعابر مع قطاع غزة، عادِّين هذه الدعوة تهديدًا للأمن القومي المصري39. وقد أشار عمر سليمان مدير الاستخبارات العامَّة المصرية السَّ ابق الذي كان يَعُدُّ "التطرف" في غزة "تهديدًا للأمن القومي الم يرر"، ليعود بذلك خطاب التحريض على الفلسطينيين منذ عهد نظام مبارك، وهو خطاب له، من دون شك، تأثيره في الرأي العامّ المصري.
نمط العلاقة بعد ثورة 25 يناير
أحدثت ثورة 25 يناير تحسنًا من جهة نمط العلاقة بين حركة حماس وقطاع غزة؛ إذ إنّ القيادة المصرية الانتقالية برئاسة المجلس العسكري قرّرت حسم ملفّ المصالحة الفلسطينية، والقطْع مع سياسات النظام السَّ ابق بالوقوف على مسافة واحدة من الحركتين، والعمل على إنهاء حصار غزّة، وهي المواقف التي أكّدها وزير الخارجية المصري الجديد نبيل العربي في 23 آذار / مارس 2011، برفض مصر مواصلة الاعتداء الإسرائيلي على القطاع، ومن ثمةّ الالتزام بفكّ الحصار عن القطاع في أقرب وقت، ليُعلن في القاهرة، في 27 نيسان / أبريل 2011 توقيع اتّفاق المصالحة الذي تُوّج باتّفاق رسمي، في 4 أيار / مايو 2011، بحضور عباس ومشعل40. وعلى الرغم من الأمل الكبير الذي ساور الغزيين، فترةَ سقوط نظام مبارك وتولِّ العسكر، وفترة تولِّ الرئيس محمد مرسي الحكم بعدها، بحصول تغييرٍ في السياسة المصرية تجاه القطاع خصوصًا، المتمثّل بفتح المعبر والسماح بحركة السكان والبضائع من غزة وإليها، فإنه لم يطرأْ تغير كبير على الواقع الملموس لأهالي غزة، ولا سيما في ما يتعلق بمعبر رفح؛ إذ كان يجري فتْح المعبر للحالات الإنسانية والإغاثية، فتراتٍ محدودةً لا تلبِّي حاجة السكان. ومع صدور قرار المجلس العسكري، يوم 2011/5/23، بفتح معبر رفح على نحوٍ دائم، عدا أيام الجمعة والإجازات، ظهرت عدَّة مقالات تحلِّل خطورة هذا القرار، مشيرةً إلى التخوف من الوجود الفلسطيني. وقد عَدَّ بعضهم أنّ هذه الخطوة "تحقّق رغبة آلاف الفلسطينيين في (التوطين) في مصر، خصوصًا الغزاويين"، في حين أشار بعضهم الآخر إلى "خطورة الحمساويين على أمن الشعب المصري"، وإلى أنّ ذلك "من الممكن أن يورِّط مصر في حرب جديدة مع إسرائيل"41.
من مرسي إلى 3 تموز / يوليو
ظلت العلاقة بين الحركة والمجلس العسكري بعد الثورة ضمن الحدود السَّ ابقة للعلاقة أيام نظام مبارك؛ أي إنّها ظلت محصورةً في جهاز الاستخبارات، وذلك من خلال مراد وافي، "حيث طلبت الحركة مقابلةً مع المجلس العسكري وتمّ رفض الطلب. ومن تاريخ 11 شباط / فبراير إلى انتخاب مرسي ظلت علاقات حماس مع الدولة المصرية مع المخابرات ووزير الخارجية فقط"42. لكنّ ذلك ترافق مع تحسن بسيط على أرض الواقع؛ فقد سمحت أجواء الثورة بتحسن العلاقة في ما يتعلق بتيسير حركة المعبر، وكان
أحد مظاهر التحسن خروج أعضاء المكتب السياسي للحركة من دمشق في كانون الثاني / يناير 2012؛ إذ سمح المجلس العسكري باستقبال بعض قيادات الحركة، وعلى رأسها أبو مرزوق. ومع مجيء الرئيس مرسي انتقلت العلاقة لأوّل مرة، بين حركة حماس والنظام الرسمي المصري، إلى مستوى الرئاسة، بعد أن كانت محصورةً في الدوائر الأمنية. وقد انعكس ذلك على آراء الناس والرأي العامّ في غزة؛ إذ رأى 56 في المئة من المستطلعة آراؤُهم في انتخاب مرسي تأثيرًا إيجابيًّا في الشعب الفلسطيني43، على النحو الآتي: سرعان ما تبددت موجة التفاؤل التي سرَت لدى سكان قطاع غزة وحركة حماس عند فوز الرئيس المصري محمد مرسي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، بعد الليلة التي أعلن فيها عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع المصري والقائد العامّ للقوات المسلحة، عن تعليق الدستور وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور رئيسًا موقَّتًا لإدارة شؤون مصر في فترة انتقالية؛ لتخيّم حالة من القلق وترقب للمجهول بالنسبة إلى قادة حماس وكوادرها؛ وذلك بسبب تصاعد مظاهر العداء من الإعلام المصري للحركة الحاكمة في القطاع والاتهامات التي تورِّط حماس في دهاليز الأزمة المصرية، وبسبب عودة تضييق الحصار على غزة، من خلال إغلاق المعابر الحدودية وتدمير الأنفاق التي تُعَدُّ شريان الحياة بالنسبة إلى الغزيِيّن. وكانت العلاقات بين حماس ومصر قد شهدت خلال مرحلة حكم الرئيس محمد مرسي "تحسنًا ملحوظًا" على الصعيد السياسي، وقد حظيت الحركة بعلاقات جيدة مع مصر بعد ثورة 25 يناير التي أطاحت الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، خصوصًا أنّه ظلّ يتعامل مع حماس بوصفها ظاهرةً أمنيةً، رافضًا لقاء أيّ مسؤول من مسؤوليها، ولقد عبّ ت عن التحسن الذي طرأ على علاقة حماس بمصر في عهد مرسي الزيارةُ التي قام بها رئيس الحكومة المصرية هشام قنديل لقطاع غزة، في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، وزيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس للقاهرة، في 14 حزيران / يونيو 2013، وكذلك زيارة رئيس الحكومة الفلسطينية المُقالة في قطاع غزة إسماعيل هنية لمصر، في 2012/7/29. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ العلاقات بين حماس ومصر في فترة مرسي لم تكن على تلك المتانة التي صوّرها بعض السياسيين المصريين المعارضين، أو بعض وسائل الإعلام. وقد استمرت هذه السياسة فترة حُكم الرئيس المعزول محمد مرسي، وكانت تبرر بذرائع "مقاومة الإرهاب" خصوصًا بعد مقتل الجنود ال 16 في سيناء، في الخامس من آب / أغسطس 2012، واتهام حركة حماس بهذه العملية، وكان ذلك بعد مضيِّ أقل من شهرين على انتخاب مرسي رئيسًا لمصر. أمَّا حركة حماس فقد ندَّدت بالهجوم واصفةً إياه بأنه "جريمة بشعة"، وبادرت إلى إغلاق جميع الأنفاق
الحدودية التي تربط قطاع غزة بمصر عقب الهجوم؛ لمنع منفذي العملية من الهرب من خلالها44. لكنّ الحملة الإعلامية المصرية وجهت أصابع الاتهام إليها في ارتكاب هذه العملية، واتهمت عناصر من كتائب القسام بالتورط في تنفيذها45؛ الأمر الذي أدَّى إلى تشديد الحصار، وهدْم العشرات من الأنفاق. وقامت الحكومة المصرية بإغلاق معبر رفح وإغراق الأنفاق بالمياه الملوَّثة، في إطار حملة لإغلاقها. وقد صرّح مساعد الرئيس المصري للشؤون الخارجية عصام الحداد، في ذلك الوقت، بأنّ "بلاده لن تتسامح مع تدفُّق الأسلحة المهربة من قطاع غزة وإليها، عادًّا ذلك مؤدِّيًا إلى "زعزعة الاستقرار في سيناء." وأضاف: "لا نريد أن نرى هذه الأنفاق تستخدم كسُبل غير مشروعة لتهريب الأشخاص أو الأسلحة التي يمكن أن تلحق ضررا فعليًّا بالأمن المصري"46. وفي ضوء ذلك استمرت مطالبات قيادات حماس بفتح المعبر، وعدم هدم الأنفاق التي تشكِّل المنفذ البديل لأهالي القطاع47. سياسيًّا، امتنع قادة حماس عن الإدلاء بأيِّ تصريح علني يتصل بما تشهده الساحة المصرية من تطورات دراماتيكية منذ عزل الرئيس مرسي؛ خشية أيّ ردّة فعل تجاه الحركة، ومن إمكانية استغلاله من بعض وسائل الإعلام المصرية المعارضة للإخوان. في المقابل تبنَّت وسائل الإعلام المقرَّبة من حماس، وخصوصًا صحيفة فلسطين وتلفزيون القدس، الموقفَ الداعمَ للرئيس المعزول محمد مرسي والإخوان المسلمين، على الرغم من تأكيد حماس عدم تدخلها في الشأن المصري. على أرض الواقع، ومنذ 30 حزيران / يونيو، انقطع جسر التواصل بين حركة حماس والمسؤولين المصريين، بحجة الانشغال بالأوضاع الأمنية الداخلية لترتيب البيت المصري. وتجلَّ ذلك بمباشرة السلطة الحاكمة بمصر، منذ الساعات الأولى بعد عزْل الرئيس مرسي، هدْم الأنفاق المتصلة بالقطاع، وإغلاق معبر رفح الحدودي، وبمنع تحرُّك المسافرين الفلسطينيين من خلاله، إضافةً إلى شنّ حملة إعلامية في حقّ الفلسطينيين تجاوزت تلك الحملات التي كانت ظاهرةً إبان حكم الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك. فقد عمد العسكر إلى تضييق الحصار على غزة، كما أنّ نحو 80 في المئة من الأنفاق، وهي بمنزلة شريان الحياة بالنسبة إلى الغزيِيّن – شعبًا وحركة - جرى إيقافها، علمً أنّ إغلاقها، أو تدميرها، يؤدِّي إلى استنزاف الإمكانات المادية للحركة، وإلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في غزة أكثر فأكثر. وبلُغة الأرقام، تسبَّب تدمير الأنفاق في خسائر مباشرة لكلّ الأنشطة الاقتصادية في قطاع غزة بما يزيد على 500 مليون دولار، خلال النصف الثاني من سنة 482013. وقد تصاعدت سياسة إعلان العداء ضدّ حركة حماس بتصاعد حدَّة الاتهامات التي وجّهها القضاء المصري إلى مرسي، واتهامه بالتخابر مع الحركة للهروب من السجن، خلال الثورة في كانون الثاني / يناير سنة 2011، والمساعدة في الهجوم على رجال الشرطة. يُضاف إلى ذلك المهمات التي وجَّهها الإعلام المصري إلى حماس بتورط الحركة في عمليات الإخلال بالأمن المصري الداخلي، بدءًا من القاهرة ووادي النطرون، وصولً إلى سيناء المضطربة؛ ما دعا السلطات المصرية إلى تعزيز حملتها ضدّ الجماعات المسلحة الإسلامية هناك. كما تعرّض المواطن المصري لسلسلة لا تتوقف من الأخبار التي نجحت إلى حدّ ما في إحداث تغيُّ في الصورة الذهنية بشأن "حماس." وبلغ التوتر ذروته مع مصر بعد قيام عناصر من كتائب القسام بتنظيم عرض عسكري جنوب قطاع غزة، وهم يرفعون بأيديهم إشارة رابعة. وبعد نشر فيديو لهذه التظاهرة على موقع يوتيوب طالب مذيع على قناة التحرير المصرية الجيش المصري بضرب حماس "الإرهابية"
كما ضرب إسرائيل في حرب تشرين الأول / أكتوبر 491973. وفي ما بدا أنه محاولة لاحتواء الغضب المصري خرج أبو مرزوق، واعتذر عن تظاهرة القسام معترفًا بأنها "كانت خطأ "، مؤكدًا أنّ "جيش مصر خط أحمر على رؤوسنا جميعا"50. لكنّ المطالبات العدائية وجدت صداها على المستوى السياسي المصري؛ إذ هدَّد وزير الخارجية المصري نبيل فهمي حركة حماس بأنّ رد مصر "سيكون قاسيًا إذا شعرنا بأنّ هناك أطرافًا في حماس أو أطرافًا أخرى تحاول المساس بالأمن القومي المصري"، مؤكدًا أنّ الرد يتضمن "خياراتٍ عسكريةً أمنيةً، وليس خياراتٍ تنتهي إلى معاناة للمواطن الفلسطيني"51.
التحريض الإعلامي على حماس
شدَّدت وسائل الإعلام المصرية من حملتها على حركة حماس بعد عزل الرئيس مرسي، ومحاولة توريط الحركة في الشأن المصري؛ ذريعةً للهجوم على الشعب الفلسطيني كلّه52. وحمّلت حركة حماس مسؤولية الوضع الأمني المتدهور في سيناء53. وقد دفعت هذه الاتهامات قطاعاتٍ عديدةً من المصريين إلى اعتماد مواقف سلبية من الفلسطينيين، وأثارت حالةً من "الكراهية" تجاه حركة حماس. كما رسَّ خت هذه العدائية برامجُ تلفزيونية مكثَّفة تتَّهم الحركة باقتحام السجون المصرية للإفراج عن الرئيس مرسي وبعض قادة الإخوان، وكان ذلك، بالنسبة إلى الحركة، أكثر ضررًا من إغلاق معبر رفح؛ ما جعل المسؤول الثاني في حركة حماس موسى أبو مرزوق، يقول صراحة إنّ "الاستقطاب والتشنّج بلغَا مستويات غير مسبوقة بين الفلسطينيين والمصريين"54.
ومنذ 30 حزيران / يونيو 2013، وهو تاريخ عزل الرئيس محمد مرسي، تصاعدت حدة الهجوم على الفلسطينيين، حتى أصبح لا يمرّ يوم من دون أن تطالعنا وسائل إعلاميّة بتورط فلسطينيين في الأحداث الجارية في مصر، بدءًا بأحداث الانفلات الأمني والتفجيرات التي تشهدها سيناء، ومرورًا بالاعتصامات التي يقيمها أنصار مرسي، للمطالبة بعودته، ولم يكن ذلك انتهاءً بتلفيق الإعلام المصري "الرسمي" تهمً لهم، وترسيخ فكرة مفادها أنّ حماس خطرٌ أمني يهدّد الأمن القومي المصري، مع الزجّ باسم "الفلسطيني" في كلّ حدث "تخريبي" بمصر، مثلما قيل إنّ "أهل غزة قتلوا المتظاهرين المعارضين للإخوان، وحرقوا مقارّ حزب "الوفد"، وأمدّوا حلفاءهم [أي الإخوان] بأسلحة دمار شامل، كما نهبوا نصيب مصر من الوقود والتيار الكهربائي"، حتى بات أغلب المصريين يتداولون هذه الأنباء، وبقيَ الهجوم عليهم في وسائل الإعلام المصرية، على ما هو عليه55،
إلى حدّ وصلَ بكاتبة مصرية إلى أن تعنون مقالها ب "فلسطين في ذمة التاريخ"56. وفي 22 تمّوز/ يوليو 2013 قال قائد الجيش الثالث الميداني المصري اللواء أسامه عسكر: "إنّ الصواريخ التي جرى ضبطها، بطريق مصر – السويس، هي من النوع الذي تمتلكه فصائل (عز الدين القسام)، الجناح العسكري لحركة حماس"، مضيفًا أنها "كانت في طريقها إلى القاهرة، لمساعدة الإخوان ضدّ الشعب المصري"، وأنّ "الصواريخ المضبوطة كفيلة بتدمير حي كامل." وهو ما يشير إلى أنها كانت قادمة لاستخدامها في أعمال إرهابية ضدّ الشعب المصري؛ أي إنّ قائد الجيش الثالث اتهم حركة حماس بامتلاك الصواريخ، لمجرد أنها لديها النوع نفسه منها، على الرغم من أنّ "حماس" لا تقوم بتصنيع تلك الصواريخ بنفسها، بل تقوم بشرائها، فهي من نوع غراد، الروسية الصنع، وعلى الرغم من أنها متوافرة في سيناء أكثر من غزة، بحسب تصريحات المتحدث الرسمي باسم حركة حماس، سامي أبو زهري57. في الأول من آب / أغسطس 2013، تداولت وسائل الإعلام خبر ضبط أحد عناصر "حماس"، على خلفية هجوم مسلح على معسكر الأمن برفح، مدعيةً أنّ المتهم كان بحوزته صور لمعسكرات، وأمكنة أمنية في مصر، وقذائف هاون، وسلاح آر. بي. جي58. وهو الأمر الذي سارع مصدر عسكري مصري إلى نفيه، مؤكدًا أنّ الفلسطيني الذي جرى ضبطه متسلل عبر الأنفاق، وأنه قُبض عليه في الشقة التي كان يقيم بها في العريش، وأنه لا علاقة له بالهجوم على معسكر الأمن، من قريب أو بعيد. على الرغم من ذلك لم يُنشر هذا التكذيب59. كما أكد كاتب مصري أن "جهاز المخابرات العامَّة المصري الذي يمسك بملف غزة، يعرف جيدًا أنّ حملة تشويه (حماس) مسكونة بالافتراءات والأكاذيب. وفي مقام سابق، أشرت إلى ما سمعته من أحد مسؤولي الجهاز عن أنّ ما تنشره وسائل الإعلام عندنا، بخصوص (حماس) أكثره (كلام جرايد)، لا ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. وإذا صحَّ ذلك، فمعناه أنّ حملة الشيطنة المستمرّة في مصر تنتهك الاعتبارات الوطنية، والقومية، والأخلاقية، وتوجه السهام المسمومة إلى مختلف القيم التي تفرضها تلك الاعتبارات. وأرجو ألا أذكرك بالمستفيد الحقيقي من وراء ذلك"60.
وعلى الرغم من اتخاذ حركة حماس سياسة الحياد في ما يتعلق بتعقيدات المشهد المصري الحالي، فإنّ سياسة الهجوم الإعلامي المصري الشرس على حركة حماس لم تتوقف. فهذه الحركة التي تسيطر على جغرافيا لصيقة بمصر، تُدرك مدى خطورة الاقتراب - ولو خطوةً واحدة - من "الصراع السياسي المصري." وليس من شاهدٍ على ما يمكن أن ينتظرها أوضح من اتهام الجيش الرئيسَ المصري المعزول بالتخابر مع "حماس." ثمّ إنه على الرغم من أنّ تهمة التخابر تلك قد جرى استخدامها سياسيًّا، في الصراع المصري الداخلي بالتعبئة ضدّ الإخوان المسلمين، فإنها تُنْبئ بما يمكن أن تؤول إليه علاقة مصر بالقطاع في حال استقرار أمر "الانقلاب." وهو أمرٌ متوقَّع بالنظر إلى قراءة حالة الشارع الراهنة؛ إذ تمتلك مصر الكثير من المفاتيح التي تؤثر في
مناحي الحياة في غزة، بدْءًا من التحكم في المنفذ الوحيد إلى العالم الخارجي، إلى جهد الوساطة في المصالحة الفلسطينية61، وكذلك التوسط في الهدنة بين حماس وإسرائيل، يضاف إلى ذلك سيطرتها على شبكة من الأنفاق، يمرُّ من خلالها كلّ شيء (من البضائع إلى الأسلحة) للتغلب على الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع المحاصر. وإنّ الهجوم على الفلسطينيين لا يتمثَّل بالاتهامات وإذاعة الأخبار غير الصحيحة فحسب، بل يمتد إلى منع الفلسطينيين من دخول مصر، في أوقات معينة، من دون سبب، وهذا الأمر يقتصر على الفلسطينيين تحديدًا، فعند حدوث أيّ أزمة داخلية مصرية، تسارع السلطات المصرية إلى إغلاق معبر رفح أمام المسافرين، الأمر الذي يُعطل حياة الفلسطينيين، ويُسبب لهم عدّة مشكلات وخسائر جمَّة، نتيجة الانتظار الطويل - خصوصًا بالنسبة إلى طلاب الجامعات، والمرضى، وأصحاب الإقامات - ما دعا الفلسطينيين إلى التساؤل عن سبب تصدير الأزمات الداخلية المصرية لهم، وإغلاق المعبر الوحيد الذي يُعَدُّ شريان الحياة بالنسبة إليهم، تحت وطأة الحصار الإسرائيلي المشدد، وعدم وجود منافذ أخرى لغزة62. وقد بلغت حملة الكراهية والبغضاء، عن طريق وسائل إعلام، حدَّ المطالبة بمنع الفلسطينيين من دخول مصر نهائيًّا، ورفْع مصر يدها عن القضية الفلسطينية كليًّا؛ الأمر الذي ترتّبت عليه تداعيات خطرة تهدّد أمْن المواطنين الفلسطينيين وسلامتهم، سواء كانوا من المقيمين في مصر أو في قطاع غزة المجاور لحدودها63. كما صرّح مسؤولون من كبار الأمنيين المصريين بأنّ الهدف التالي بعد حركة الإخوان التي أصبحت حركةً إرهابيةً محظورةً داخل البلاد وفقًا للقانون وللدستور الجديد، هو حركة حماس في غزة، وبأنهم سيسعون لوضع حدّ لوجودها على الحدود مع مصر من خلال إنهائها في قطاع غزة64.وفي تصريح مفاجئ لشخصية دينية أزهرية طالب الشيخ أحمد كريمة الحكومة المصرية بضرب حركة "حماس" وكتائب القسام وغيرها في قطاع غزة وإبادتها. كما ناشد مصر بأن "تخلع يدها تمامًا عن مسألة فلسطين."
الخلاصة: مآلات العلاقة
تقف حركة "حماس" أمام جدار "الأزمة المصرية" عاجزةً، وخصوصًا أنّ مدى المناورة لديها في ظلّ الأوضاع الإقليمية والدولية الحالية ضيِّق، كما أنّ أفُق حدوث انفراج ما في القاهرة يصبُّ لمصلحتها يبدو بعيدًا، بخاصة في ظلّ تهديداتٍ باستهدافها في غزة، وتفكيك هيمنتها على القطاع المجاور للحدود المصرية. فحماس التي استطاعت عبور أصعب علاقاتها بالقاهرة في عهد مبارك، تدفع اليوم، هي والقطاع المحاصر، ثمن استمرار الأزمة السياسية المصرية. وعلى الرغم من ذلك يبدو المُستقبل على الصعيد السياسي بالنسبة إلى الغزيِيّن وحركة حماس أسوأ ممَّ كان عليه، بعد أن تغيَّ موقع مصر في حسابات الحركة، إلى مصدر للقلق والترقُّب، وربما الضغوط، والمضايقات، واستمرار الحصار. تأسيسًا على ما تقدَّم، يمكن القول إنّ حركة حماس لئن استطاعت عبور أصعب علاقاتها بالقاهرة في عهد مبارك، ولئن كانت خسارتها تكتيكيةً فحسب؛ بالنظر إلى أهمية الملف الفلسطيني لدى أيّ إدارة مصرية جديدة، فإنّ غزة تبقى اليوم على جميع الصعد هي التي تدفع ثمن استمرار الأزمة السياسية في المشهد المصري في كلّ الجوانب الحيوية. لذا ينبغي لها أن تُعيد تقييم تجربتها في الحكم في ضوء تجربة حكم الإخوان من خلال الجوانب الآتية: أولً، التركيز على الجانب الديمقراطي والمدني (جانب الحرِّيات) في الحكم داخل القطاع، والتركيز على علاقاتها الوطنية وإعادة النظر في علاقاتها الإقليمية في اتجاه خلْق البدائل القائمة على التحالفات الإستراتيجية، ولا سيما بعد أن غادرت، بفعل ثورات الربيع العربي، مربع "التحالف الإستراتيجي" محور إيران وسورية وحزب الله.
ثانيًا، التخفيف من تداعيات الانقلاب في مصر على أوضاع الغزيين ومعاشهم، باتخاذ موقف متوازن لا يدفع ثمنه أهالي القطاع، وخصوصًا أنّ للحركة خبرةً في هذا المجال؛ وذلك من خلال تعاملها مع نظام المخلوع حسني مبارك. ثالثًا، على حماس الخروج من لعبة التحريض الإعلامي مع القنوات المصرية التي تستخدم خطابًا قائمًا على التخوين والتكفير. وعليها أن تنأى بنفسها عن الحرب الإعلامية المحتدمة في مصر، على الأقلّ من أجل تمكينها من الخروج بأقل قدر ممكن من الخسائر. رابعًا، على حماس أن تقوم بتسريع مسارات المراجعة الداخلية والأولويات الوطنية، وأن تضع موضوع المصالحة الفلسطينية في صدارة أهدافها، ولا سيما أنّ علاقاتها موسومة بقدر من المرونة التي يمكن أن تؤهلها لتلك المصالحة. أمّا مستقبل العلاقة المتوقعة بين مصر وغزة، أو حركة حماس تحديدًا، فهو يتراوح بين ثلاثة سيناريوهات: الأول، سيناريو نجاح "الانقلاب" واستقراره سياسيًّا وتولي القيادات العسكرية الحكم، سيكون موجهًا بالدرجة الأولى ضدّ جماعة الإخوان المسلمين التي أعلن أنها حركة إرهابية محظورة وفقًا للقانون والدستور الجديدين؛ الأمر الذي سيمتدّ إلى الحركة. وسيتراوح مشهد العلاقة في هذا السيناريو بين عدّة فصول، يتضمن أشدها عملً عسكريًّا على حدود قطاع غزة، واستغلال الأوضاع الداخلية في القطاع وضغوط الحصار للعمل مع جهات فلسطينية داخلية؛ من أجل دفْع الغزيين إلى الثورة على القطاع، كما فعل المصريون بحكم جماعة الإخوان المسلمين. وقد تجلَّ هذا الحراك في إعلان عدد من الفلسطينيين في غزة عن حركة "تمرد" الغزية التي حددت موعد الانتفاضة ضدّ حماس في 11 كانون الأول 2013. فهذه الحركة وإن ظلت محصورةً في إعلانها الذي لم يُنفَّذ على الأرض، فإنّ تجددها عمليًّا يظلّ أمرًا ممكنًا. الثاني، نجاح رئيس مدني في الانتخابات المصرية؛ الأمر الذي يسمح بأن تسود علاقة حذرة بين الحركة والنظام الجديد تكون أشبه بإدارة الأزمات، ممّ يعني تشديد الحصار وتخفيفه كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وهو الأمر الذي اعتادته الحركة والقطاع منذ عهد مبارك، وخصوصًا مع توافر مزاج شعبي معبَّأ ضدّ الإخوان والحركة؛ وهذا يعني أنّه ستمضي فترة طويلة حتى تعود الأمور إلى نصابها. الثالث، وهو مبني على دخول مصر في حالة اضطراب سياسي وأمني تجعل من مسألة سيطرة طرف على الدولة من دون طرف أمرًا مستحيلً، وهذا يعني بالنسبة إلى حركة حماس مصاعب أمنيةً وعسكريةً إضافيةً. لكنه بالضرورة سيعني كذلك كسرًا نسبيًّا للحصار، لعدم قدرة مصر الدولة على حماية حدودها مع قطاع غزة. حينئذٍ ستطلّ الإجراءات الإسرائيلية التي قد تتجه إلى احتلال شريط حدودي من مصر مرَّةً أخرى، بهدف حماية أمنها، على أنه سيناريو لن توافق إسرائيل عليه، وخصوصًا أنّها لن تقدر على احتمال ضغط حماية حدودها التي ستصبح مفتوحة على مصراعيها للمقاتلين الراغبين في الجهاد.