سياسات الولايات المت حدة الأميركيّة في منطقة الشرق الأوسط

محمد المصري

الملخّص

تعرض هذه الورقة، من خ لاا مراجعة نقدية، لأهمِّ ما ورد في المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن." وقد خصّص هذا العام لمناقشة السياسات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وتتأتَّى أهمية التفاعل النقدي مع ما تُنتِجه مراكز السياسات في الولايات المتحدة الأميركية أوَلّا؛ من الأهمية نفسها التي تحظى بها هذه المراكز، سواء كان ذلك من جهة التأثير في حلقات صناعة السياسة الخارجية الأميركية، أو من جهة النقاش النقدي؛ للعمل على التفكيك المتواصل لما يروِّج له "معهد واشنطن"، بوصفه مركز ا لصناعة الآراء والتصوُّرات تجاه الشرق الأوسط من منظور يعكس - دائمًا، وفي المقام الأول - المصالح الصهيونية والإسرائيلية. كما تهتمُّ الورقة بأهداف دعوة المنتدى السياسي إلى إعادة تعريف حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة من ناحية، وأهداف دعوته إلى تأسيس تكت ل إستراتيجي حليف لها، يضمُّ إسرائيل وبعض الدول العربية من ناحية أخرى.

مناقشة تصوّرات "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"

تتعرّض السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط لنقاشٍ واسع من أجل صَوْغ فهم جديد لمحدّداتها وعناصرها، وبخاصّة خلال الفترة الرئاسية الثانية لأوباما، وفي ظلّ تزايد الحديث عن تراجع دورها لمصلحة زيادة تأثير قوى دولية وإقليمية، مثل روسيا وإيران. وفي هذا السياق، خصّص "معهد واشنطن للشرق الأدنى" منتداه السياسي1 لمناقشة السياسات الأميركيّة في منطقة الشرق الأوسط الذي تحدّث فيه كلٌّ من: روبرت ساتلوف2؛ وستيفن هادلي3؛ ودينيس روس4. ونعرض هنا لأهمِّ ما جاء في هذا المنتدى السياسي مع ملاحظات نقديةٍ لمداخلات المتحدّثين واقتراحاتهم. وتأتي أهمية تناول ما جاء في هذا المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن" من ثلاثة عوامل: أوّلً: أهميّة مراجعة ما يصدر عن مراكز البحث والمراكز السياسية الأميركيّة بصفة خاصّة؛ نظرًا لما لهذه المراكز من دور في التأثير في بناء تصوّرات وتقديم آراء تؤثّر في صوْغ السياسة الخارجية الأميركية نحو منطقة الشرق الأوسط. ثانيًا: الأهميّة النسبيّة التي يتمتّعُ بها "معهد واشنطن" بوصفه مركزًا لصناعة الآراء والتصوّرات نحو الشرق الأوسط من وجهة نظر تعكس المصالح الصهيونية والإسرائيلية. إذ إنّ "معهد واشنطن"، ومنذ تأسيسه إلى الآن، لا يمثّل مؤسَّسة بحث أكاديمي تتوخّى الموضوعية في دراسة التطورات في الشرق الأوسط والسياسة الأميركية نحوها، بل هي مؤسسة تعمل على تأويل المستجدّات في الشرق الأوسط من أجل وضع تصوّرات وأفكار تؤثّر في السياسة الأميركيّة نحو المنطقة بصورةٍ تخدم المصالح الإسرائيلية أوّلً؛ ف "معهد واشنطن" مؤسّسةُ دعمٍ للّوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، وبوصلتها للتأثير في مؤسّسات صنع القرار الأميركي؛ إذ تتبنّى أو تُعزّز تبنِّيها مواقف تصبُّ في مصلحة إسرائيل وأجندتها في المنطقة5.

ثالثًا: إنّ المتحدّثين الذين شاركوا في هذا المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن"، هم من الشخصيات المؤثّرة في صَوْغ السياسات الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط؛ فدينيس روس هو حاليًّا مستشار في "معهد واشنطن"، وكان أحد أركان صناعة السياسة الأميركيّة في التسعينيات، ورئيس الوفد المفاوض في عملية السلام في الشرق الأوسط والمبعوث الرسمي في أثناء إدارة كلٍّ من: جورج بوش الأب؛ وبيل كلينتون، وهو منحازٌ – بصورة كاملة - لوجهات النظر الإسرائيلية6. وستيفن هادلي مستشار الأمن القومي في إدارة جورج بوش الابن منذ الأعوام 2005 إلى 2009 وهي الإدارة التي طبّقت الإستراتيجيّة الأميركية العسكرية التدخُّلية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها احتلال العراق. وهو محسوبٌ على تيار المحافظين الجدد7؛ وروبرت ساتلوف المدير التنفيذي ل "معهد واشنطن" منذ عام 1993، وهو أقلّ أهمية من زميليه لكنّه يشترك معهما في الولاء للصهيونية وإسرائيل.

  1. عُقد المنتدى السياسي في 4 شباط/ فبراير 2014، وقد نشُرت ثلاث أوراق تلخيصية لما جرى فيه في منتصف شباط/ فبراير.2014
  2. Robert. Satloff , “ Assessing U.S. Strategy in the Israeli-Palestinian Talks: A Mideast Trip Report” The Washington Institute for Near East Policy (WINEP) , (February 5, 2014), at: www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/ assessing-u.s.-strategy-in-the-israeli-palestinian-talks-a-trip-report
  3. Stephen.Hadley, “ Israel, America, and a Churning Middle East” (Part I), The Washington Institute for Near East Policy (WINEP), (February 10, 2014),
  4. Dennis. Ross, “ Israel, America, and a Churning Middle East” (Part II),
  5. أُسّس معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في عام 1985، على يد مارتن إنديك، مدير). البحوث سابقًا في لجنة الشؤون العامّة الإسرائيلية الأميركية (أيباكAIPAC/ ويحظى المعهد بدعمٍ من ال AIPAC التي تعدّ أبرز الجماعات الضاغطة الأميركية الموالية لإسرائيل. ويرتبط العديد من الباحثين والمشاركين في معهد واشنطن الحاليين والسابقين ارتباطًا وثيقًا بتيّار المحافظين الجدد. انظر: Beinin, Joel , “ US: the pro-Sharon think-tank”, Le Monde diplomatique , (6 July, 2003), at: mondediplo.com/2003/07/06beinin “ Washington Institute for Near East Policy”, Right Web , (2012), at: www.rightweb.irc-online.org/profile/washington_institute_for_near_east_ policy 6  Jim. Lobe, “'Israel's advocate' to leave White House”, Aljazeera.com , (November 12, 2011), at: www.aljazeera.com/indepth/features/2011/11/20111111135650538116.html 7  Eugene R. Wittkopf & Christopher M. Jones & Charles W. Kegley, American Foreign Policy Pattern and Process, (7th ed.) (CA: Cengage Learning, 2007).
  6. at: www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/israel-america-and-a- churning-middle-east-a-trip-report
  7. The Washington Institute for Near East Policy (WINEP) , (February 12, 2014), at: www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/israel-america-and-a- churning-middle-east-part-ii

ونتناول في ما يلي أهمّ الأفكار التي جرى طرحها في هذا المنتدى السياسي في ما يتعلّق برؤيته للسياسة التي ينبغي أنْ تتبعها الولايات المتحدة إزاء المنطقة.

السياسات "الانسحابيّة" الأميركيّة

من الشرق الأوسط

خلُص المنتدى السّياسي ل "معهد واشنطن" إلى أنّ حلفاء الولايات المتّحدة في منطقة الشّق الأوسط لديهم تحفّظات على السياسة الأميركية في المنطقة؛ إذ يَرونَ أنّ سياسة أوباما هي سياسة "انسحابيّة" أو سياسة "انكفاء"، الأمر الذي يترك التفاعلات السياسية في الإقليم لتولّد آلياتها، وتتيح لقوى إقليمية ودولية أخرى، مِثل إيران وروسيا، مساحاتٍ أوسعَ في التأثير في مجريات الأمور. ويورد هؤلاء الحلفاء محطاتٍ أساسيةً للتدليل على "الانسحابية" الأميركيّة؛ مِثل: عدم مساندة الولايات المتحدة حلفائها في فترة اندلاع الثورات العربية؛ وأسلوبِ تعامل الولايات المتّحدة الأميركية مع الثورة السوريّة؛ وبخاصّة عدم معاقبة الولايات المتّحدة النظام السوري على خرق الخط الأحمر الذي وضعته إدارة أوباما بصفة خاصّة؛ والاتّفاق الأميركيّ - الإيرانيّ حول الملفّ النووي الإيرانيّ. إنّ شكوى حلفاء الولايات المتحدة وتحفّظهم على سياسة أوباما وعدّها سياسة "انسحابيّة"، هما أمران متوقّعان إذا ما عرفنا أنّ المقصود بحلفاء الولايات المتحدة - كما يوضح روس - هو السعودية والإمارات العربية وإسرائيل، إضافةً إلى توجّهات "معهد واشنطن" وخلفية المتحدّثين. ويرى هؤلاء الحلفاء أنّ "انسحابية" واشنطن توجّه رسالة مفادها أنّ الولايات المتحدة غير مستعدة لاستخدام القوة لمساندتهم. إنّ هذا التحليل يدعونا إلى أن نتساءل عندما يناقش متحدثو المنتدى السياسي قلقَ حلفاء واشنطن من هذه "الانسحابيّة"؛ فهل هذا يعني الدعوة إلى المزيد من التدخُّل الأميركي في المنطقة؟ وما هي ماهيّة أهداف هذا التدخّل الّذي يُرضي حلفاء واشنطن؟ وما هي الدول من بين حلفاء واشنطن التي سوف تستفيد من هذا التدخّل؟ وحتى يتسنّى وضْ عُ تصوّرات حول الموضوع، فإنّه لابُدّ من مناقشةِ فكرة "انسحابيّة" الولايات المتّحدة من منطقة الشّق الأوسط. يتقاطع متحدّثو المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن" مع بعض التحليلات والآراء السياسية التي ترى أنّ سمة سياسة إدارة أوباما هي "الانسحابيّة" من الشرق الأوسط؛ إذ إنّ هذه التحليلات تطرح تفسيراتٍ متعددة. ويمكن إجمال هذه التفسيرات بتراجع أهميّة الشّق الأوسط لدى الولايات المتّحدة بوصفه منطقة مصادر للنفط، بخاصّة في ظلّ الاكتشافات الحديثة لحقول الغاز والنفط الصخري في الولايات المتّحدة؛ الأمر الّذي يقود إلى احتمالية اكتفائها الذاتي. كما أنّ تحليل السياسة الأميركيّة التي وضعت منطقة المحيط الهادئ وشرق آسيا بوصفها أولوية على أجندتها، ولا سيمّا مع بروز قوى إقليميّة، مثل الصيّن وروسيا، ذات تأثير قد يُهدّد النفوذ الأميركي وهيمنته يستخدم أحيانًا للدلالة على انسحابية الولايات المتحدة من الشرق الأوسط8. بطبيعة الحال، لا تتّسق جميع هذه الأسباب والعوامل مع فَهْم سياسات الدول العظمى؛ إذ لا يعني اكتفاء الولايات المتحدة نفطيًّا أنّها غير مهتمّة بالخريطة الدولية للنفط والغاز، وتوازناتها، وتأمين مصالحها. على النقيض من ذلك، فإنّ اقتصار استمرار النفوذ والهيمنة لدولة عظمى على أن يكون لها دور في إطار التقرير بالسلع الإستراتيجية، وادّعاء أنّ أهمية المنطقة للولايات المتّحدة تنبع من وجود النفط فقط، هو قول يتجاهل عوامل أخرى لأهمية المنطقة الجيوستراتيجية. وعلى صعيدٍ آخر، فإنّ قيام الولايات المتحدة بإعادة ترتيب أولوياتها لتضع منطقة ما ضمن هذه الأولويات، لا يعني إطلاقًا أنْ يكون هذا الأمر على حساب مناطق أخرى، أو تعبيرًا عن عملية "انسحابية" من مناطق أخرى، إلاّ إذا كانت هذه الدولة العظمى في حالة تراجع عامّ أو أفولٍ يُحتّم "انسحابية" عامّة، وهذا ليس السّياق الحالي. ولن تُقدِم الولايات المتحدة على فسح المجال أمام القوى الأخرى للتوسّع في منطقة الشرق الأوسط، في حين أنّها تحاولُ السيطرة على مناطق أخرى. وعليه، فإنّ القول إنّ الإدارة الأميركيّة هي في مرحلة "انكفاء" أو "انسحاب" من الشرق الأوسط قولٌ يحتاج إلى إثبات. مقابل سذاجة فكرة "الانسحابية" الأميركية من الشرق الأوسط؛ فإنّ فرضيّة "الانكفاء" الأميركي النسبي عن التدخّل المباشر، هي فرضيّة صحيحة انطلاقًا من مقارنة سياسات إدارة أوباما في الشرق الأوسط مع سياسات سلفِه جورج بوش؛ إذ اتّبعت إدارة بوش التي سيطر عليها المحافظون الجدد، مدفوعةً بأحداث 11 سبتمبر ومستفيدةً منها، طَوْرًا جديدًا في السياسة الأميركية كان قد غاب منذ هزيمة فيتنام؛ وهو التدخّل المباشر والواسع، والبقاء على الأرض والانخراط المباشر

  1. انظر: مروان قبلان، "العلاقات السعودية - الأميركية: انفراط عقد التحالف أم إعادة تعريفه؟"، سياسات عربيّة، العدد السادس (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص.18-5 مناقشة تصوّرات "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"

والتفصيلي في صَوْغ سياسات الشرق الأوسط عَبْ احتلال أفغانستان - وبفجَاجةٍ أكبر - في احتلال العراق بناءً على مُسوّغاتٍ مفبركة وغير موجودة أيّدها معهد واشنطن نفسه. وهو تطبيق لإستراتيجية إدارة) المتعارف عليها ب " مبدأ بوش"، بوش 2009-2001(والّذي صدر في وثيقةٍ تُعرف ب " وثيقة الأمن القومي الأميركي" في شهر أيلول / سبتمبر 2002 بمناسبة مرور عامٍ على أحداث 11 سبتمبر9 التي تشير إلى استخدام القوّة العسكريّة لعمليات استباقية ضدّ مخاطر قد تنشأ حتى قبل تبلوُر هذه المخاطر بوضوح، واستخدام القوّة العسكريّة بطريقة منفردة أمام مخاطر تمسُّ الأمن الوطني الأميركي، أو استثمار كلّ مصادر قوّتها العسكرية واستخدامها في تحقيق أهداف الولايات المتّحدة، وفرض الديّمقراطية بوصفها وسيلة لمحاربة الاستبداد والإرهاب.

وعليه، أصبحت الولايات المتّحدة، بعد تطبيق هذه الإستراتيجية في الشرق الأوسط مع احتلالها العراق، تؤدّي دورًا ثنائيًّا في المنطقة: الأوّل، دورها بوصفها دولةً عظمى تتدخّل في الإقليم بما يضمن تحقيق مصالحها الإستراتيجية؛ والثاني، دور القوّة الإقليمية، فقد فَرَضَ عليها احتلال الولايات المتّحدة العراق وأفغانستان أنْ تكون منغمسة في تفاصيل علاقات هاتَيْ الدولتين الإقليميّتَيْ، وأنْ تتبنّى سياساتٍ تفصيليّةً تجاه دول أخرى في المنطقة تحكمها ضرورات وجودها العسكري المباشر. وكان هذا - في جوهره - تحقيقًا لمبدأ بوش. لقد انتُخب أوباما ببرنامج القطيعة مع التدخّل المباشر. وعليه، فإنّ إدارته انتهجت سياسة "انكفائيّة" للتدخّل المباشر، وليس سياسة "انسحابيّة" أو "انكفائيّةً" من منطقة الشّق الأوسط بأكملها. وساهم في ذلك أيضًا تخبُّط الإدارة الأميركية في التعامل مع الثورات العربيّة: بخاصّة أنّ الثورات الأولى (قبيل الثورة السوريّة) قد اندلعت ضدّ الأنظمة التي تُعدُّ في مصَافِّ حلفاء الولايات المتّحدة، أو أنظمةٍ تتمتّع بتفاهم عميق معها؛ إذ تمثّلت المواقف الأميركية تجاه الثورات العربية في استخدام "القوّة الناعمة" لدعمها؛ تجنُّبًا للتصادم مع الرأي العامّ العربي، أو للتحكّم في مخرجاتها بعد أن فشلت في توقّعها، ومن ثمّ التحكُّم في مدخلاتها. وعليه، فإنّ أيَّ مقارنة بين سياساتِ بوش، وحلفائه من المحافظين الجدد، وسياسات أوباما سوف تصل إلى نتيجة مفادها أنّ سياسات أوباما "انسحابيّة"10. ومع أنّ المراقب للسياسة الأميركيّة يستطيع أن يرى أنّ هنالك مراحلَ من التخبّط لازَمتْها، وأنّ أدوات القوّة الناعمة هي المستخدَمة، إلاّ أنّها - بالمقابل - ما زالت صاحبة الدور الأساس في موضوعات الموقف وتطوّراته في المنطقة، وذات بنية أمنيّة وعسكريّة واسعة، بما في ذلك بنية عسكريّة بحريّة وصاروخيّة وأنظمة إنذار مبكّر11. وما زالت أيضًا قادرةً على إجراء عمليات عسكرية "جراحيّة" مستمرة في اليمن وباكستان وبلدان أخرى. وبعد مراجعة سريعة لموقف الولايات المتّحدة الأميركيّة تجاه الثورة السورية، يتّضح أنّها لم ترَ أنّ تحقيق أهدافها في المنطقة يتطلّب منها موقفًا أكثر وضوحًا وإصرارًا من مواقفها التي اتّخذتها؛ بل إنّ رقابتها ورفضها تزويد دول مؤيّدة الثورة السوريّة ومقاتليها بأسلحة نوعيّة أو مضادّة للطائرات في بداية تحوّل الثورة السوريّة إلى ثورة مسلّحة وقبل وجود أيٍّ مِن مقاتلي الجماعات الإسلاميّة، هما ركنان من أركان سياساتها تجاه المنطقة. إنّ إدارة أوباما لم تقرّر على الإطلاق، ومنذ بداية الثّورة السوريّة، أنّها منحازةٌ لخيار إسقاط النظام. وربّ ا كان ذلك تماهيًا مع الأجندة الإسرائيليّة التي كانت ترى دائمًا أنّ انهيار نظام الأسد مع عدم وجود بديلٍ واضح مقبولٍ منها يُ ثّل خطرًا عليها، وهي التي ترى في أنّ استمرار الأزمة وتصاعد الصراع وتدخّل حزب الله، لا يحقّق أجندتها في إنهاك القوى السوريّة فحسب، بل المجتمع السوري أيضًا وقوى حزب الله التي انخرطت بصورةٍ واسعة. وفي واقع الأمر، فإنّ زيادة

  1. انظر: The National Security Strategy of the United States of America , The White House, (Washington, 2002), at: http://www.state.gov/documents/ organization/63562.pdf
  2. للمزيد عن السياسة الأميريكية والإسرائيليّة إزاء الثورة السوريّة، انظر: عزمي بشارة، سورية: درب الآلام نحو الحرية، ط 1 (الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 480-461 و.584-565
  3. انظر على سبيل المثال كلمة وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل في مؤتمر الأمن في ميونيخ 1(شباط/ فبراير.)2014 Chuck Hagel, Secretary of Defense Speech, at Munich Security Conference (February 01, 2014), U.S. Department of Defense , at: www.defense.gov/ Speeches/Speech.aspx?SpeechID=1828

تأثير إيران أو روسيا في سورية، وظهورهما بوصفهما قوّتين تحدّدان مسار الأزمة، ما كان ممكنًا لولا تطبيق الأجندة الأميركية تجاه الثورة السوريّة، والذي ساهم في إفساح مجالٍ واسع لهما للمناورة، وربّ ا يتجاوز في أهميّته الدعم الذي تُقدّمانه لنظام بشار الأسد. ولا يدعو مُتحدّثو "معهد واشنطن" إلى تدخّل عسكري أميركي في سورية، بل إنّ تشخيصهم الوضع في سورية اليوم مرتبط أساسًا بنشاط القاعدة، وليس ما يقوم به النظام السّوري - كما سيتضح معنا لاحقًا - لكنّهم يتحدّثون عن سياسة تدخليّة عندما يكون الموضوع مرتبطًا بإيران؛ إذ إنّ حلفاء الولايات المتحدة لا يرحّبون باتّفاق الولايات المتّحدة مع إيران الذي تنظر إليه السعوديّة على أنّه عُقد على حسابها. في حين يرى الإسرائيليون أنّ هذا الاتفاق قد عُقد من أجل أن تتجنّب الولايات المتحدة التلويح باستخدام أدوات القوّة العسكريّة الأميركية. إنّ متحدثّي "معهد واشنطن" يركّزون على أنّ الولايات المتّحدة يجب أن تبدّد تحفّظات حلفائها في المنطقة ومخاوفهم في ما يتعلّق بموضوع إيران؛ وذلك من خلال إجراءات عمليّة تتمثّل في: العمل على إبقاء نظام العقوبات على إيران فعّالً بمراقبة جميع التبادلات والعقود التجاريّة مع إيران، وإبقاء حدود تصدير النفط الإيراني إلى أقلّ من مليون برميل في اليوم. أن تضمن مفاوضات 5+1 اتفاقيّة تتيح للأطراف المراقِبة لإيران الوقت الكافي لأن تردّ بصورةٍ فعّالة وحاسمة على إيران، إذا ما قامت بخرق نِسب التخصيب المتوافق عليها. أن تُظهر الولايات المتحدة أنّها جاهزة لاستخدام خيارات عسكرية، إذا ما خرقت إيران اتفاقاتها بخصوص الملفّ النووي. وفي سياق التعاطي مع زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة، أن تدعم الولايات المتحدة الحكومة العراقيّة بمعلومات استخبارية ومعدّات عسكرية للتعامل مع تنظيم القاعدة، الأمر الذي سوف يتيح للولايات المتحدة المزيد من الأدوات للتعامل مع النفوذ الإيراني في العراق، إضافةً إلى إمكانيّة قيام الولايات المتحدة بعرقلة الإمدادات التي تقدّمها إيران للحوثييّن في المنطقة. وبذلك، فعندما يدعو متحدّثو "معهد واشنطن" للتدخّل المباشر في منطقة الشرق الأوسط، هم يدعون إلى التدخّل في موضوع الملفّ النووي الإيراني فقط، وهو يخدم - بالدرجة الأساسية وبنصيب الأسد - مصالح إسرائيل. وإضافةً إلى التعامل مع الملفّ النووي الإيراني، فإنّ الاقتراحات لمعالجة "السياسة الانسحابية" هي من خلال بناء تحالف إستراتيجي بين الولايات المتّحدة وحلفائها، ومساندة النظام المصري، والقيام بإجراءات تُظهر أنّ الولايات المتّحدة جادّة في التنافس إقليميًّا مع إيران وروسيا.

الثورة السوريّة

إذا كان متحدّثو المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن" ينطلقون من معالجة انسحابية الولايات المتحدة من خلال المزيد من الدور الأميركي في مواجهة تزايد الهيمنة الإيرانيّة في المنطقة، ومراقبة برنامجها النووي من خلال نظام عقوبات فعّال مع إمكانيّة استخدام القوّة العسكريّة؛ فإنّ النقاش حول الثّورة السوريّة يأتي من توافق محدّدات السياسة الأميركيّة مع ما تراه إسرائيل. فكما أشار ستيفن هادلي، إلى أنّ إسرائيل لا ترى أنّ النظام السوري حاليًّا يُ ثّل تهديدًا أو مصدرَ خطر. إلاّ أنّ الإسرائيليين يشعرون بالقلق الناشئ عن وجود تنظيم القاعدة والجماعات الأصوليّة "السنية" في سورية، ويرون أنّ هذه القضيّة أساسية. ويتوافق دينيس روس مع هذا التحليل الذي يرى أنّ سياسة الولايات المتّحدة تنطلقُ من أنّ الخطر الأساسي اليوم في سورية هو خطر أن تصبح هذه الدولة بمنزلة موطن للقاعدة؛ الأمر الذي قد يقود إلى تسرُّبها إلى دول مجاورة. وبذلك، تنطبق كوامن الخطر لدى روس مع الرؤية الإسرائيلية بأنّ النظام السوري لا يمثّل تهديدًا. وهذا طبيعي في إطار نزع سلاحه الكيماوي من ناحية، وحالة الإنهاك التي مَسّت جيش النظام السوري وما يَجرُّه إضعافُ حزب الله الذي انغمس في الصّاع هناك. إنّ ما تُظهره مداخلات هادلي وروس من ارتياح إسرائيلي تجاه الأوضاع في سورية، مردّه أنّ واقع الأمر في سورية يبرز "حالة توازن قوى" مع استمرار رجَحَان كفّة النظام. ما يعني استمرار هذه الحالة من تدمير المقدرات السورية إلى فترة زمنية أطول في ظلّ عدم تزويد مقاتلي الثورة السوريّة بأيِّ أسلحة نوعيّة. كما أنّ نزع السلاح الكيماوي في طور التحقّق، وهو مطلبٌ كانت إسرائيل تضعه على رأس أولويّاتها12.

  1. انظر: تقدير موقف "صفقة الكيماوي: المَخرج الذي أراده أوباما"، (12 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 15 2013/9/)، على الرابط: www.dohainstitute.org/release/04ab0be2-4249-46c7-9830-904b7b13560e مناقشة تصوّرات "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"

يشير المتحدثون أيضًا إلى أنّ موقف حلفاء الولايات المتحدة (وعلى ما يبدو أنّ هذا الموقف إسرائيلي فقط) المتحفّظ هو على عدم توجيه ضربة أميركيّة لمعاقبة النظام السّوري لتجاوزه الخطّ الأحمر الذي وضعَته الإدارة الأميركيّة، وليس معارضًا للصفقة التي كانت إسرائيل هي المستفيد الأوّل منها إستراتيجيًّا. وإنّ التحفّظ يتأتّ من أنّ عدم توجيه ضربة عسكرية عندما تجاوز النظام الخطّ الأحمر سوف يرسّخ فكرة "انسحابيّة" الولايات المتّحدة من المنطقة؛ أي أنّها غير مستعدّة إلى استخدام القوّة العسكرية الأميركيّة في المنطقة من أجل موضوعات أخرى، وبخاصّة في اتّجاه الملفّ النووي الإيراني. إنّ ما يذهب إليه دينيس روس في تحليله، هو أنّه يجب أنْ تكون أولويّة السياسة الأميركيّة نحو سورية في إطار مواجهة القاعدة أو مثيلاتها، بل إنّ "روس" نفسه ناقش خيار أنْ تدعم الولايات المتّحدة النظام السوري لمواجهة القاعدة، ولم يُسقط هذا الخيار نتيجةً لموقف نقديّ تجاه النظام السوري أو لأنّه يرتكب المجازر؛ بل لأنّ هذا الدّعم قد يُساهم في زيادة تأثير القاعدة في سورية وجاذبيتها. وعليه، فهو يدعو إلى تسليح قوى المعارضة التي تقاتل القاعدة أو الأصوليّة الإسلامية. أمّا اقتراح ستيفن هادلي، فكان مشابهًا؛ إذ إنّه دعا إلى أن تقوم الولايات المتحدة بتدريب المعارضة الديمقراطيّة في سورية التي ليس لها ارتباط مع القاعدة، وتسليحها.

وعليه، فإنّ الرؤية التي يُروّج لها روس وهادلي، لا تأخذ بالحسبان تطلّعات الشعب السّوري أو سرديّة الثّورة السوريّة، وتطوّرها، أو طبيعة نظام الحكم في سورية، أو المجازر التي يقوم بها النظام أو حتى قيامه باستخدام أسلحة دمار شامل، وتحدّى الخطّ الأحمر الذي وضعته الإدارة الأميركيّة. وبذلك، فإنّ ما يقترحه المتحدثون لتعامل الولايات المتحدة مع سورية يعكس وجهة نظر أحد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة؛ أي وجهة نظر إسرائيل؛ إذ إنّ السعودية ترغب في إنهاء حكم الأسد. بل إنّ ستيفن هادلي يقترح بالتوازي مع تدريب المعارضة الديمقراطيّة، أن تقوم الإدارة الأمريكية بإبلاغ أطراف "جنيف 2" أنّها لن تقبل بأن يستمرّ النزيف في سورية خلال الإثنَي عشر شهرًا إلى الثمانية عشر شهرًا المقبلة. بمعنى آخر، إنّ ما يقوله هادلي في حقيقة الأمر هو أن تغضّ الولايات المتحدة الطرف على أن يستمرّ النزيف السوري لفترة سنة أو سنة ونصف مقبلة، قبل أن تتّخذ أيّ إجراءات جديدة.

جولات كيري لمفاوضات السلام

إنّ مقاربة هادلي وروس وساتلوف لجهد كيري الدبلوماسي في ما يتعلّق بمفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، متشابهةٌ إلى حدٍّ كبير؛ فمع الإقرار بأنّ هذا الجهد لا يتجاوز وضْ ع إطار اتّفاق لتفعيل عملية السلام، فإنّ هادلي يرى أنّ المميّز في هذا الإطار، مقارنةً بخريطة الطريق العامّ التي اقترحتها الرباعية في عام 2003، هو أنّ نقاطه التوجيهيّة تتناول القضايا الأساسية المختلف عليها؛ أي الحدود، والأمن، واللاجئون، والقدس. ويرى كلٌّ من روس وساتلوف أنّ الولايات المتّحدة يجب أنْ تستمرّ في دفع عملية السلام؛ وصولً إلى اتفاقات في ظلّ العوامل السياسية المواتية في المنطقة، وأهمُّها تراجع اهتمام الدول العربيّة والقوى الإقليمية بالقضيّة الفلسطينيّة؛ ما يتيح إيجاد مساحاتٍ واسعة للمناورة ولإقناع الفلسطينيين بشروط كيري، كما يساهم تخلّص مصر من حكم الإخوان في وجود فرصة مواتية لتحقيق اتفاق، وبخاصّة في ضوء التطوّرات التي أدّت إلى أن تصبح "حماس" في أضعف لحظاتها. وهذه العوامل جميعها تساهم في دفع الفلسطينيين للموافقة على هذا الإطار. بالمقابل، يجعل تخوّف إسرائيل من أنْ تصبح دولةً ثنائيّة القومية مستعدّةً لتوقيع الاتفاق الذي يتضمّن موافقة الفلسطينيين على الشروط الإسرائيليّة بما فيها يهوديّة الدولة، وبخاصّة وكما يشير ساتلوف، فإنّ "إستراتيجية كيري" كانت أنْ يُدرج نتانياهو جميع مطالبه حتى يقوم كيري بجهوده إلى أن يأخذ موافقة السلطة الفلسطينيّة عليها. يعتقد هادلي وروس في وجود فرصة لتوقيع اتّفاق مع وجود تحفّظات من الطرفين بناءً على النشاط والحماسة اللذين يبديهما كيري. وسيؤدّي هذا الاتفاق للعودة إلى مفاوضات السلام دون ضرورة أن يجري تحقيق تقدّم كبير. إلاّ أنّ مثل هذا الاتفاق في حاجة إلى تحقيق شرطيْ: الأوّل، كما يشير ساتلوف، أنْ يصبح أوباما منخرطًا في دعم جهد "كيري." أمّا الشرط الثاني، فهو تعديل مبادرة السلام العربيّة ليصبحَ الشرط في إقامة علاقات مع إسرائيل هو الوصول إلى اتّفاق مع الفلسطينيين؛ أي إسقاط شرط الوصول إلى اتفاق مع سورية.

ويعتمد تحليل المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن" جولات كيري وفرصتها، على أنّه على الفلسطينييّن تقديم تنازلات من دون حتّى الإشارة إلى تنازلات مقابلة على إسرائيل أنْ تقدّمها. ويعبّ ساتلوف - بصورةٍ أوضح - عن ذلك بالقول إنّ المطلوب من الولايات المتّحدة لإنجاح عمليّة السلّام اتّخاذ أربعة إجراءات متوازية؛ تكوين قاعدة اجتماعيّة فلسطينية مؤيّدة للمفاوضات ول "إطار كيري"؛ والتلويح بالثمن الذي سوف يدفعه محمود عباس والسّلطة الفلسطينية في حال رفضهما توقيع المفاوضات؛ والعمل على تمتين السلطة الفلسطينية، ورفع فاعليّتها بالتوازي مع دبلوماسية المفاوضات؛ والعمل على استغلال ضعف "حماس" إلى الحدّ الأقصى. إنّ مقاربات المنتدى السّياسي ل "معهد واشنطن" هي مقاربات تُظْهر بجلاء، الانسجام بين الأجندة الإسرائيليّة ومتطلباتها من توقيع "إطار كيري" وتقديم نصائح للولايات المتّحدة الأميركيّة إمّا بمعاقبة الفلسطينييّن على عدم التوقيع والقيام بإجراءات تراوح بين علاقات عامّة أو شبكة مصالح تساهم في إقناع أجزاء من المجتمع الفلسطيني بتلك المفاوضات لتصبح هذه الأجزاء هي المدافعة والمروّجة لمِثل هذا الاتفاق. وبطبيعة الحال؛ فإنّ المُداخلات الثلاث لم تتعرّض إلى الجوائز التي يجب أنْ يحصل عليها الفلسطينيّون مقابل موافقتهم على "إطار كيري"، وربّ ا تكون الجائزة الوحيدة هي تجنب غضب الولايات المتّحدة من ناحية، وتقديم الولايات المتحدة جائزة لإسرائيل إزاء تحفّظها على الاتفاق النووي مع إيران.

إعادة تعريف حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة

ركّز متحدّثو المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن" حول السّياسة الأميركيّة في منطقة الشّق الأوسط على أنّ هناك تحفّظاتٍ لدى حلفاء الولايات المتّحدة الأميركيّة نحو فاعليّة سياستها في المنطقة كما سبق أن ذكرنا. وفي هذا الإطار، يقترح دينيس روس أنّه من الضّوري أن تقوم الولايات المتّحدة بإجراءاتٍ للتّعامل مع هذه التحفّظات انطلاقًا من إعادة تعريف حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة؛ فهؤلاء الحلفاء، بحسب تعبيره، هم: إسرائيل؛ والسّعودية؛ والإمارات العربية المتحدة13. وبطبيعة الحال، فإنّ ما يشير إليه روس في تعريفه حلفاء الولايات المتّحدة ليس اكتشافًا؛ إذ إنّ هذه الدول مثّلت تاريخيًّا - إضافةً إلى الأردن ومصر مبارك - الحلقة الصّلبة لحلفاء الولايات المتّحدة، مع اختلاف طبيعة التحالف، وكذلك الأهميّة الإستراتيجية لكلٍّ منهما. إلاّ أنّ المهمّ في حَصْ روس لحلفاء الولايات المتحدة في هذه الدول، يعني أنّه يُفرّق بينها وبين دولٍ أخرى في المنطقة متحالفة مع الولايات المتّحدة أو دول يجمعها مع الولايات المتّحدة تفاهمات وتقاطعات. وبذلك فإنّ روس يُ يّز هذه الدّول بوصفها الأكثر تحالفًا مع الولايات المتحدة دون تقديم تفسيرات لذلك، ويمكن الاجتهاد والإشارة إلى أنّ روس اختار هذه الدول لأنّها تُ ثّل اليوم الحلقة الأساسية أو الصلبة من حلفاء الولايات المتحدة ممّن يُعوّل عليهم في التصدّي للثورات العربية، ولأعداء الولايات المتحدة. وبذلك، على الولايات المتّحدة - من وجهة نظر المنتدى السياسي - أنْ تأخذ في الحسبان مصالحها وتوجّهاتها السياسية نحو قضايا المنطقة، وأنْ تأخذ على مَحْمل الجدِّ تحفّظاتها نحو السّياسة الأميركيّة. بمعنى آخر، عدّ هذا التحالف تحالُفًا إستراتيجيًّا.

ويمكن القول إنّ قيام روس بإعادة تعريف الحلقة الأساسية لحلفاء الولايات المتّحدة في الشّق الأوسط ليقتصر على إسرائيل والسّعودية والإمارات العربية، لم يأتِ من فراغ؛ إذ إنّ لهذه التّحالفات جذورًا تاريخيّة عميقة، وتكرّست لتأخذ أبعادًا واسعةً خلال العقد الماضي، وضمن إستراتيجية الحرب على الإرهاب، أو ضمن الاستقطاب الذي شهدته المنطقة بين محورَي: الاعتدال والممانعة. كما أنّ تحديد دائرة الحلفاء بهذه الدول الثلاث، هو -ورة بالضّ - تجَلٍّ للتوافقات التي نَ ت عبر السنوات القليلة الأخيرة من عمر الربيع العربي، والتي تشير إلى موضوعيّة هذا التّحالف. إضافةً إلى أنّ هذه الدّول كانت - ومنذ عام 2012 - الأكثر نشاطًا وتدخُّلً في التطوّرات السياسية في بلدان الربيع العربي والتأثير فيها، وتكلّل ذلك في انقلاب تحالف

  1. Dennis. مناقشة تصوّرات "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"

الجيش والدولة العميقة على الرئيس مرسي في مصر، ومحاولات تكرار السيناريو في أكثر من بلد عربي، مثل تونس وليبيا. وتتوافق هذه الدول الثلاث أيضًا على اعتبار أنّ امتلاك إيران السلّاح النووي يُ ثّل خطرًا له أولويّةٌ سابقة (حتى من دون توازٍ) على أيّ قضايا أخرى في المنطقة. إنّ روس لا يَكتفي بإعادة تعريف الحلقة الأساسيّة من الحلفاء فحسب وبوجود اجتماعات أميركية تنسيقية مع هؤلاء الحلفاء، بل إنّه يطلق الدعوة إلى إنشاء حوار إستراتيجي دوريّ يضمُّ ممثّلين في مواقعَ سياسيّة عليا في هذه الدول ليناقش تطوّرات المنطقة ومستجدّاتها، ولاستكشاف العوامل المترابطة بين هذه التطوّرات، وصولً إلى وضْ ع سياسات وإجراءات موحّدة. إنّ هذه الدعوة، في جوهرها، هي لبناء حلف إستراتيجي مؤسسّي يضمُّ إسرائيل، والسعودية، والإمارات العربيّة، والولايات المتّحدة؛ أي إنشاء محور إقليمي جديد (شبيه بمحور الاعتدال في أثناء رئاسة بوش الابن)، لكن - بصورة مؤسّسيّة - تكون فيه إسرائيل عنصرًا أساسيًّا وفاعلً. بطبيعة الحال، فإنّ تحالفًا يضمّ السعودية والإمارات العربية وإسرائيل، يعني بالضرورة تجاوز الصراع العربيّ الإسرائيليّ، إنْ لم يكن هدفه تقديم مزيدٍ من التنازلات لإسرائيل، وليس من المستغرب أن نجد في إسرائيل الأصوات التي تردِّد الفكرة نفسَها بخصوص إنشاء هذا التحالف. إنّ عناصر تأسيس هذا الحلف الإستراتيجي وعوامله تتمثّل في أنّ الولايات المتّحدة تتوافق معه على السياسات التالية: مساندة النظام الانقلابي في مصر والحيلولة دون فشله. ويرى روس أنّ على الولايات المتحدة أن توضّ ح للسعوديين - على وجه الخصوص - أنّها مازالت ملتزمة بتقديم الدعم لمواجهة الإرهاب، وإنعاش قطاعَي السياحة والاستثمار الأجنبي. التوافق على مواجهة "القاعدة" والأصوليّة "السنيّة" في سورية، والعمل على ألاّ يكون لها فيها موطئ قَدم. وفي الوقت نفسه، الحيلولة دون أنْ يخرج الأسد وإيران منتصريْن في سورية. ومن الملفت للانتباه في مداخلة روس أنّ الأولوية في ما يتعلّق بسورية قد أصبحت مواجهة "القاعدة"، مقابل عدم ذِكْر تغيير النظام السوري بوصفه هدفًا، والاستعاضة عنه بهدف غير محدّد المعالم وضبابي هو "ألّ يخرج الأسد وإيران منتصرَيْن." بالموازاة مع الاتفاق الأميركي - الإيرانيّ، العمل على التأكّد من أنّ إدارة الولايات المتّحدة جادّة في ألاّ تصبح إيران دولة تمتلك أسلحة نووية، وذلك مع الإبقاء على نظام العقوبات فعّالً، والتلويح باستخدام القوّة العسكريّة الأميركية في حال خرقها الاتفاق النووي. يرى روس أنّ هذا التّحالف بالأهداف السابقة من شأنه أنْ يُبدّد تضرّر الثقة المتبادلة بين هذه الدول والولايات المتّحدة الأميركية التي جاءت في أعقاب الثورات العربية عندما لم تساند الولايات المتحدة حلفاءَها في مواجهة التحدّيات التي يتعرّضون لها. إذا كان هذا التصوّر الذي خلص إليه بوضوح، ويشير إليه هادلي بطريقة خفيّة؛ فإنّ جميع أهداف هذا التحالف هي أهداف إسرائيل بامتياز. إذ صرّح روس - وبوضوح - من هم أقطاب الحلقة الأساسيّة من حلفاء الولايات المتحدة، وعلى ما يبدو أنّ جميع دول المنطقة التي لا تتوافق على هذه الأهداف ستكون في مرمى هذا المحور الجديد.

الخاتمة

تنبئ المداخلات التي تضمّنها المنتدى السياسي ل "معهد واشنطن" عن وجود دعوة إلى المزيد من التدخليّة الأميركيّة في منطقة الشرق الأوسط؛ وذلك من أجل الحفاظ على المصالح الأميركية من ناحية، ومصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من ناحية أخرى، وهم - بحسب ما ورد – إسرائيل، والسعوديّة، والإمارات العربيّة المتحدة. إلاّ أنّ التدقيق في ما جاء من آراء المتحدّثين، يبرز أنّ هذا التحالف هو أشبه بمقطورة تقودها الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل، وتتقاطع في بعض الأحيان مع أهداف السعودية والإمارات (الملفّ النووي الإيراني، ودعم نظام الانقلاب في مصر)؛ أي أنّه حلف مختلّ الأضلاع لمصلحة تحقيق المصالح الإسرائيلية، وتستفيد منه إسرائيل بما يمكن أن تقدّمه السعودية والإمارات العربية في الملفّ الإيراني، أو حتّى في مجال المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. ولعلّ مقاربة المتحدّثين للأوضاع في سورية تكشف أنّ المستفيد الوحيد من تصوّراتهم للسياسة الأميركية هناك هو أيضًا إسرائيل.