روسيا "الأوراسية" وقضايا المشرق العربي
الملخّص
تسلط هذه الورقة الضوء على التحولات الفكرية والسياسية التي طرأت على المجتمع الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وتأتي أهميتها من كونها تسد فجوة في الأبحاث المتخصصة في الشأن الروسي، التي تعتمد على مصادر أصلية باللغة الروسية. فالموقف الروسي من الثورة السورية الذي فاجأ السياسيين والمحللين، يشير إلى الحاجة إلى الإلمام بما يقف وراء توجهات روسيا الجديدة. هذه المفاجأة تمثل، بحد ذاتها، دليلا على أنّ روسيا تبقى بالنسبة إلى العالم العربي قارة مجهولة. ما يقتضي منا إلماما عميق ا بطبيعة القوى السياسية الصاعدة فيها والتعرف على مجمل طموحاتها. فهذه القوى تشعر بقوة ذاتية كبيرة، بعد أن عبرت سنوات الضعف التي عاشتها روسيا إثر انهيار الاتحاد السوفيتي. تعد هذه الدراسة، بهذا الاعتبار، محاولة أولية لتحديد الصورة العامة للتحولات الفكرية ا وتعمّ ق ا والسياسية في الساحة الروسية، وهي صورة تحتاج إلى دراسات أخرى، أكثر تخصصً.
الإعلان السياسي الروسي الجديد
الإزفيستيا الروسية في في مقالة له في جريدة 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، كشف رئيس الوزراء الروسي حينها، والمرشح الأقوى لمنصب الرئاسة الروسية فلاديمير بوتين، عما يمكن تسميته بالخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي؛ إذ تحدّث عن طموحه في تحريك عملية التكامل في الساحة السوفيتية سابقًا في اتجاه إنشاء "الاتحاد الأوراسي" على أساس الاتحاد الجمركي - الاقتصادي القائم والذي يضم ثلاث دول هي روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان. وأشار بوتين إلى أنّ الاتحاد الجمركي يمثل علامة شامخة ترشد جميع الدول الكائنة في مكان الاتحاد السوفيتي السابق. وقال إنه يرى ضرورة توسيع نطاق عضوية هذا الاتحاد وضم المزيد من الدول إليه، وعلى الأخص قيرغيزيا وطاجيكستان، تمهيدًا لتكوين الاتحاد الأوراسي. وأكد أنه لا يضع نصب عينيه "إعادة بناء الاتحاد السوفيتي بصورة أو أخرى"، موضحًا أنّ الاتحاد الجديد سوف "يستند إلى مبادئ سياسية واقتصادية مغايرة"1.
تحمل مقالة بوتين توجهات سياسية محلية ودولية، وهي إشارة رسمية من قبله إلى تبنيه الرسمي للفكرة الأوراسية. ولكن من غير الواضح حتى الآن إلى أي مدى يتبنى بوتين هذه الفكرة؛ فهل يتبناها بوصفها أيديولوجيا رسمية للدولة الروسية؟ أم يتبنى بعض جوانبها الاقتصادية والسياسية؟ لكنّ هذا يقتضي منا على كل حال أن نفهم ما هي هذه الأيديولوجيا الجديدة الصاعدة؟ وما هي انعكاساتها في السياسة الروسية الدولية وفي الشرق الأوسط؟ إنّ مصطلح "أوراسيا" هو المفتاح الأساسي اليوم لفهم مبادئ السياسية الروسية المحلية والدولية وتطبيقاتها في مختلف مناطق العالم، فهذا المصطلح متعدد الأبعاد. فأوراسيا هي أولً وفي أبسط معانيها مفهوم جغرافي يشير إلى الكتلة البرية الأوروبية - الآسيوية، وهي كتلة ضخمة تمتد من حدود أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي حتى ضفاف الصين وروسيا على المحيط الهادي في الشرق. وتضم ثلاثة أرباع مصادر الطاقة في العالم، وهي أكبر قارات العالم، وفيها معظم ثرواته، وفيها ست دول ضخمة من الناحية الاقتصادية والعسكرية، بالإضافة إلى الدولتين الأكثر سكانًا الصين والهند، والدولة الأكبر مساحة وهي روسيا. أما القلب القاري لأوراسيا فهو يمثل الكتلة المتصلة بين آسيا وأوروبا والتي لا يفصلها عوائق طبيعة كبيرة وتمثل روسيا الاتحادية هذا القلب القاري. لكنّ أوراسيا كانت قد تجاوزت حدود المفهوم الجغرافي لتتحول مع منظري "الجيوبوليتك" أمثال البريطاني هالفورد ماكيندر2 والأمريكي نيكولاس سبيكمان3 إلى مفهوم جيوسياسي مركزي ترتكز عليه الإستراتيجيات الدولية الكبرى الأكثر شمولية واتساعًا. وعلينا أن ندرك جيدًا أن ما يقصده الرئيس بوتين أو مثقفو النخبة الروسية اليوم عند الحديث عن "الاتحاد الأوراسي" يستند إلى هذه التنظيرات الجيوسياسية أساسًا، لذلك وجب علينا أن نوضح المعنى الجيوسياسي لمفهوم أوراسيا وأبعاده الإستراتيجية.
المحتوى "الجيوبوليتكي" لأوراسيا
انتشرت مفاهيم "الجيوبوليتك" في النصف الأول من القرن العشرين ولقيت رواجًا في ألمانيا النازية وكذلك في روسيا – الاتحاد السوفيتي سابقًا - حتى بداية الصدام الألماني - السوفيتي في الحرب العالمية الثانية. وقد خبت في روسيا وتم تصنيفها كأيديولوجيا برجوازية عدائية، ثم عادت لتنتشر في الخطاب السياسي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ويؤكد منظرو "الجيوبوليتك" في معظمهم على المكانة الإستراتيجية لروسيا التي تعطيها أفضلية كبيرة للهيمنة العالمية. لقد رأى ماكيندر أنّ الوضع "الجيوبوليتكي" المفضّ ل لكل دولة هو الوضع المتوسط المركزي. وأنّ القارة الأوراسية من وجهة نظر كونية تقع في مركز العالم، ويقع في مركز أوراسيا ما يسميه ماكيندر "قلب
العالم" Heartland. وتمثل "قلب العالم" المنطقة الأكثر أهمية إستراتيجية في الجزيرة العالمية التي تضم آسيا وأفريقيا وأوروبا. وبهذا يقوم ماكيندر بتقسيم خريطة العالم عبر نظام الدوائر المتحدة: المركز، وفي الوسط منها يقوم المحور الجغرافي للتاريخ أو المنطقة المحورية area Pivot، ويتطابق هذا المفهوم الجيوبوليتكي جغرافيًا مع حدود روسيا. يأتي بعد ذلك الهلال الداخلي أو الحدي لأوراسيا Crescent Marginal or Inner، وهو الطوق المتطابق مع مجالات الحافة في القارة الأوراسية والهلال الداخلي (ويشمل بشكل أساسي جنوب الصين والهند وصولً إلى المنطقة العربية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا إضافة إلى اليونان وإيطاليا وجنوب فرنسا وإسبانيا)، ويمثل وفقًا لنظرية ماكيندر منطقة الفاعلية الحضارية الأكثر حضورًا في التاريخ. يلي ذلك إلى الجنوب الدائرة الأبعد نحو الخارج ويسميها بالهلال الخارجي أو الجزيري، وهي منطقة خارجية بصفة كلية من الناحيتين الجغرافية والثقافية بالنسبة إلى الكتلة القارية للجزيرة العالمية.
ثم يقوم ماكيندر بعد ذلك بشرح رؤيته للتاريخ من منظوره الجغرافي في علاقات متبادلة بين قلب العالم والمناطق المحورية لأوراسيا القارية، وهو ما لا يسعنا توضيحه هنا، بل نكتفي بإبراز المكانة الجيوسياسية التي أعطاها ماكيندر لقلب أوراسيا (روسيا) واعتباره لها المحور الجغرافي للتاريخ4. ومما يثير الاهتمام أنّ منظري "الجيوبوليتك" الأميركان وعلى رأسهم سبيكمان، وفي سعيهم لبلورة إستراتيجية أميركية مضادة لمواجهة الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، كانوا قد أكدوا على الأهمية الإستراتيجية الفائقة لروسيا؛ فسبيكمان لم ينقض مقولة البريطاني ماكيندر، بل أقرّ بها ووضع توصياته الإستراتيجية للوقوف في وجه التوسع الروسي باتجاه أوراسيا. لقد قسّم سبيكمان الجغرافيا الأوراسية إلى قلب قاري هو روسيا، وإلى هلال كبير من الدول الساحلية، وتشمل كل أوروبا وشبه الجزيرة العربية والعراق وآسيا الوسطى، وإيران وأفغانستان والهند وجنوب شرق آسيا والصين وكوريا، وكل هذه الدول لها مكانتها الجيوسياسية، ولديها إمكانات اقتصادية مهمة. ومنذ الحرب العالمية الثانية، وفي المنظور الإستراتيجي، تشكل المنطقة الأوراسية "منطقة الارتطام" في تنافس القوى الدولية الكبرى للسيطرة والهيمنة على العالم. هذه المقدمات النظرية لدى كلاسيكيّ "الجيوبوليتك" والتي تبرز إلى حد كبير المكانة الجيوسياسية لروسيا، كانت الأساس الذي استند إليه ألكسندر دوغين5 المفكر السياسي الروسي في بلورة نظريته الشاملة حول أوراسيا كعقيدة روسيا الجديدة التي عرضها في معظم مؤلفاته وبشكل خاص في كتابه أسس الجيوبوليتكا6، والتي تحتم عليها بحكم عوامل جيوسياسية أن تكون دولة عظمى. إنّ العظمة بالنسبة إلى روسيا بحسب دوغين ليست خيارًا، إنما هي قدرها.
المحتوى "الأيديولوجي" لأوراسيا
عندما انهار الاتحاد السوفيتي كان انهياره شاملً؛ فقد انهارت الدولة وتوزعت بين جمهوريات مستقلة، وانهار الاقتصاد، وانهارت الثقافة التي كانت تطبع كل نواحي الحياة، وفقدت بريقها كليًا. وإذا أخذنا في الاعتبار أنّ الثقافة الأرثوذوكسية التقليدية التي كانت تطبع المجتمع الروسي بصبغة خاصة قبل ثورة عام 1917 كانت قد انحسرت إلى حد كبير في الحقبة السوفيتية، فإنّ المجتمع الروسي وجد نفسه في حالة من الفراغ الثقافي الأيديولوجي سمحت للهجمة الليبرالية الغربية أن تكتسح جميع نواحي الحياة بدءًا من السياسات الاقتصادية - الاجتماعية والانفتاح الفج والسريع على اقتصاد السوق التي أطلقها يغور غيدار، رئيس الوزراء في عهد الرئيس بوريس
يلتسين، والتي عرفت حينها بسياسة "العلاج بالصدمة"، وصولً إلى الثقافة؛ إذ كانت المفاهيم الليبرالية الغربية في السياسة والأدب والفن والعمارة ومنظومات القيم والسلوك الفردي والجماعي يروج لها في وسائل الإعلام بطريقة مذلة لكبرياء الشعب الروسي وثقافته الخاصة. وقد كان طبيعيًا في مثل هذه الحال أن تنشأ ردة فعل قوية، كانت في بداياتها فردية ومنعزلة، لكنها نمت وتجذّرت بشكل كبير وتحولت اليوم إلى ما يشبه المزاج العام أو الثقافة المهيمنة، هذه الثقافة أو الأيديولوجيا تعرف باسم الفكرة الأوراسية.
يعود مصطلح أوراسيا في الأدبيات الروسية إلى عشرينيات القرن الماضي، وبالتحديد إلى أعمال عدد من المهاجرين الروس الفارين من نير الحكم البلشفي الشمولي، ومن أهمهم تروبتسكوي7 وسافيتسكي8، ومن بعدهم الأعمال الرائعة والفريدة في مضمونها لعالم الأعراق الروسي نيكولاي غوميلوف9 في سبعينيات القرن الماضي. تؤكد هذه الدراسات على خصوصية الجغرافيا الروسية؛ فهي ليست غربًا حيث لا تنتمي إلى الغرب، وليست شرقًا بالمعنى الخالص للكلمة أيضًا لأنها ليست دولة آسيوية تمامًا. وهذه الخصوصية الجغرافية تعطي للثقافة الروسية حالة من التميز والفرادة، وقد رفض كل من تروبتسكوي وسافيتسكي النزوع الأوروبي لاختصار التاريخ العالمي بتاريخهم الخاص والثقافة العالمية بثقافتهم الخاصة، ودعا كل منهما منذ عشرينيات القرن الماضي لانتفاضة الشعوب ضد مساعي الهيمنة الغربية. وقد جاءت دراسات غوميلوف في الأعراق لتبين أن الديموغرافيا الروسية ليست سلافية بحتة، بل هي مزيج من التفاعل بين السلاف والأعراق التركية المنغولية الأفارية القفقازية. هذا المزيج العرقي، يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند الحديث عن التاريخ الروسي والثقافة الروسية. انطلقت النخب الروسية "الأوراسية" من قاعدة أساسية صلبة هي العداء للغرب الليبرالي وقيمه الثقافية، ونقول قاعدة صلبة، لأنها تمتد طويلا في الثقافة الروسية ليس إلى بدايات القرن العشرين فحسب، بل إلى ما قبل ثورة أكتوبر الشيوعية بعقود طويلة. وقد وضعت هذه النخب رؤيتها للعالم على أساس انقسام عميق وشمولي بين ثقافتين وعالمين، هما "الأطلنطية" و"الأوراسية." فالأطلنطية في نظر الأوراسيين هي حقيقة جغرافية تمثل الغرب بالمعنى الجغرافي، وهي حقيقة جيوسياسية تمثل نموذج "الحضارة البحرية" المقابلة لنموذج "الحضارة البرية" أو "القارية"10، وهي حقيقة ثقافية تمثل نموذج الثقافة الليبرالية الديمقراطية، وهي حقيقة عقدية تتمثل في اللادينية (العلمانية)، وهي حقيقة سياسية وعسكرية تتمثل في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهي حقيقة حضارية تتمثل في سياسة العولمة ومساعي السيطرة الحضارية العابرة للقارات والثقافات. وقد أعلنت هذه النخب عداوتها الشاملة لكل هذه المظاهر "الأطلنطية" وسعت لتضمين مفهوم الأوراسية كل ما هو معادٍ ومناقضٍ لها11. فالأوراسية هي حقيقة جغرافية تتمثل في الشرق أو القارة الأوراسية، وهي حقيقة جيوسياسية تتمثل في القلب القاري لأوراسيا أو "قلب العالم" كما يسميه ماكيندر وهو روسيا بموقعها الجغرافي وإمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، وهي حقيقة ثقافية تتمثل في الثقافات الكبرى السابقة للحداثة والليبرالية الغربية، وهي حقيقة عقدية تتمثل في
ديانات العالم الكبرى وتقاليده العقدية، وهي حقيقة حضارية تتمثل في وقوف الحضارات المختلفة الأصلية المتمركزة في عمق الأوراسية في وجه العولمة والهيمنة الغربية. لكن هذه الأوراسية لم تتبلور سياسيًا وأصيبت بنكسة كبيرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو، ما أتاح الفرصة لظهور العالم أحادي القطب؛ عالم الهيمنة الأميركية.
لقد عملت النخب الروسية في سياق بلورتها للأيديولوجية الأوراسية على توظيف كل ما هو معادٍ للغرب والثقافة الغربية الحديثة؛ فلجأت إلى العقائد المسيحية الأصلية الأرثوذكسية منها والكاثوليكية، وأعطت أهمية كبيرة للتناقض بين قيم الإسلام ومنظومات الحداثة، وراهنت على هذا التناقض، ورأت في الثقافة الإسلامية أحد أهم أعمدة العداء للأطلنطية، واستعادت الأدبيات السوفيتية المعادية للغرب، وتواصلت مع قوى اليمين الأوروبي أو من يسمون اليوم في أوروبا باليمين "الجديد"12، ونشرت مفاهيمه المعادية للعولمة الأميركية، وأحيت أدبيات النازية والفاشية المعادية لليبرالية العابرة للقوميات واقتصاد السوق، وأعادت قراءة مارتن هيدغر واشبنغلر وكارل غوستاف يونغ وكل ما يمكن توظيفه في مهمة نقد الغرب وهدم ثقافته الليبرالية. وفي الحقيقة لا يستطيع الباحث إلا أن يعترف بعمق وشمولية الرد الثقافي الذي قامت به النخب الروسية؛ هذه المساعي التي تبقى إلى حد كبير حبيسة اللغة الروسية ولم يخرج الكثير منها إلى لغات العالم13. هذه هي الخطوط العريضة للفكرة أو الأيديولوجيا "الأوراسية" الصاعدة، وهي لا تزال بحاجة إلى دراسات معمقة في اللغة العربية لفهم التحولات التي تجري في دولة كبرى مثل روسيا الاتحادية.
الأوراسية بوصفها مشروعًا سياسيًا
في عام 1994 أعلن الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف بدء مشروع اتحاد دول أوراسيا، وأفضت هذه الدعوة إلى نوعٍ من الاتحاد الجمركي بين ثلاث جمهوريات هي روسيا الاتحادية وكازاخستان وبيلاروسيا. ولعله منذ ذلك الوقت تحوّلت الأوراسية من نظرية إستراتيجية إلى تطبيق سياسي، ومنذ عام 2000 بدأ يظهر في خطابات فلاديمير بوتين ما يشير إلى اقترابه من الفهم الأوراسي للسياسات الداخلية والخارجية على حساب المفاهيم الليبرالية الديمقراطية المهيمنة على السياسة الروسية، فقد أعلن في عام 2000 أنّ روسيا دولة "أوراسية" بمعنى أنها ليست آسيوية وليست أوروبية، ثم جاء إعلانه في عام 2012 حول الاتحاد الأوراسي المزمع تحقيقه ليشكل نقلة نوعية على هذا الصعيد. ولكن ليس واضحًا حتى الآن ما هي حدود اقتراب فلاديمير بوتين والدولة الروسية من الأيديولوجيا الأوراسية عمومًا.
وما يهمنا توضيحه في المشروع الأوراسي هو تصوراته على مستوى السياسة الخارجية والدولية؛ فالمشروع الأوراسي في إطاره النظري - كما يبدو في أدبيات الفكر الأوراسي والذي يبدو أنه يتقاطع بنسبة ما مع سياسات بوتين الفعلية - تتحدد ملامحه العامة في الآتي: هو مشروع مقابل لمشروع العولمة الغربية يسعى لمراكمة المقدمات لتوجيه الرد الحاسم على سياسة الهيمنة والسيطرة الغربية التي تمثلها هذه العولمة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية، وذلك من خلال إرساء نمط من الكيانات السياسية والتحالفات في القارة الأوراسية ليس على أساس من الهيمنة السياسية والثقافية، إنما على أساسٍ من التكاملية
وحق الثقافات المحلية المطلق في تطوير نماذجها السياسية والاقتصادية - الاجتماعية والثقافية بما يساهم في نمو التنوع اللغوي والديني والحضاري لتبلور أقطاب دولية متعددة ونموها، لكن في إطار إرادة سياسية موحدة لمواجهة نظام القطب الواحد وسياسة العولمة. يتضمن هذا المشروع خطين إستراتيجيين لبناء العلاقات الجديدة والكيانات الجديدة في القارة الأوراسية وترسيخها؛ يتمثل أولهما في بناء الاتحاد الأوراسي في حدود الاتحاد السوفيتي سابقًا، لكن من دون أيديولوجيا شمولية ملزمة، وعلى أساس من اللامركزية في الحكم وبشكل طوعي. ويتمثل ثانيهما في بناء تحالفات وتفاهمات في محاور أساسية هي: محور "موسكو – طهران" و"موسكو – بيجين" و"موسكو- دلهي"، والعمل على تعزيز تحالفات إقليمية جديدة (منظمة شنغهاي)14. أما بالنسبة إلى دول وتكتلات أوراسية أخرى كتركيا ودول الشرق الأوسط التي لا تظهر حماسًا شديدًا للعلاقات مع روسيا ويظهر فيها النفوذ الغربي بشكل واضح وكبير، فيبقى الباب مفتوحًا لها، ويجري الاقتراب منها بقدر رغبتها في الاقتراب من المحور الأوراسي.
أوراسيا والمنطقة العربية
لعلنا بعد هذا العرض العام للفكرة الأوراسية نصل إلى سؤالين مركزيين ومهمين هما: ما هي انعكاسات هذا المشروع على المنطقة العربية15؟ وهل هناك مخاطر ينبغي التنبه لها؟ في الحقيقة، إنّ المشروع الأوراسي على المستوى النظري وكما يقدمه منظرو الفكرة الأوراسية لا يحمل للمنطقة العربية أي تهديد ولا يمثل تحديًا لها بقدر ما يمثل تحديًا حقيقيًا للغرب والولايات المتحدة الأميركية بالذات وهيمنتها على العالم. وعلينا الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة تأخذ هذا التهديد على محمل الجد وتراقبه بعيون حذرة وعقول واعية. لكن ذلك لا ينفي عددًا من المحاذير الجدية، ومنها: أولً: أنّ هناك هوة غير معروفة بين ما يقدمه الإطار النظري العام للفكرة الأوراسية وما يتبناه أو ربما يفهمه فلاديمير بوتين منها. ثانيًا: هناك دائمًا، وكما أثبتت التجارب التاريخية، مصائر مختلفة للأفكار وخاصة الكبرى والشمولية منها عندما تتحول إلى سياسات وكيانات سياسية؛ فربما لم يكن كارل ماركس يتخيل أنّ دولة العمال الفلاحين ستكون في مجال التطبيق هي ما صنعه ستالين في أربعينيات القرن الماضي، ولا أعتقد أنّ أدولف هتلر كان يمثل ما كان يراه مارتن هيدغر عن فكرة القومية- الاشتراكية16. واليوم، فإنّ الإطلالة المحببة لألكسندر دوغين مثلً لا تشبه ذلك التجهم المزمن في وجه سيرغي لافروف، كما لا يشبه خطابه المثقف الجذاب مطلقًا خطابات فلاديمير بوتين ولغته. ثالثًا: عند الحديث عن المنطقة العربية، لا يمكن بأي حال من الأحوال القفز عن قضية الصراع العربي – الإسرائيلي، والموقف الروسي"الأوراسي" من هذه المسألة. والحقيقة أنّ الموقف من هذا الشأن يبدو ملتبسًا، ففي حين تحرص روسيا ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي على تأكيد علاقات الصداقة مع دولة "إسرائيل"، تذهب الأدبيات الأوراسية إلى موقف مغاير، فهي - وإن لم تولِ المسألة أهمية كبيرة - تعبِّ عن مواقف مناهضة للدولة العبرية على اعتبار أنها ربيبة الأطلنطية العالمية، لكنّ ذلك لم ينعكس حتى اليوم في مواقف واضحة ومحددة. رابعًا: وهذا هو الأهم، فإنّ التوجهات السياسية الكبرى لا تحدِّدها النيات الطيبة، بل كما يشير المنطق الجيوسياسي، تتحدد تبعًا لثوابت الجغرافيا وحقائق التاريخ، وإنّ هذه الثوابت والحقائق تشير إلى مسارات مختلفة تمامًا. لقد ولدت الدولة الروسية في القرن السادس عشر على يد "إيفان الثالث – العظيم" و"إيفان الرابع- الرهيب"، وخاضت الدولة الوليدة لتثبيت وجودها حربًا مع كيانين سياسيين هما "خانية قازان" شرقًا
و"خانية أسترخان والقرم" جنوبًا17، وكلاهما كانتا كيانين إسلاميين. وقد كانت حروب الدولة الروسية للتوسع والانتشار بالدرجة الأساسية هي حروب مع الدولة العثمانية، لقد وصلت هذه الحروب إلى ما يزيد عن عشر حروب طاحنة انتهت مع الحرب العالمية الأولى بانهيار الدولتين وبروز روسيا الشيوعية وتركيا الطورانية العلمانية، لقد أوصى القيصر الروسي بطرس الأكبر 1725-1672() عند وفاته باستمرار الحرب مع العثمانيين حتى تنتهي الدولة العثمانية وتستعاد القسطنطينية. ولاستعادة القسطنطينية قصة طويلة في الشعور أو اللاشعور الجمعي الروسي؛ فهي شرط لتحقق النبوءة التي أطلقها الراهب "فيلوتس من بسكوف" في رسالته لإيفان الثالث، فبعد سقوط القسطنطينية ستكون مملكته "روما الثالثة"18. قد يظنّ بعضهم أنّ هذه النزاعات والحروب هي صفحة قد طواها التاريخ وتجاوزتها طبيعة العلاقات الدولية الحديثة. ربما يكون الأمر كذلك، وربما تسير الأمور بشكل مختلف تمامًا، لكن من المؤكد اليوم أنّ هناك حزبًا سياسيًا ممثلً في البرلمان الروسي بكتلة برلمانية معتبرة هو "الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي"19 وأنّ زعيم هذا الحزب فلاديمير جيرينوفسكي20 المنافس الدائم في انتخابات الرئاسة الروسية، يقدِّم في برامجه المعلنة تصورًا جيوسياسيًا يقتضي أن تقوم روسيا بعملية تفكيك سياسية عرقية للجمهورية التركية إلى مكوناتها الكردية الأرمنية لتفضي إلى ولادة دولة كردستان الكبرى ودولة أرمينيا الكبرى، فيما تستعيد روسيا وريثة الدولة البيزنطية ميراث بيزنطة وعلى رأسها مدينة القسطنطينية (إسطنبول.) أما بالنسبة إلى المنطقة العربية فقد كان احتكاكها مع روسيا القيصرية قليلً جدًا، فقد كانت الدولة العثمانية تقف حائلً بينها وبين السعي الروسي المزمن للوصول إلى المياه الدافئة. وقد بقيت روسيا السوفيتية محكومة بصراعاتها الأيديولوجية وتوازنات الحرب الباردة، ثم انشغلت لعقدين من الزمن بمشاكلها الداخلية حتى كادت أن تخرج من حسابات السياسة الشرق أوسطية حتى بدء الثورات العربية أو ما صار يعرف ب "الربيع العربي."
روسيا وثورات الربيع العربي
عندما اندلعت ثورات الربيع العربي كان من الواضح أنّ القوى السياسية الصاعدة في المنطقة العربية هي قوى الإسلام السياسي، وإذا أخذنا في الاعتبار التحولّات التي كانت قد حصلت في تركيا وأوصلت حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، فإنّ روسيا قد بدأت تستشعر خطورة تبلور محور إسلامي في المنطقة، يتجاوز بآثاره وانعكاساته الجيوسياسية مجرد تغيّ النظم السياسية الحاكمة. إنّ من شأن محور كهذا التأثير ليس في محيط روسيا الحيوي فحسب (جمهوريات آسيا الوسطى الخمس)، وإنما أيضًا قد تصل آثاره الممتدة إلى روسيا الاتحادية نفسها، بما قد يودي بالمشروع الأوراسي، والذي هو في المحصلة مشروع روسيا لبناء الإمبراطورية الكبرى (روما الثالثة)، إلى لا شيء، وبما قد يحمل مخاطر تنامي النزعات الاستقلالية في جمهوريات الحكم الذاتي داخل روسيا الاتحادية مثل داغستان والشيشان وتتارستان وبشكيريا وغيرها من الكيانات السياسية ذات الأغلبية السكانية المسلمة.
إنّ دراسة التاريخ الروسي تشير إلى أنّ الجزء الأكبر من الصراعات التي خاضتها روسيا لتوسيع حدودها وتحقيق وجودها بوصفها دولة منذ تأسيسها وصولً إلى الحرب العالمية الأولى كانت مع الدولة العثمانية، وقد أطلقت هذه الحروب مسألة سياسية اجتذبت قوى دولية كبرى إلى مسرح أحداثها، عرفت في حينها باسم "المسألة الشرقية" والتي ترجمت بعد ذلك بالنيات الحقيقية لأطرافها وهي "تقاسم تركة الرجل المريض." ولكن بعيدًا عن كل تفاصيل هذه المسألة الشائكة، فقد كانت في نظر الروس تعني حروبهم مع العثمانيين لتوسيع حدودهم ونفوذهم.
لقد تغيّ ت أولويات روسيا بعد الثورة الشيوعية، وعانت عواقب تفكّك الاتحاد السوفيتي، لكنها مع بداية استعادة عافيتها وانطلاقها لتحديد معالم مشروعها "الإمبراطوري" الجديد وجدت أنّ التغيرات المتسارعة في المنطقة العربية تلقي في حجرها مرة أخرى ب "المسألة الشرقية" وترتسم ملامح تهديدات ومخاطر يمكن أن تضع كل مشروعها الجيوسياسي في مهب الريح. لذلك فقد تعاملت روسيا مع الربيع العربي بوصفه خطرًا محتملً يجب تجنبه قبل أن يستفحل. من جانب آخر، وعلى مستوى الخطاب الإعلامي، فقد نظرت روسيا إلى ثورات الربيع العربي وشعاراتها الداعية للديمقراطية والدولة المدنية، على أساس أنها ثورات ذات نكهة غربية "أطلنطية" تعيد إنتاج الدور والمصالح الأميركية في المنطقة، وكل ما هو " أطلنطي" فهو حتمً معادٍ للأوراسية21. لم تكن روسيا تمتلك الكثير من الأوراق للتأثير في مجرى الأحداث في تونس أو مصر، لكنها حتمً تسطيع أن تؤدي دروًا حاسمً في المسألة السورية. وقد دخلت روسيا بكل زخمها على الساحة السورية لوقف مسيرة ما عرف بثورات الربيع العربي وعرقلته في الساحة السورية كمقدمة للهجمة المضادة الشاملة، وقد سارعت لتأييد الانقلاب العسكري في مصر وهي تلتقي اليوم بالقيادات المصرية العسكرية لإعادة فتح صفحة التعاون العسكري الروسي – المصري التي طويت في بداية السبعينيات من القرن الماضي. عند الحديث عن سورية، فإنّ الموقف الروسي يتحدّد تبعًا لأمرين: الأول هو موقف روسيا عمومًا من ثورات الربيع العربي، وهذا ما أشرنا إليه آنفا، أما الأمر الثاني، وهو لا يقل أهمية لفهم السياسة الروسية، فهو طبيعة العلاقة بين روسيا وإيران. تعتبر روسيا أنّ علاقتها مع إيران (محور موسكو - طهران) هو أحد أهم محاور السياسة الأوراسية الجديدة؛ فإيران من وجهة نظر أوراسية هي دولة مشرقية معادية للغرب والمعسكر الأطلنطي، وهي تعمل منذ عقود على تقديم نموذج سياسي وثقافي مختلف ومعادٍ لكل طموحات العولمة. من جهة أخرى، تقدّم إيران بإسلامها الشيعي نموذجًا إسلاميًا مقبولً لدى الروس قياسًا بالمشروع الإسلامي السني الذي تتخوف منه كثيرًا، وقد عانته في دول القفقاز، وفي الشيشان تحديدًا، وقد كلفها عشر سنوات من الحرب. ولا بد لنا من الإشارة إلى الجهد الإيراني الواعي والحثيث لطمأنة الروس من هذه الناحية وكسب ودهم وصداقتهم، في حين كان العالم العربي يتجاهل روسيا وكأنها غير موجودة على خريطة العالم.
عندما نتحدّث عن العلاقة بين روسيا وإيران، فإننا لا نتحدث عن علاقة في حدود الدولتين، بل عن توافق ما حول مشروعين. إن المشروع الإيراني بكل امتداداته إلى الساحة اللبنانية والسورية
وغيرها من الساحات، مقبول من روسيا ويلقى ترحيبًا وتشجيعًا، بل إنه وفق رؤية أكثر شمولية يندرج في المشروع الأوراسي ذاته. ولمن يستغرب هذا، فإننا نحيله للصحف الروسية والإعلام الروسي الذي كان يتحدث عن انتصار حزب الله عام 2006 والعملية العسكرية الروسية في أوسيتيا الجنوبية وطرد القوات الجورجية منها في العام نفسه، ويقرن بينهما معتبرًا أنّ هذين الحدثين هما علامة مميزة لانتهاء حقبة الهيمنة الأميركية وبدء حقبة جديدة.
وفي تعليق أحد الخبراء الإستراتيجيين الروس بشأن المحور الروسي الصيني الإيراني، يسمي إيران بأنها الجناح المقاتل لهذا الحلف ويقول ما نصه: "أما إيران فإنها في هذا الحلف غير المعلن تمثل الجناح المقاتل عبر امتداداتها في لبنان وسورية. هذا الحلف سيؤدي دورًا مهمً في ال قرر الأوسط. وإذا كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يعتقدون بأنّ الطريق أمامهم سالك نحو سورية، فإنهم مخطئون - كل شيء يجب أن يمر عبر روسيا والصين وإيران، وحتى في أفغانستان التي يعتقد الأميركان أنّ الحرب قد أوشكت على الانتهاء فيها فإنهم مخطئون"22. إنّ موقف روسيا المتصلّب في المسألة السورية ينطلق من اعتبارات جيوسياسية وليس مصلحية واقتصادية أو غيرها كما كان يُروّج، وإن كنا لا ننكر وجود هذه الأخيرة. ووفق الاعتبار الجيوسياسي، فإنّ المصالح الإيرانية في سورية هي مصالح روسية، وإنّ الهزيمة التي يمكن أن يتعرّض لها المشروع الإيراني في سورية هي هزيمة للمشروع الأوراسي وستنعكس آثاره على روسيا حتم، وهذا هو ما انطلقت منه روسيا في فهمها لما يجري في سورية، وهذا ما حددت به موقفها على أساسه.
خلاصة
إنّ ما جرى في روسيا خلال العقدين الماضيين، وما يجري اليوم هو إعادة بناء الدولة الروسية على أساس أنها كانت، ويجب أن تبقى، دولةً عظمى، وإنّ إعادة البناء هذه تجري على أسس فكرية وسياسية شمولية، ومنظومةٍ من التحالفات الإقليمية والدولية بحيث تطمح من خلالها في الانتقال بالعالم من نظام القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب.
يحتل الشرق الأوسط مكانة إستراتيجية في العالم المعاصر، ولا يمكن لأحداثه أن تبقى محصورة في إطار المنطقة من دون أن تستجلب اهتمام دول العالم الكبرى. هكذا كان الأمر عبر القرون الماضية، وهكذا هو اليوم. لقد دخلت روسيا معترك الصراع في الشرق الأوسط بقوة، وسوف يزداد الدور الروسي قوة وتأثيرًا خلال السنوات القادمة. ليس ضروريًا أن تكون العلاقة العربية مع روسيا علاقة صدام وتضارب في المصالح، مع أنّ احتمالات هكذا علاقة واردة وممكنة؛ فهناك إمكانية لإقامة علاقة متوازنة تحفظ لكلا الطرفين مصالحهما، لكن ذلك يستدعي من القوى السياسية وصانعي الحدث في المنطقة العربية التعمّق في فهم منطلقات السياسة الروسية والأسس التي تبنى عليها.