واقع القانون الدولي وآفاق الحاكمية العالمية في ظل العولمة

رودريك إيليا أبي خليل

الملخّص

تناقش هذه الدراسة وضع الدولة القطرية في إطار العولمة على خلفية اتساع مجال الإنتاج والتجارة ليشمل السوق العالمية بأجمعها. وتناقش أيض ا كيف أنّ الاقتصاد لم يعدْ محكومًا بمنطق الدولة القومية وحدها، إذ ظهر فاعلون اقتصاديون من نوع جديد. فلقد أصبح للقطاع الخاص الدور الأول في مجال الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية، ما جعل بعض المنظرين يقولون إنّ الدولة في ظل العولمة مصيرها إلى زوال. غير أنّ آخرين يردون على تلك النظرية بأنّ العولمة، بإزالة القيود والعوائق أمام تدفق السلع، والرساميل، والعمالة، والقيم والثقافات، لا تعني زوال دور الدولة، بقدر ما تعني تحفيز دور السلطة الوطنية في إدارة الأنشطة الاقتصادية، والاجتماعية، والمدنية، والثقافية والعلمية. إنّ التوجّه العام العالمي نحو المأسسة العالمية التدريجية للواقع الدولي يدفع نحو تخطي الحواجز والتحدّيات الجمّ ة التي تعترضه. وتناقش الدراسة عددًا من القضايا المتعلقة بالعولمة وذوبان الحدود القديمة، وتستعرض التوجه نحو مأسسة الفعل الدولي في قضايا كالإرهاب وجرائم الحرب والبيئة، حيث خطا القانون الدولي العامّ خطوة جبارة في تطوير آليات عمله القضائي.

مقدمة

في جولة سياحية لأيّ دولة خليجية عربية يبهرك ما تشاهده من تنوّع كبير لجنسيات المقيمين فيها، وكأنك في رقعةٍ متعدِّدة الجنسيات، وتطوّرٍ تقنيٍّ كبير في قطاعات الاتصالات والمواصلات، إضافةً إلى تسميات المرافق العامَّة والمجمعات السكنية وغيرها من الأسماء المتضمِّنة صفة "العالمية" التي لا تنفك تظهر أمامك خلال تنقُّلك في أرجاء هذه الدولة أو تلك، فيتبادر تلقائيًّا إلى ذهنك مفهوم "العولمة" الذي بات الشغل الشاغل للدراسات والأبحاث في أكثر من علم وأكثر من مجال. وانطلاقًا من خصائص "العولمة" وتناقضاتها، يبرز تطور حضور المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية على الساحة الدولية، في ظلّ قواعد الدبلوماسية الحديثة التي تتجلّ في تطوّر نفوذ الشركات عبر الوطنية، والتي باتت لاعبًا قويًّا على المسرح الدولي في سياق ازدياد الاعتماد المتبادل وعولمة الإنتاج. وانطلاقًا من تطوّر مفاهيم العلاقات الدولية سمةً أخرى من سمات العولمة، تتوسع مضامين حقوق الإنسان في اتجاه يكفل احترامها أكثر فأكثر، ويفرض آفاقًا أوسع لحقوقٍ أخرى. فحقّ التمتّع ببيئة سليمة ونظيفة مثلً، بات شرطًا واجبًا وأساسيًّا يُفرض ضمن سلّ ت الشروط الدولية. لذا تجدنا نبحث في دراستنا هذه، الربط بين مفهوم "العولمة" من جهة، ومفهوم "الحاكمية العالمية" من جهةٍ أخرى، مع ما يستتبع ذلك على صعيد القانون الدولي العام.ّ يطرح هذا الموضوع إشكالياتٍ جزئيةً متعلِّقةً بالإشكالية الأساسية المنطلقة من أثر تطور المضامين الدولية وتحولها، في ظلّ العولمة، في القانون الدولي العامّ، تجاه قانون عالمي لحاكمية عالمية، فما هي هذه التحولات ومضامينها؟ وما علاقتها بالقانون الدولي العامّ؟ وما هو تأثيرها وتداعياتها؟ يطاول هذا الموضوع ميادين من العلاقات الدولية عديدة، من الاقتصاد الدولي، مرورًا بحقوق الإنسان والقضاء الجزائي الدولي، وصولً إلى البيئة. كلّ هذه المجالات تطرح إشكالياتٍ جزئيةً تندرج في سياق إشكاليتنا الأساسية التي تتطلَّب الإجابة عنها الإحاطة بالإطار النظري لمضامين العلاقات الدولية من ناحية، ومنطلقات الحاكمية العالمية بين موجباتها ومقترحات تطبيقها من ناحية أخرى.

النظريات الجزئية للعولمة: المعيارية العالمية والوظيفية والإقليمية

إنّ العولمة بآفاقها وانعكاساتها على الواقع الدولي في شتَّى الميادين ترتكز على نظريات درسها للعلم السياسي وعلم العلاقات الدولية، غير أنّ التطورات المتتالية في تحوُّل مضامين العلاقات الدولية يحتّم علينا البحث عن هذه النظريات الجزئية التي يساهم إلقاء الضوء عليها في رسم مسار الرد على إشكاليتنا. في البداية، ترى آن ماري بيرلي Burley Anne-Marie أنّ عصر الأمم nations of age The قد انتهى، وأنّ عصر كوكب الإنسانية Global humanity of age هو العصر الآتي، وأنّ الإطار الجيوبوليتيكي للألفية الجديدة، لن يكون للعالمية، ولا للقومية، بل للعالمية اللبرالية1.

وعليه هناك من عَدَّ العولمة نهايةً للتاريخ2، أو بداية لصراع حضارات وبروز جماعات ثقافية متصارعة تحلّ محل تكتلات الحرب الباردة3. في المقابل هناك من يرى أنّ العولمة وسيلةٌ للهيمنة الغربية الجديدة4، وتعني "السيادة المطلقة ليس لنموذج اقتصادي وحسب، وإنما سيادة النظام الكوني الأمريكي الموحد عبر آلياته وأهدافه التي تؤكِّد ذلك يومًا بعد يوم"5.

  1. Anne - Marie Burley, "Toward an Age of Liberal Nation”, Harvard International Law Journal, vol. 33, no. 2 (spring 1992), p. 393.
  2. Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (New York: Free Press, 1992).
  3. Samuel Huntington, The Clash of Civilization and the Remarking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996).
  4. ما العولمة؟ حسن حنفي وصادق جلال العظمة،، ط  2 (دمشق: دار الفكر،)2000، ص -44 .45
  5. المثقف العربي والعولمة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتابة مصطفى عبد الغني، 2000) ص .48

إلا أنّ بودان وضع سيادة الدولة في إطار سلطة عليا لا تخضع للقوانين، أي إنها سلطة مطلقة. وهذا لا يلائم، بطبيعة الحال، البيئة المعقَّدة التي يتعيّ على الدول الحديثة أن تعمل في إطارها، والتي تحتوي أبعادًا ذات تأثير سلبي بالنسبة إلى المفهوم التقليدي للسيادة، ولا سيما الدور المتنامي للقانون الدولي والمنظمات الدولية6. وقد عبّ مفهوم العولمة عن ظاهرة اتساع مجال الإنتاج والتجارة ليشمل السوق العالمية بأجمعها؛ إذ إنّ الاقتصاد لم يعدْ محكومًا بمنطق الدولة القومية وحدها، بل ظهر فاعلون اقتصاديون من نوع جديد. فلم تَعُدِ الدولة القومية هي الفاعل أو المحدّد الرئيس للفاعلية الاقتصادية على المستوى العالمي، بل أصبح للقطاع الخاص الدور الأول في مجال الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية، لذا قال بعضهم إنّ الدولة في ظلّ العولمة إلى زوال، وإنّ دورها إلى اضمحلال7. في المقابل، يُردُّ على هذه النظرية بالقول إنّ العولمة، بإزالة القيود والعوائق أمام تدفق السلع، والرساميل، والعمالة، والقيم والثقافات، لا تعني زوال دور الدولة، بل تعني أنها تحفز دور السلطة الوطنية في إدارة الأنشطة الاقتصادية، والاجتماعية، والمدنية، والثقافية والعلمية.. إلخ؛ من خلال تمكين المجتمع المدني وإقامة دعائم الاقتصاد القائم على المعرفة وإحياء المبادرات الفردية الاقتصادية، والفكرية والثقافية، وبعثها. ولكن في ظلّ النظرية المعيارية الموجودة في العلاقات الدولية، وهي ليست مطلقةً؛ لأنّ واقعية العلاقات الدولية مازالت حاضرةً بقوَّة في بعض المواضيع، تُفقد المعيارية شيئًا من حضورها وقيمتها، غير أنها تبقى منطلقًا أساسيًّا ومهمًّ في العلاقات الدولية، لا يمكن تخطيه أو القفز فوقه بسهولة؛ بالنظر إلى أسباب متّصلة بالواقعية السياسية الدولية. بل إنها "في تطور مستمرّ لآليات حديثة تتلاءم مع متطلبات الواقع الدولي، ففي بعض الميادين باتت هذه المعيارية عالميةً أو شبه عالمية"8. وإذا كانت المعيارية الدولية في العلاقات الدولية تعني توحيد معايير العلاقات بين الدول، فإنّ المعيارية العالمية تعني توحيد المعايير على صعيد شمولي عالمي لا يخصّ الدول فحسب، بل يتخطّاها ليشمل اللاعبين الآخرين عبر الوطنيين وغير الحكوميين، وصولً إلى الأفراد، عبر آلية من وضْ ع الدول وتقريرها بحضور وتأثير فاعليْ للقوى عبر الوطنية.

فالأديان قد نظرت إلى الفرد بوصفه إنسانًا يتخطّى الدول والهويّات الوطنية ليكون قيمةً في حدِّ ذاته، انطلاقًا من سلّم قيمي أخلاقي مُعب عن معيارية عالمية على مستوى الإنسان العالمي في مجال المعتقدات والشعائر الدينية. في مطلق الأحوال تبقى معيارية الأديان العالمية محدودةً؛ لأنها محصورة ببعض الجوانب، ولا تتعدّاها لتصبح قانونًا عالميًّا. في المقابل، نجد أنّ العولمة قد أوجدت آليات عمل لمفاهيم اقتصادية شمولية، كرّستها من خلال اتفاقيات دولية ومنظمات عالمية، مثل منظمة التجارة العالمية. أمّا في ما يخصّ حقوق الإنسان الواردة في شرعة حقوق الإنسان عام 1948، فقد باتت منطلقًا أساسيًّا وأولوية مطلقةً واجبة الاحترام على المستوى العالمي. إنّ أيّ نظرية معيارية يُزمعُ تطبيقها، ينبغي أن يُنطلق من مسوِّغات وضرورات تدفع في اتجاه تبنّيها، ولعلّ التحرّر الاقتصادي النيولبرالي في ظلّ العولمة، وما يقتضيه من تداعيات، ومن ثمَّة من تحديات على عدّة مستويات، جعل من نظريتي "الوظيفية" و"الإقليمية" سبيل للدول إلى التعامل مع العولمة وموجباتها. بلغت "الوظيفية"، وهي نظرية بنائية، ذروتها في تفكير إميل دوركايم وبخاصة في مواجهة موضوع الحقائق الاجتماعية التي تمتاز بعموميتها وقدرتها على الانتقال من جيل إلى آخر، وقدرتها على فرْض نفسها على المجتمع. ويقوم المنهج الوظيفي للتكامل والاندماج الدولي على مبدأ التعميم أو الانتشار الذي يقتضي أنّ بدْء التعاون الوظيفي الدولي في حقل معين يؤدِّي بالضرورة إلى خلق مجالات أخرى لهذا التعاون. وتنظر المدرسة الوظيفية بعين الحذر إلى القرار السياسي والمسائل

  1. Joseph A. Gamilleri & Jim Falk , The End of Sovereignty (London: Elgar LTD, 1991), p. 33.
  2. Riccardo Petrella, "l’Europe Entre l’Innovation Compétitive et un Nouveau Contrat Social", Revue internationale des sciences sociales , n. 143 (mars 1995) , pp. 21-34.
  3. رودريك أبي خليل، موسوعة العولمة والقانون الدولي الحديث بين الواقعية السياسية والحاكمية العالمية (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2013)، ص .34

المتعلقة بالسيادة، ذلك أنَّها تعدُّها من المسائل الحساسة التي ينبغي تفاديها على الأقل في المراحل الأولى من التكامل؛ إذ تحرص الدول والسلطات القائمة فيها بشدة على عدم التفريط فيها، وتدعو إلى الارتكاز على التكامل في الميادين الفنية، والاقتصادية، والثقافية التي لا تتمتع بهذه الدرجة من الحساسية. وبطريقة غير مباشرة تضطلع جماعات الضغط بدور مهمّ، بخاصة الجماعات الوسيطة التي تعب عن مصالح الجماهير في التكامل وتستطيع فرْض هذه المصالح على قياداتها.

أمَّا أرنست هاس9، وهو من أبرز الوظيفيين الجدد، فيؤكِّد الإقليمية بوصفها مقابلةً للعالمية في التكامل؛ وذلك من منطلق أنّ المنظمات الإقليمية أكثر قابليةً من المنظمات العالمية لإحلال التكامل؛ بسبب التقارب القيمي والثقافي المفترض بين مجتمعات الإقليم الواحد (كالاتحاد الأوروبي)، ويعدُّ عملية التكامل متضمِّنةً لانتقال الولاء إلى مركز دولي جديد، تكون لمؤسّساته سلطات عبر وطنية تتجاوز حدود الدول الأعضاء10. ولا ينظِّر الوظيفيون الجدد إلى التكامل بوصفه حالةً يجرى فيها تحقيق الوحدة السياسية أو قيم ومصالح متعدِّدة فحسب، بل إنهم يركّزون أكثر من ذلك على الطبيعة التعدّدية للمجتمع الحديث الذي تتنافس فيه النُّخب وتتصارع المصالح؛ ومن ثمَّة يرون أنّ التكامل عملية تعيد فيها النُّخب بطريقة سياسية متدرجة صوْغ مصلحتها بمصطلحات وأساليب تعبّ عن توجّه إقليمي أكثر من كونه توجّهًا وطنيًّا خالصًا11. لذا يركّز الوظيفيون الجدد على تنمية عملية صنع القرار الجماعي والطريقة التي تغيّ بها النُّخب الحكومية وغير الحكومية تكتيكاتها وتنظيماتها، وفقًا لتحولّات عملية صنع القرار من المستوى القومي إلى المستوى فوق القومي.وقد امتازوا بالتنبيه إلى أهمية الاتفاق القيمي والإجرائي وعملية توزيع المهمَّ ت داخل مؤسّسات التكامل؛ كي لا تتعثر عملية التكامل ويحدث العكس، فتنتصر الهواجس والحواجز السياسية على المصالح المشتركة12. في المقابل، يرى بعضهم أنّ "العالمية" تشمل كلّ ما يمتد ويتّسع متخطيًا العوائق والحواجز، وكلّ ما هو مصطنع حتى يشمل العالم كلّه من دون تفرقة أو تمييز13، ويرى آخرون أنّ كلمة "العالم" تعني البشرية، وأنّها توحي بمشاركة الناس جميعًا، وأنّ هذا الاسم ليس له من مفردات متجذّرة في اللغة العربية14. وثمَّ ة من يضع مفهوم العالمية في إطار المنهج الوظيفي للنظرية العامَّة في المنظمات الدولية، ويربطه بالعضوية في تلك المنظمات التي تعلن اعترافًا متبادلً بين سيادة الدولة ومؤسّسات المجتمع الدولي15. إنّ العالمية مرادفًا للإنسانية هي "طوباوية" في نظر بعضهم16، ويُقصد بالإنسانية الجنس البشري بغضّ النظر عن انتماءاته إلى دولة أو أخرى. أما التطور الأبرز للمفهوم فقد كان مع كانط Kant في كتابه Peace Perpetual، إذ رأى أنّ جميع الناس العقلانيين أعضاءً في مجتمع أخلاقي واحد؛ ذلك أنّه أدخل مفهوم law Cosmopolitan الذي تتمتع بموجبه الدول والأفراد بالحقوق على حدّ سواء، ورأى أن الأفراد يستمدون حقوقهم من كونهم "مواطنين في الكون" أكثر من كونهم مواطنين ينتمون إلى دولة معيَّنة17. وفي الوقت الذي بدأ الاتجاه القانوني في جزء منه ينادي بالعالمية أو ما يُعرف بالحكومة العالمية رافضًا فكرة الإقليمية، برزت الإقليمية

  1. Ernst B. Haas, Beyond The Nation State: Functionalism and International
  2. العلاقات الدولية ريمون حداد، (بيروت: دار الحقيقة، 2000)، ص .207
  3. عبد الله جاد فودة، "نظريات التكامل الدولي: دراسة حالة للخبرة التكاملية العربية"، مجلة عمرانيات، 2007/9/25، على الرابط: http://umranyat.blogspot.com/2007/09/blog-post_177.html
  4. المرجع نفسه.
  5. المنظمات الدولية الحديثة وفكرة الحكومة العالمية محمد حسن الأبياري، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1978)، ص -21 .22
  6. إسماعيل صبري عبد الله، "أبرز معالم الجدة في نهاية القرن العشرين"، مجلة عالم الفكر، العددان 3 و 4 1998()، ص .453
  7. Akindele, R. A, “On the concepts of ‘universality’, ‘regionalism’, and ‘reciprocal (multiple) equilibrium’, Revue Egyptienne de droit international , vol. 28 (1972), p. 70. 16 عبد الله ناصف، السلطة السياسية ضرورتها وطبيعتها (القاهرة: دار النهضة العربية، 1982)، ص .20
  8. Organization (New York: Stanford University Press, 1964).
  9. ليلى الرحباني، "التدخل الدولي: مفهوم في طور التبدل، دراسة مقارنة"، رسالة لنيل دبلوم دراسات عليا في العلوم السياسية (غير منشورة)، الجامعة اللبنانية، لبنان – بيروت، 2009، ص .37

نموذجًا فارضًا نفسه بالقوَّة لأنه الأساس في التنظيم الدولي. وتضمّنت الفقرة الثانية من المادة 52 من ميثاق الأمم المتحدة أنّ "على مجلس الأمن أن يشجع على الاستكثار من الحل السلمي لهذه المنازعات المحلية عن طريق هذه التنظيمات الإقليمية أو بواسطة تلك الوكالات الإقليمية بطلب من الدول التي يعنيها الأمر أو بالإحالة عليها من جانب مجلس الأمن."

ويرى بعضهم أنّ الإقليمية مرحلة وسطى ضرورية؛ لأنها جزء طبيعي من عملية التطور البطيء لتكامل العالم، وقد عبَّ عن ذلك روبرت بوثبي بقوله: "على الصعيد العملي البحت فإنّ التنظيم الإقليمي مقدمة ضرورية لأيّ نوع من التنظيم العالمي إذ يتعين أن يُبنى على دعائم راسخة من القاع إلى الأعلى." والحقيقة أنّ هذا الرأي قد وجد مسوِّغًا له في تطور التنظيم الدولي من تنظيم إقليمي أوروبي إلى تنظيم دولي عالمي تمثّله الأمم المتحدة18. من ثمَّة يبرز الدور المهمّ للوكالات الوسيطة التي تعمل على التأثير، سواء كان ذلك بين الدول، أو بين المؤسّسات المعنية. ويساعد هذه الوكالات على أداء عملها اعتماد الاتحاد الأوروبي على مبدأ الحلول Le principe de la subsidiarité الذي يعني إضافة عنصر19 رديف إلى العنصر الأساسي لتعزيزه. وفي حالة الدول (المقصود في هذا السِّياق الاتحاد الأوروبي) يعني هذا المبدأ الوضعية العامَّة للاتحاد؛ إذ يصل القطاع العامّ إلى وقت لا يعود بإمكانه ضمان المصلحة العامَّة وتلبية حاجات المواطنين. وإنّ مبدأ الحلول، في المعطى السياسي، هو المبدأ الذي تُؤخذ من خلاله مسؤولية معينة على عاتق المستوى الأدنى في السلطة العامَّة صاحبة الصلاحية، لذلك يكون البحث عن المستوى الأقرب إلى المواطنين لتلبية حاجاتهم؛ ما يقود إلى عدم اللجوء إلى المرتبة العليا، وما يمكن أن يجريَ في المراتب الدنيا. لذا لا يتدخل المستوى الأعلى إلا عندما تتخطى المشكلة قدرة المستوى الأدنى Principe de suppléance على حلّها. 20 وفي هيكلية الاتحاد الأوروبي نجد مبدأ الحلول بمنزله قاعدة إعادة توزيع للصلاحيات بين الاتحاد والدول الأعضاء؛ ذلك أنّ الاتحاد لا يتدخل خارج إطار صلاحياته الخاصة إلا في حالات معيّنة، ويكون تصرفه فعَّالً أكثر من التصرّف الصادر على مستوى الدولة أو الإقليم. وفي هذا السِّياق تُؤدِّي الوكالات، بوصفها وسيطًا قادرًا على تلبية فعَّال من دون تقصير حاجات المواطنين، دورًا بارزًا؛ وذلك بأداء. فتحلّ هذه الوكالات مكان الدولة والاتحاد في آنٍ واحد.ٍ

القانون الدولي: من المنطلقات الكلاسيكية إلى البحث عن قانون عالمي

يتّصف القانون الدولي العامّ بمساره التاريخي الطويل الذي بلور مجموعةً من المبادئ التي شكّلت منطلقاته القانونية؛ كتحريم اللجوء إلى القوة، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها. وإنّ مبدأ تحريم اللجوء إلى القوة في القانون الدولي قد وُلد مع ولادة ميثاق الأمم المتحدة، وفرض بالنص على الدول المتنازعة اللجوء إلى الخيار السلمي لحلّ المنازعات بطريقة لا تُهدِّد الأمن والسلم الدوليين. يُضاف إلى ذلك أنّ الميثاق الأممي منَح حقّ التدخل لمجلس الأمن، ومكَّنه من آليات إجبار الدول على احترام أحكام الميثاق، ومحاسبة الدول التي تشنّ الحرب على دول أخرى، والتي تُخلّ بتعهداتها في الميثاق الذي نصَّت ديباجته على أنّ الأمن، والسلم، والتعاون، مهمّ ت ينبغي توحيد الجهد من أجل تحقيقها وحمايتها21. كما نصّت المادة الثانية من الميثاق على حظْر استعمال القوة: "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية، عن التهديد باستعمال القوة أو

  1. زياد عبد الوهاب النعيمي، "إستراتيجية الشراكة الإقليمية الدولية في ظل القانون مركز الدراسات الإقليمية الدولي المعاصر"،، جامعة الموصل، 2009، على الرابط: http://pulpit.alwatanvoice.com/content-177498.html
  2. أبي خليل، المرجع نفسه، ص .507
  3. المرجع نفسه، ص .508
  4. ورد في الديباجة: "نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا[...]أن نأخذ بالتسامح وأن نعيش معًا في سلام وحسن جِوار[...]أن نضمّ قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي[...]ألَّ نستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة"، على الرابط: http://www.un.org/ar/documents/charter/preamble.shtml

استخدامها ضدّ سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة، أو على أيِّ وجهٍ لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة." غير أنّ الميثاق أقر حقّ استعمال القوة في حال الدفاع عن النفس، وفي حال وجود إخلال بالسلم والأمن الدوليين. في المقابل يُعَدُّ مبدأ المساواة وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، من المبادئ الأساسية للقانون الدولي؛ تماشيًا مع ميثاق الأمم المتحدة، واضعًا، بوجهٍ عامّ، البداية الأولى والمهمة في نشأة القانون الدولي المعاصر والنظام العالمي22. فالفقرة الثانية من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة قد نصَّت على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم، على أساس احترام المبدأ الذي يقتضي التسوية في الحقوق بين الشعوب"، وعلى أن "يكون لكلّ منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السّلم العام"ّ.

فأصدرت الأمم المتحدة قرارها رقم 637 الذي جعل من حقّ الشعوب في تقرير مصيرها شرطًا ضروريًّا للحظوة بالحقوق الأساسية جميعها، وقرارها رقم  231181 الذي استُخدمت فيه أوّل مرة كلمة "حق" Droit بدلً من كلمة مبدأ.Principe ثم أصدرت الجمعية العامَّة قرارها رقم 3070 في 1973/11/30، طالبةً من جميع الدول الأعضاء الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها، وتقديم الدعم المادي والمعنوي، وجميع أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من أجل هذا الهدف. وقد تبنّى القانون الدولي مفهوم سيادة الدول في ميثاق الأمم المتحدة؛ إذ كرّس مبدأ السيادة القومية الذي يتضمَّن في جوهره "منْع التدخل في الشؤون الداخلية للدول"، وقد ارتبط هذا المبدأ ارتباطًا وثيقًا بقاعدتين أساسيتين، هما: عدم اللجوء إلى القوة المسلحة (وهذا يعني منْع أيّ اعتداء على إقليم الدولة بالقوة)24، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويُفترض أن يشمل هذا الحظْر جميع الوسائل العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية.. إلخ25. لقد عرّف فانسون Vincent التدخل بأنّه "إجراء يُتَّخذ عنوةً من جهة دولة، أو مجموعة داخل دولة، أو مجموعة دول، في الشؤون الداخلية لدولة أخرى [وأنَّه] عمل يستهدف بنية السلطة في الدولة المستهدفة. لا نقيسه، بالضرورة، كعمل قانوني أو غير قانوني، لكنه بالتأكيد يشكل خرقًا للمبادئ المتعارف عليها دوليًّا"26. ويقول برايرلي Breirly إن كلمة "تدخُّل" غالبًا ما تُستعمل لتدلّ على "أيّ فعل تدخُلّيٍّ تقوم به دولة تجاه شؤون دولة أخرى، لكنّ هذه الكلمة، بمعنى أصدق وأدق، تتعلق بأفعال التدخل التي تخرق استقلال دولة ما"27. لدراسة مفهوم "التدخل الإنساني" نرجع إلى بعض التعريفات التي تناولت هذا المصطلح، فقد عرّف سين مورفي Murphy Sean التدخل الإنساني ب "استخدام دولة، أو مجموعة دول، القوة العسكرية ضد دولة أخرى، بهدف منْع انتهاكات حقوق الإنسان، وليس بهدف الدفاع عن النفس28. أمَّا ستوال Stowell فيعرّف التدخل الإنساني بأنه "الاستخدام المبرر للقوة بغرض حماية المقيمين في دولة أخرى من المعاملة الاستبدادية، والتعسف المستمرّ، على نحو يجاوز حدود العدالة والحكمة." ولا يختلف تعريف لوترباشت Lauterpacht عن التعريف السَّابق عندما يحدِّد الغرض من هذا التدخل بقوله: "إنّ التدخل الإنساني يحدث لغرض منْع دولة من معاملة مواطنيها بطريقة وحشية وهمجية"29. بدأ مصطلح "التدخل الإنساني" يصبح أمرًا طبيعيًّا في العلاقات الدولية في تسعينيات القرن الماضي، وقد حُدِّدت الحالات التي تتطلب تدخل إنسانيًّا، وهي: وضع حدّ لجرائم أو مذابح ترتكب في حقّ شعب

  1. سعيد أبو فارة، "مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير"، الحوار المتمدن، 2006/9/29، على الرابط:
  2. الصادر في.1957/12/11
  3. المادة الثانية، الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
  4. المادة الثانية، الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة.
  5. R. J. Vincent, Non Intervention and International Order (Princeton: Princeton University press, 1974), p. 13.
  6. J. Brierly, The Law of Nations: An Introduction to the Int. law of peace , 6thedn (Oxford: Clarendon press, 1942), p. 337.
  7. Sean Murphy, “Sovereignty and Intervention: Are International legal Norms Changing?”, George Washington University (2000), p. 1. 29  H. Spruyt, The Sovereign States and Its Competitors (Princeton: Princeton University Press, 1996), p. 324.
  8. http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=76874

دولة ما، أو إنهاء نظام متسلط أو ديكتاتوري، أو إنقاذ مضطهدين لأسباب دينية أو غيرها30. بعد استعراض تطور مضمون السيادة الوطنية في ظلّ العولمة، أضحت دراسة مفهوم الحاكمية العالمية بوصفها وجهًا من أوجه التكاملية، ومشروعًا يُرتجى منه مواجهة تحديات العولمة وتلبية حاجاتها ومتطلباتها على الصعيد العالمي، أمرًا ضروريًّا. يُعدُّ دونت أليجيري Alighieri Dante 1265-1321() أوّل من كتب عن نُظم الحكومة العالمية، وعن أصلها المتمثل بصورة إمبراطورية عالمية، في كتابه Monarchia De، وهو يرى أنّه: "إذا كانت مصلحة الأسرة الواحدة تقتضي وجود رئاسة مسيطرة، تتولى فضّ المنازعات بين أفرادها، فإنّه أحرى بالشعوب أن تكون لها مثل هذه الرئاسة المسيطرة، ويتمثّل ذلك بالحكومة العالمية"، ومن ثمَّة يستنتج أنّه "لا سلام في الكون من دون قيام حكومة عالمية"31. ويُعَدُّ توماس مور مؤسّسًا للمدرسة الطوباوية الحديثة في الغرب التي ضمّت عدّة مفكرين كالإيطالي كامبنلا32Campanella، والألماني كانط الذي وضع مشروعًا لتصوره عن الحكومة العالمية التي ستجلب السلام للعالم بأجمعه.

ففي ظِلّ معاناة العالم مشكلاتٍ اقتصاديةً، واجتماعيةً، وبيئيةً؛ بالنظر إلى أنّ نحو 5/1 من البشرية يعيش في اليوم بدخل يوازي دولارًا أميركيًّا أو أقلّ من ذلك، في حين يعيش ربع آخر من البشرية بدخل لا يصل إلى الدولارين في اليوم الواحد33. لقد أصبحنا في عالم تقسمه هُوَّة عميقة "شمال – جنوب"، وهي هُوَّةٌ في تزايد بدلً من أن تتناقص34. وانطلاقًا من كلّ هذا، جاءت التوصيات بإقامة حاكمية دولية متمثِّلة بمفهوم عامّ لأشكال مختلفة. وفي هذا السّياق ثمَّة أساليب ومقترحات عديدة لتحقيقها، وهي بحسب باسكال لامي Lamy Pascal وزكي لايدي Laidi Zaki "مجموعة المسارات التي تُصاغ من خلالها القواعد الجماعية، وتُقرر وتشُرّع، وتدخل حيِّز التنفيذ والتحكم"35. أمّا جون كروم Groom R. John فقد أظهر في تعريفه للحاكمية العالمية36 أنها ترجمة لواقع بروز القوى غير الحكومية من منظمات وشركات عبر وطنية، وحتى أرباب الجريمة العابرة للحدود. وإذا ما ربطنا هذا التعريف بسابقه، استنتجنا أنّ هذه القوى غير الحكومية يُعدُّ دورها محوريًّا، إلى جانب دور الدولة في صوْغ قواعد الإدارة العالمية، وتشريعها، وتقريرها، وتطبيقها ومراقبتها. بعبارةٍ أخرى بات إشراك المجتمع المدني العالمي في الحكم العالمي ضرورةً لحاكمية دولية متجدّدة37؛ فهذه الحاكميّة ليست خيارًا للقرن الحادي والعشرين، بل هي أمرٌ مفروض38. ولكن مع إنشاء الأمم المتحدة على أساس ميثاق يرعى الشؤون الدولية، انطلاقًا من حكمٍ جماعيٍ يكرِّس مفهوم الأمن الجماعي، ويطرح آفاقًا جديدةً للمسائل الدولية التي تحتاج إلى عناية جماعية، بات للحاكمية الدولية حجر أساس.

الحاكمية العالمية والمجتمع المدني الدولي: تقاطع حتمي

يسير العالم تجاه انفتاحٍ في مختلف الميادين في سياق العولمة بأشكالها المتعدّدة، ما ولّد تداعيات على مختلف الأصعدة الدولية والمحلية، فتسري هذه الانعكاسات، بطبيعة الحال، على القانون الدولي العام

  1. مدخل إلى علم العلاقات الدولية محمد طه بدوي، (بيروت: دار النهضة العربية، 1972)، ص .66
  2. مفهوم العالمية في التنظيم الدولي المعاصر زكريا جاسم محمد، (بيروت: منشورات
  3. انظر: ناصف، المرجع نفسه، ص.20
  4. Michel Camdessus, "Gouvernance Mondiale, Notre Responsabilité pour que la Mondialisation Devienne une Opportunité pour Tous" , COMECE, octobre 2001.
  5. Ibid.
  6. Lamy & Laïdi, Ibid., p. 200.
  7. Josépha Laroche, Mondialisation et Gouvernance Mondiale (Paris : PUF, 2003), p. 7.
  8. Jacquet, Ibid., p. 97. 38  Nations Unies , Rapport Mondial sur le Développement Humain (Paris: De Boeck Université, 2001), p. 97.
  9. الحلبي الحقوقية، 2006)، ص -129 .130

الذي بات يرزح تحت وزر أحكامه التقليدية وإلحاح تطويره ليتلاءم مع حاجات الواقع الدولي المعولم. لذا بدأت الدراسات المعنية بقيام حاكمية عالمية تدير المجالات العالمية المشتركة، وهي في تزايدٍ مستمرّ، ضِ من ضوابط قانون دولي معولم، أو بعبارة أخرى، ضِ من ضوابط قانون عالمي. وتشكّل العولمة موضوع جدال على مستوى عالمي لشموليتها وانعكاساتها على مختلف الصعد. فالانفتاح على التجارة الدولية ساعد بلدانًا كثيرةً على التطور بسرعة أكبر؛ لأنّ هذه التجارة تساهم في التنمية الاقتصادية. كما خفّفت العولمة من الشعور بالعزلة الذي ساد عدّة دول فقيرة، وأتاح المجال للكثير من سكانها الحصول على مقدار معرفيّ أرقى، وأكثر تقدّمًا من المستوى الذي كان يتمتّع به أغنى فرد في أيّ بلد قبل قرن من الزمن.

ولكن في مقابل هذا توجد هُوَّة بين الأغنياء والفقراء؛ إذ ارتفع مجمل الدخل العالمي الأوسط بنسبة 2.5 في المئة سنويًّا، في حين ارتفع عدد الفقراء الفعلي39. وإنّ العولمة في سياقها النيولبرالي العالمي المبني على التجارة والسوق الحرَّتيْ، لم تعدْ قادرة على تنفيذ وعودها، بل أضحت في تبعية اقتصادية عالمية من مناطق المحيط في الاقتصاد العالمي. غير أنّ قدرًا كبيرًا من الاستثمار الأجنبي يذهب إلى استخراج المواد المعدنية الخام. وهكذا تكون للاستثمار الأجنبي تأثيرات إيجابية في مشروعات استثمارها، ولكن في المقابل تكون لها تأثيرات سلبية في مجمل التنمية الاقتصادية. إنّ العولمة وسوقها العالمي غير منتظمتين، وهما في حاجة إلى ضوابط تجعل من التوفيق بين مطالب المسؤولية الاجتماعية ومستلزمات تحقيق الربح، أولويةً تستوجب التحقيق. وإنّ العولمة بحسب فريد برغستون في حاجة إلى نظام "شيكات أمان انتقالية[...]تساعد على تصحيح التشوّش الحاصل" وتمكِّن الشعوب من "الاستفادة من الظاهرة [العولمة] وتتدحرج معها عوضًا من معارضتها"40. ثمّ إنّ إدراك المشكلات يضطرّ الإرادة السياسية إلى التصدي لها عبر انتهاج سياسات تنمية مستدامة وعادلة، وديمقراطية، وهذا النهج لا ينفصل عن مفهوم ال Governance بوصفه جزءًا من ثقافة عالمية، صاعدة، قائمة على تعزيز مشاركة الأطراف المجتمعية المختلفة مع الحكومة في صنع السياسات العامَّة وتنفيذها، للتعبير عن التفاعل، أو الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص. ويرى جان كوامن Kooiman Jan أنّ الحاكمية بمنزلة "أسلوب موسِّع للحكم، يصبح هو نفسه بمنزلة عقد اجتماعي جديد بين الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، في إطار شراكة ثلاثية؛ بهدف تعبئة إمكانات المجتمع على نحوٍ أفضل وإدارة شؤون الحكم بطريقة أكثر رشادًا"41. وبما أنّ العالم في حاجة إلى رؤية جديدة يمكن أن تحرك الناس في كل مكان لتحقيق مستويات أعلى من التعاون والتنسيق في الميادين ذات الاهتمام المشترك، فإنّ الحاكمية العالمية تشكّل إطارًا لهذه الرؤية. وهذه الحاكمية، مهما كانت مكونتها، ومرونتها، وفعاليتها، في حاجة "إلى المشاركة الفعالة للتدخل الحكومي المستنير الذي يشمل تطوير البيئة المؤسَّسية التي يتكون منها رأس المال الاجتماعي والبشري"42. في المقابل تطرح هذه الحاكمية مشاركة المجتمع المدني الدولي في سياق البحث عن ديمقراطية المؤسّسات الدولية، وتكريس شفافيتها؛ لتكون فعالة على الساحة العالمية. وفي هذا السِّياق تشتدُّ الحاجة إلى المجتمع المدني الدولي وسيلةً لإضفاء الشرعية على عمل الأسواق والهيئات المالية والاقتصادية. لكنّ هذه الشرعية تختلف باختلاف الرؤية لمفهوم الحاكمية العالمية؛ بالنظر إلى وجود تطوّرات عديدة متعلّقة بهذا المفهوم، ومن ثمَّة فإنّ الأشكال الممكنة لهذه الحاكمية تتحكم في آلية الشراكة بين المجتمع المدني، والسوق، والمؤسّسات الدولية.

  1. 41  J. Kooiman, Modern Governance: new Government Society Interactions (London: Sage Publication, 1993), pp. 1- 2. 42 أحمد ضو بوعجيله، " السيادة وتحديات العولمة، المجتمع الدولي نموذجًا"، رسالة دبلوم في العلوم السياسية، الجامعة اللبنانية، لبنان – بيروت 2002، ص .80
  2. Deadline Set for WTO reforms, Guardian News Service , 10/1/2000.
  3. 39 شهد عدد الأشخاص الذين يعيشون بأقلّ من دولارين ارتفاعًا بين السنوات 1990 و 1998، انظر: البنك الدولي 2000، تقرير عن التنمية في العالم /200 2001:‏ شن هجوم على
  4. الفقر ‏، ص  23، على الرابط: http://goo.gl/340sMN

ويتجاذب الحاكمية العالمية رأيان متعارضان، أحدهما ينطلق من جهة أنّها "شكل من أشكال شرعنة عمل الأسواق وحركة الشركات عبرة الوطنية، وفرض صوْغ اجتماعيّ وثقافيّ للتنظيم الاجتماعي من ناحية، ونزع الشرعية من اختصاصات الدول، أو الأمم، أكثر فأكثر، من جهة أخرى"43. وأمّا الرأي الآخر فيرى أنّ الحاكمية العالمية هي الحل للرد على تحديات العولمة ومتطلباتها44 التي تتزايد يومًا بعد يوم، في ظلّ تحكّم الأسواق وعدم انتظامها، وفي ظلّ تصاعد الهموم البيئية والاجتماعية على الساحة الدولية. ولمزيد من التعمق في موضوع الحاكمية العالمية، سندرس هذا المفهوم في فكر جايمس روزنو James.Rosenau إنّ أهمية فكر روزنو تكمن في ما يشتمل عليه من منطلقات حديثة بعيدة من المنطلقات التقليدية؛ ما يلائم إشكالية الحاكمية العالمية بوصفها ردًّا على واقع العولمة. ولعل أبرز كتبه المعبّة عن رؤيته للحاكمية العالمية هو: Along the Domestic- Foreign Frontier exploring Governance in a Turbulent World45 ففي كتابه هذا لجأ إلى مصطلحات أقرب ما تكون إلى المفاهيم التي تعكس تطور المنطلقات على الساحة الدولية بدءًا ب "منطقة الحدود" فيه frontier، مرورًا بالفوضى Turbulence، ووصولً إلى ما يسميه Fragmegration، وإلى مجالات السلطة.Spheres of Authority في البداية إنّ مفهوم "المنطقة الحدودية"46 بالنسبة إلى روزنو هو تلك المنطقة التي تتلاشى فيها أو تهمّش فيها عناصر الداخل – الخارج؛ ومن ثمَّة فهي مفهوم متصوّر، وليست مفهومًا جامدًا. وهي تعني في هذا السِّياق الأفعال والنتائج الناجمة عن موقف، أو حدث، أو تصرف ينتج من أفراد، أو جماعات، أو فئات، أو حكومات، خارج إطار حدود الدولة الموجودة. أمّا مفهوم 47Turbulence؛ أي الفوضى فهو يُستخدم كأحد العوامل المؤثِّرة، أو المساعدة والمعيقة في آنٍ واحدٍ، في عملية الإدارة الدولية. وقد أبرزها روزنو عبر مستويات ثلاثة: الأول، على نطاق ضيّق؛ وهو ثورة المقدرة أو ثورة الكفاءات. الثاني، على نطاق وسطيٍّ؛ وهو يُعنى بمفهوم إعادة تمركز السلطة. الثالث، على نطاق واسع؛ وهو متمثّل بثنائية التوجه للبنيان الدولي. نصل الآن إلى مصطلح48 Fragmegration، وهو عبارة عن دمج لمصطلح (أي التفتُّت والتقسيم) Fragmentation ومصطلح Integration (أي الاندماج.) وهذا المصطلح يشير إلى التجاوب بين اتجاهين، أحدهما دينامية الاندماجية وتفاعلها، والآخر هو التفاعل نحو التفتُّت والتقسيم. أمّا عملية الإدارة العالمية فهي تقوم على قيادة منظمة، أو مجتمع ما لنفسه (بدلً من الفرض)، وركيزتَا هذه العملية هما دينامية التحكم والاتصال49. والتحكم هو عبارة عن علاقة معينة تشكّل نمط تفاعل بين الأطراف الفاعلين، ومن ثمَّة يشكِّل هذا النمطُ نفسُه قواعد منظمةً تحكم هذه العلاقة.

بعبارة أخرى، تقوم مجالات السلطة وعمليات التحكم على التصرف المتكرر بالربط - بطريقة منظمة - بين جهد المسيطرين وتجاوب المسيطَر عليهم عبر قنوات رسمية أو غير رسمية. لذا يصبح في الإمكان التوصَّل إلى قواعد تُنظِّم عملية التحكم لكي تجريَ بنجاح وثبات من دون الحاجة إلى قيام سلطة سياسية أو قانونية. وبالنسبة إلى روزنو، هناك أربعة أنواع من التفاعل متمثّلة بسلطة "قائمة"، و"متجاوبة"، و"متنافسة" و"موقَّتة." في الحصيلة، تمكَّن روزنو من تجزئة دافع العولمة ودراسته مع وضْ ع تصنيف عامٍّ قادرٍ على إجلاء الصورة بطريقة علمية، كما وضع الحاكمية العالمية في سياق عملي من دون إغفال المنطلقات النظرية، ومن دون القفز فوق المجتمع المدني الدولي. وهذا المجتمع

  1. حداد، العلاقات الدولية، المرجع نفسه، ص .216
  2. Jacquet, Ibid., p. 12.
  3. James Rosenau, Along the Domestic-Foreign Frontier exploring Governance in a Turbulent World (United Kingdom: Cambridge University Press, 1997).
  4. 48  Ibid., pp. 99- 100.
  5. Ibid., p. 55.
  6. 46  Ibid., p. 3.
  7. Ibid., p. 146.

ينطلق من مفهوم "غربلة" الشعوب عبر آليات تمثيليَّة، بالنظر إلى أنّه من الصعوبة إدخال الشعب مباشرةً في بنى السلطة العالمية. وهذه الآليات هي عبارة عن مجموعة من القوى والعمليات، تحوِّل الجمهور إلى شعب يصبح قابلً للتمثيل في الدستور التأسيسي العالمي. وهذا التمثيل يجري في سياق مقاربة ثلاثية، إذ يقع المجتمع المدني بين الدولة والسوق، مع الأخذ في الحسبان تعقُّد التركيبة المجتمعة؛ ذلك أنّه أصبح للسوق حيّزها الخاص المتمايز نسبيًّا عن حيّز المجتمع السياسي. واستنادًا إلى ما ورد سيصبح في متناول الأفراد التعاقد لتكوين اهتمامات واستحقاقات تتعلق بمواجهة الإفرازات الاجتماعية للعولمة ونتائجها الاجتماعية والسياسية؛ فينتج من ذلك مجال يمكِّن من المشاركة السياسية الفعلية. وهذا المجال عامّ وعبر وطني، وهو ينطلق من "ترجمة الأنساق الرمزية لتأسيس معايير مشتركة للفاعلين في إطار شبكات سياسته عبر وطنية متحدة بوساطة المعايير والقيم المتفاعلة في مجال اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، تطوعي عبر وطني يقع بين الدولة والفرد"50. وعليه فإنّ مرتكزات المجتمع المدني الدولي هي ذاتها مرتكزات المجتمع المدني الوطني، وأمّا الفرق فهو "في الامتداد والانتشار وليس في المضمون القيمي"51. غير أنّ البيئة العالمية والمتغيرات المتعدّدة التي أتت بها العولمة، أدّت إلى بروز المجتمع المدني الدولي بوصفه "قوةً ثالثةً" على المستوى المجتمعي والعالمي، ولعل أبرز هذه المتغيرات: التوافق الدولي المتعلِّق بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. الدور الذي اضطلعت به المؤسّسات الاقتصادية العالمية الكبرى. اتساع سياسات الإصلاح الهيكلي في ظلّ تراجع دور الدولة. الفقر والتهميش والاختلال الأيكولوجي الذي يصعِّب التعاون الأفقي بين المانحين والمتلقيّن. الرغبة في طرح نماذج بديلة للتنمية. إنّ المجتمع المدني الدولي بات حاضرًا على مختلف الأصعدة في استشاراته؛ إذ أكدت لجنة إدارة المجتمع العالمي52 أهميته فاعل دوليًّا، مقترحةً آلياتٍ لإضفاء طابع عمليّ على عمله أكثر فأكثر؛ عبر تمكينه من الالتماس لدى المؤسّسات الدولية و"إقامة جمعية عمومية للشعوب داخل منظومة الأمم المتحدة." في هذا السِّياق تؤكِّد لجنة إدارة شؤون المجتمع العالمي ضرورة إيجاد مجتمع دولي يتجاوز السيادات والدول إلى الغايات التالية: ترسيخ روح التعاضد المستند إلى مبادئ التشاور والشفافية والخضوع للمساءلة. تعزيز المواطنية العالمية والعمل على إشراك القطاعات الأكثر فقرًا. إدخال صوت الشعب في عملية صنع القرار. فتح الطريق أمام الأفراد، والمؤسّسات وجماعة المنظمات غير الحكومية للتعبير عن آرائهم. إنّ حضور المجتمع المدني الدولي الفاعل، الضروري والتوازني يتكرس في المضمون التنموي للمجتمع المدني الدولي والمطالبة باقتصاد عالمي ذي بعد أخلاقي.

ويهدف النمو الاقتصادي إلى توسيع الخيار الإنساني في اتجاه واحد ألا وهو "الدخل" في حين أنّ هناك شبكة خيارات إنسانية غير متصلة بالدخل أو الثروة، فيجري الركون إلى التنمية البشرية التي تنطلق من توسيع جميع الخيارات الإنسانية بما فيها الخيارات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية. وإنّ التركيز على الأمن الاجتماعي وعدالة التوزيع لا يناقض الاهتمام بالنمو الاقتصادي، بل إنهما يشكلّان ضمانةً لاستدامة النموّ والحفاظ عليه. هذا ما يشكّل محور عمل المجتمع المدني الدولي الذي يركّز على

  1. Bice Maiguashca, The Transnational Indigenous Movement in a Changing World Order (NewYork: University Press, 1994), p. 365.
  2. François Crépeau,  Mondialisation des échanges et fonction de l'Etat (Bruxelle: Bruylant, 1997), p. 267.
  3. هي لجنة شُكّلت بمبادرة من فيلي برانت وتشجيع الأمانة العامة للأمم المتحدة.

خمسة مكوّنات أساسية للتنمية البشرية، وهي: العدالة، واستدامة التنمية، والديمقراطية، والإنتاجية، وتفعيل القدرة البشرية53. هذا المضمون التنموي لحركة المجتمع المدني الدولي يرتبط بفاعلية الدور الذي يمكن أن تقوم به منظماته في تحقيق التنمية القائمة على المشاركة الواعية، وهذه الفعالية نفسُها ترتبط بالمنظور الذي ينظر من خلاله إلى منظمات المجتمع المدني الدولي؛ ذلك أنه يمكن أن يكون منظورًا وظيفيًّا Functional paradigm أو منظورًا بنيويًّا.Structural paradigm ففي المنظور الأول، تتَّسم المنظمات بكونها تحمل جزءًا من العبء عن الدولة عبر تقديم الرعاية للمحتاجين وإشباع حاجات خدماتية لفئات محددة، أو للمجتمع بوجهٍ عامٍّ. في المقابل برز المنظور البنيوي الذي يرتبط بدور "المنظمات غير الحكومية في المساهمة في عملية التحوُّل الاجتماعي والسياسي للمجتمع بوصفه أحد العوامل الأساسية في البناء الاجتماعي"54. ونستعير من هذا توصيفًا للمنظمات الدولية غير الحكومية؛ لتكون الفاعل أو الوسيط الاجتماعي agents Social القادر على التأثير في "العلاقات بين الأفراد والجماعات باتجاه رفع مستوى الوعي وزيادة المهارات السياسية والقدرات التفاوضية في مجال الحقّ العام"ّ55. لذا تندرج الشراكة، بين المجتمع المدني الدولي والحكومات، في إطار مفهوم الحكم الموسَّع، إذ إنّ مصطلح الشراكة يؤكِّد التكامل في الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية ومؤسّسات التمويل من أجل تحقيق التنمية المستدامة، كما يعكس الاعتراف العالمي بأهميته دور المجتمع المدني، وخصوصًا المنظمات غير الحكومية"56. وإنّ المجتمع المدني الدولي لا يعارض وجود العولمة، بل بعض أوجه إدارتها، مثل جعل التبادل الحرّ فوق قيم حقوق الإنسان سواء كانت اجتماعيةً، أو أيكولوجيةً، أو ثقافيةً.. إلخ.

نحو حاكميه عالمية تكرّس قانون ا عالميًّا

مع بروز ضرورة اندماج دولي مستدام، ينبغي توافر ثلاثة شروط، هي: إدراك الناس لمنافعه، واتفاق الدول على أهدافه والنظر إلى المؤسّسات التي تحكمه بالشرعية، على أنّ موضوع العولمة نفسه يواجه في البلدان الصناعية اعتراضاتٍ متزايدةً لم يعدْ من الممكن تجاهلها، أو التعامل معها باستخفاف، أو التقليل من شأنها؛ بخاصة بسبب انسداد الأفق في مفاوضات منظمة التجارة العالمية أكثر من عقدٍ من الزمن. إنّ أحد نماذج التفاوض الأكثر فعاليةً هو المتعلق ب "الأندية"57، ولكن هذ النموذج بات اليوم يؤخذ افتراضيًّا في شكله التقليدي على الأقل؛ فالبلدان النامية تطرح مسألة عدالة النظام الدولي، ومسألة القيادة (أي السلطة.) وإنّ عدم وجود إجراءات ضمان المساءلة الديمقراطية للمؤسّسات المتعدّدة الأطراف يدعو إلى التشكيك في شرعية القرارات. لقد انطلق كلّ من لامي ولايدي - بهدف طرح مشكلات الحاكمية - من تحليل العولمة التي يُنظر إليها على أنها أبعد من التحديات الاقتصادية، وأنها "واقع اجتماعيّ بأكمله"58 ينتج مواجهة التفضيلات الجماعية المعدودة من خصائص المجتمعات المختلفة. فالحاكمية العالمية هي التفضيل الجماعي الأول في أوروبا، ومحور المنطلقات التي تتحكم في إطار تطوير الحاكمية العالمية أربع حقائق59، هي: طبيعة الاندماج الدولي غير مكتملة. بروز عدم تجانس في التفضيلات الجماعية collectives.Préférences زيادة المشكلات العامَّة بالنسبة إلى الإنذارات المتعلقة بالبيئة العالمية. تسليط الضوء على بروز عناصر وعي مدني عالمي، يُعدُّ الحد من العولمة أحد مكوّناتها. انطلاقًا من هذا تظهر الحاجة إلى بعدين للانطلاق باقتصادٍ عالمي، هما الاندماج والتضامن الناتجين من المصير المشترك. وينطلق جون تيرولTirole Jean من أسس حكم المؤسّسات الدولية، مع تحديده

  1. United Nations Development Programme, Human development Report 2000 (Oxford: Oxford, 2000), p. 112.
  2. F. Hautart & F. Polet, L’Autre Davos: Mondialisation des resistances et des lutes (Paris: Harmattan, 1999), p. 123.
  3. ATTAC, Agir Local, penser Global  (Paris: Mille et une nuits , 2001) p. 27.
  4. World Bank Group ,Comprehensive Development Framework ,
  5. Jacquet, Ibid., p. 46. 58  Pascal Lamy & Zaki Laïdi , "La Gouvernance, ou Comment Donner Sens à la Globalisation", in, Jacquet, Ibid., pp. 196- 197. 59  Jacquet , Ibid., p. 51.
  6. DEVFORUN: Partnerships for Development: From Vision to Action, Partnerships in Development , viewed 15/2/2012, at:
  7. http://www.worldbank.org/hm/cd/0084.html

تخصصها من حيث أنّه محبذ، أو غير محبّذ60 من ناحية، ومن حيث تطلّبها رقابةً سياسيةً من ناحية أخرى. وفي ما يتعلق بالنقطة الأولى، فهو يؤكّد ضرورةً تفوق فوائد التخصص تكاليفه، وأنه ينبغي على كل مؤسّسة دولية معالجة فشل السوق الذي يجري تحديده. أمّا شارل ويبلوسز Charles Wyplosz  فيهتمّ على نحوٍ خاص بمسألة إعادة التوزيع الدولية. وينطلق من المقولة إنّ العولمة تولّد أرباحًا ما، ولكنها تؤدِّي، أيضًا، إلى رابحين وخاسرين61، على أنّ الخاسرين لا يجرى تعويضهم خسائرهم إلا في إطار وطني. وبالنسبة إلى باتريك غيومون Sylviane Patrick Guillaumont جينيني غيومون وسلفيان Guillaumont-Jeanneney، فقد اهتمَّ بوجهة نظر البلدان الأقل نموًّا، والتي تعاني دخلً منخفضًا وعوائقَ نموٍّ هيكليةٍ. لذا نجد فكرة "الحكومة العالمية"، المبنية على أساس الاقتباس على المستوى العام لنموذج حكومة الدول أو الولايات الفدرالية الديمقراطية، تتعثر في غياب مواطنية عالمية من شأنها أن تشكّل أساسًا لها. وأمّا النموذج الثاني التقليدي، أي التعاون المؤسسّي للدول، فيمكنه المطالبة بالقدرة التشغيلية. لكنه يعاني أوجه قصور عديدة؛ فهو لا يلائم معالجة المشكلات العالمية. وفي ما يتعلّق بالنماذج الثلاثة الناشئة، فإنها متمثّلة بشبكة مستقلة للسلطات d’autorités Réseau، indépendantes، والقانون من دون الدولة Le droit sans l'État.l’autorégulation privée62 والتنظيم الذاتي الخاص إنّ فكرة تأسيس الحكم العالمي شبكة سلطات مستقلة مبنيّة على تطوير الهيئات في المستوى الوطني ناجمة عن كونها منتدبة للعمل في مهمّة محددة. وهذه المؤسّسات تستمدّ شرعيتها من ولايتها، وفعاليتها من الوفاء بالتزاماتها وقدرتها على الحساب. أمَّا النموذج الثاني، أي" قانون من دون دولة"، فهو يتركَّز في قدرة القانون على إنتاج مجموعة من المعايير انطلاقًا من أساسٍ قانونيٍّ. وفي هذا الشأن لا بدّ من ذكر النموذج الثالث في التنظيم الذاتي الخاص الذي غالبًا ما يكون في القطاعات افتراضيًّا؛ لأنّ الأنظمة العامَّة غير موجودة. وبما أنّه لا تترتّب على أيِّ نموذج من هذه النماذج نتائج مرضية تمامًا، فقد اقترح كلّ من جاكي Jacquet، وبيزاني فيري Pisani-Ferry، ولورونس توبيانا Tubiana Laurence، التفكير في أولويات العمل الجماعي الدولي، انطلاقا من ستة مبادئ63، هي: التخصص، والمساءلة السياسية، والتوازن، والشفافية، والديمقراطية، والتبعية. وأمّا برنار غرلون Bernard Grelon فهو يدرس مسألة التسلسل الهرمي للمعايير. ويبدأ بتحليل ممارسة هيئة تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية في حالات الاختلاف بين قواعد التجارة الدولية وغيرها من مطالبة عالمية؛ من قبيل ما يتعلَّق بالبيئة. ويبين كلٌّ من توبيانا وجون ميشال سفرينو Severino Jean-Michel أنّ مفهوم المصلحة العامّة العالمي الذي يحتضن مفاهيم مثل السلام، والبيئة، والمعرفة، والحوادث النووية، سمح بإعادة إطلاق التفكير في التعاون الدولي، مع الإشارة إلى أنّ الأسواق لا تؤدِّي تلقائيًّا إلى إمدادات كافية من هذه السلع؛ ما يستدعي خلْق حوافز متناغمة مع الأهداف من خلال فرْض الضرائب، أو إنشاء سوق ملكية، أو وضع قواعد دولية ملزمة. أمَّا بشأن الاتفاقات الدولية، فقد أكّد كلّ من توبيانا وسفرينو دور شروط التفاوض، بما في ذلك أهمية أصحاب الشأن، والخبرة، والنزاهة64. ويؤكّد بواسيو Boissieu ضرورة اعتماد وجهة نظر دينامية بشأن قضايا الحكم وسدّ ما يسميه الفجوة الحرجة بين الاندماج القوي للأنظمة الإنتاجية والتكامل المحدود بالنسبة إلى السياسات، إذ إنّ هذه الفجوة تغذّي انعدام الاستقرار، ولا سيما الاستقرار المالي. ويؤكّد، أيضًا، ضرورة الاستفادة من "نافذة" 11 أيلول لاتخاذ إجراءات قوية ضدّ اللجنة الضرائبية. ويتبنى، فضلً عن ذلك، فكرة تخصص المنظمات الدولية، ويشير إلى نقيضها، وإلى عدم التخصص الذي عرفه كلّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مع نتيجة المنافسة المتزايدة بين المؤسّسات، والإضرار بالكفاءة65. هذا الواقع أفرز أربع أولويات، هي: إنشاء هيئة شرعية سياسية للحكم العالمي تحلّ مكان ال G7 في موضوع القيادة الشاملة. إعادة التوازن إلى الهيكل المؤسّساتي، عبر خلق المنظمة العالمية للبيئة في البداية، ثمّ مدّ المنظمات ال "ضعيفة" بوسائل قضائية على منوال جهاز تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية.

  1. J. Tirole, "La Gouvernance des Institutions Internationales", in Jacquet, Ibid., p. 291.
  2. 63  Ibid., p. 74. 64  Ibid., p. 491.
  3. Jacquet, Ibid., p. 69.
  4. 61  C. Wyplosz, "La Mondialisation: l’Economie en Avance sur les
  5. Institutions", in Jacquet , Ibid., p. 301.
  6. Ibid., p. 122.

إشراك المجتمع المدني عبر تسهيل حصوله على المعلومات وتطوير الرقابة على المؤسّ سات المتعدّدة الأطراف. دمج البلدان الفقيرة من خلال اتفاق التنمية عبر الجمع بين الانفتاح التجاري، والتركيز على التنمية في المفاوضات. من ناحية أخرى، يقوم اقتراح جان آرت شولت Scholte Aart Jan على تحليل مشاركة المجتمع المدني في الحاكمية العالمية، وهي في نظره لا تقتصر على المنظمات المتخصصة، بل تشمل مجموعة واسعةً ومتنوعةً من الجهات الفاعلة التي لا تتوخى الربح. وبما أن مشاركة المجتمع المدني في الحاكمية العالمية ظاهرة دائمة بالنسبة إليه، فقد وضع شولت بعض الاقتراحات العملية لتنظيمها، وهي ترتكز على أفكار الشفافية والحوار66. أمَّا كريستيان شفانيو Chavagneux Christian فهو يقدّم وجهة نظر مختلفة انطلاقًا من تحليل دور الجهات الفاعلة غير الحكومية في إدارة الشؤون العالمية. وخلافًا لشولت ، لا تهمُّه الجهات الفاعلة التي لا تتوخى الربح، بل أولئك الذين يدافعون عن المصالح القطاعية أو الفردية، بغضّ النظر عن الاعتراف الرسميّ بسلطتهم أو عدمه، وبغضّ النظر عن كون هذه السلطة مشروعةً أو غير مشروعة67. وفي المقابل ساهم كلّ من دومينيك بيرو Dominique Bureau، وماري كلاردافو Marie-Claire Daveu، وسيلفيان غستالدو في تسليط الضوء على قضايا الحاكمية العالميةSylviane Gastaldo في مجال البيئة ودراستها؛ إذ استعرضوا التحديات، ووضعوا جدول انتقاديًّا للاتفاقات البيئية المتعدّدة الأطراف التي انتشرت من دون تنسيق وهيكلة، والتي لا تتضمَّن نظام رقابة لضمان إجراء الالتزامات. في هذا السياق، يكون خلْق منظمة عالمية للبيئة أمرًا مرغوبًا فيه؛ لأنه يضمن قدرًا كبيرًا من الاتساق68. وإذا انتقلنا إلى النظام الاقتصادي، وجدنا تعدّدًا في المشاريع والاقتراحات التي تناولت إصلاح النظام العالمي الاقتصادي؛ من قبيل إنشاء مجلس أمن اقتصادي، واقتراح "لجنة ملتزر"، والعودة إلى نظام بريتون وودز، أو نظام سوروس البديل. وبعدما تبيّ لنا سوء الإدارة الدولية الاقتصادية في الكثير من الميادين، وأنّها أدّت إلى انحراف العولمة، اقترحت "اللجنة حول التنظيم العالمي" إنشاء مجلس أمن اقتصادي ESC، يكون له وضع قانوني في هرمية الأمم المتحدة. لكنّ هذا الاقتراح لم يَلْقَ من الدول المتقدمة، ومن الدول النامية، دعمً. وانطلاقًا من هذا الرفض، برزت عدّة دراسات وتقارير، كتقرير اللجنة الاستشارية للمؤسّسة المالية الدولية المعروف "بتقرير ملتزر" الذي أطلق انتقادًا شديدًا لأداء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وينطلق انتقاد هذا التقرير من عدّة ملاحظات، ليضع استنتاجاته في ما بعد؛ فعوضًا من تقرير النمو الاقتصادي، فإنّ صندوق النقد الدولي يضع الركود الاقتصادي في إطار مؤسّساتي. كما أنّ البنك الدولي، بدلً من أن يكون دوره محوريًّا، لا يُعنى بهدف إزالة الفقر العالمي. وتقترح اللجنة تحويل البنك الدولي إلى سلطة إنمائية عالمية تعطي حصرًا مِنحًا ماليةً ومساعداتٍ تقنيةً، ومن ثمَّة تحوّل برامج قروض البنك إلى البنوك الإنمائية الإقليمية.

ويبقى ما اقترحته اللجنة بحصرية تأمين السيولة النقدية للبلدان التي تُجيز حرِّية الدخول والتشغيل للمؤسّ سات المالية الأجنبية"؛ بحجة مساهمته في استقرار النظام المالي المحلي وتطويره. وهذا ما لقيَ معارضةً دوليةً شديدةً، على أنّ هذا النوع من التدبير يقود إلى تبيان سعي هذه المدرسة لإصلاح المؤسّسات الدولية بموازاة مصداقية أكبر وشفافية أكثر، ودور أقوى لحكومات البلدان النامية في صوْغ القرار، وفي تخفيف الضغوط الموجهة نحو اعتماد التبادل التجاري الحرّ وتحررية حسابات رأس المال. في المقابل ينتقد سورس Soros G. النظام المالي والعالمي، وخصوصًا صيغة "أصولية السوق"، ويركّز في كتابه "حول العولمة" على نقد عميق للنظام الحالي للحكم الاقتصادي العالمي، ويطرح خطة لإصلاح منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، ونظام المنح الدولي. وإذ يقرّ سوروس بأنّ أداء البنك الدولي اتجه نحو الأسوأ، وبأنّ البيروقراطية أصبحت أكثر رسوخًا، فهو يرى أنّ الإبقاء على

  1. Jan Aart Scholte, "Société Civile et Gouvernance Mondiale", in Jacquet, Ibid., p. 224
  2. Jacquet, Ibid., p. 490.
  3. D. Bureau & M- C. Daveu & S. Gastaldo, "Gouvernance Mondiale et Environnement", in Jacquet, Ibid., p. 455.

هذا البنك ليس سوى تدبير موقَّت لصدّ هجوم جناح اليمين على الإعانات المتعدّدة الأطراف، ريثما يجرى وضْ ع آلية لإصدار حقوق سحب خاصة SDR، عبر صندوق النقد الدولي والبلدان الغنية، تمنح بموجبها صندوقًا إنمائيًّا حصصَها. استنادًا إلى كلّ ما ورد، لا تقتصر التحديات على مجال معيّ، بخاصة في ظلّ ترابط الميادين كلّها بعضها ببعض، فالاقتصاد يقترن بالتنمية التي ترتبط بالبيئة، والتي ترتبط هي نفسها بالإنسان والتنمية المستدامة. وانطلاقًا من هذا الترابط، يتركّز الاهتمام الدولي الآن في عولمة ذات وجه إنساني يكون فيها الاقتصاد بيئيًّا واجتماعيًّا. وإنّ مواجهة هذه التحديات يكون في إعادة هيكلة الاقتصاد على نحوٍ يجري فيه احترام التوازن البيئي ويضمن، في الوقت نفسه، قيام تنمية مستدامة. وهذه التنمية تستوجب إعادة هيكلة نظام الطاقة، وحركة السلع، ونظام الإعلام. من ثمَّة يتطلّب التحدي البيئي تنمية النظريات ذات البعد الكوني والأخلاقي في إطار المسؤولية المشتركة على المستوى العالمي الكوني. بناءً على ذلك تكون المشكلات في العالم الشامل Globalised؛ أي المعولم، مثلما يذهب إلى ذلك جاك دو لاروزيار Jacques Larosière de، مُعولمةً أيضًا؛ ومن ثمَّة يتطلب هذا العالم قواعد ومراقبةً فعالةً تُطبَّق على الأقوياء والضعفاء على حدٍّ سواء69، وهذا يستوجب قانونًا معولمًا. وإنّ الحاجة ضرورية، أيضًا، إلى قانون يشمل حمايةً كونيةً للأفراد، ومن أمثلة ذلك اقتراح ميراي دلماس مارتي Delmas- Mireille Marty المتعلّق بعولمة الاقتصاد، أو شموليته Globalization، وكونية حقوق الإنسان70Universalisation. ويحمل هذا الاقتراح الإجابة الواضحة عن السؤال المطروح، ويفضي بنا إلى دور القانون الدولي في حماية الأفراد، بخاصة بعد تقدّم القانون الدولي الإنساني، ودخول المعيارية الدولية في التبني الواسع للإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة .1948 وكانت ترجمة هذا التوجّه عبر اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي أقرّت ملاحقة المرتكبين، حتى رؤساء الدول، بسبب خرْق فاضح لحقوق الإنسان في إطار المسؤولية الجنائية الدولية، وهذا ما يبرّر الحاجة إلى قانون دولي معولم، أو عولمة القانون الجنائي لحماية الأفراد. فكان بروتوكول روما عام 1998 وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المجرمين من دون أن تُؤخذ في الحسبان أي حصانة في جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان. وهنا تُطرح الإِشكالية المتعلِّقة بالطريقة المثلى لتحقيق القانون العالمي أو المعولم. وبحسب ستيرن Stern، تكون هذه الطريقة بالتركيز على ضرورة اتفاق الدول مع مساهمة مجموعة الفاعلين الدوليين للوصول إلى قانون دولي مصنوع من كلّ لاعبي العولمة. وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، إجراءً معولمًا لقانون دولي حقًّا، وهو ما يصطدم بإشكالية المواءمة بين الاقتصاد وبين فلك القيم غير الاقتصادية. هذا هو فلك التحدّي الذي، إن تمكّن العالم من تحصيله، تكوَّن قانون عالمي. ولكنّ الصراع، كما يشرح غيوم سفرانSevrin Guillaume وكلود غوتييه Claude Goutier العلاقة بين العولمة والقانون الدولي العامّ، هو بين واقعية قانونية وواقعية سياسية، إضافةً إلى تجزُّؤ القانون الدولي الذي يرجعه بيار ماري ديبوي Pierre-Marie Dupu، إلى توسيع النطاق المادي للقانون الدولي، وكثافة الأطراف الفاعلة، وخصوصًا في مجالات حقوق الإنسان، والقانون الاقتصادي، والقانون التجاري الدولي، والقانون البيئي الدولي71. ويندرج في هذا السياق ما يعتقده كلّ من سرجيو ساليناس ألسيجا Sergio Salinas Alcega وكارمن تيرادو روبلز Carmen Tirado Robles بشأن إرجاع سبب التجزُّؤ إلى اتساع نطاق المسائل التي ينظمها القانون الدولي، وإلى المأسسة التدريجية للمجتمع الدولي، ووجود أنظمة متوازية72.

خاتمة

"المدينة العالمية"، و"القرية العالمية للطاقة"، وغير ذلك من الأسماء المتضمِّنة صفة "العالمية"، جعلتنا نستغرب ونسأل عن دلالات هذه التسميات التي لا تنفك تظهر أمامك خلال تنقُّلك في أرجاء الدول

  1. Jacques De Larosière, "Implications de la Mondialisation", in Rapport moral sur l'argent dans le monde 1997, l'éthique financière face à la mondialisation (Paris: Montchrestien, 1997), p. 36.
  2. M. Delmas- Marty, Trois Défis pour un Droit Mondial  (Paris: Seuil, 1998), pp. 14- 15.
  3. P. M. Dupuy, "The danger of Fragmentation or Unification of the International Legal System and the International Court of Justice", International Law and Politics , vol. 31, no. 79 (1999), p. 791.

الخليجية، لكنّ العولمة التي تُلقي بظلالها على العالم وتشكّل نظامًا عالميًّا جديدًا في طور النشوء، دونه صعوبات وتحدّيات، جعلتنا ندرك أهمية هذه التسميات ودلالاتها، فبطل عجبنا. على أنّ تحديات العولمة باتت تواجه العالم أجمع، وفرضت نفسها بقوَّة لتشكِّل ما يسمّى الهموم أو المشكلات الدولية المشتركة، حتى باتت أولويةً في جوهر الدبلوماسية الحديثة التي أبرزت المنظمات الحكومية وغير الحكومية بمنزلة لاعب أساسي فيها، في إطار المعيارية، تبعًا لمفاهيم ونظريات جزئية أساسية؛ كالوظيفية، والوظيفية الجديدة. إنّ التوجه العامّ يصبّ يومًا بعد يوم في تكريس واقعٍ يحترم حقوق الإنسان ويُذعن لآليات احترامها؛ ما شكّل إرثًا عالميًّا يقع على عاتق الجميع في العالم، ولا يجوز لأحد التفريط فيه. فالمسؤولية مشتركة، والتقيّد بضمان احترامها واجب يتخطّى حدود الدول وسيادتها. ونعيد ما قالته الشيخة هيا راشد آل خليفة74، بوصفه خيرًا معبرًّا عن انطلاق الإستراتيجية العالمية في إطارها القانوني الشامل: "إنّ موافقة 112 دولةً من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على القرار المتعلق بإستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب وعلى خطة العمل المرفقة به هو شاهد عامّ على أننا، أي الأمم المتحدة، سنتصدّى للإرهاب تصديًا مباشرًا وعلى أنّ الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، أيًّا كان من يرتكبه، وأينما حدث ولأيّ أغراض، يجب إدانته ولن يكون موضع تسامح." وإنّ احترام حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب باتَا مُعولمين، مُشكّلي جزءًا من قانون عالمي ذي وجهٍ إنساني حضاري، يستكمله إيجاد وسائل ضغط فعالة، كالعقوبات الاقتصادية الدولية التي يجب أن تتوجه إلى الحكام من دون الشعوب75، والوسائل القضائية الملائمة انطلاقًا من المحاكم الدولية الخاصة التي تطورت في اتجاه تشكيل محكمة جنائية دولية ذات مهمّ ت وصلاحيات شاملة لأوّل مرَّة في التاريخ. ثم إنّ التوجّه العامّ العالمي نحو المأسسة العالمية التدريجية للواقع الدولي يدفع نحو تخطي الحواجز والتحدّيات الجمّة التي تعترضه. ومن ثمَّة نستنتج أنّ القانون الدولي العامّ خطَا خطوةً جبارةً في تطوير آليات عمله القضائي، على أن تُستكمل هذه الخطوة بجملة مساع وجهدٍ، تجعل منها واقعًا لا يمكن تخطيه، بل تجعله أمرًا مركونًا إليه في كلّ حين. ويصحُّ هذا المنطق بالنسبة إلى القانون البيئي العالمي الذي بدأ يفرض نفسه على الساحة العالمية، بالنظر إلى ما يشكّله من همٍّ عالمي مشترك ضاغطٍ تجاه إيجاد الحلّ وتنفيذه حتى تتحقَّق المصلحة العالمية العامَّة. هذا الحلّ يتوسّل بآليات دولية تشكّل قانونًا بيئيًّا شاملً، يحدّد واجبات الدول ومسؤولياتها من حيث مساهماتها في حماية البيئة من التلوث وحفظها، بالنظر إلى ما تشكّله من إرثٍ عالميٍ مشتركٍ. وفي هذا السياق، أظهر البحث المتعلّق بالحاكمية العالمية ضرورة توافر شرط أساسي للقول بها، ألا وهو: المجتمع المدني الدولي الذي يُعد الرافعة الأساسية للنهوض بتقويم العولمة، والسير بها نحو حاكمية عالمية قادرة على الردّ على كلّ التحديات التي تطرحها العولمة. وإنّ هذه الحاكمية تعيش في صراع معياريّ بين الواقعية السياسية والواقعية القانونية. وآنئذٍ تبرز أهمية التطور الحاصل في مفاهيم العلاقات الدولية؛ ما ينعكس تدريجيًّا على قواعد القانون الدولي العامّ، ويؤدِّي إلى السعي لبلورة قانون عالمي، أو قانون دولي معولم، حتى يواكب نشوء الحاكمية العالمية. وقد قطع هذا القانون شوطًا كبيرًا في الكثير من الفروع والمجالات، ولكن دونه صعوبات في مجالات أخرى؛ منها تجزُّؤ القانون الممكن معالجته من خلال الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية من جهة، ولجنة القانون الدولي من جهة أخرى. فبالنسبة إلى الأولى، يبرز اقتراح رئيس محكمة العدل الدولية القاضي "شوبيل" الذي يتضمَّن تمكين المحاكم الدولية من أن تطلب فتاوى من محكمة العدل الدولية بشأن قضايا القانون الدولي التي تنشَأ في دعاوى معروضة على هذه المحاكم، والتي تتعلق بوحدة هذا القانون؛ بهدف تقليل التفسيرات المعارضة له إلى أدنى حدٍّ ممكن. وتُخوَّل هذه المحكمة سلطة رصدٍ لضمان اتساق النظام القانوني الدولي وتجانسه. غير أنّ هذه السلطة مازالت خارج اختصاصها. وأمّا بالنسبة إلى لجنة القانون الدولي، فيمكن أن يأخذ نشاطها ثلاثة أشكال منفردة أو مجتمعة؛ مثل وضع التقارير، وتجميع المواد، ووضع مقترحات لآلية عمل اللجنة عمليًّا، على أنّ الأهمّ يبقى متمثّلً بالتوجه الدولي العامّ وجهده الهادف إلى إرسائه هذا القانون وتكريسه، بدعم من المجتمع المدني الدولي، وهو مسار لا شك في أنّه طويل وشاقّ، لكنّه ليس بمستحيل.