فرص نجاح الحوار الوطني السوداني وتحدّياته
الملخّص
تناقش هذه الورقة الدعوة التي تقدّم بها الرئيس البشير للحوار الوطني. وتستعرض الظروف التي أدّت إلى أن يطرح الرئيس عمر البشير دعوة للحوار الوطني ولأوّل مرة بعد ما يقارب خمسة وعشرين عامًا من الحكم منفردًا. كما تناقش أصالة هذه الدعوة وجدّيتها، وموقف القوى المختلفة منها. وتتناول الورقة أيض ا التحدّيات التي يمكن أن تعترض نجاح هذه الدعوة إلى الحوار، ومدى التنازلات التي ينبغي أن يقدّمها الرئيس البشير وحزبه الحاكم حة من أجل إنجاحها، ومدى المرونة التي ينبغي أن تبديها المعارضة المدنية منها والمسل، حتى لا تضيع هذه الفرصة التي يبدو أن ها الأخيرة، قبل أن تنزلق البلاد برمّتها إلى مستنقع الفوضى. إضافة إلى أنّها تناقش التقاطعات الإقليمية والدولية مع الحالة السودانية م القائمة الراهنة، وتأثيراتها السلبية والإيجابية في فرص خروج السودان من حالة التأز.
مقدمة
ما من شكّ في أنّ الدعوة للحوار الوطني التي أطلقها الرئيس السوداني عمر البشير في السابع والعشرين من كانون الثاني / يناير 2014، جاءت، بغضّ النظر عن صدقيتها وجدّيتها، في وقتها تمامًا؛ فالأزمة السودانية وصلت درجة من الخطورة أصبحت تهدّد كيان البلد نفسه؛ إذ إن انفصال الجنوب لم يَقد إلى وقف الحرب التي استمرّت لعقود طويلة، وإنّ ا خلق جنوبًا جديدًا في ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق؛ فأصبح الصراع المسلّح أكثر قربًا من مركز الدولة السودانية. يضاف إلى ذلك أنّ الحرب التي ظلّت دائرة في دارفور بقيت مستمرّة، على الرغم من الاتفاقيات التي أُبرمت مع بعض الفصائل؛ إذ اتّضح أنّ الفصائل التي وقّعت اتفاقيات مع الحكومة لم تكن تمثّل، لا الثقل العسكري، ولا الثقل السياسي، وسط الحركات الدارفورية. وتحوّل انفصال الجنوب إلى حربٍ على الحدود وإلى حالة توتّرٍ مستمرة مع جمهورية جنوب السودان الوليدة. كما تحوّل أيضًا إلى حربٍ على مورد النفط الذي ذهب ثلثاه إلى دولة الجنوب. حاولت حكومة الخرطوم فرض رسوم عبور على نفط الجنوب لتعويض الفجوة الكبيرة جدًّا التي أحدثها فقدان ثلثي كمية النفط المنتج. ولم تقبل حكومة الجنوب المقدار الذي طلبته حكومة الخرطوم، ما أدّى إلى إغلاق الخطّ الناقل لفترة طويلة. وقد أثّر ذلك سلبيًّا، في اقتصاد البلدين تأثيرًا بالغًا، ما اضطرّ البلدين لعقد اتفاق واستئناف ضخّ النفط. ولكن، بعد فترةٍ قليلة من توصّل الطرفين إلى اتّفاق بخصوص رسوم العبور، نشب نزاعٌ مسلّح في العاصمة الجنوبية جوبا، في كانون الأول / ديسمبر 2013، بين حكومة الرئيس سلفا كير ونائبه ريك مشار، على إثر اتّهام الأوّل الثاني بالقيام بمحاولة انقلابية. ودخل الجنوب منذ تلك اللحظة في حرب أهلية طاحنة مات فيها ما يقدّر بمئات الألوف، وتشرّد بسببها أكثر من مليون شخص. ولا تزال رحى تلك الحرب الأهلية الشرسة دائرة. وقد وصلت مؤخرًا إلى تخوم حقول النفط. بهذا يصبح الوضع الاقتصادي والأمني المتأزّم أصلً في جمهورية السودان، نتيجة لانفصال الجنوب، عرضةً لمزيد من التأزّم. على إثر تعقّد الوضع الأمني والاقتصادي في جمهورية السودان، أخذت القوى السياسية المعارضة والحركات المسلّحة تدعو، وبإلحاح، إلى أن يفكّك نظام الفريق البشير نفسه، ويشرع في تشكيل حكومة قومية تدير فترة انتقالية تؤدّي إلى انتخابات شفّافة مراقبة من المجتمع الدولي. وتقول القوى المعارضة إنّ النظام الذي حكم على مدى ربع قرنٍ من الزمان جعل أزمات السودان تتعمّق أكثر فأكثر؛ ما أوصل الاقتصاد إلى شفير الانهيار التامّ، ووحدة ما تبقّى من التراب السوداني إلى التفتيت. لكن حكومة الرئيس البشير ظلّت في حالة مستمرة من الإنكار. مؤخّرًا، بلغ الإحساس بالخطر مبلغًا لم يعد معه الإنكار ممكنًا؛ فالكارثة الوشيكة أخذت تدقّ بالفعل الأبواب، وأصبحت الحاجة إلى وحدة الصفّ الوطني السوداني مسألةً بالغة الإلحاح. قبل عامٍ أو يزيد، بدأت الأنباء تتسرّب بأنّ الرئيس البشير في طريقه إلى إحداث نقلةٍ غير مسبوقة في نظام حكمه، خاصة حين رشحت الأنباء بأنه لن يترشح للانتخابات المقرّر لها أن تجري في عام12015. وتردّد أنّه سيطلق يد الأحزاب السياسية، وأنّه بصدد تشكيل حكومة قومية تدير البلاد موقّتًا وتشرف على الانتخابات. غير أنّ بعض قياديّي حزب الرئيس البشير أخذوا يصرّحون أن لا تفكير إطلاقًا في حكومة قومية. وظلّت الأمور في نطاق التكهّنات، وعامة الجمهور بين اليأس والرجاء.
زاد سقف التوقّعات لدى القوى السياسية وعامة الجمهور، بعد أن أعلن الرئيس البشير تعديلاتٍ في المناصب السيادية والتنفيذية، أُعفي بموجبها، كلّ من علي عثمان محمد طه، الذي كلن يشغل منصب النائب الأوّل لرئيس الجمهورية، والحاج آدم يوسف، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، إضافةً إلى مساعد رئيس الجمهورية نافع علي نافع2. وشمل الإعفاء أيضًا بعض الوزراء الذين عُرفوا بالحظوة لدى الرئيس البشير، وبقوّة النفوذ، مثال؛ عوض الجاز، وأسامة عبد الله، وكمال عبد اللطيف. لقد أنعشت هذه التغييرات الأمل وسط قطاعٍ عريضٍ من السودانيين، بأنّ النظام ربما أصبح في
طريقه لتغيير جلده؛ ليصبح أكثر مرونةً وانفتاحًا لحوارٍ شفّافٍ مع قوى المعارضة. في السابع والعشرين من كانون الثاني / يناير 2014، دعا الرئيس عمر البشير رؤساء الأحزاب والشخصيات الوطنية إلى قاعة الصداقة في الخرطوم حيث ألقى خطابًا استمع له كلّ السودانيين عبر أجهزة التلفزيون باهتمام شديد. كان الخطاب عامًّا، ولم يحتو على شيء واضحٍ ينمّ عن اتجاه إلى التغيير، أو أيّ خطوات، أو خريطة طريق للخروج من الأزمة المستحكمة. أصاب الخطاب الجمهور بخيبة أمل كبيرة، ما حدا بإبراهيم غندور، مساعد رئيس الجمهورية إلى القول إنّ هذا الخطاب تمهيدي وسيلقي الرئيس البشير خطابًا ثانيًا3. عقب الخطاب مباشرةً، أوردت وكالة السودان للأنباء الحكومية "سونا"، تصريحًا للدكتور حسن الترابي الذي حضر الخطاب، جاء فيه قوله، إنّ الخطاب "لم يقدّم تشخيصًا للمشكلات والأزمات التي يتعرّض لها الوطن أو تقديم حلولٍ جوهرية"، مضيفًا أنّ "لغة الخطاب كانت عامةً، لم تنزل لمعالجة المشاكل." وأنّ "عبارات الخطاب مثّلت تحية أكثر من طرحِ حلولٍ لمعالجة مشاكل السودان." وختم الترابي تصريحه بقوله إنّ الخطاب، "أغفل الحديث عن بسط الحريات العامة، أو حتى تلبية طموح وأشواق قطاعات الشعب السوداني التي عكستها الصحف السودانية الصادرة اليوم، وهي تحلّل وتتنبّأ بما قد يحمله خطاب الرئيس للأمّة"4. كان حضور الدكتور حسن الترابي الأمين العام للمؤتمر الشعبي ذلك اللقاء، بعد قطيعة مع الرئيس البشير استمرّت لخمسة عشر عامًا، أكثر الأمور لفتًا لنظر السودانيين ووسائل الإعلام السودانية والإقليمية والدولية. وفهم السودانيون بمختلف توجّهاتهم من حضور الدكتور الترابي اللقاء أنّ هناك لقاءتٍ سبقته، أو أنّ هناك تسريبات وصلت إلى حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده حسن الترابي بأنّ هناك محاولة للمّ شمل الإسلاميين، لمواجهة الظرف الحرج الذي أصبح يلفّ البلاد المهدّدة بالانهيار الاقتصادي والتفتيت. ومن ناحية أخرى، فإن استحكام الأزمة قد أخذ يهدّد استمرارية حكم الإسلاميين في السودان، بخاصة بعد أن فشت الانقسامات وسط العسكريين والمدنيين منهم؛ فلقد شهد العامان 2012 و 2013 ململةً وحالة اضطرابٍ وانقسامات عديدة وعميقة. شملت حالة التململ تلك عسكريين بارزين كانوا ركائز داعمة للنظام، ولكنهم أصبحوا ينادون بالإصلاح بعد أن ضاقوا بما شاع عن تفشّ الفساد وسط رموز الحكم، وهو حكم أسهموا في تأسيسه وعملوا بقوّة للدفاع عنه. كما شملت حالة التململ والميل إلى الانقسام مدنيين أيضًا، يُعدُّون من خيرة مثقفي الإسلاميين الذين أصبحوا غير قادرين على الدفاع عن النظام وسياساته، فأخذوا يغرّدون خارج سرب الحركة الإسلامية، وخارج سرب المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم في البلاد.
انقلاب عسكري من داخل النظام
أصدر الرئيس عمر البشير، في آب / أغسطس 2009، مرسومًا جمهوريًا بإعفاء الفريق أوّل مهندس صلاح عبد الله الذي اشتهر باسم "صلاح قوش" من منصبه مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وتعيينه مستشارًا أمنيًّا لرئيس الجمهورية. كما أصدر مرسومًا بتعيين الفريق محمد عطا المولى مديرًا للجهاز مكان الفريق صلاح قوش5. وفي خطوةٍ ثانية، أعفى الرئيس البشير في 26 نيسان / أبريل 2011، الفريق صلاح عبد الله قوش من منصبه الجديد كمستشار أمني لرئيس الجمهورية6. وقد حدث الإعفاء الثاني بعد سنة وثمانية أشهر فقط من التعيين الجديد، ولم يَرد في قرار الإعفاء ذكرٌ للأسباب. غير أن أنباء تسرّبت أنّ شريطًا مسجّلً جرى تقديمه للرئيس البشير تضمّن مادةً أثارت مخاوفه من مستشاره الأمني. ورشّحت تكهناتٌ وقتها أن إبعاد قوش عن رئاسة جهاز الأمن والمخابرات الوطني وقفت وراءه صراعات على خلافة البشير، بين النائب الأوّل السابق علي عثمان محمد طه، والأمين العام للمؤتمر الوطني نافع علي نافع. عاد اسم الفريق صلاح قوش مرةً أخرى إلى الواجهات الإعلامية حين جرى اعتقاله، وبصورةٍ مفاجئة، في تشرين الثاني / نوفمبر 2012،
بتهمة إعداده مخطّطًا لمحاولة انقلابية بالتنسيق مع مجموعة من ضباط القوات المسلحة ممّن يُعرفون بانتهاجهم خطًّا متشددًا داخل قوى النظام الحاكم. وهم ضباط دعموا نظام الفريق البشير، وقاتلوا حركات التمرّد المسلّحة من أجل توطيد نظام الإسلاميين؛ مثال الفريق محمد عبد الجليل إبراهيم. غير أنّ هؤلاء الضباط، كما عبّ وا هم أنفسهم، أحسّوا أنّ المشروع الذي قاتلوا من أجله، بوصفه مشروعًا إسلاميًّا، أصبح غارقًا في العجز والفساد7. جرى إيداع الفريق قوش ومجموعة الضباط الذين قيل إنّهم خطّطوا لانقلاب عسكري، بقيادة محمد عبد الجليل إبراهيم، السجون في انتظار محاكمتهم. في السابع من نيسان / أبريل 2013، أصدرت المحكمة العسكرية في الخرطوم أحكامًا مخفّفة بحقّ المتّهمين في تلك المحاولة الانقلابية التي جرت في تشرين الثاني / نوفمبر 2012. وقد تراوحت الأحكام بين مدد كان أقصاها السجن خمس سنوات والطرد من الخدمة8. أمّا الفريق قوش الذي تأجّلت محاكمته وجرت في وقت لاحق، فقد، فأ أصدر الرئيس البشير عفوا رئاسيًّا عنه في تموز / يوليو 2013 طلق سراحه9. وقد دلّ الإعفاء الذي جرى تبريره بأنّ لهؤلاء الانقلابيين أياديَ بيضاء ومجاهدات في تثبيت نظام الحكم، على ضعف النظام وخشيته من العسكريين المتشددين وشعبيتهم الكبيرة وسط قطاع مؤثّر من الجيش والمليشيات الداعمة له. كما ردّدت وسائط النشر الإلكترونية، بناءً على مصدرٍ أمني طلب حجب اسمه، أنّ الفريق صلاح عبد الله قوش رئيس جهاز المخابرات السابق المتّهم أيضًا في المحاولة الانقلابية، قد ظلّ يحتفظ بوثائق مهمّة خارج السودان، وأنّه لوّح بأنّ هناك من سيقوم بنشرها إن هو تعرّض لأذى10.
انقسام المثقفين الإسلاميين
كما سلفت الإشارة، لم تقتصر الانقسامات وحالة التململ على العسكريين من الإسلاميين الذين ظلّوا حتى وقتٍ قريبٍ جزءًا لا يتجزّأ من نظام الحكم، وإنّ ا شملت الانقسامات القيادات المدنية أيضًا. كان أكبر انقسامٍ في الحركة الإسلامية السودانية، ما جرى في، وأ عام 1999 بعد على إثره الدكتور حسن الترابي، الزعيم التاريخي للحركة الإسلامية السودانية، من معادلة الحكم في السودان، في ما عُرف ب "المفاصلة." ومنذ إبعاده عن السلطة وقف الدكتور حسن الترابي موقف المعارض للنظام. أخذ الترابي يتبنّى توجّهًا ديمقراطيًّا تعدديًّا يدعو إلى كفالة الحريات العامة، ورفع الرقابة عن العمل الصحفي. كما أصبح جزءًا من الكيان المعارض نظام الرئيس البشير الذي تشكّل من طيفٍ واسع جدًّا ضمّ حزب الأمة القومي، واليساريين من شيوعيين وبعثيين وناصريين، وقوى شبابية مختلفة. وفي الفترة الأخيرة، حدث تقاربٌ كبير بين هذا التجمّع العريض وحركات الهامش المسلّحة التي تنضوي تحت راية الجبهة الثورية. وعقب المفاصلة، تعرّض الترابي للسجن مراتٍ عديدة؛ بسبب خطّه المعارض بشدة نظام الحكم، وتصريحاته الناقدة له، ودعواته المتكررة للثورة عليه وإطاحته11. بمرور الزمن واتّساع المعارف، ونضج التجربة السياسية، مع إخفاقات تجربة الحكم، باعد تلاميذ الترابي الذين تلقّوا تعليمً غربيًّا جيدًا، ممّن عُرفوا بسعة الثقافة والاعتدال الفكري، بين أنفسهم وبين المؤتمر الوطني الحاكم. كما احتفظوا بالمسافة نفسها من معسكر حسن الترابي. اتّجه هؤلاء الإسلاميون إلى تشكيل تنظيمين رئيسين؛ تبنّى أحدهما شعار الإصلاح. وقد رأس هذا التيّار غازي صلاح الدين، المستشار السابق للرئيس عمر البشير، تدعمه جماعة "سائحون" المتمثلة في العسكريين ومجاهدي ميليشيات الإسلاميين الداعمة للجيش. وانتهج التيار الآخر نهج المعارضة الجذرية للنظام، ولكن
في شكل حركة فكرية، موضّ حين في البيان التأسيسي أنّ "الحركة الوطنية للتغيير" لم تتحوّل بعد إلى حزب سياسي12. تضمّ هذه الحركة إسلاميين بارزين مثال الطيب زين العابدين، وعبد الوهاب الأفندي، وحسن مكي، والتجاني عبد القادر، ومحمد محجوب هارون، وخالد التجاني النور، وغيرهم من مثقفي الإسلاميين البارزين. وقد فضّ ل هؤلاء، كما سلفت الإشارة، العمل بمفردهم بعيدًا عن المؤتمر الوطني، وعن حسن الترابي، وعن قوى المعارضة. والأرجح أنّ تلاميذ الترابي بشقّيهم الإصلاحي والمعارض، اختاروا الابتعاد عنه، بسبب براغماتيته المفرطة13.
لا يبدو أنّ خروج هذه المجموعات المنشقّة من المثقفين الإسلاميين على المؤتمر الوطني بقيادة الرئيس البشير، وعلى المؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، سوف يؤثّر في النظام الحاكم، بخاصة بعد التقارب الذي حدث مؤخّرًا بين البشير والترابي. فإن توحّد البشير والترابي مرة أخرى، وهو ما تشير إليه كلّ الدلائل، فإنّ وحدتهما سوف تمكّنهما من الإمساك بالسلطة، على الأقلّ في المدى الزمني المنظور. لكن، ما من شكّ في أنّ كلّ تلك الانشقاقات وسط الإسلاميين قد أحدثت هزّة معنوية كبيرة داخل النظام الحاكم. ولربّ ا تكون هذه الانقسامات وسط العسكريين والمدنيين من الإسلاميين، من العوامل التي جعلت الرئيس البشير يبادر بطرح مبادرة الحوار الوطني أمام القوى الحزبية المعارضة؛ فإستراتيجيو النظام ليسوا غافلين عن إمكانية أن يتخلق تجمُّعٌ معارض عريض، يضمّ مثقفين إسلاميين بارزين، كانوا لفترة جزءًا من النظام الحاكم، ومثقفين من الطيف السياسي المعارض بما في ذلك اليساريين. وقد حذّر حزب الترابي بالفعل في الأيام القليلة الماضية ممّ أسماه "اصطفافًا علمانيًّا إسلاميًّا"14. ويمثّل تحذير الترابي هذا ا على أنّ تحالف الترابي مؤشّ - البشير الجديد لن يتّسع صدره كثيرًا لمعارضة أن تكون طبيعة الدولة السودانية دينية. والشاهد أنّ انقسامات الإسلاميين التي حدثت في صفوف العسكريين والمدنيين من الإسلاميين، فتَّت في عضد النظام، وجعلته أكثر حاجة واستعدادًا لعمل شيء يعينه على مواجهة حالة ال دررّي الأمني والاقتصادي الحادّة التي أعقبت انفصال الجنوب. وهي حالة جاوزت مرحلة التأزّم، لتصل إلى مرحلة الكارثة الوطنية الشاملة الماحقة. وربّ ا أحسّت قوى الإسلاميين في الإقليم أيضًا بالمخاوف ذاتها التي أصبحت تزعج البشير والترابي؛ ما جعلها تشجّعهم وتدفع بهم إلى التقارب. يرى صفوت فانوس أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، إنّ الجهد القطري تجاه السودان يتّجه في الفترة الأخيرة إلى توحيد التيارات الإسلامية؛ بخاصة الإخوانية (الشعبي، والوطني، والحركة الإسلامية، وحركة الإصلاح الآن)15. ويقول فانوس، يهدف الوضع الكلّ إلى ضمان تماسك التيارات داخل جماعة الإخوان، في ظلّ الرمال المتحركة التي تمرّ بها المنطقة العربية16.
الحكم يفهم معارضيه
كان حسن الترابي هو أوّل المستجيبين لدعوة الرئيس البشير للحوار الوطني. وعلى الرغم من تصريحات الترابي السلبية وتصريحات القيادي في حزبه كمال عمر عقب خطاب البشير الأوّل، فيبدو أن اللقاءات التي جرت لاحقًا بين حزب الترابي وقادة الحزب الحاكم، قد أرسلت تطمينات لحزب الترابي، وجعلته يُقبل بكلّيته على الحوار مع الحزب الحاكم. ولا يستبعد أيضًا، أن تكون في الأمر مسرحية تعين على جعل انسحاب حزب الترابي من تجمّع قوى المعارضة بصورة تدريجية، سلسلً وغير صادم. ومهما يكن من أمر، فبقبوله غير المشروط الحوار مع المؤتمر الوطني، خرج الترابي على خطّ مجموعة قوى الإجماع الوطني المعارضة. وقد قامت قوى الإجماع الوطني
بالفعل بتجميد عضوية حزب الترابي في تجمّعها؛ بسبب قبوله غير المشروط التحاور مع الحزب الحاكم17. مثّل وجود الترابي داخل قوى الإجماع الوطني مكوّنًا رئيسًا في وزنها السياسي الضاغط على نظام الرئيس البشير. وبقبول كلٍّ من حسن الترابي والصادق المهدي الحوار مع المؤتمر الوطني الحاكم، دون شروط، تكون قوى الإجماع الوطني قد فقدت كثيرًا من وزنها، بوصفها قوة معارضة متجانسة. وتعلم حكومة المؤتمر الوطني أصلً، أنّ القوى اليسارية المعارضة في العاصمة الخرطوم ليس لها وزنٌ شعبي مؤثّر؛ فقد حاولت هذه القوى على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، أن تحرّك الشارع السوداني، ضمن موجة الربيع العربي، لكنّها لم تفلح إلا في نطاقٍ محدود. ولقد اتّهمت بعض الأصوات في المعارضة حزب الترابي بالتلكّؤ في تحريك الشارع. أمّا الهبّات الشبابية الأولى التي خرجت من مسجد السيد عبد الرحمن المهدي في حي ودنوباوي في أم درمان، وهو أحد أهمّ مساجد طائفة الأنصار التي يتزعّمها الصادق المهدي، في ما بدا محاولةً من الشبان إسناد ظهرهم إلى قيادة ذات وزن، يلتف حولها الناس للتظاهر ضدّ النظام، فلم تجد الاستجابة المرجوّة من الصادق المهدي. وثار جدلٌ كثيرٌ بخصوص اتّخاذ مسجد الأنصار مكانًا لانطلاق التظاهرات. وفهمت قوى الشباب أنّ حزب الأمة لا يودّ أن ينجرّ إلى مواجهة مع النظام لم يختر هو توقيتها، وكيفيتها وأهدافها وشعاراتها، فانصرفوا عن التجمّع هناك، وماتت القضية في عمومها18.
قامت قوى المعارضة، مرتكزة على المجاميع الشبابية ذات التوجّهات المختلفة، بهبّتين. ولكنّ الهبّتين لم تصمدا في الشارع سوى لفترات قصيرة. ولقد واجهت الحكومة الهبّة الأخيرة التي كانت الأعنف والأطول نفَسًا، في أيلول / سبتمبر 2013، بعنفٍ شديد، ما أوقع مئات القتلى، وأخمد الهبّة. أمّا الوزن الذي تكتسبه القوى اليسارية من تحالفها مع الحركات المسلّحة التي تقاتل الحكومة في دارفور، فليس له تأثير يُذكر في منطقة وسط السودان النيلي وشماله، والعاصمة الخرطوم. وهذا أمرٌ تدركه الحكومة جيّدًا، وتراهن عليه في بناء تحرّكاتها وإستراتيجياتها، ورسم خرائط تحالفاتها وتنفيذ مناوراتها. تعرف الحكومة أنّ تناغم مواقف المعارضة اليسارية والحركات المسلّحة لن يؤثّر في استقرار الأحوال بالنسبة إلى الحكومة في العاصمة الخرطوم ومدن الوسط النيلي؛ فالإعلام الحكومي قد نجح منذ الاضطرابات التي أشعلها الجنوبيون في الخرطوم عقب مقتل قرنق في تموز / يوليو 2005، إضافةً إلى غزو حركة العدل والمساواة بقيادة رئيسها الراحل خليل إبراهيم العاصمة الخرطوم في أيار / مايو 2008، في ملء عقول كثير من أهل الوسط والشمال النيلي وقلوبهم بالريبة والمخاوف تجاه الحركات المسلّحة الزاحفة نحو الوسط من الأطراف. وتعرف حكومة البشير جيّدًا أنّ الترابي حين يعارضها إنّ ا كان يناور لا أكثر؛ فهي تعرف أنّ عينيه ظلّتا مفتوحتين على الدوام على احتمال التئام قوى الإسلاميين مرةً أخرى19. فالحركة الإسلامية السودانية هي حركته التي بناها عبر خمسين عامًا، ومن الطبيعي أنّه لا يودّ أن يراها، بعد كلّ الجهد الذي بذله في بنائها، تذهب أدراج الرياح. يراقب الترابي أيضًا الحالة الداخلية التي بلغت درجة الغليان والانفجار الوشيك، ويعرف أخطارها، لا على النظام وحسب، وإنّ ا على الحركة الإسلامية السودانية برمّتها. كما أنّ الحالة الإقليمية وإفرازاتها الأخيرة المتمثلة في هجمة مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة على تيّار الإخوان المسلمين، قد جعلت الترابي يفكّر أكثر في ضرورة أن يلتئم شمل الحركة الإسلامية السودانية؛ فالتئام شمل البشير والترابي مرةً أخرى، على الرغم من المرارات التي تراكمت لدى الترابي بسبب الإذلال والإيداع المتكرّر في السجون، غدَا أمرًا تفرضه غريزة البقاء لدى الطرفين؛ فالترابي عبّ بوضوح عن خشيته من أن تحدث ثورة في السودان، على غرار ثورات الربيع العربي. فالنظام الحاكم في السودان هو "نظام إسلاميين"، أوّلً وأخيرًا. ولو نجحت أيّ ثورة في اقتلاعه، فإن ذلك يعني انغلاق الباب أمام الإسلاميين في حكم السودان، وضياع فرصتهم فيه، ربّ ا إلى الأبد. ولقد شاهد الترابي كيف فقد إخوان مصر حكم مصر الذي وصلوا إليه بعد ما يقارب القرن من العمل الدؤوب. هذا هو الكابوس الحقيقي الذي أصبح يقضّ مضجع حسن الترابي.
وهو ما جعله يعبّ صراحةً عن تخوّفه من حدوث ثورةٍ في السودان، في هذا الظرف، في ما نقله عنه الصحفي إمام محمد إمام الذي كتب له معه، ورد فيه عن لقاء: وأذكر أنّه كان يتحدث في مجلسٍ حضرته قبل بضعة أشهر، أنّ الثورة إذا جاءت إلى السودان، فيمكن أن تفتك به فتكًا، وتفتّته بشكل كاملٍ، نسبةً لانتشار السلاح بين المواطنين، في العاصمة والولايات. وفي بعض الأحايين يذهب إلى أبعد من ذلك، ويقول إذا اندلعت ثورة، فالوضع لن يكتفي بالصوملة، بل سيكون أسوأ من ذلك بكثير20. وعلى الرغم من أنّ الترابي عزا تخوّفه من الثورة إلى أنّها سوف تقود السودان، وبالضرورة، إلى مزيد من التشظّي، فالسبب الحقيقي والأهمّ، في تقديري، هو خوفه من أن تكتب الثورة نهاية الحركة الإسلامية وفرصها المستقبلية في حكم السودان؛ بخاصة أنّ تجربتها في الحكم على مدى ربع قرن قد اتّسمت بالفشل على جميع الصعد، ومن ذلك انفصال الجنوب على يديها، ووصول الوضع الاقتصادي في عهدها إلى حالة هي الأسوأ منذ استقلال السودان؛ (ديون خارجية فاقت 40 مليار دولار، وتردّي العملة السودانية جعل سعر الدولار يرتفع إلى 9 جنيهات سودانية، وانهيار تامّ للقطاعين الزراعي والصناعي.)
من الجانب الآخر، وكما تقدّم، فإنّ حكومة الرئيس البشير، تعلم علم اليقين أنّ الترابي حين يعارضها، لا يعارضها ليسقطها، وإنّ ا ليضعفها ويخيفها ويدفعها لتخطب ودّه، وفقًا لشروطه هو؛ كلّها أو بعضها؛ فالترابي حين ينضمّ إلى معسكر المعارضة الذي يعجّ باليساريين والعلمانيين، لا ينسى أبدًا مقته الثابت لهم. فهو إنّ ا ينضمّ إليهم ليستقوي بهم تكتيكيًّا ويحسّن من فرصه في العودة إلى دفّة الحكم، لا أكثر. انضمّ الترابي إلى تجمّع اليساريين والعلمانيين؛ من أجل خدمة أهدافٍ مرحلية محسوبة بعناية فائقة. من الجانب الآخر، تعرف حكومة الرئيس البشير أنّ للصادق المهدي موقفًا ثابتًا لا يحيد عنه، وهو التزامه بالنهج السلمي في معارضة النظام؛ إمّا لتعديل مساره، وهو خياره المفضّ ل، أو إسقاطه، وهو الخيار الذي لا يحبّ أن تضطرّه الظروف للعمل في وجهته. وبهذا يصبح الصادق المهدي صديقًا للنظام؛ أراد أو لم يرد. ولقد أكّدت حكومة الرئيس البشير، على لسانه، أنّها لا تفاوض، إلا من يحمل السلاح في مواجهتها. وهو أمر انتقدته القوى السودانية المعارضة بشدة في حينه، ورأت فيه دعوة للجميع لحمل السلاح. والشاهد بدايات الحوار الوطني التي بدأت تتخلّق الآن، تقول إنّ حكومة الرئيس البشير قد أمنت شرّ أكبر قوّتين جماهيريتين في السودان؛ المؤتمر الشعبي، حزب الترابي، وحزب الأمّة بقيادة الصادق المهدي. أمّا الحزب الاتحادي الديمقراطي، بقيادة الميرغني، فلم يمثّل في يوم من الأيام خطرًا على أيّ نظام من أنظمة الحكم في السودان. وفي كل السجال الذي دار ويدور حول الحوار الوطني، منذ دعوة الرئيس البشير له في 27 كانون الثاني / يناير 2014، لم يُسمع من الحزب الاتحادي الديمقراطي سوى مطالبته بأن تشرف قوى إقليمية ودولية على هذا الحوار. والحزب الاتحادي الديمقراطي بشقّيه، هو الآن شريك في الحكم للرئيس البشير. ممّ تقدّم ربّ ا أمكن القول، بصورة عامة، إنّ المعادلة السياسية في السودان في هذه المرحلة، مختلّة تمامًا لمصلحة نظام الرئيس البشير. ولربّ ا أمكن القول إنّه ليس هناك ما يجبر حكومة الرئيس البشير على تقديم تنازلاتٍ جوهرية لقوى المعارضة، بخاصة بعد أن ضمنت إلى جانبها حسن الترابي وحزبه المؤتمر الشعبي. وما من شكّ في أنّ الصادق المهدي يمثّل قوّةً جماهيرية لا يستهان بها. غير أنّ تمسّكه بالمرجعية الإسلامية للدولة السودانية يجعله أقرب إلى البقاء في معسكر البشير/ الترابي من معسكر المعارضة التي تؤكّد ضرورة فصل الدين عن الدولة في قُطرٍ متعدد الثقافات والعقائد كالسودان. ولذلك، يبدو أنّ هذا التحالف الثلاثي (البشير/الترابي/الصادق)، إن هو صمد وبقي ثلاثيًّا، لن يترك أيّ فرصة للصادق المهدي لكي يكون له صوته الخاص به. ولقد بدا حرص الصادق المهدي على ترجيح المخرج السلمي، واختياره البقاء في معسكر البشير والترابي، جليًّا جدًّا، في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة الشرق الأوسط، في 14 نيسان / أبريل 2014؛ إذ قال: لو كنّا سياسيين لتركنا النظام يواجه أخطاءه، لكن نعتقد أنّ واجبنا الوطني المساهمة في إيجاد مخرج حتى لا يحدث فراغ تملؤه
المليشيات المسلّحة، وهي الآن 50 مليشيا، في الغالب، لها أجندات قبلية وليست قومية، ستمزّق البلد. والنظام الآن يواجه ضغوطًا حقيقيّة، وكلّ الدلائل تشير إلى أنه جادّ في الحوار، ونحن وافقنا عليه لأنه إحدى وسيلتين نعتمدهما لمشروع النظام الجديد الذي نتبنّاه؛ وهو خيار التفاوض. وإذا ثبت لنا عدم جدية النظام في الحوار، فسنلجأ للوسيلة الثانية، وهي التعبئة لانتفاضة شعبية21.
يعرف الصادق المهدي، بحكم طبيعة الولاء الطائفي لدى القطاع الأعرض من جماهير حزبه، أنّ مناطق الهامش في دارفور وكردفان وغيرها، حيث تنشط الحركات المسلّحة المعارضة، تمثِّل من الناحية التاريخية مناطق نفوذ حزبه التقليدية. ولذلك، فإنّ نجاح الحركات المسلحة في استقطاب فئة الشباب، وتحوّل هذه الحركات إلى رقم في معادلة الحكم في السودان، يمثلّان في نهاية المطاف خصمً لرصيده الحزبي. لذلك فهو حين يقول: "واجبنا الوطني المساهمة في إيجاد مخرج حتى لا يحدث فراغ تملؤه المليشيات المسلحة، وهي الآن 50 مليشيا، في الغالب، لها أجندات قبلية وليست قومية، ستمزق البلد"، لا يعني هذا وحسب. فهناك بعدٌ آخر يشغل الصادق المهدي، ولكنّه يحرص على إخفائه، وذلك أمر طبيعي في أساليب السياسيين. فعلى الرغم من صحّة القول بأنّ هناك احتمالً أن يقود انتصار الحركات المسلّحة في الهوامش إلى صراعات قبلية، كما يحدث الآن في جنوب السودان، فهناك أيضًا تخوّف ضمني لدى الصادق المهدي، من أن تتحوّل تلك القوى المسلّحة التي تنشط في مناطق نفوذ حزبه التقليدية، إلى رقم سياسيّ جديد في المراحل المقبلة، بخاصة إن نجحت في تجاوز القبلية والجهوية وهذا أمر محتمل وممكن وأصبحت جزءًا من المعادلة في التنافس على الحيازات السياسية في مركز الحكم، بعد أن تضع السلاح وتتحوّل إلى قوى سياسية متحالفة في مجال العمل الحزبي، بعد أن جرّبت التحالف في العمل المسلّح.
تنافر قوى الإجماع الوطني المعارضة
ظلّت العلاقة بين مكوّنات ما سُمّي بقوى الإجماع الوطني علاقة مضطربة، حتى قبل إعلان الرئيس البشير مبادرته الأخيرة، ودعوته للحوار الوطني في 27 كانون الثاني / يناير 2014. ولقد أخذت الخطوط تتباعد بين مكوّنات قوى الإجماع الوطني، منذ توقيع ما سمّي ب "وثيقة الفجر الجديد"، في العاصمة الأوغندية كمبالا، في كانون الثاني / يناير 2013. فعلى الرغم من أنّ ممثّلً لحزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الترابي، وآخر لحزب الأمة القومي الذي يقوده الصادق المهدي، سافرا إلى كمبالا وحضرا حفل التوقيع هناك، ووقّعا تلك الوثيقة نيابةً عن الحزبين، فالترابي والصادق المهدي سارعا بعد أن ثار اللغط والغضب حولها، وشروع الحكومة في التهديد والوعيد وتهم الخيانة بشأنها إلى القول إنّ المندوبيْ لا يمثلّان حزبيهما، وإنّ لهما تحفّظًا على ما ورد في الوثيقة بخصوص فصل الدين عن الدولة. كما أضاف كلاهما أنّهما لا يؤمنان بوسيلة العمل المسلّح لإحداث التغيير22. وتقرأ البنود الثلاثة الأولى في وثيقة الفجر الجديد، كما يلي: المبادئ والأهداف: الهويّة: السودان دولة متعددة الثقافات والإثنيات والأديان واللغات تتأسّس هويّته السودانية على رابطة جامعة قائمة على مكوّناته الثقافية وأبعاده الجغرافية وإرثه الحضاري الممتد إلى سبعة آلاف عام. نظام الحكم: الدولة السودانية دولة فدرالية ديمقراطية تعددية تتأسّس على المساواة بين المواطنين وتؤكّد أنّ الشعب هو مصدر السلطات وتعتبر أنّ المواطنة هي أساس لنيل الحقوق والواجبات وتضمن حرية الفرد والجماعة. الدين والدولة: إقرار دستور وقوانين قائمة على فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة لضمان عدم استقلال الدين في السياسة. إنّ القوى التي شكّلت ما سمّي ب "قوى الإجماع الوطني"، قوى لا يوجد أصلً ما يجمع بينها. ومن يتتبّع التاريخ السياسي لحقبة ما
بعد الاستقلال في السودان، لا يكاد يجد شيئًا يمكن أن يجمع بين الحزب الشيوعي السوداني من جهة، والترابي والصادق المهدي من جهة أخرى. ما جمع هذه القوى في هذه المرحلة، هو تضرّرها من نظام الرئيس البشير. لذلك، فإنّ اتّفاق تحالف قوى الإجماع الوطني مختلفٌ في الفهم كمًّ ونوعًا بين القوى اليسارية من جهة، والترابي والصادق المهدي من جهة أخرى. كما أنّ الذي دفع تحالف أحزاب المعارضة بقواه هذه المتباينة المبادئ والأهداف، للالتقاء بالجبهة الثورية التي تجمع قوى الهامش المسلّحة المكوّنة من حركات دارفور المسلّحة، والحركة الشعبية قطاع الشمال، هو إحساس هذه القوى المعارضة بضعفها وعجزها عن إحداث ضغط حقيقي على النظام، عن طريق تحريك الشارع العامّ. ومن هنا تولّدت حاجتها إلى الاستقواء بالجبهة الثورية لكونها تملك السلاح، وهو ورقة الضغط الوحيدة التي توليها الحكومة اعتبارًا حقيقيًّا. ولكن، بعد أن خطب الرئيس البشير ودَّ كلٍّ من الترابي والصادق المهدي، وبعد أن استجاب كلاهما له استجاباتٍ مبدئية، فإنّه لم يعد لدى قوى الإجماع الوطني الوزن الذي كان لها من قبل. ولقد اتّضح من التحرّكات السياسية الأخيرة، أنّ حسن الترابي والصادق المهدي لم يقتربا أصلً من هذه القوى، إلا من باب التكتيك السياسي المرحلي، لا أكثر. ولذلك فلقد ابتعدا عنها حين أتت اللحظة الفارقة.
في ما يبدو ممّ يجري الآن في الساحة السودانية، أنّه لا مناص لقوى الإجماع الوطني من التمسّك بموقفها المتحفّظ من الحوار، بغية أن تحصل على أكبر قدر من المكاسب السياسية. بل إنّ لهجة هذه القوى أخذت في التصاعد أكثر بعد ذهاب كلّ من الترابي والصادق، مؤكدة أنّها تقبل بالحوار من حيث المبدأ، ولكن بشرط أن يؤدّي في نهاية المطاف، إلى تفكيك النظام القائم. في الندوة الجماهيرية التي عقدها حزب المؤتمر السوداني المعارض في ميدان الرابطة بشمبات في الخرطوم بحري، مساء الجمعة 18 نيسان/أبريل 2014، وقد كانت أوّل ندوة جماهيرية حزبية تقام في ميدانٍ عام، من دون أن تعترضها قوّات الأمن، قال فاروق أبو عيسى، رئيس تحالف قوى الإجماع الوطني، إن خيارهم الأوّل هو اقتلاع النظام من جذوره. وقال إنّهم لا يقبلون إلا بالحوار الذي يفضي إلى تصفية النظام وإعادة الديمقراطية السليبة. وذكر أنّ الحوار مع النظام يمثّل بالنسبة إليهم رؤية إستراتيجية، وهي أنّه يمكن أن يقود إلى تصفية النظام عن طريق الحوار الديمقراطي. وهذا ما جعلهم يقبلون بالحوار من حيث المبدأ23. أمّا الحزب الشيوعي السوداني، فيقول إنّه ليس رافضًا مبدأ الحوار، ولكن على الحكومة أن تظهر بادرة حسن نيّة بإطلاق الحريات العامة، والحريات الصحفية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإيقاف إطلاق النار مع الحركات المسلّحة. ويقول الكاتب الصحفي عثمان ميرغني، وهو من الإسلاميين الذين باعدوا بين أنفسهم وبين الحزب الحاكم، إنّه متّفق مع موقف الحزب الشيوعي من الحوار الدائر الآن، وهو أن يحاور بآليّاته من خارج قاعة الحوار؛ فالمطالب التي اشترطها الحزب الشيوعي تمثّل في نظر ميرغني جزءًا من الحوار، وقد استجيب فعلً لجزء كبير منها. ويضيف ميرغني أنّ من الطبيعي أن يطالب الحزب الشيوعي بوقف الحرب قبل الدخول إلى قاعة المفاوضات؛ إذ لا يُعقل أن تطلب الحكومة من حاملي السلاح الحضور إلى الخرطوم، بينما يعزّ عليها إعلان وقف لإطلاق النار إبداء لحسن النوايا. ويرى ميرغني أنّ فرصة الحزب الشيوعي لتحقيق مطالبه وهو خارج قاعة المفاوضات، أقوى بكثير من فرصته وهو داخلها24. أمّا الجبهة الثورية التي تنضوي تحت لوائها الحركات المسلّحة، فقد تحفّظت على الحوار بادئ الأمر، ثمّ عادت فرفضته رفضًا قاطعًا؛ بحجّة "أنّ الحكومة تصعّد من عملياتها العسكرية، بدلً من إعلان وقف العدائيات واتّخاذ إجراءات لبناء الثقة"، قائلة،ً إنّ قيادتها عقدت اجتماعات متواصلة طوال أسبوع، لتقييم الوضع السياسي والوصول إلى قرار نهائي حول المشاركة في ’الحوار الوطني‘، وتوصّلت إلى قرارٍ برفض المشاركة في هذا الحوار"25.
واضحٌ ممّ تقدّم أنّ قوى الإجماع الوطني المعارضة لا تتحدّث بلسان واحد. ويبدو أيضًا أنّها لا تملك من القوة، بعد أن خرج عنها، حسن الترابي والصادق المهدي، ما يجعل الحكومة تمنحها ما تطلبه، بخاصة هدفها المعلن وشرطها أن يؤدّي الحوار إلى تفكيك النظام. ولو اكتفت قوى الإجماع الوطني في هذه المرحلة بالمطالبة بإلغاء القوانين المقيّدة للحريات العامة، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإيقاف تضييق جهاز الأمن على حرية الصحافة، وفسح الفرص في الأجهزة الإعلامية للقوى السياسية بالتساوي، والمطالبة بتأجيل الانتخابات حتى تتمكّن الأحزاب من لملمة أطرافها وتنظيم نفسها، والإصرار على أن تكون لجنة الانتخابات قومية، ولا يكون فيها غلبة عددية للحزب الحاكم، مع وجود مراقبين إقليميين ودوليين، لكان أفضل من الحديث عن مطالبة النظام بتفكيك نفسه، أو مواجهته بالقول: نحن سنتحاور معك، ولكن بشرط أن نفكّكك.
أمّا الجبهة الثورية التي تمثّل تحالف الحركات المسلحة الناشطة ضد الحكومة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، فإنّها ربّ ا أضحت تعاني وضعًا حرجًا في مناطق العمليات التي تنشط فيها. ويدلّ على ذلك تضمينها طلبًا بوقف إطلاق النار، في ردّة فعلها الأولى تجاه مبادرة الحوار، قبل أن ترفضها رفضًا قاطعًا. والحكومة، في ما يبدو، لم تطرح مبادرتها للحوار الوطني إلا بعد أن قامت بحملة عسكرية واسعة النطاق، في دارفور وكردفان، عبر مليشياتها التي أعدّتها مؤخرًا، وأسمتها "قوات الدعم السريع"، وقالت إنّ صيف 2014 سيشهد حسمً عسكريًّا نهائيًّا للتمرد. ومن الواضح أنّ التصعيد العسكري الحكومي ودخول هذه المليشيات السريعة الحركة في المعادلة العسكرية، قد شدّدا الضغط على الحركات المسلّحة، وقلّصا انتشارها في مناطق عملياتها الذي اتّسع ليصل إلى مستوى غير مسبوق، في عام 2013 حين وصلت بقواتها إلى أبو كرشولا وأم روابة، في وسط السودان. وكذلك، احتلالها في بداية 2014، مدنًا دارفورية بالقرب من حدود كردفان. ولربّ ا لا تكون الحكومة تعني حقيقة أنّها ستقضي عسكريًّا على الحركات المسلّحة، بقدر ما تودّ عن طريق الضغط العسكري، أن تقوّي موقفها التفاوضي معها واضطرارها إلى أن يصبح موقفها أكثر ليونةً ومرونة. لقد انهارت المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية قطاع الشمال في شباط / فبراير 2014. وفي 2014/4/24، أكّد وفد الحكومة والحركة الشعبية في جولة المفاوضات الجديدة تباعد الخطوط بينهما واتّفاقهما على إحالة الأمر إلى المفوضية الأفريقية بقيادة ثابو أمبيكي26. ويدلّ هذا حتى هذه اللحظة، أنّ الحركة الشعبية قطاع الشمال، وهي مكوّن رئيس في الجبهة الثورية، سوف تبقى خارج معادلة الحوار الوطني المطروحة، ما يلقي ظلالً كثيفة من الشكّ في أنّ الحوار الجاري بصيغته الراهنة، سوف يخلق مخرجًا من الأزمة السودانية. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هناك عنصرًا جديدًا، ربّ ا خلق صعوبات للجبهة الثورية؛ فالصراع المسلّح الدائر الآن في جنوب السودان بين الرئيس سلفا كير ونائبه ريك مشار، أصبح ينذر، أكثر من أيّ وقت مضى، باحتمال تفكّك دولة الجنوب. ولربّ ا تُعقِّد حالة الفوضى والاضطراب الناجمة عن هذا الصراع، وضع الحركات المسلحة، بخاصة في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. ومن الواضح أنّ الصراع قد انحصر مؤخرًا في السيطرة على حقول النفط التي تقع بالقرب من حدود السودان الجنوبية، حيث تنشط الجبهة الثورية التي تحارب حكومة الخرطوم. ربّ ا أثّر هذا الوضع المضطرب في خطوط الإمداد التي تعتمد عليها الجبهة الثورية، بخاصة في جنوب كردفان، وربّ ا في النيل الأزرق. ولا بدّ من الإشارة هنا، أنّ الصورة التي ستتّخذها مجريات الصراع في الجنوب لن ينحصر أثرها سلبيًّا أو إيجابيًّا في الحركات المسلّحة وحدها، وإنّ ا أيضًا في حكومة الرئيس البشير نفسها؛ فمع الحالة الاقتصادية الحرجة السائدة في السودان الآن، فإن توقّف ضخّ النفط الجنوبي عبر خطوط النقل التي تملكها جمهورية السودان وهذا أمر محتمل جدًّا نتيجة لما يجري في الجنوب سوف تكون له آثاره الاقتصادية السالبة في حكومة الرئيس البشير، وفي استقرار الأحوال في العاصمة الخرطوم التي أصبحت تواجه منذ رفع الحكومة الدعم عن المحروقات والسلع، في أيلول / سبتمبر 2013، ضائقة معيشية غير مسبوقة.
فرص نجاح الحوار وتحدّياته
يبدو أنّ أمام دعوة الحوار الوطني واحدة من خطّتين: إحداهما أن تتّجه الحكومة في وجهة لمّ الشمل الوطني في نقلة برادايمية Shift Paradigm، بالإعلان منذ البداية أنّ الحوار يهدف إلى إحداث تحوّل ديمقراطي حقيقي واعتماد التعددية الثقافية، وبناء دولة المواطنة، وفتح الأبواب للمنافسة الديمقراطية الحرة، ما يبعث برسالة مطمئنة إلى قوى المعارضة والحركات المسلحة وعامة الجمهور. هذا النهج هو الذي توقّعه الاتحاد الأفريقي وتوجّه بناءً عليه، بالنداء للمجتمع الدولي لدعمه، كما ورد على لسان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، نكوسازانا دلاميني زوما27. أمّا الخطة الأخرى، فهي أن تنتهز الحكومة حالة الضعف الموقّتة التي حدثت لقوى المعارضة الحزبية، وربّ ا للحركات المسلّحة أيضًا، فتستمرّ في نهجها الشمولي الاستحواذي والإقصائي الذي مارسته على مدى ربع قرن، بخاصة بعد أن بدا جليًّا أنّها ضمنت وجود حزبي الترابي والصادق المهدي في صفّها. إن اختارت الحكومة هذا النهج، وهذا أرجح من غيره، في ما تشي به مجريات الأمور، فإنّها تكون قد اختارت نهجها القديم في المناورات القائمة على إعادة رسم الخريطة السياسية وفقًا لمقتضيات كلّ مرحلة، لخلق توازنات للقوى تحفظ لها بقاءها، وإن لم تحل إشكالا قائمًا. وتكون بذلك، قد أهدرت فرصة ذهبية لإيجاد مخرج يوقف العنف، ويحفظ وحدة البلاد. هناك مخاوف متصاعدة وسط النخب المثقفة في السودان من أن استجابة المؤتمر الشعبي لدعوة رئيس المؤتمر الوطني للحوار حول القضايا الوطنية، ربّ ا لا تعني انفتاحًا حقيقيًّا، ومحاولة لاختراق دوّامة الأزمات المستحكمة، من أجل لمٍّ حقيقي للصفّ الوطني، بقدر ما تعني اصطفافًا جديدًا للإسلاميين لاستدامة نظام حكمهم، بل بحسب الرؤى ذاتها التي أنجزوا وفقها انقلابهم العسكري على النظام الديمقراطي في حزيران / يونيو 1989. وتزداد هذه المخاوف في صفوف القوى السياسية التي تحمل توجّهاتٍ ورؤى تعتنق خيار الدولة المدنية التي تناقض تصوّراتها تصوّرات البشير والترابي الجوهرية المتعلقة بالسياسة والحكم، والتي تحمل صبغةً إسلامية تجنح للأحادية والهيمنة الفوقية. ولقد أعرب باحثون عن خشيتهم من أن يفضي التلاقي بين البشير والترابي إلى وحدة تنظيمية، وإلى اصطفاف إسلامي يأتي هَمُّ التنظيم فيه قبل كلّ همٍّ وطنيٍّ يضع مصلحة البلاد والعباد في المقدمة28. ويرى صلاح الدومة أستاذ العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية أنّه ليس من المستبعد أن يقوم المؤتمر الوطني بتسليم السلطة تدريجيًّا إلى حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي، مع منح بعض المناصب لحزب الأمّة القومي بقيادة الصادق المهدي. وقال إنّ الحوار الذي يريده المؤتمر الوطني "ليس مع كافة القوى السياسية السودانية، وإنّ ا مع أحزاب يلتقي معها في بعض الأفكار"، مشيرًا إلى عدم وجود أيّ قواسم مشتركة بين اليسار بمكوّناته المختلفة، والمؤتمر الوطني الحاكم29. عمومًا، لا تزال دعوة الرئيس البشير للحوار غير واضحة بما يكفي. ولا يبدو موقفَا الترابي والصادق المهدي واضحين بالقدر الكافي، أيضًا. ولربّ ا لا يزال الزمن مبكرًا لكي تتّضح الأمور بصورةٍ جليّة. غير أن تاريخ حكومة المؤتمر الوطني الطويل في المراوغة والتلاعب بعنصر الوقت، وتمرّسها بأساليب استغلال حالات ضعف القوى السياسية المعارضة، قد جعلت قوى المعارضة في حالة شكٍّ كبيرة في فرص نجاح هذا الحوار، وحدوث اختراق حقيقي يُخرج البلاد من مسلسل الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، لينقلها إلى حالة جديدة، تضعها في درب الاستقرار والنماء.
عبّ عن حالة عدم الثقة في هذا الطرح الحكومي الجديد، الطيب زين العابدين، رئيس الحركة الوطنية للتغيير، وقد كان من قيادات الإسلاميين، قبل أن يتحوّل إلى المعارضة. قال زين العابدين، في تصريحات خاصة نقلتها عنه وكالة "قدس برس"، إنّ المهمّ في الحوار أ هو الأفعال وليس النوايا. وأضاف قائلً: "أعتقد نّ الحوار الجاد في هذه الفترة الدقيقة من تاريخ السودان يتطلّب قدرًا كبيرًا من
التنازلات، لا سيمّا من الحكومة ومن الرئيس عمر البشير شخصيًّا. وعلى الرغم من أنّ كلّ التصريحات تشير إلى أنّه جادّ، فهذه الجدّية لا تعني أنه مستعدّ لتنفيذ مخرجات الحوار"30. وأشار زين العابدين في التصريح نفسه إلى أنّ الخلاف بين الحكومة والمعارضة بشأن المطالب المتعلقة بإطلاق الحريات، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف إطلاق النار مع الحركات المسلّحة، ضروري لإنجاح الحوار. فمن دون مناخ للحريات ستقاطع معظم قوى المعارضة الدعوة للحوار، ومن ثمّ، ستجري إعادة إنتاج الاتفاقيات السابقة ذاتها، وذلك لن يفلح في إنهاء الأزمة التي تعصف بالسودان. وقال إنّه يتوقّع أن يجري الإعلان قريبًا عن توحيد الحركة الإسلامية في السودان، وأن يُ نح الدكتور الترابي منصبًا قياديًّا في الحركة، غير أنّ ذلك لن يؤثّر في موقف المعارضة الحالي.
والشاهد أنّ عدم إيجاد حلول عاجلة للأزمة القائمة عن طريق الحوار، سوف يزيد من استفحال الأزمة التي وصلت مدى غير مسبوق. والأرجح بناءً على المعطيات القائمة على الأرض، أنّه سيقود إلى حدوث انفجار يتخطّى قدرات الحكومة والمعارضة على التحكّم في الأمور31.
خاتمة
تمثّل فرصة الحوار الوطني التي أضحت الشغل الشاغل للساحة السياسية السودانية الآن، فرصةً ذهبية لجميع الأطراف؛ فأوضاع السودان الراهنة لم تعد تحتمل مزيدًا من الصراع. ولذلك، ينبغي أن يعمل الجميع على إنجاحها، حتى يتوقّف نزف الدم والموارد وحالة الشقاء والتعاسة العامة التي أصبحت السمة الغالبة على حال البلاد. بإنجاح هذا الحوار يجري استجماع طاقات القطر التي تبعثرت، واستعادة عقوله التي تشرّدت، لتبدأ مسيرة البناء التي تعطّلت ما يقارب الستين عامًا، هي عمر استقلال البلاد. ولكي تنجح هذه الدعوة للحوار، لا بدّ أن يُقبل عليها الجميع بعقول وقلوب مبرّأة من الأغراض الضيّقة. على الحكومة أن تعترف بأنّ نهجها الإقصائي الذي مارسته على مدى ربع قرن، لم يحلّ مشكلة واحدة. وهو إن استمرّ، فستكون به نهاية السودان بوصفه قطرًا متماسكًا. على الحكومة أن تعيد الحريات العامة المصادرة، وأن تفسح المجال للعمل السياسي العام؛ حتى يطمئنّ معارضوها إلى أنّها تعني ما تقول. ولقد بدأت بوادر إيجابية من جانب الحكومة في هذا الاتجاه؛ فقد انعقدت ندوتان جماهيريتان في الميادين العامة، ولم تعترضهما قوى الأمن. وهذه هي المرة الأولى التي تعقد فيها القوى السياسية المعارضة ندوات جماهيرية مفتوحة في الميادين العامة، منذ أن جاء نظام الرئيس البشير إلى الحكم. ومن العلامات الإيجابية أيضًا قبول الحكومة مقترح تشكيل حكومة قومية تدير مرحلة انتقالية، تشرف فيها على الإعداد للانتخابات المقبلة. لكن من الضروري أن تُطمئن الحكومة المعارضين بأنّ اللجنة التي ستشرف عليها ستكون لجنة محايدة، حتّى تحدّد دوائرها ومساراتها، بما يخدم مصلحة كلّ القوى السياسية، وليس مصلحة الحزب الحاكم وحده؛ ففي انتخابات 2010 أقصى الحزب الحاكم كلّ القوى السياسية التي لا يرغب في أن تشاركه السلطة، وأتى من قيادات الأحزاب بمن رضي أن يذوّب نفسه في خطّ الحزب الحاكم. كما يجب أن يكون هناك إشراف دولي وإقليمي على تلك الانتخابات في جميع مراحلها. وكلمّا طالت الفترة الانتقالية، كان ذلك أفضل؛ ففرصة وصول الحكومة القومية الانتقالية إلى اتفاق مع الحركات المسلّحة، على الأقلّ إلى وقفٍ للعدائيات، أكبر من فرصة وصول الحكومة إليها. إنّ إقامة تكتّل جديد قوامه حزب البشير وحزب الترابي وحزب الصادق المهدي في جبهة "إسلامية" عريضة لخوض الانتخابات، لا يمكن أن يجري اعتراض عليه من الناحية الديمقراطية الإجرائية. وسيفوز هذا التكتّل بالانتخابات دون شكّ، سواء جرت في موعدها، أو جرى تأجيلها عامًا أو عامين. غير أنّه، مع صحّته الإجرائية الشكلية، فإنّه لن يكون في مصلحة البلاد، ما لم يجْر أخْذ أمور أخرى في الحسبان؛ فمحصّلته النهائية لن تكون من الناحية العملية، سوى تكريسٍ لصيغة الحكم القديمة التي استمرّت منذ عام 1989؛ أعني النهج الذي يقول إن السودان دولة عربية إسلامية وحسب. من الحكمة أن يعطي هذا التكتل الإسلامي اعتبارًا لما تراه قوى المعارضة المدنية، والحركات
المسلّحة، وألا يميل إلى الاستقواء بالأغلبية العددية وحدها. فمع صحّة الانفراد بالقرار السياسي اعتمادًا على الأغلبية العددية، من الناحية الديمقراطية الإجرائية، فهناك ضرورة لتوافق القوى المتعارضة الذي يسمّى بال bipartisanship، وهو أن تُوجِد القوى المتعارضة منطقة وسطى للمساومات والتنازلات. كان من الممكن أن تمارس حكومة الرئيس المعزول محمد مرسي نهجًا كهذا مع القوى المصرية الداعمة خيار الدولة المدنية تخوّفًا من الإملاء الديني32. فلو أنّ إخوان مصر نظروا إلى المسألة من زاوية أوسع من زاوية النظر إلى النصر الانتخابي عبر صندوق الاقتراع، لربّ ا تجنّبت مصر الانقلاب العسكري، ووضعت فيها الديمقراطية رجلها على الطريق الصحيح.
بناءً على تمسّكهم بالمرجعية الإسلامية لنظام الحكم، يخلق تقارب البشير والترابي والصادق المهدي تيارًا كبيرًا. ومن الممكن أن يكون هذا التكتل إيجابيًّا، إن هو أتاح، وبكلّ شفافية، أن يَنشأ في مقابله تكتّلٌ من الوزن نفسه أو قريب منه، من القوى المختلفة معه في ما ينبغي أن تكون عليه مرجعية الدولة. بل يجب أن يحرص التكتّل الأوّل على قيام التكتّل الثاني، حرصه على نفسه. لو تحقّق هذا الوضع لربّ ا أصبح من الممكن للديمقراطية السودانية التي تعرّضت إلى ثلاث كبواتٍ في تاريخها، بسبب التشرذم الحزبي الزائد عن الحدّ، أن تدخل مرحلة الديمقراطية القائمة على حزبين كبيرين يمثلّان تيارين متباينين تباينًا واضحًا من حيث الرؤية والبرامج. وربّ ا اقتضى الوصول إلى تلك المرحلة بعض الوقت، ولكن الوضع الآن مهيّأ لأن تجري فيه ضربة البداية. بدخول قطر لاعبًا في ترتيبات الحوار الوطني السوداني، عبر زيارة أميرها الخرطوم في 2 نيسان / أبريل 2014، وزيارة كلٍّ من حسن الترابي والصادق المهدي الدوحة، كلٌّ على حدة، عقب زيارة أمير قطر السودان، فإنّ الترتيبات للمرحلة الجديدة أصبحت ذات بعد إقليمي. ولا ضير في أن يكون لأيّ طرف إقليمي، بخاصة الأطراف العربية، دورٌ في أيّ ترتيبات تهدف إلى استقرار السودان، ونزع فتيل أزمته المستحكمة التي وصلت في الخطورة إلى مستوى أصبح فيه بقاء الدولة في السودان نفسه مهدّدًا. غير أنّ حالة الانقسام العربية الراهنة وما جسّدته من استقطابٍ حادّ، حتى داخل مجلس التعاون الخليجي، تحتّم أن تكون مخرجات الحوار السوداني مقبولةً لدى جميع الأطراف السودانية، وكذلك جميع الأطراف العربية، والدولية المختلفة. إن لم يصبح الحلّ حلًّ سودانيًّا صرفًا وشاملً، تصبح الظروف مهيِّئةً ليصبح السودان مسرحًا لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية التي تراقب الموقف بتحفّز شديد وبأجندة متباينة؛ فعلى الحكومة السودانية أن تنتهز فرصة الاحتشاد الدولي والإقليمي والمحلي الذي يبدو داعمًالحوار والحلّ السلمي والهبوط الناعم، لتصل إلى حل سوداني، يباعد بين قضايا السودان ومزيدٍ من التدويل. كما أنّ ذلك النهج يباعد بين قضايا السودان وتحوّل هذه القضايا أدوات في يد القوى الإقليمية. هذه الفرصة فرصة ذهبية، وربّ ا تكون الأخيرة. وبقدر ما تقترب الحكومة السودانية من معارضيها السودانيين، وتباعد بين نفسها وبين الارتباطات الأيديولوجية خارج حدود القطر السوداني، تباعد بين البلد واستمرار الصراع الذي سيقود حتمً إلى تفكيك السودان إلى دويلات متصارعة لا يستقرّ لها قرار. على الحكومة والمعارضة والحركات المسلّحة أن يكونوا جميعًا حُصفاء في هذه المرحلة الحرجة، وأن يتّسموا بالمرونة التي تضمن للسودان هبوطًا ناعمً من هذه القمة الشاهقة من التأزّم التي بلغها. وأخيرًا، على المثقفين من الإسلاميين، ومن اليساريين، ومن أهل الوسط الواقفين على سياج الفعل السياسي أن ينشطوا في أداء مهمّتهم التي ينتظر الشعب والوطن منهم أداءَها، وهي أن يكونوا مقرِّبين وجهات النظر بين الفرقاء؛ على أن توطِئ لهم القوى الفاعلة سياسيًّا في الحكومة والمعارضة والحركات المسلّحة، وكلّ الحريصين على أمن السودان واستقراره، فرص المشاركة الفاعلة.