ربيع اليمن وتحديات التنمية
الملخّص
ينذر المشهد السياسي اليمني الراهن بمخاطر كبيرة على الدولة اليمينة، يعد أسوأها خطر انهيار الدولة نفسها، أو الانزلاق في حربٍ أهلية شاملة. ومع ذلك يسود التفاؤل بأن ا لدى الأطراف المؤثرة في المشهد السياسي مخرجات مؤتمر الحوار الوطني تلقى قبول، للتطبيق. ولكن مع نبرة التفاؤل بأن المشهد السياسي يسير نحو الاستقرار وأنها تبدو قابلة، يبدو من المرجح أن الوضع الاقتصادي اليمني سوف يستمر على ما هو عليه، مع احتمال أن يزداد تدهورا ما ينعكس سلبيًا على الوضع السياسي. تستعرض هذه الورقة تاريخ اليمن السياسي، والقوى الفاعلة في الحراك السياسي فيه، كما تشخص التحديات التنموية التي يعانيها اليمن، وأثر انتفاضة 2011 في التنمية؛ والعوامل التي أدَّت إلى الانتفاضة، ثم بيان التحديات التي تواجه اليمن في المراحل الآتية، وطرح بعض المقترحات التي ربما تساعد على تخطي بعض الصعوبات التي تعترض الاستقرار وفرص التنمية الشاملة.
مقدمة
في الربع الأول من عام 2011 شهد اليمن أزمةً سياسيةً شديدةً تطورت إلى انتفاضة شعبية عارمة بدأت متزامنة مع الانتفاضات الشعبية في بقيَّة دول الربيع العربي. فقد اجتاحت الاحتجاجات الشعبية معظم المدن الرئيسة اليمنية، وتطورت الأحداث بانضمام قيادات في النظام الحاكم إلى الحركة الشعبية المطالبة بالتغيير. وبعد فترة عصيبة مرَّت بها البلاد بدا من الواضح صعوبة هزيمة فلول النظام؛ ولذلك جنحت الأطراف المتنافسة إلى سلوك طريق الحلّ السياسي الذي بدا هو الأمثل لتجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب أهلية. لقد نجا اليمن من السيناريو السوري الدموي خلال الأزمة السياسية التي عصفت به أكثر من عام ومازالت تداعياتها حاضرة حتى اليوم؛ فالبلاد لا تزال تمرُّ حاليًّا بحالة من الاحتقان السياسي الذي يشكِّل عائقًا كبيرًا يحدّ من آفاق النمو الاقتصادي والاجتماعي فيه. وبعد سنة من ال اررع بين النظام والمعارضة ضمن ما يسمى "الربيع العربي"، وقد كان اليمن أحد البلدان العربية الخمسة التي تأثرت به، توصَّلت الأطراف المتصارعة إلى اتفاق يُهيِّئ لانتقال سلمي للسلطة بموجب المبادرة الخليجية التي وقَّعتها أحزاب المعارضة مع حزب المؤتمر الشعبي الحاكم تحت إشراف خليجي ودولي في العاصمة السعودية الرياض في 23 تشرين الثاني / نوفمبر .2011 وبموجب المبادرة تَخَلّ الرئيس السَّابق عن السلطة لنائبه الذي جرى انتخابه رئيسًا توافقيًّا للبلاد في شباط / فبراير 2012. وجرى تشكيل حكومة وفاق وطني بالمناصفة بين المؤتمر الشعبي الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك المعارض دخلت البلاد بموجبها في فترة انتقالية لمدة عامين كان من المخطط لها أن تنتهيَ في مطلع عام 2014؛ إذ بدأ، في آذار / مارس 2013، مؤتمر للحوار الوطني الشامل تمهيدًا لصوْغ جديد للدستور، ثمّ إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، كان من المقرر إجراؤها في بداية شباط / فبراير 2014. وفي 21 كانون الثاني / يناير 2014، اختتم مؤتمر الحوار الوطني الذي تمخض عن اتفاق الأطراف المشاركة على تفويض رئيس الجمهورية بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم ينتج منها دولة فيدرالية، وجرى تأجيل موعد الانتخابات بتوافق الأطراف المشاركة في الحوار، وتمديد الفترة الانتقالية لمدة عامين آخرين يجرى خلالهما تنفيذ خطة تقسيم اليمن وإعداد الدستور. اقتصاديًّا، ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، مرّ اليمن بأزمة اقتصادية ما زالت آثارها في البلاد حتى اللحظة؛ إذ عانى الاقتصاد من نكسة كبيرة، فوصلت معدلات التضخم إلى فئات قياسية، وتوقَّف الاستثمار، وتناقصت فُرص العمل، وارتفعت نسبة البطالة، وزادت نسبة الفقر في المجتمع؛ فلجأت الأ سَ إلى استخدام مدخراتها الضئيلة في إيجاد أساسيات الحياة التي زادت أعباؤها نتيجةً للتضخم وانعدام الوقود المستمرّ وانقطاع الكهرباء؛ فأثَّر ذلك في استخدام اليمنيين للخدمات التعليمية والصحية، واضطر بعضهم إلى النزوح من المدينة إلى الريف، وهاجر بعضهم الآخر إلى دول الجوار، ولو بصفة غير شرعية. وعلى الرغم من أنّ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قد ساهم في التغلب على بعض الصعوبات، فإنّ استمرار الانفلات الأمني، وتخريب النفط والكهرباء، وعجز الدولة عن فرض القانون، مع تواصل حالة الاحتقان السياسي، من العوامل التي أدَّت إلى ضعف الأداء الاقتصادي، وعجز اليمن عن تحقيق معدلات النمو المأمولة.
ويحمل المشهد الحالي في اليمن العديد من الاحتمالات، ربما يكون أسوؤها انهيار كلُيٌّ للدولة، أو اندلاع حرب أهلية في البلاد. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ بعض التفاؤل يسود البلاد بأنّ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ستلقى قبولً لدى الأطراف المؤثرة في المشهد السياسي، وأنها ستصبح قابلةً للتطبيق، وأنه سيجرى بناء الدولة اليمنية الجديدة. وإلى أن يستقرّ الوضع سياسيًّا، من المرجح أن يستمر الاقتصاد اليمني على ما هو عليه، وربما يزداد تدهوره؛ لأنه سيكون من الصعب التعامل مع التحديات المزمنة التي يواجهها، وخصوصًا التحدّي المتمثّل بالأزمة السياسية، إضافةً إلى تناقص الإنتاج النفطي، ومشكلة البطالة المرتفعة، ومشكلة المياه التي تتفاقم يومًا بعد يوم من دون أن تكون هناك رؤية واضحة للتعامل معها. وفي هذه الورقة سيجري استعراض التحديات التنموية التي يعانيها اليمن، وأثر انتفاضة 2011 في التنمية؛ إذ سيكون التركيز على بيان العوامل التي أدَّت إلى الانتفاضة، ثمّ بيان التحديات التي تواجه اليمن في المراحل الآتية، وطرح بعض المقترحات التي نعتقد أنها قد تساعد على تخطي بعض الصعاب في طريق التنمية الشاملة.
اليمن: إضاءة مختصرة
جغرافية اليمن1
يقع اليمن في الزاوية الجنوبية الغربية من شبه الجزيرة العربية على مساحة 555 ألف كيلومتر مربع، تحدّه من الشمال المملكة العربية السعودية، ومن الجنوب البحر العربي وخليج عدن، ومن الشرق سلطنة عمان، ومن الغرب البحر الأحمر. ويبلغ عدد سكانه نحو 25 مليون نسمة. وينقسم اليمن جغرافيًّا إلى خمسة أقاليم رئيسة، ومجموعة من الجزر، هي: إقليم السهل الساحلي الذي يطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وهو يمتد نحو 2000 كيلومتر من الحدود العمانية غربًا حتى حدود السعودية شمالً. وتتصف هذه المنطقة بمناخ حار وأمطار قليلة، غير أنّها تتميز بعدَّة أودية زراعية تخترقها، وسيول كثيرة مقبلة من أمطار المناطق الجبلية، وبإقليم المرتفعات الجبلية الذي يمتد من أقصى شمال البلاد حتى أقصى جنوبها الغني بالأودية السطحية التي تجري فيها سيول الأمطار الصيفية الغزيرة. وتُعدُّ جبال هذا الإقليم الأكثر ارتفاعًا في شبه الجزيرة العربية؛ إذ يتجاوز ارتفاع أعلى قمة فيها 3660 مترًا عن سطح البحر. أمَّا الإقليم الثالث فهو إقليم الأحواض الجبلية، وهو يتكون من الأحواض والسهول الجبلية الموجودة في المرتفعات الجبلية، وأهمها حوض يريم وذمار ومعبر، وحوض صنعاء وعمران وصعدة. وأمَّا الإقليم الرابع فهو إقليم المناطق الهضبية، وهو يقع في جهة الشرق والشمال من إقليم المرتفعات الجبلية التي توازيه، غير أنها تتسع أكثر فأكثر في اتجاه الربع الخالي. ويتشكل معظم سطح هذا الإقليم من سطح صخري صحراوي تمر فيه بعض الأودية، وبخاصةً وادي حضرموت ووادي حريب. وأمَّا الإقليم الخامس فهو إقليم الصحراء في الربع الخالي، وهو إقليم رملي يكاد يخلو من الغطاء النباتي ماعدا مناطق مجاري مياه الأمطار التي تسيل فيها بعد سقوطها على المناطق الجبلية المتاخمة للإقليم. ويتشكّل الإقليم السادس من مجموعة الجزر اليمنية ذات التضاريس والمناخ والبيئة الخاصة، من أهمها: جزيرة كمران، وهي أكبر جزيرة مأهولة في البحر الأحمر، وجزر أرخبيل حنيش، وجزيرة ميون؛ وهي ذات موقع إستراتيجي في مضيق باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. أمّا في البحر العربي فنجد أرخبيل سقطرى، وتُعدُّ جزيرة سقطرى أكبر جزره، وهو يشمل، إضافة إلى هذه الجزيرة، جزر سمحة، ودرسة، وعبد الكوري. وتتميز جزيرة سقطرى بتنوعها الحيوي؛ إذ يُقدَّر نباتها على اليابسة بنحو 680 نوعًا.
التاريخ السياسي لليمن2
وصلت أصداء دعوة الإسلام إلى اليمن الذي كان في تلك الأثناء منقسم بين قوى قبلية، هي: ح ميَ، وحضرموت، وكندة، وهمدان ومجزَّأ، وبين حكم فارسي في صنعاء وعدن وما حولها، ونفوذ روماني حبشي متمثل بجيب في نجران، وهو الجيب الذي كان فيه نصارى نجران. ودخل أهل اليمن الإسلام، طوعًا بين العام السادس للهجرة وعام الوفود في السنة العاشرة ماعدا نصارى نجران. وبدخول أهل اليمن في الإسلام أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم من قبله ولاةً، وثبت بعض قياداتها القبلية على ما هي عليه وأعاد تنظيم الأوضاع القبلية، وربط كلّ ذلك بالواجبات الإسلامية التي ينبغي أن تدفع إلى مركز الدولة في المدينة، وجرى تقسيم اليمن إداريًّا إلى مخاليف ثلاثة هي: الجند وصنعاء وحضرموت. بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يمضِ وقت قصير حتى قامت حروب "الردة" التي قادتها الدولة الإسلامية الجديدة ضد اليمنيين الذين رفضوا تسليم الزكاة لعاصمة الدولة المركزية في المدينة المنورة، وفضلوا إنفاقها على فقراء اليمن. ثمّ إنّ اليمنيين لم يكونوا بعيدين عن الصراع على السلطة الذي نشب بين أقطاب قريش منذ اليوم الأول بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم (ولا تزال تبعاته حتى يومنا هذا.) اشترك اليمنيون في جميع معارك الصراع على السلطة بين خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في العراق، والشام، والحجاز، حتى توصَّل الحسن بن علي عام 40 للهجرة (عام الجماعة) إلى الاتفاق مع معاوية على أن تصير الأمور شورى بين المسلمين بعد معاوية، وبذلك الاتفاق مُهِّد الطريق لبني أمية لإرساء خلافتهم وحُكْم المسلمين زمنًا ناهز القرن.ودخل اليمن تحت سيطرتهم بين عامي 41 و 132 للهجرة، قطعتها خلافة ابن الزبير في الأعوام المتراوحة بين عامي 64 و 73 للهجرة. وتميز العصر الأموي بكثرة الولاة على اليمن؛ فقد وليَ اليمن أكثر من خمسة وعشرين واليًا بمدد مختلفة لعل أطولها ولاية يوسف بن عمر الثقفي أخي الحجاج، وهو الذي استنابه عنه في اليمن وبقيَ في ولاية اليمن
ثلاث عشرة سنةً، ابتداءً من خلافة هشام بن عبد الملك عام 105 للهجرة، على أنّ المصادر لا تبيِّ أسباب كثرة العزْل والتولية. وفي أواخر الدولة الأموية غلب الخوارج على اليمن وهم الذين كانوا في حرب متواصلة ضدّ الدولة الأموية، وكان زعيمهم عبد الله بن يحيى الحضرمي الذي لُقِّب ب "طالب الحق"، والذي ثار بحضرموت، وتمكَّن بمن معه من رجال من دخول صنعاء، واستمرّ زحف الخوارج شمال في اتجاه مكة فسقطت بأيديهم، ثمّ استولوا بعد ذلك على المدينة، وبعدها توجه خوارج اليمن نحو الشام، إلَّ أنّ مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أخذ يُلحق بهم الهزائم ويطاردهم، حتى وصل إلى حضرموت منطلقهم الأول. وعيَّ مروان بن محمد واليًا جديدًا على اليمن هو الوليد بن عروة، وكان هذا آخر ولاة بني أمية قبل أن تهزم الجيوش العباسية مروان بن محمد في موقعة "الزاب" الشهيرة، ويبدأ عهد الخلافة العباسية.
ببدء العصر العباسي الأول سنة 132 هجرية عرف اليمن ولاةً عباسيين أقوياء تمكنوا من ضرب الثورات التي قامت ضدّهم في أغلب أرجاء اليمن، حتى أوائل القرن الثالث الهجري، عندما بدأ الضعف يسري في الدولة العباسية. وعانى اليمن، مثل غيره من بقاع العالم الإسلامي، المجابهات الدموية بين العباسيين وبني عمومتهم العلويين وقد غذت الأحداث التي وقعت مطلعَ القرن الثالث الهجري القوى المحلية برغبات في الانفصال عن الخلافة العباسية؛ فنشأت في اليمن، خلال ذلك الصراع، دويلات منفصلة أو مستقلة عن تلك الخلافة. ويبدو أنّ الخلافة العباسية قد أدركت توثُّبات أهل اليمن نحو الاستقلال فقامت بدعم حكم آل زياد السني في جهات تهامة، عام 203 للهجرة، كي تضمن بقاء الطرق التجارية البحرِّية بعيدةً من تقلبات الأحوال السياسية في المرتفعات التي استمرت فيها الصراعات العنيفة على السلطة، بين زعامات قبلية ومذهبية واستغرقت ما يناهز الأربعة القرون ابتداءً من نشوء الدولة الزيادية في تهامة، وانتهاءً بوقوع اليمن تحت الحكم الأيوبي عام 569 للهجرة. إثر ذلك سيطرت الدولة الأيوبية على معظم اليمن 626-569( ه)، خلفهم الرسوليون في تعز 858-626( ه)، وآل اليماني في حضرموت 926-621( ه.) ورثت الدولة الطاهرية 1517-1454()، وعاصمتها العامرية في رداع، مناطق نفوذ الدولة الرسولية وهي معظم اليمن ماعدا مناطق الجبال الشمالية التي تنافس عليها الأئمة الزيديون. واستمر حكمهم حتى أسقطهم المماليك 1538-1517()، ولم يستتبَّ الأمر للمماليك في صنعاء إلَّ شهورًا قليلةً؛ إذ انتهت سيطرتهم بسقوط القاهرة بيد العثمانيين، فأخرجهم الإمام شرف الدين وأولاده من صنعاء وغيرها إلى زبيد.
سيطرت أسرة الإمام شرف الدين 1573-1507() على اليمن حتى مجيء العثمانيين الذين لم تتسنَّ لهم السيطرة الكاملة على اليمن، بل دخلوا في صراع مع أسرة الإمام شرف الدين، حتى تمكن الإمام المؤيّد بالله محمد بن القاسم، من طرد العثمانيين والاستقلال باليمن عام 1635. بعد ذلك ظهر أئمة ضعفاء، الأمر الذي انعكس على الحالة السياسية في البلد؛ إذ أخذت المناطق في التمرد، وساعد على ذلك ظهور أكثر من إمام في وقت واحد، فتمكَّنت الدولة العثمانية من إعادة احتلال شمال اليمن عام 1872، في ما وقعت عدن والمناطق الجنوبية تحت الاحتلال والنفوذ البريطاني. واجه العثمانيون ثوراتٍ متعدِّدةً بزعامة الأئمة من بيت حميد الدين، وأعلن الإمام يحيى حميد الدين إمامته عام 1904، وخاض صراعًا ضدّ العثمانيين انتهى بتوقيع اتفاقية دعان عام 1911، وظلَّ الأتراك يحكمون معظم اليمن حتى انسحابهم منه بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى عام 1918. وأعلن الإمام يحي قيام المملكة المتوكلية اليمنية. وخلال فترة حكمه دخل في صراع مع بريطانيا على مناطق الحدود بين الجانبين، إضافةً إلى الحرب التي خاضها ضدّ الإدريسي في عسير، ثمّ ضدّ الملك عبد العزيز آل سعود التي انتهت بتوقيع اتفاقية الطائف عام 1934، وكان من نتائجها ضمّ الأقاليم نجران وجيزان وعسير إلى المملكة العربية السعودية، بصفة موقّتة، أصبحت دائمة بعد توقيع اتفاقية الحدود بين اليمن والسعودية عام .2000
نتيجةً للأوضاع المتردية التي شهدتها البلاد في عهد الإمامة المتوكلية، ظهرت الحركة الوطنية اليمنية في الداخل والخارج. وفي 17 شباط/ فبراير 1948 قُتل الإمام يحيى في الثورة الدستورية، وجرى إعلان السيد عبد الله الوزير إمامًا دستوريًّا لليمن، ولكنّ ولي العهد أحمد بن يحيى حميد الدين تمكَّن من القضاء على الثورة، ودخل صنعاء في 13 آذار/ مارس 1948، واستباح لقواته المدينة ثلاثة أيام. وقد استمر حكمه حتى وفاته متأثرًا بجراحه في 18 أيلول/ سبتمبر 1962؛ إذ تولى الحكم بعده ابنه محمد البدر، حتى قيام ثورة بعد أيام قليلة في 26 أيلول/ سبتمبر.1962 أمّا في مناطق اليمن الجنوبية، في ظلّ الحكم البريطاني، فقد ظهر عدد من السلطنات؛ أهمها السلطنة الكثيرية في حضرموت في بداية القرن العاشر الهجري 1967-1865()، والسلطنة القعيطية -1850(1967)، والسلطنة العبدلية 1959-1728() في لحج وعدن، وقد صارت كلّ هذه السلطنات بمنزلة محميات للبريطانيين عند احتلالهم عدن 1967-1839(.) وقد اتجهت بريطانيا في بداية عام 1954 لإقامة اتحاد فيدرالي يضم محميات عدن الشرقية، وآخر يضم محميات عدن الغربية مع الإبقاء على مدينة عدن بمنزلة كيان قائم بذاته. وفي أُ11 شباط / فبراير 1959 علن رسميًّا عن تأسيس (الاتحاد الفيدرالي للجنوب العربي)، ولكن مع تصاعد حركة الاستقلال بشقَّيها السياسي والمسلح في أواخر عام 1967، وهروب عدد من السلاطين والأمراء والمشايخ من حكام الولايات المختلفة ووزراء الاتحاد، اضطرت بريطانيا إلى التخلي عن خططها في الجنوب اليمني المحتل، وتلاشى (الاتحاد الفيدرالي للجنوب العربي) باستقلال البلاد في 30 تشرين الثاني / نوفمبر 1967 بعد أقل من تسعة أعوام على قيامه. ومنذ الاستقلال تعرض جنوب اليمن لهزات سياسية عنيفة نتيجةً للصراع الداخلي بين مختلف أجنحة الحكم، كان أعنفها أحداث 1986/1/13 بين الرفاق في الحزب الاشتراكي الذي كان حاكمً لجنوب اليمن آنذاك. وفي الجانب الآخر ظلّ شمال اليمن تحت حكم الأئمة الزيديين حتى 26 أيلول / سبتمبر 1962 حين جرى الإعلان في صنعاء عن إطاحة النظام الملكي وتأسيس الجمهورية العربية اليمنية. ولكن آخر الأئمة (الإمام البدر) تمكَّن من الفرار إلى الخارج، وقام من هناك بحشد رجال القبائل الموالية له وتجنيد المرتزقة الأجانب ضد الثورة والجمهورية، وحصل على الدعم بالسلاح والمال من المملكة العربية السعودية وبعض الدول العربية والأجنبية، وبدأ الهجوم المضاد من أقصى شمال اليمن. غير أنّ الأئمة لم ينجحوا في مساعيهم للعودة نتيجة لتكاتف أغلبية أبناء الشعب اليمني ضدهم، والدعم العسكري والسياسي من الجمهورية العربية المتحدة (مصر.) وعند توقف الدعم المصري، وانسحاب الجيش المصري من اليمن بعد هزيمة حزيران / يونيو 1967، استطاعت فلول الملكية أن تصل إلى مشارف صنعاء. وفي 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 بدأ حصار مؤلم للعاصمة استمر 70 يومًا، وانتهى بدحر الفلول الملكية، وفكّ الحصار عن صنعاء. وتزامنًا مع الثورة في الشمال، اندلعت ثورة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب، وحقّقت الثورة انتصارها باستقلال الجنوب اليمني بعد يومين فقط من بدء حصار صنعاء.
بعد انتصار الثورة في كلّ من صنعاء وعدن بدأت ملامح مرحلة جديدة من العلاقات بين شطري اليمن مثَّل الخلاف طابعها العام.ّ وخلال الفترة المتراوحة بين 1967 و 1990، خاض الشطران حربين في ما بينهما، واشتباكاتٍ عسكريةً حدوديةً عديدةً، إضافةً إلى توقيع عدَّة اتفاقيات وحدوية كان أولها اتفاق القاهرة في عام 1972، وآخرها اتفاقية عدن في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 التي تُوِّجت بإعلان الوحدة اليمنية في مدينة عدن في 22 أيار/ مايو 1990، وقيام الجمهورية اليمنية وعاصمتها السياسية صنعاء. دبَّت الخلافات بين شركاء الحكم من الشمال والجنوب، ونشأت أزمة سياسية حادة قادت البلاد إلى حرب الانفصال المؤلمة عام 1994، انتهت بلجوء نائب الرئيس ورفاقه في الدعوة إلى انفصال الجنوب إلى الخارج، وتثبيت الوحدة اليمنية، وسيطرة رموز الدولة في شمال اليمن سابقًا على مقاليد الأمور. بعد حرب عام 1994، ظلّ اليمن موحدًا ومستقرًّا نسبيًّا. غير أن الحكومة التي اعتمدت في تثبيت سيطرتها على الولاءات القبلية، والمصالح التجارية، فشلت في تنفيذ وعودها المتعلّقة بحياة كريمة للمواطنين، وسيادة العدالة والمساواة وحكم القانون. فعلى النقيض من ذلك تدهور المستوى المع شي في البلاد، وانتشر الفساد والمحسوبية، وسيطرت فئة قليلة على قدرات البلاد الاقتصادية، وضعفت قبضة
الدولة؛ ما أدَّى إلى نشوء حركة تمرد عسكرية مذهبية في الشمال بقيادة الحوثي، وظهور الحراك الجنوبي المطلبي السلمي الذي تطور إلى حدّ المناداة بإعادة انفصال الجنوب. وقد تُوِّجت تلك الحركات بموجة غضب عارمة في طول البلاد وعرضها، أدَّت إلى اندلاع ثورة ربيع اليمن عام.2011
بدأت الأزمة السياسية في اليمن في النصف الثاني من عام 2010 مع زيادة الصراع بين الحكومة والمعارضة. وزادت حدة التوتر في الربع الأول من عام 2011، وتطورت إلى انتفاضة شعبية عارمة بدأت متزامنةً مع الانتفاضات الشعبية في بقيَّة دول الربيع العربي. فقد اجتاحت الاحتجاجات الشعبية معظم المدن الرئيسة اليمنية، وتطورت الأحداث بانضمام قيادات في النظام السَّابق إلى الحركة الشعبية المطالبة بالتغيير. وبعد فترة عصيبة مرت بها البلاد بدا من الواضح صعوبة هزيمة فلول النظام السَّابق. ولذلك جنحت الأطراف المتنافسة إلى سلوك طريق الحلّ السياسي الذي بدا هو الأمثل لتجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب أهلية. وبوساطة حميدة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية جرى الاتفاق على بنود "المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمَّنة"، وجرى توقيع الاتفاقية في مدينة الرياض في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، وكان من أهمّ إنجازات تلك الاتفاقية تشكيل حكومة وحدة وطنية في كانون الأول / ديسمبر 2011، بالمناصفة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، ثمّ التوافق على انتخابِ نائب الرئيس السَّابق رئيسًا، وبدْء توافقيًّا للجمهورية في شباط / فبراير 2012 مؤتمر للحوار الوطني الشامل في آذار / مارس 2013؛ ما يُ هّد الطريق لصوْغ جديدٍ للدستور، ثمّ إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كان من المقرر إجراؤها في شباط / فبراير 2014. غير أنّ تطور الأحداث وعدم انتهاء مؤتمر الحوار في موعده أدَّيَا إلى التوافق على تأجيلها. وقد اختتم مؤتمر الحوار في 21 كانون الثاني / يناير 2014؛ إذ جرى تمديد الفترة الانتقالية عامين إضافيين، والاتفاق على تفويض رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة لتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، ثمّ إعداد الدستور وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.
المجتمع اليمني
المجتمع اليمني مجتمع تقليدي إلى حدّ كبير؛ ذلك أنّ مكانة الإنسان تتحدَّد منذ مولده، وأغلبيّة الشعب اليمني هم من القبائل، سواء كانوا من قبائل كبيرة كما هو الحال مع قبيلتي حاشد وبكيل، أو جزءًا من قبائل أصغر من بضع مئات من الناس ترتبط ببعضها ارتباطًا على نحوٍ ما؛ مثل قبيلة مذحج. ومعظم القبائل اليمنية مستقرة، يعمل أفرادها في الزارعة، إضافةً إلى بعض القبائل التي مازالت من البدو الرحل. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات، فإنّ التقديرات تقول إن 80-75 في المئة من سكان اليمن هم من القبائل. وفي العقود الأخيرة انخرط أفراد القبائل في التعليم وحصل بعضهم على مؤهلات علمية مكَّنتهم من العمل في مناصب كبيرة كانت حكرًا على طبقات أخرى من المجتمع. تقليديًّا كانت طبقة السادة (الفئة التي تدَّعي اتصال نسبها بالرسول صلى الله عليه وسلم)، حتى ثورة 26 سبتمبر 1962، تُعَدُّ في قمة الهرم الطبقي. وتختلف السلطات والمكانة التي تتمتع بها هذه الطبقة من منطقة إلى أخرى؛ ففي منطقة حضرموت مثلً يمتلك أصحاب هذه الطبقة معظم الأرض، ولديهم سلطات سياسية واجتماعية كبيرة. وفي مناطق أخرى قد يكونون كذلك، أو أقلّ حالً، أو حتى من الفقراء. وقد يكون السادة من السنة أو من الذين يتَّبعون المذهب الزيدي، على أنّ السادة فقدوا مكانتهم، كأكثر فئة تحظى بالاحترام والتقدير، منذ منتصف القرن الماضي.
أمّا الفئة الاجتماعية الثانية فهي طبقة القضاة، وتستمدّ هذه الفئة سلطتها من المعرفة الدينية والقانونية. وكما هو واضح من الاسم فإن أفراد هذه الفئة كانوا يعملون عادةً قضاةً، أو معلمين، أو موظفين، وعلى الرغم من أنّ مكانة القاضي لا ترتبط بالضرورة بمولده، فإنّ تلك الفئة على مرّ الزمن تحولت إلى طبقة اجتماعية. وفي الوقت الحاضر لم يعدْ عمل تلك الفئة محصورًا على القضاء والعمل مع الحكومة. وللقضاة تأثير سياسي كبير يمكن مقارنته بتأثير السادة.
وأمَّا الفئة التي تلي القضاة فهي فئة القبائل، الممثلة بأغلبيّة سكان البلاد، والمُكونة من الطبقة العاملة في الزراعة. ثمّ تأتي طبقة التجار، وهي الفئة التي تقوم بالشراء والبيع، إضافةً إلى الفئة العليا من الحرفيين، وعلى الرغم من أنّ تلك الفئة كانت تُعَدُّ من الفئات الدنيا، فإنّ ذلك قد تغير في العقود الأخيرة؛ إذ تمكَّن هؤلاء من تكوين ثروات، كما توجه أفراد من السادة والقضاة والقبائل للعمل في التجارة لما تمثّله من بيئة خصبة لتكوين الثروات.
وأمَّا الفئة الدنيا في قائمة الطبقات فهي تتكون من مجموعات مختلفة، وتتوزع في مناطق متعدّدة من البلاد، ومنها أفراد ذوو بشرة سوداء (المهمشون)، يعملون عادةً في الزراعة أو الخدمات التي تعزف عنها بقيَّة الطبقات، أو غيرهم ممن يعملون أعمالً يدويةً يكتسبون مهاراتها من آبائهم؛ مثل الجزارة والحلاقة. ويواجه أفراد هذه الطبقة صعوبات في تغيير واقعهم نتيجةً لما يفرضه عليهم المجتمع من قيود، ويتمكن بعضهم فقط من كسر هذه الحواجز من خلال التعليم. من جانب آخر تعيش المرأة اليمنية في مجتمع محافظ يضع قيودًا وحدودًا عليها؛ لذا نجد مستوى الأمية لدى النساء أعلى كثيرًا منه لدى الرجال، شأن نسبة البطالة. وعلى الرغم من أنّ المرأة اليمنية حصلت منذ وقت مبكر على حقوق سياسية تمثّلت بحقّ الترشح والانتخاب، فإنّ القيود الاجتماعية كانت دائمًا عائقًا أمام وصولها إلى مواقع صنع القرار في المجتمع. وقد مثلت انتفاضة عام 2011 فرصةً تمكَّنت المرأة اليمنية فيها من المشاركة الفعالة في الاحتجاجات، وظهر ذلك الأثر في مؤتمر الحوار الوطني الذي مثلت فيه النساء 30 في المئة من المشاركين. وتمكنت المرأة من تحقيق مكاسب إضافية على المستوى السياسي من خلال الاتفاق على وضع (كوتا) للنساء في المجالس التشريعية والرقابية التي سيجري تكوينها مستقبل. وعلى الرغم من أنّ التركيبة الاجتماعية التقليدية تتقوض نتيجة لظهور قوى اجتماعية جديدة تعتمد على المال والسلطة، وتشمل التجار ورجال الأعمال، إضافةً إلى ذوي الرتب العسكرية، فإنّ التركيبة التقليدية مازالت تمثّل أهميةً كبيرةً لدى المجتمع. من الناحية الدينية نجد في اليمن مذهبين رئيسين إلى جانب بعض الجماعات التي تتبع مذاهب مختلفة، فأغلبيّة اليمنيين يتبعون مذهب الإمام الشافعي (السني)، إضافةً إلى أنّ منهم من يتَّبع مذهب الإمام زيد بن علي، المعروف ب "الزيدية" (وهو مذهب شيعي.) وعلى الرغم من الصراع الحالي بين المذهبين فإنّ التعايش بينهما كان، حتى وقت قريب، هو السمةَ الغالبةَ. وتسود الزيدية معظم المحافظات شمال اليمن من صعدة إلى ذمار، في حين يُعد معظم سكان المناطق جنوب ذمار من أتباع المذهب الشافعي. وقبل قيام ثورة سبتمبر 1962، كان الأئمة - وهم من الزيدية - يحكمون شمال اليمن، وجاءت الثورة لتضع حدًّا للتقسيم المذهبي، واختفت تقريبًا المدارس التي تدرِّس المذاهب، ليصبح التعليم الديني جزءًا من التعليم العامّ الذي تضطلع به الحكومة حتى بداية ثمانينيَّات القرن الماضي؛ إذ يرى الكثيرون أنّ تأسيس مدرسة للسلفية في صعدة، وإحياء مدارس الزيدية فيها وفي صنعاء قد أدَّيا إلى تأجيج الصراع، ثم إلى قيام ما يسمى الحركة الحوثية المسلحة التي خاضت عدَّة حروب ضدّ الحكومة اليمنية، وسيطرت في الفترة الأخيرة على نحوٍ كامل على محافظة صعدة، إضافة إلى أجزاء من محافظات أخرى.
الاقتصاد اليمني
تساهم خمسة قطاعات رئيسة في توليد معظم الناتج المحلي في اليمن وهي التجارة والزراعة والصناعات الاستخراجية (بما في ذلك النفط والغاز)، ثمّ النقل والتخزين، وأخيرًا قطاع منتجي الخدمات الحكومية. ومن جانب آخر، فإنّ قطاع النفط الذي تعتمد عليه موازنة الدولة بأكثر من 65 في المئة من مواردها، تتأثر مساهمته بالأسعار العالمية للنفط وتذبذب الإنتاج النفطي الذي يعاني تناقصًا مستمرًّا نتيجة لانخفاض قدرة الآبار المعمرة على الإنتاج وتعرُّض المنشآت النفطية للتخريب. وفي عام 2012 كانت مساهمة القطاعات الرئيسة في الناتج المحلي الإجمالي لليمن، مرتبةً تنازليًّا وهي؛ قطاع التجارة بنسبة 17.5 في المئة، ثمّ الزراعة بنسبة 15.6 في المئة، ثمّ قطاع الصناعات الاستخراجية (متضمنًا إنتاج النفط والغاز) بنسبة 12.7 في المئة، فالنقل والتخزين في المئة، وأخ بنسبة 11.9 ا قطاع منتجي الخدمات الحكومية
الذي يساهم بنسبة 10.7 في المئة3 (الشكل 1.) وعلى الرغم من تراجع مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، فإنّ ذلك القطاع لا يزال يستوعب أغلب اليد العاملة اليمنية، وتتفاوت نسبة مساهمته في الناتج بحسب جودة الموسم الزراعي والمساهمة النسبية لبقية القطاعات، وبخاصة قطاع الصناعات الاستخراجية الذي تتأثر مساهمته في الناتج بتذبذب الإنتاج النفطي. وتتّضح صورة الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها اليمن من خلال النظر إلى الأداء الاقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية. فبعد أن سجَّل الناتج المحلي الإجمالي نموًّا سلبيًّا بلغ 10.5 في المئة في ذروة الأزمة عام 2011، تشير البيانات الأولية المتوافرة إلى أنّ الناتج الحقيقي قد عاد عام 2012 ليسجّل نموًا إيجابيًّا متواضعًا لم يتعد 0.1 في المئة، في حين يُقدَّر أن يكون الناتج عام 2013 قد نما بمعدل 4.4 في المئة (الشكل.)2 وعلى مدى عقود، كان اقتصاد اليمن يعتمد على مصادر خارجية للدخل بما في ذلك تحويلات العاملين، والمساعدات الخارجية. وقبل اكتشاف النفط وتصديره كانت تحويلات المغتربين المصدر الأكبر من موارد البلاد من النقد الأجنبي (الشكل 3)، ثمّ حلَّت صادرات النفط والغاز محلَّها منذ بدء الإنتاج عام 1987. وعلى الرغم من أنّ إيرادات صادرات النفط مثَّلت مصدرًا مهمًّ للدخل منذ بدء التصدير، فإن تلك الإيرادات قد اتسمت بالتذبذب، ووصلت إلى أعلى مستوى لها عام 2008، ثمّ بدأت إيرادات النفط في الانحسار (الشكل 4)؛ بسبب انخفاض الإنتاج من آبار النفط المعمرة، وزيادة الاستهلاك المحلي للنفط، واستهداف أنابيب النفط بالتخريب.
لم تحقّق الثروة النفطية الجديدة الآمال المعقودة عليها في إنعاش الاقتصاد والتسريع بعجلة التنمية؛ وذلك نتيجةً لسوء استخدام تلك الثروة. وقد أشار تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أنه "على الرغم من توافر الموارد، والحرِّيات السياسية الفريدة من نوعها في الشرق الأوسط، والقدرة الجديرة بالذكر على التغلب على صدمات أسعار النفط والحرب الأهلية، لم يتمكن اليمن من تحقيق الآمال المعقودة عند توحيد البلاد عام "19904. فلا يزال اقتصاد اليمن يصنف بوصفه أفقر الاقتصادات في المنطقة العربية.
العوامل التي أدت إلى الانتفاضة الشعبية في شباط / فبراير 2011
إنّ الاحتقان السياسي الناجم عن الاختلال الواضح في آليات انتقال السلطة، وتركّز الثروة والنفوذ في أيدي فئة قليلة من السكان، وسيطرة الحكم العائلي والأسر التقليدية على مراكز اتخاذ القرار، كل ذلك كان أرضيةً خصبةً لحدوث انتفاضة عام 2011. إلا أنّ المتابع للشأن اليمني يخلص إلى أنّ الفشل في المجال الاقتصادي كان له الغلبة في تأجيج مشاعر عامة السكان، وكان بدوره نتيجةً حتمية لتراكمات 33 سنةً من فشلِ النظام في بناء دولة المؤسسات، بل إنه ساهم في تقويض مؤسسات الدولة التي ورثها من النُّظم التي سبقته. فعلى الرغم من أنّ الأوضاع المواتية الناتجة من اكتشاف النفط وبدء إنتاجه وتصديره عام 1987، ثمّ بدء تصدير الغاز الطبيعي عام 2009، فقد فشل النظام السَّابق في استغلال الثروات الجديدة لتحسين الأداء الاقتصادي. ثمّ إنّ انحيازه إلى النظام العراقي أثناء غزو دولة الكويت أدَّى إلى استعداء كلّ دول الخليج العربية التي كانت سوقًا لأكثر من مليون عامل يمني، ومصدرًا للمساعدات والمشاريع التنموية. فأدَّى ذلك إلى عودة أغلب اليد العاملة التي كانت تعمل في الخليج، وإلى إيقاف المساعدات التي كان اليمن يحصل عليها من تلك الدول؛ لذلك فقد اليمن جزءًا كبيرًا من العوائد التي كانت تمثّل مصدرًا رئيسًا للدخل. وأدّت عودة مئات الآلاف من العمال من الخليج أيضًا إلى ارتفاع معدل البطالة وزيادة الضغوط على الموارد المحلية الشحيحة أصل. نخلص إلى القول إنّ الاقتصاد اليمني متمثِّل بغنى في الموارد البشرية وفقر في الموارد الطبيعية المُتاحة. ففي مساحته الكبيرة يقطن نحو 25 مليون نسمة، ممّ يجعل اليمن أعلى بلدان الجزيرة العربية سكانًا. وينمو هذا العدد بأكثر من 3 في المئة سنويًّا، ولذلك فمن المتوقَّع أن يزيد عدد سكان اليمن ليصل إلى 60 مليون نسمة بحلول عام .2035
| منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا | اليمن | المؤشر |
|---|---|---|
| 325 | 25.9 | عدد السكان (مليون) |
| 2000 | 1283 | نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (دولار) |
| -- | 133 | الترتيب في مؤشر التنمية الإنسانية)HDI( |
| 16.9 | 45 | نسبة السكان تحت خط الفقر)%( |
| 58 | 31.8 | سكان الحضر %(من إجمالي السكان) |
| 71 | 63 | العمر المتوقع عند الولادة (سنة) |
| 27 | 78 | نسبة الوفيات بين الأطفال الرُّضع (لكل ألف) |
| 12 | 43 | نسبة الرضع تحت سن الخامسة الذين يعانون سوء التغذية |
| 87 | 62 | نسبة السكان الذين يحصلون على مصادر آمنة لمياه الشرب |
| 2.7 | 1.1 | الإنفاق على الصحة %(من الناتج المحلي الإجمالي) |
| 4.7 | 5.2 | الإنفاق على التعليم %(من الناتج المحلي الإجمالي) |
| 5.2 | 4.0 | الإنفاق العسكري %(من الناتج المحلي الإجمالي) |
| 26 | 39 | نسبة الأمية بين الكبار |
ويعدُّ أكثر من 45 في المئة من سكان اليمن دون سن 15 سنةً، يعيش أغلبهم على الزراعة. وعلى الرغم من مساحة اليمن الكبيرة نسبيًّا، فإنّ الأرض الصالحة للزراعة تُعَدُّ صغيرة، مقارنةً بالكثافة السكانية العالية؛ إذ لا تتعدى 3 في المئة من إجمالي مساحة البلاد. ويُعدّ اليمن من الدول الفقيرة من حيث الموارد المائية؛ إذ تعتمد الزراعة فيه على الأمطار الموسمية التي تهطل بغزارة متوسطة في فصل الصيف، والتي وإن كانت مفيدةً، فإنّ أغلبها لا يُستغلّ، كما أن هَطْلها يؤدِّي أحيانًا إلى فيضانات مدمِّرة؛ مثلما حدث في حضرموت وصنعاء. وتشير التقارير إلى تعرض أحواض المياه الجوفية المحدودة للاستنزاف السريع، بخاصة منذ عام 2011، بعد الأزمة السياسية التي أدَّت إلى ضعف رقابة الدولة على الحفْر العشوائي والاستغلال غير القانوني للموارد المائية. ومن ثمّ تُحذر التقارير الدولية من تعرُّض اليمن لخطر مشكلة ندرة المياه، خصوصًا في المدن الرئيسة. ولليمن شواطئ طويلة غنية بالثروات السمكية، غير أنّ تقارير المنظمات الدولية تشير إلى أنها معرّضة للخطر نتيجةً لسوء الاستغلال. ويتوافر في اليمن العديد من الموارد الطبيعية والمعدنية، إلَّ أنها لم تستغلّ بعد، في حين تظلّ الموارد المُكتشفة والمُستغلة قاصرةً على النفط الخام والغاز الطبيعي، وتلك الموارد تعجز عن تغطية حاجات التنمية المستدامة؛ إذ تتوافر في اليمن احتياطيات تُقدَّر ب 2.7 مليار برميل من النفط الخام بدأ الإنتاج منه عام 1986، و 0.5 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي بدأ استغلاله تجاريًّا عام 2009، وتشير أغلب التقديرات إلى أنّ احتياطيات اليمن من النفط تتناقص بسرعة، وإلى أنه من المتوقع نضوبها خلال سنوات قليلة، إن لم تحدث اكتشافات جديدة.
لقد دأبت أدبيات الاقتصادية وسياسية عديدة منذ سنوات على وصف اليمن بأنه "دولة فاشلة" state Failing. ولا شكّ في أنّه وصْف لم يأتِ من فراغ. فقد فشلت الحكومات المتعاقبة على البلاد في إحداث تنمية اقتصادية حقيقية ومستدامة، على الرغم من توافر الموارد الطبيعية التي تساعد على تحقيق ذلك الهدف. ويظهر ذلك الفشل جليًّا في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة المنشورة في دوريات المنظمات والهيئات الدولية المهتمة بالتنمية؛ مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ويُصنَّف اليمن ضمن دول العالم الأقل نموًا، وهو يعدُّ من أفقر الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمتوسط نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي لا يزيد عن 64 في المئة من مثيله في المنطقة، ونحو نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر.
| اليمن | ليبيا | تونس | مصر | |
|---|---|---|---|---|
| 7.7 | 5.0 | 3.1 | 5.1 | 2010 (قبل الربيع العربي) |
| 10.5- | 62.1- | 1.9- | 1.8 | 2011 |
| 2.4 | 104.5 | 3.6 | 2.2 | 2012 |
| 4.4 | 6.0- | 2.6 | 2.1 | تقدير 2013 |
| 6.0 | 23.0 | 3.0 | 3.0 | متوقع 2014 |
ويُبين الجدول 1() وضع اليمن مقارنةً بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فنلاحظ أن كلّ مؤشرات التنمية في اليمن هي أسوأ كثيرًا من متوسط تلك المؤشرات على مستوى المنطقة؛ إذ يعاني اليمن ارتفاع معدل النمو السكاني الذي يزيد على 3 في المئة سنويًّا - وهو من أعلى المعدلات في العالم - وترتفع نسبة البطالة في اليمن لتصل إلى أكثر من 30 في المئة بحسب أغلب التقديرات. وأغلب العاطلين عن العمل هم من الشباب والخريجين الجدد من الجامعات. وعلى الرغم من تحسُّن المستوى التعليمي في اليمن خلال العقود الأخيرة، فإنّ نسبة الأمية فيه لا تزال مرتفعةً؛ إذ تبلغ 27 في المئة بالنسبة إلى الذكور و 65 في المئة بالنسبة إلى الإناث 39(٪ في المتوسط.) ومع هذا المعدل المرتفع للنمو السكاني، وارتفاع معدل الأمية، وانتشار البطالة، إضافةً إلى تدني مستوى الدخل، تتضح لنا نسبة التحديات التي مازالت تواجه البلاد.
وبصفة عامة فإنّنا إذا قارنَّا اليمن بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجدنا أنّ الأداء التنموي لم يكن على مستوى التحديات، وأنه كان أقلّ كثيرًا من المتوسط في المنطقة في جميع الجوانب التنموية (الشكل 5.) ولعلّ من أهمّ المؤشرات التي تلفت الانتباه إلى تدني الأداء التنموي في اليمن، مقارنةً بمتوسط بقيَّة دول المنطقة هو الاستثمار في الموارد البشرية. فالاستثمار في الموارد البشرية، كما نتبين ذلك من الشكل 5()، أقلّ على نحوٍ كبير من مثيله المتوسط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولذلك، فإنّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وفشل الحكومات السَّابقة في تقليل مستوى الفقر، وتحسين مستوى المعيشة، والحدّ من البطالة والتضخم، كانت عوامل مهمّةً في ازدياد الغضب الشعبي وخروج الشباب في شباط / فبراير 2011، مطالبين بتغيير واقعهم المر، وإعطائهم أملً في مستقبل أفضل. ولا شك في أنّ العامل الاقتصادي كان هو المحرك الأساسي للانتفاضة، وإن كانت هناك عوامل سياسية واجتماعية أدَّت إلى زيادة الإحساس بعدم الرضا، والتطلع إلى التغيير.
اليمن وتحديات التنمية
واجه اليمن - مثل تونس ومصر وليبيا - تحدياتٍ تنمويةً كبيرةً؛ ففي الوقت الذي أتت فيه انتفاضات شعوب تلك الدول بآمال عريضة لتحسين مستوى المعيشة، وإحداث تنمية حقيقية، زادت الأحداث التي شهدتها تلك الدول عام 2011، وما نجم عنها من عدم استقرار سياسي واقتصادي، تعقيدًا شديدًا. وقد أظهرت دراسة مقارنةً حديثة للبنك الدولي أنّ حالة عدم الاستقرار التي تعيشها دول "الربيع العربي" أثَّرت على نحوٍ كبير في معدلات التنمية فيها؛ إذ انخفضت نِسَب نمو الناتج المحلي الإجمالي في تلك الدول مقارنة بالدول الأخرى. ويبين الجدول 2() أنّ تلك الدول لم تتمكن بعد من استعادة معدلات النمو التي كانت سائدةً قبل عام 2011. وإجمالً، يواجه اليمن تحديات كبيرةً على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
التحديات السياسية
من المسلَّم به أنّ اليمن قد حقّق تقدمًا ملحوظًا في عملية الانتقال السياسي بعد "ثورة الربيع اليمني"، ويعزّز هذا الانطباع انتهاء أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وما توصَّلت إليه مختلف القوى السياسية من توافق بشأن قضايا كثيرة؛ لعل أهمها قضية شكل الدولة، والقضية الجنوبية، وقضية صعدة (وهي تتعلق أساسًا بالحركة المسماة "الحوثية.)" غير أنّ ذلك التوافق لم يُنهِ الصراع الذي ما زال مستمرًّا، ويزداد ضراوةً في كلّ أرجاء البلاد. ويأخذ هذا الصراع أشكالً عدّة أخطرها المواجهات المسلحة. وتعمل أطراف عديدة على تعزيز مواقفها على حساب الدولة؛ ففي المناطق الجنوبية يزداد نفوذ تنظيم القاعدة الإرهابي في مناطق متعدّدة ويستمرّ التنظيم في تنفيذ هجمات متزايدة تستهدف الجيش. وفي هذه المناطق، أيضًا، يعمل "الحراك الجنوبي"، وهو تنظيم يدعو إلى انفصال المحافظات الجنوبية عن اليمن، لزيادة الضغط على الحكومة من خلال تنظيم هجمات
| النصيب من الناتج المحلي الإجمالي)%( | ||||
|---|---|---|---|---|
| 2010 | 2009 | 2008 | 2007 | |
| 24.3 | 21.2 | 33.8 | 22.9 | دعم المشتقات البترولية |
| 4.7 | 3.5 | 3.2 | 3.4 | الصحة |
| 15.5 | 16.3 | 13.1 | 14.5 | التعليم |
| 2.9 | 2.7 | 0.2 | 0.2 | الحماية الاجتماعية |
| 13.6 | 18.2 | 20.3 | 24 | الخدمات العامة |
| 10.8 | 16.4 | 13.3 | 15.7 | الدفاع |
| 28.2 | 21.7 | 16.1 | 19.3 | أخرى |
| 100 | 100 | 100 | 100 | الإجمالي |
مسلحة ضدّ قوات الأمن والجيش. أمّا في الشمال فتواصل جماعة "الحوثي" زيادة نفوذها وبسْط سيطرتها على مناطق جديدة، مستغلة تآكل سيطرة الدولة. وفي هذا الوضع الهش يستمرّ نمو الصراعات المحلية الطائفية والمذهبية. ويغذي تلك الصراعات العديد من الجهات الخارجية التي من مصلحتها استمرار حالة عدم الاستقرار في اليمن. ويُعَدُّ إعادة تشكيل الدولة من أهمّ التحديات التي سيواجهها اليمن في الفترة المقبلة، وقد جاء توافق القوى السياسية على تشكيل دولة اتحادية بأقاليم متعدّدة حلًّ بديلً أمام عدم قدرة الدولة الحالية على إدارة شؤون الناس، على أنّ تأسيس دولة اتحادية ليس بالأمر الهين؛ لذا سيواجه اليمنيون تحدياتٍ كبيرةً لإنشاء دولة مركبة على أنقاض دولة بسيطة، في ظلّ ضعف المؤسسات الحكومية ومحدودية القدرات البشرية المتوافرة. ومما يزيد الأمر تعقيدًا استمرار حالة الاستقطاب السياسي، وسعي الأطراف السياسية لتحقيق مكاسب على حساب الدولة. فعلى سبيل المثال قامت حكومة النظام السَّابق بتوظيف 20 ألف موظف جديد عام 2011، وفي المقابل قامت الحكومة الانتقالية الحالية بتوظيف ما لا يقلّ عن 100 ألف؛ ما بين مدني وعسكري خلال سنتين، لتضيف إلى الجهاز الحكومي الذي يعاني الترهل أصلً، المزيد من الأعباء. وفي شباط / فبراير 2014، قامت لجنة رئاسية بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، بناءً على معطيات سياسية خالصة، من دون أخذ العوامل الاقتصادية في الحسبان. وذلك يعني أنّ بعض الأقاليم لن تكون قادرةً على تحقيق التنمية في ظلّ موارد شحيحة.
إنّ تحقيق "انفراج سياسي" على أرض الواقع سيظل على المحك، وسيظل التحدي كبيرًا لتطبيق ما جرى الاتفاق عليه في مؤتمر الحوار، في ظلّ استمرار الصراع، وعدم قدرة الدولة على فرْض القانون، وفي ظلّ وضْ ع أمني يتَّسم بالهشاشة وعدم الاستقرار؛ إذ تتنامى في البلاد أعمال التخريب التي تطال البنية التحتية الفقيرة أصلً، بخاصة خطوط نقل الطاقة الكهربائية، وأنابيب النفط والغاز.
التحديات الاقتصادية
لا شك في أنّ النجاح في تحقيق انفراج السياسي يعدُّ خطوةً مهمةً على طريق مستقبل أفضل لليمن. غير أنّ ذلك لن يضمن للبلاد تلقائيًّا الاستقرار والتنمية الاقتصادية. فمن دون تحسن المستوى المع شي للسكان لن يكون في الإمكان تصوُّر تلبية طموح أولئك الذين خرجوا في شباط / فبراير 2011، مطالبين بالحد الأدنى من العيش والكرامة. وتعدُّ المحافظة على نمو مرتفع في الناتج المحلي الإجمالي، والمساهمة في خلق وظائف جديدة للحد من البطالة المتزايدة بين الشباب، من التحديات الاقتصادية الرئيسة أمام الحكومة اليمنية. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون التقليل من الاعتماد على النفط محركًا للاقتصاد، وتنويع هيكل الإنتاج والتصدير، وتصحيح الوضع العامّ للمالية على أساس أكثر استدامةً، وتحسين البنية التحتية، بخاصة في مجال الكهرباء والمياه والمواصلات وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات عن طريق سيادة القانون، وزيادة مستوى الشفافية في القطاع الحكومي خاصةً، وأخيرًا إجراء إصلاحات قضائية كثيرة.
ويمكن فهم عمق التحدي التنموي إذا علمنا أنّ نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مطلق في اليمن تصل إلى أكثر من 45 في المئة5، ومن المقدّر أنها قد ارتفعت أثناء انتفاضة عام 2011 وبعدها، لتصل إلى أكثر من 54 في المئة. أمّا معدل البطالة فقد تجاوَز 40 في المئة. وفي ظلّ الموارد الشحيحة المتوافرة محليًّا وتوسُّع حاجات العدد المتزايد من السكان، وضُ عف البنية الإنتاجية في الاقتصاد، إضافةً إلى التحديات السياسية والأمنية السالف ذكرها، يصبح من الصعب تصور الكيفية التي ستؤدِّي إلى كسر تلك الحلقة المفرغة من دون حصول اليمن على الدعم الخارجي، أو حدوث اكتشافات جديدة للثروة النفطية. ومن خلال مقارنة اليمن بدول "الربيع العربي" يظهر أداء اليمن متواضعًا؛ ذلك أنّ نسبة الالتحاق بالمدارس ما زالت هي الأقل، كما أنّ الخدمات
الصحية في اليمن ما زالت من دون المستوى كما يتضح من الشكل
ويعكس المستوى المتدني لمؤشر التنمية البشرية HDI حصيلة التحديات التنموية التي تواجه البلاد. ففي عام 2010 ورَد اليمن في المرتبة 133 من بين 169 دولة شملها تقرير التنمية البشرية. وهذا الوضع ليس أعلى بكثير من أفقر البلدان الأفريقية، ولا يتفوق داخل المنطقة العربية إلّ على الصومال، ومنذ عام 2011 زاد الأمر سوءًا؛ إذ بدأ مؤشر التنمية البشرية في اليمن في الانخفاض، وانخفض تبعًا لذلك ترتيب اليمن في مؤشر التنمية البشرية إلى المرتبة 160 عام .2012 ويعتمد الاقتصاد اليمني، والميزانية الحكومية، خاصةً، على الموارد الخارجية من إيرادات صادرات النفط، وتحويلات العاملين في الخارج. ويظهر لنا مدى التحدي الذي يواجه الحكومة اليمنية من جهة زيادة موارد الميزانية، وترشيد النفقات وتوزيعها بما يخدم أهداف التنمية؛ إذ وصل العجز المالي في عام 2012 إلى 12.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، واتجهت جُل النفقات إلى أغراض غير استثمارية. وبالنظر إلى توزيع النفقات الحكومية على أوجه النشاط المختلفة يتضح لنا القصور الشديد في الاهتمام بالجوانب التنموية. ففي حين يستحوذ دعْم المشتقات البترولية على نحو 34–23 في المئة من مجمل النفقات للفترة 2010-2007، ويستحوذ الإنفاق على الدفاع على نحو 16-11 في المئة، لا تتعدى ميزانية الصحة 4.7 في المئة، وميزانية التعليم نحو 16 في المئة (انظر الجدول.)3 وعلى الرغم من أنّ اليمن من أفقر دول العالم، فإنه يعدّ من أقلها حصولً على الدعم الاقتصادي الخارجي؛ إذ إنّ نسبة المساعدات الخارجية المقدمة له من الناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 2 في المئة خلال العقد الماضي (انظر الشكل 7.) وعلى الرغم من تعهد المانحين بتقديم الدعم له في أكثر من مناسبة، وقد كان آخرها تعهدات عام 2012 بتقديم 8 مليارات دولار، فإنّ عدّة عوامل تساهم في عدم الاستفادة من تلك التعهدات؛ منها ضعف قدرات الحكومة في توظيف ذلك الدعم.
التحديات البيئية: مشكلة المياه في اليمن
يمثّل شحّ المياه أبرز مشكلة بيئية في اليمن، وتزداد أهميتها مع تعاظم تأثير هذه المشكلة في حياة الناس. ويُعدُّ اليمن من أفقر دول العالم؛ ذلك أنّ متوسط حصة الفرد من الموارد المائية في السنة، يبلغ 84 مترًا مكعَّبًا من المياه، وهذا المعدل يقلُّ كثيرًا عن مؤشر شح المياه؛ وهو 1000 متر مكعب للفرد سنويًّا (أو خمس الحد الأدنى
لاستهلاك الفرد للمياه الذي حددته منظمة الصحة العالمية6.) ويجرى استنزاف المياه في اليمن بمعدلات عالية جدًّا؛ إذ يقدر متوسط كمية المياه المتجددة بملياري متر مكعب سنويًّا، في حين تقدر كمية المياه المستهلكة ب 3.5 مليارات متر مكعب سنويًّا7. وتشير البيانات إلى أنّ الزراعة تستحوذ على نحو 90 في المئة من الاستهلاك السنوي للمياه، وتعتمد الزراعة على المياه السطحية الآتية من مياه السيول الناتجة من الأمطار الموسمية وبعض المصادر من العيون. إضافةً إلى ذلك، تُستخدم المياه الجوفية على نحوٍ متزايد لغرض الزراعة، ويأتي الاستهلاك المنزلي للمياه في المرتبة الثانية بنسبة 10 في المئة تقريبًا، في حين لا يزيد استخدام المياه للأغراض الصناعية عن 2 في المئة8.
إنّ مشكلة المياه في اليمن لا تؤثِّر في قدرته على إيجاد الغذاء للسكان فحسب، بل تتعدى ذلك إلى الجانب الاجتماعي؛ فهي تمثّل 80 في المئة من أسباب النزاعات في المجتمع9. وهذه المشكلة ناتجة بدرجة رئيسة من شحّ الموارد المائية، يُضاف إلى ذلك جملة من العوامل التي تزيد المشكلة تعقيدًا، وهي تتمثّل بالزيادة السكانية الكبيرة والتنمية الزراعية غير الموجهة التي تؤدِّي إلى استنزاف المياه من دون النظر إلى الجدوى الاقتصادية والبدائل المتوافرة للتنمية. أضف إلى ذلك كلّه ضعف قدرة الدولة على إدارة الموارد المائية والتحكم بها لتحقيق الاستدامة. وقد مثلت أحداث عام 2011 نكسة لجهد الحكومة في إدارة الموارد المائية، إذ ضعفت سيطرة الدولة؛ ما أدَّى إلى انتشار حفْر آبار المياه انتشارًا واسعًا، وإلى انهيار المنظومة الناشئة لإدارة الموارد المائية. وقد سيطر الاهتمام بالشأن السياسي على ما عداه ليتراجع اهتمام الدولة بالشأن المائي ويصبح في ذيل قائمة أولوياتها. إنّ استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي يزيد مشكلة المياه تعقيدًا؛ لذا فمن المهم إيلاء الحكومة اليمنية المشكلة المائية اهتمامًا كافيًا؛ من خلال استكمال منظومة إدارة المياه، والعمل على وضع إستراتيجية مائية ملائمة تأخذ في الحسبان المخزون المائي، وتعمل على تعزيز آليات إدارة الموارد المائية لحمايتها من الاستنزاف، مع الأخذ في الحسبان البدائل التنموية المتاحة للزراعة التي تساهم بنحو 15 في المئة من إجمالي الناتج المحلي وتوظف 50 في المئة من القوى العاملة10.
التحديات الاجتماعية
لقد أدت ثورة 26 سبتمبر 1962، وتأسيس الجمهورية اليمنية عام 1990، كما سبق أن ذكرنا، إلى إحداث تغييرات كثيرة في المجتمع اليمني، وأصبحت الثروة - إضافةً إلى السلطة المتعلقة بالوظيفة العامة أو بالجيش - من العناصر المهمّة في تحديد العلاقات بين الناس. غير أنّ العدالة الاجتماعية ظلَّت محكومةً إلى حدّ كبير بالتركيبة الطبقية للمجتمع، ولم تستطع الدولة إنشاء نظام كفء يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات. وعلى الرغم من أنّ "ثورة الربيع اليمني" قد أكّدت مبادئ المساواة التي أسستها ثورة 1962، فإنّ تطبيق تلك المبادئ سيظل محكومًا بالعديد من التحديات على الواقع. إنّ إحدى العلامات المميزة لأحداث عام 2011 هي مشاركة المرأة فيها؛ فهذه أوّل مرة تشارك فيها النساء في الاحتجاجات بوصفهن عنصرًا مهمًّ، بل إنّ المرأة اليمنية عُدَّت من العناصر المساهمة في توجيه الأحداث. وقد جاء مؤتمر الحوار بمشاركة 30 في المئة من النساء ليؤكِّد اعتراف مختلف الأطراف بدور المرأة، بما في ذلك القوى التي كانت دائمًا تقف في وجه أيّ تغيير لدورها. ولعل من أهمّ نتائج
الحوار الاتفاق على وضع "كوتا" لتمثيل المرأة في مؤسسات الدولة في المستقبل، ولا شكّ في أنّ ذلك هو بداية الطريق لإحداث تغيير كبير في دورها، وأنه سيواجه الكثير من التحديات أيضًا.
من المتوقع أن يأخذ الصراع المذهبي الطائفي النصيب الأكبر في مجرى الأحداث في اليمن خلال الفترة المقبلة. فلقد نشبت خلال السنوات الماضية عدد من المواجهات بين الحكومة والحركة الحوثية، وظلت تلك المواجهات بين الدولة وحركة التمرد التي كانت تسعى لتوسيع نطاق نفوذها، وظلّ الحوثيون يسيطرون على مناطق محدودة في محافظة صعدة، ولكنّ الدولة فشلت في القضاء عليهم قضاءً نهائيًّا، وزادت شوكتهم تدريجيًّا، وأدَّى عجز الدولة إلى زيادة نطاق نفوذهم. وخلال عام 2011 استغل الحوثيون الوضع القائم في صنعاء فانضمُّوا إلى الحركة المطالبة بالتغيير، وشاركوا مشاركةً فعّالة في الاحتجاجات التي أدت في النهاية إلى تخلي الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة. وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا جزءًا من المبادرة الخليجية فإنهم شاركوا، ولو على نحوٍ رمزي، في حكومة الوفاق الوطني التي جرى تشكيلها. وخلال سنتين من حكومة الوفاق الوطني ظلوا يعملون لتوسيع مناطق نفوذهم وكسب المزيد من النفوذ على الأرض من دون أدنى مقاومة من الدولة. لقد أدَّى توسُّع الحوثيين وتخلي الدولة عن مقاومة النفوذ الحوثي، منذ عام 2011، إلى نشوب صراع بين الحوثيين من جهة والسلفيين وبقيَّة أتباع المذهب السني من جهة أخرى. وتطور الصراع إلى مواجهات مسلّحة في مناطق مختلفة من اليمن، كان أسوأها ما حدث في منطقة دماج؛ إذ قام الحوثيون بمهاجمة الأقلية السلفية ومحاصرتها، ومن ثمّ تهجيرها نهائيًّا من المنطقة. ولم تمر أسابيع على أحداث دماج حتى بدأت المواجهات المسلحة في منطقة أرحب بالقرب من صنعاء، ثمّ في عمران، وهي الحرب المستمرّة حتى كتابة هذه الأسطر. بعد أن كان التعايش هو السمة الغالبة بين المذاهب المختلفة في اليمن، بخاصة بين الأغلبية السنية والأقلية من الزيدية، نجم عن الأحداث الأخيرة شرخ كبير في النسيج الاجتماعي اليمني. وكلّ يوم تزداد الهُوَّة بين الطرفين؛ ما ينذر بمزيد من التعقيدات الاجتماعية، ولا سيما مع سعي الحوثيين، سعيًا حثيثًا، لفرض الأمر الواقع على الأرض، ومواصلة دعوتهم إلى إسقاط حكومة الائتلاف.
خاتمة
إنّ تحديات التنمية في اليمن كبيرة، لكنها ليست مسألةً مستحيلة المعالجة، ففي حالة افتراض انفراج متوقع في المشهد السياسي، وإعادة تشكيل الهيكل الإداري للبلاد على أساس الحفاظ على وحدة البلاد تحت حكم فيدرالي واسع الصلاحيات، وإقامة الانتخابات المتوقعة التي ينتج منها تشكيل حكومة منتخبة، فإنّ هناك الكثير من التفاؤل بخروج البلد من أزمته والوصول لتحقيق النمو الاقتصادي. وإنّ تحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في اليمن عملية معقَّدة نظرًا إلى صعوبة الأوضاع الحالية، والتركيبة السكانية السياسية والمذهبية والاجتماعية البالغة التعقيد؛ لذلك سوف يتعين على الحكومة الجديدة انتهاج رسْمٍ وتنفيذٍ لمجموعة متكاملة من السياسات التي تعمل في جميع الاتجاهات، لتصحيح التشوهات التي أصابت بنية الدولة اليمنية، نتيجةً لعقود طويلة من الحكم الفردي الذي قام على القليل من الشفافية، والكثير من حفظ التوازن الهش بين الجماعات والطوائف المختلفة. ومن تلك السياسات العمل على تعزيز الحكم الرشيد، وزيادة جهد مكافحة الفساد، وتبني سياسات الإصلاح الاقتصادي، جنبًا إلى جنب مع معالجة الوضع الأمني، وإصلاح المنظومة القضائية. ومن ثمَّ، فإنّ النهج المتكامل للتنمية المستدامة، بالنسبة إلى اليمن، هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا.