الانتخابات البلدية التركية: الناخب يثأر لذكائه

مروان قبلان

الملخّص

على الرغم من أنّ فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التركية كان متوق عًا بصورة عامة، فإنّ نسبة الأصوات التي حازها مث لت مفاجأة للكثيرين، بمن فيهم قادة الحزب نفسه؛ إذ كان متوق عً ا أن تؤث ر عدة عوامل في الانتخابات وموعدها وحظوظ فوز الحزب الحاكم فيها. وكان العام الفائت شهد سلسلة أزمات تعرّض لها "العدالة والتنمية" وتوق ع لها الكثيرون أن تؤثّر في حظوظه الانتخابية، وتطيح فرص استمراره في الحكم؛ مثل أحداث حديقة "غازي" وساحة "تقسيم"، والتسجيلات الصوتية المسرّبة، ومزاعم بالفساد مسّ ت بعض وزراء الحكومة مباشرة، والأهمّ من كل ذلك الصراع الذي احتدم بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وحليفه السابق زعيم حركة "خدمة" فتح الله غولن. مع ذلك، جاءت النتائج مختلفة بعد أن حصل حزب العدالة والتنمية على نسب تأييد أحسن بكثير من الانتخابات السابقة، عندما كانت ظروفه السياسية أفضل، ما جعل النتائج تبدو وكأن الناخب التركي ثأر لنفسه من خلال التصويت باتّجاه معاكس تمامًا لما أرادته القوى التي استغلالها وقفت وراء المتاعب التي لاحقت الحزب الحاكم، أو حاولت على الأقل.

أزمات متلاحقة

واجه حزب العدالة والتنمية خلال العام الماضي سلسلة أزمات لم تهدّد وجوده في السلطة، لكنّها أوضحت وجود معارضة قويّة لسياساته داخل تركيا. وكان منتظرًا لها أن تؤثّر في نتائج الانتخابات البلدية، بعد تضافر جهد أحزاب المعارضة للاستفادة من هذه الأزمات ومن ثمّ إلحاق هزيمة به. طفت المتاعب على السطح مع أحداث ساحة تقسيم التي بدأت على شكل احتجاجات عاديّة صغيرة الحجم، اندلعت في شهر أيار / مايو 2013 بسبب قرار الحكومة إزالة عدد من الأشجار في حديقة "غازي"، وبضعة مبانٍ في ساحة "تقسيم" وسط إسطنبول على سبيل تطوير المنطقة1. لكن هذه الأحداث سرعان ما تطوّرت إلى صراع على هويّة الدولة التركيّة؛ إذ عمدت المعارضة إلى استغلال الأزمة متّهمةًالحكومة بمحاولة إزالة مبانٍ ومعالمَ ترمز إلى الحداثة والعصرية واستبدالها بأخرى ترمز إلى العثمانية المحدثة2. أدّى استخدام الشرطة العنف لإخلاء الحديقة والساحة من المعتصمين الذين اتّهمتهم الحكومة بدورها باستخدام تكتيكات لجرّها إلى استخدام العنف والإساءة من ثمّ إلى صورتها داخل تركيا وخارجها، إلى توتير العلاقات بين تركيا وكل من أوروبا والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أنّ هذه الأحداث شغلت تركيا أسابيعَ عديدة، وروّجت لها المعارضة بوصفها مقدمة "لربيع تركي" سوف يؤدّي حتمً إلى إطاحة حزب العدالة والتنمية، فالأزمة الأخطر التي واجهتها الحكومة جاءت على خلفية الصراع الذي اندلع بين رئيسها رجب طيب أردوغان وزعيم حركة "خدمة" رجل الدين فتح الله غولن. فقد اضطرّ أردوغان إلى إجراء تعديل وزاري شمل عددًا كبيرًا من وزرائه، بعد أن وردت أسماء أربعة منهم في التحقيقات في قضايا فساد، منها ما هو مرتبط ببنك "خلق" الذي يجري من خلاله تسديد قيمة مشتريات تركيا من النفط والغاز الإيراني، والذي دأبت الإدارة الأميركية على اتّهامه بأنّه يخرق الحصار على إيران3. وعلى الأثر، قامت الشرطة بإجراء اعتقالات شملت أبناء الوزراء المتورّطين، فيما عدّ أكبر أزمة سياسية يواجهها الحزب الحاكم منذ وصوله إلى السلطة عام 2002 4. وحينئذ، اتّهم أردوغان رئيس حركة "خدمة" التي يناهز عدد أتباعها المليون، بينهم مسؤولون كبار في الشرطة والقضاء، بتدبير هذه "المؤامرة" لإسقاط حكومته، بالتنسيق مع قوى أجنبية غير راضية عن السياسات التركية من مختلف القضايا الإقليمية والدولية5.

خلاف بين الأحلاف

نتيجة تشدّد النظام العلماني التركي في التعامل مع الأحزاب والتيارات ذات التوجّهات الإسلامية، بخاصة خلال العقود الأولى من نشأة الجمهورية، عملت معظم التيارات الدينية تحت قانون الجمعيات الخيرية، أو الحركات الصوفية التي سُمح لها بالنشاط في عهد حكومة عدنان مندريس التي فازت بانتخابات عام 1950، لتنهي سيطرة حزب الشعب الجمهوري العلماني المتطرّف الذي أنشأه أتاتورك وانفرد بالسلطة منذ تأسيس الجمهورية عام 1923. بيد أنّ نشاط الجمعيات الخيرية والدينية لم يعد يقتصر، بمرور الوقت، على النشاطات الخدمية والتربوية، بل امتدَّ إلى المجال السياسي، عبر إنشاء تحالفات مع الأحزاب والقوى السياسية، وخصوصًا في مواسم الانتخابات؛ إذ تحثّ هذه الجمعيات أعضاءها والمتعاطفين معها على

  1. انظر: "ميدان تقسيم... اقتلاع شجرة يولد احتجاجات"، الجزيرة نت، 2013/6/3، على الرابط: http://www.aljazeera.net/news/pages/c8c233f8-6991-48f4-881c-ff8ef342d1fe
  2. ميدان تقسيم قد يتحول إلى ’كعب أخيل‘ بالنسبة إلى أردوغان"، الشرق الأوسط، 2013/6/9، على الرابط: http://goo.gl/qgQ8p2
  3. أردوغان وغولن: معركة سياسية بملفات قضائية"، مركز الجزيرة للدراسات، 2014/1/9، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2014/01/20141912649877318. htm
  4. محمد نور الدين، "صراع أردوغان - غولين: النهج الجامع والاستقرار"، الشرق، 2014/1/18، على الرابط: http://www.al-sharq.com/news/details/200069#.U19p2k2_m70
  5. سعيد الحاج، "الانتخابات البلدية ترسم مستقبل تركيا السياسي"، الجزيرة نت، 2014/3/26، على الرابط: http://www.aljazeera.net/opinions/pages/99de4836-5675-47fa-b8d0- f8cc4331f1f0

التصويت لأحزاب معيّنة، مقابل حصولها على تسهيلات وخدمات مختلفة في حال وصول هذه الأحزاب إلى الحكم6. وكان من أبرز هذه التحالفات ما قام بين حزب "العدالة والتنمية" وحركة "خدمة"؛ فعندما قام أردوغان ورفاقه بتأسيس العدالة والتنمية، بعد إطاحة حُكم أستاذهم أربكان، وفقًا لبرنامج سياسي يحترم الدستور العلماني ويتجنَّب الصدام مع المؤسّسة العسكرية، كان فتح الله غولن وتلامذته من مباركي هذه الخطوة، وخصوصًا أن استطلاعات الرأي حينها كانت تشير إلى أنّ حزب العدالة والتنمية سوف يفوز في الانتخابات في ظلّ وضْ ع سياسي واقتصادي معقَّد، ثبت خلاله فشل الأحزاب العلمانية، وانكشف فسادها7. ويمكن القول إنّ جماعة غولن عاشت عصرها الذهبي في ظلّ حكومة أردوغان التي فتحت لها آفاق العمل والنشاط في جميع قطاعات الدولة، بما فيها تلك التي لم يكن ممكنًا لها العمل فيها من قبْل، ولا سيمّا وزارات التربية والتعليم، والداخلية والخارجية والعدل، ومديريات الأمن والاستخبارات. وفي المقابل، دعمت الحركة الحزب في جميع الانتخابات التي فاز بها منذ وصوله إلى السلطة8.

وقد ساعد النجاح الداخلي والخارجي الذي حقَّقه حزب العدالة والتنمية في الفترة من 2002 إلى 2010، في استمرار هذا التحالف. بيد أنّ التحدّيات التي بدأت تركيا تواجهها، سواء على صعيد علاقاتها الخارجية نتيجة التحولّات الكبيرة التي حصلت في محيطها الإقليمي ودفعتها إلى الاصطدام بالعديد من دول الجوار الفاعلة، أو على صعيد مشاكلها الداخلية المرتبطة ببعض القضايا؛ مثل المسألة الكردية، جعلت بعض المتحالفين مع حزب العدالة والتنمية يختلفون معه، وكان من بين هؤلاء حركة فتح الله غولن. بدأت الخلافات بين جماعة غولن وحزب العدالة والتنمية نتيجة اختلافات في تحديد المصالح الخارجية التركية وقراءتها أساسًا؛ فمنذ حادثة سفينة "مافي مرمرة"، في أيار / مايو 2010، بدأ فتح الله غولن يوجِّه انتقادًا لاذعًا إلى الحكومة التركية، مدَّعيًا أنّها سمحت للسفينة بالإبحار من دون أخْذ إذنٍ من الحكومة الإسرائيلية. وفي مفارقة أثارت استغراب الكثيرين، حمَّل غولن رئيسَ الحكومة أردوغان مسؤولية الهجوم الإسرائيلي على السفينة التركية، والذي أدَّى إلى مقتل تسعة أتراك. وقد مثَّلت هذه التصريحات حينئذٍ صدمةً داخل تركيا وخارجها. وهكذا ظهر غولن معارضًا سياسات حزب العدالة والتنمية في الخارج، قبل أن يظهر معارضًا لها في الداخل9. لقد ظهر الخلاف المتعلِّق بقضايا داخلية بين غولن وأردوغان، أوَّل ما ظهر، عندما أسّست حكومة العدالة والتنمية المحاكم الخاصة للنظر في قضيّة الأرغينيكون10، وهي قضية اتّهمت فيها الحكومة عشرات الضبّاط من المؤسّسة العسكرية بالتدبير لانقلاب عليها عام .2007 لكنّ أمد المحاكمات طال من دون حسمٍ، كما أخذت الاتّهامات تمس قياداتٍ عسكريةً عملت حتى وقتٍ قريب بجانب أردوغان الذي جعل يُبدي استياءً واضحًا من بُطْء سير المحاكمات، ومن اقترابها من قيادات عسكرية تعدُّ قريبة إليه؛ ما أشعر أردوغان بأنّ جهازي الشرطة والقضاء اللذين أمسيا في قبضة جماعة غولن باتا يشكِلّان تحدّيًا كبيرًا له11.

  1. عن الحركات الصوفية و دورها في السياسة، انظر: محمد باتوك، "حماية الدين ومواجهة العلمانية"، الجزيرة نت، 2006/11/3، على الرابط: http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/d1729cc9-de35-411d-812c- 0e768dad7ee1
  2. محاضرة محمد زاهد غل: "الآثار المحتملة لمزاعم الفساد على الانتخابات المحلية التركية وحظوظ حزب العدالة والتنمية"، في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013/12/24
  3. أردوغان وغولن: "...، المرجع نفسه.
  4. محاضرة محمد زاهد غل...، المرجع نفسه.
  5. أرغينيكون" هو اسم وادٍ أسطوري في آسيا الوسطى تعود أصول الأتراك العرقية إليه. وهي منظمة سرِّية، تأسست عام 1999، تقول إنّ هدفها المحافظة على العلمانية في تركيا، وتُتّهم بالقيام باغتيالات وتفجيرات في عددٍ من المدن التركية، ومحاولة الانقلاب على الحكومة. استُهلّت القضية عام 2007 مع اكتشاف مخبأ للأسلحة في إسطنبول، جرى على إثره اعتقال عشرات المتّهمين بينهم جنرالات وصحافيون وزعماء عصابات إجرامية يحاكمون منذ تشرين الأول / أكتوبر 2008. وقد باتت القضية رمزًا للصراع بين الحكومة الإسلامية المحافظة والمؤسسات العلمانية في البلاد. وضمن أخطر القضايا التي يتآمر فيها الجنرالات الأتراك في تاريخ الجمهورية التركية وأكبرها، قضت محكمة إسطنبول بقبول النظر في قضية باليوز؛ وهي اسم المخطط الذي وضعه الجنرالات الأتراك للانقلاب على الحكومة، ومن بين المتّهمين قائد الأركان السابق الجنرال إيلكر باشبوغ الذي قاد الجيش التركي في الفترة من 2008 إلى .2010 وبلغ عدد المتّهمين في هذه القضية ثلاثمئة متَّهم.
  6. أردوغان وغولن: حرب علنية على خصم خفي"، مركز الجزيرة للدراسات، 2014/3/10، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2014/03/201436154217329133. htm

أمّا الخلاف الداخلي الثاني، فقد ظهر عندما جرى الكشف عن تسجيلات صوتية لمفاوضات سرِّية في أوسلو مع حزب العمال الكردستاني، تحت إشراف رئيس جهاز الاستخبارات، في إطار مسعى الحكومة لحلّ القضية الكردية. غير أنّ جماعة غولن التي لها امتداد ونفوذ في المناطق الكردية كان لها رأي في الحلّ يختلف في التفاصيل مع رأي أردوغان؛ ما جعل المدّعي العامّ صدر الدين صاريقايا، المحسوب على جماعة غولن يقوم في شباط / فبراير 2012 باستدعاء رئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان للمساءلة القانونية، إذ وجّه إليه تهمً بالتفاوض مع أعداء الوطن وتجاوز صلاحياته، فترتَّب على ذلك تدخُّل من رئيس الوزراء أردوغان الذي عدَّ المسألة خارجةً عن نطاق الخلاف السياسي إلى استهدافه شخصيًّا، عبْ استدعاء صديقه فيدان للتحقيق. وقد ذهبت الشكوك إلى أنّ جماعة غولن هي التي قامت بتسريب التسجيلات الصوتية لرئيس جهاز الاستخبارات في أوسلو12. وأشارت بعض الصحف إلى أنّ عناصر من جماعة غولن في جهاز الشرطة هي التي كانت وراء التقاعس الأمني الذي أدَّى إلى تفجيرات الريحانية في شهر أيار / مايو 2013؛ ما أوقع الحكومة في حرجٍ داخلي وخارجي كبير13. وبلغ الخ فاا ب نن الحكومة والج عااة أوجَه عندما أيَّد الاحتجاجات التي جرت في ساحة تقسيم، غولن - ضمنيًّا -في حزيران / يونيو 2013، على خلفية قضية حديقة غازي. وقامت وسائل إعلام تابعة للجماعة بتوجيه انتقاد حادٍّ لأردوغان، ولطريقة تعامل حكومته مع الأحداث14. أمّا القضية التي فجَّرت الخلاف على نحوٍ علني ومفتوح، فكانت قيام عناصر في الشرطة تدين بالولاء لغولن بحملة اعتقالات شملت أبناء وزراء في حكومة أردوغان بتُهم فساد - من دون علم السلطات العليا - بمن فيهم وزير الداخلية15؛ وذلك بهدف إحراج الحكومة عب رميها بتُهم الفساد المالي والأخلاقي، قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات البلدية؛ ما اضطرّ رئيس الحكومة أردوغان إلى أن يطلب من ثلاثة وزراء - وهم وزراء الداخلية والاقتصاد والبيئة - تقديم استقالاتهم، بعد سجن أبنائهم على ذمّة قضايا فساد، حتى يتسنَّى للقضاء التركي التحقيق في التُّهم من دون التأثّر بمناصب آبائهم، أو مكانتهم السياسية في الحكومة16.

وفي مقابل كلّ خطوة عدائية كانت تقوم بها جماعة غولن، كانت الحكومة ترُدُّ بإجراء عقابي، فجرى إغلاق المدارس التحضيرية الخاصة التي كانت جماعة غولن تملك %25 منها في البلاد، ردًّا على موقف الجماعة من أحداث ساحة تقسيم. وتذهب بعض القراءات إلى أن الحملة الأخيرة من الشرطة ضدّ الفساد لم تكن إلا ردًّا من حركة غولن على قيام الحكومة بإغلاق مدارسها. لكنّ الحكومة قامت بالرد على الردّ عبر طرْد العشرات من ضباط الشرطة والموظفين العموميين المحسوبين على الجماعة، من بينهم رئيس شرطة إسطنبول17. هذه المواقف المتعارضة بين حزب العدالة والتنمية وحركة فتح الله غولن، جعلت المعارضة الرئيسة للحكومة التركية تأتي من داخل شبكة مصالح تجمع بين الصوفية والبراغماتية السياسية، ومحسوبة على التيار الإسلامي، لا على المعارضة العلمانية، ليبراليةً كانت أو قومية.ً وهذا تطوّر في ساحة الإسلام السياسي التركي لافت للنظر. بل إنّ غولن أخذ يَنشُد تحالفاتٍ مع الأحزاب العلمانية المعارضة لحكومة العدالة والتنمية، وكأنّه يسير على النهج نفسه الذي تعامل به مع نجم الدين

  1. الجزيرة نت إسماعيل ياشا، "تركيا..صراع بين الحكومة والجماعة، 2013/12/21، على الرابط: http://www.aljazeera.net/opinions/pages/c75e5e38-9492-4ec5-84fd-
  2. عن تفجيرات الريحانية وموقف الحكومة التركية، انظر: "أردوغان: منفِّذي تفجيرات الريحانية ساعدوا وفد المعارضة التركية في لقاء الأسد"، الحياة، 2013/5/24، على الرابط: http://alhayat.com/Details/516950
  3. 16 ياشا، المرجع نفسه. 17 انظر: "حملة تطهير جديدة في صفوف الشرطة التركية بسبب فضيحة فساد"، الحياة، 2013/12/23، على الرابط: http://alhayat.com/Details/585101
  4. 11a765012f3a
  5. 14 اررع سعيد الحاج، "أردوغان وغولن...أسباب النزاع ومآلات ال"، الجزيرة نت،
  6. 2013/12/11، على الرابط: http://www.aljazeera.net/opinions/pages/be0aa1ed-e7be-4e83-86b4- d2820c74d98c 15 محمد زاهد غل، "أزمة الفساد في تركيا ودوافعها السياسية والاقتصادية"، الجزيرة نت، 2014/1/27، على الرابط: http://www.aljazeera.net/opinions/pages/9f5d6222-32c5-4fe1-9b96- 0e6421da3c27
النسبة المئوية التقريبية للأصوات التي حصل عليها
في انتخابات 2014 المحلية
النسبة المئوية التقريبية للأصوات التي حصل عليها
في انتخابات 2009 المحلية
اسم الحزب
45.539العدالة والتنمية
2823الشعب الجمهوري
1516الحركة القومية
45.5السلام الديمقراطي
7.3616.24بقية الأحزاب

س الحكومة خلال الفترة الممتدة من أربكان عندما ترأ 1996 إلى 1997؛ إذ جعل من نفسه خصمً عنيدًا لأربكان ولحركته ملّ غروش "رأي الأمة"، من داخل تيار الإسلام السياسي التركي. وهذا يعني أن غولن أخذ يتبنَّى برنامجًا واضحًا لمعارضة حكومة العدالة والتنمية، وأنّ الأمر ليس اختلافًا مع مواقفها من القضايا الداخلية والخارجية فحسب18.

فوز مريح للعدالة والتنمية

في ظلّ هذه الأجواء المشحونة، جرت الانتخابات البلدية التي راهنت فيها المعارضة العلمانية وتلك المحسوبة على التيار الإسلامي على إلحاق هزيمة نكراء بالحزب الحاكم. لكن، ومع بدء إعلان النتائج خلال ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، بدا واضحًا أنّ حزب العدالة والتنمية يتّجه نحو تحقيق فوزه الانتخابي المحلّ الأكبر منذ دخوله مسرح السياسة التركية مطلع العقد الماضي؛ إذ فاز بنحو 46 في المئة من أصوات الناخبين الذين جاءت نسبة مشاركتهم الأعلى في تاريخ البلاد (أكثر من 80 في المئة.) في حين حصل منافسه الرئيس حزب الشعب الجمهوري على نحو 28 في المئة، وجاء حزب الحركة القومية ثالثًا بنحو 15 في المئة، وحزب السلام والديمقراطية الكردي رابعًا ب 4 في المئة من الأصوات (انظر الجدول الذي يقارن النتائج التي أحرزتها الأحزاب السياسية الرئيسة في تركيا في الانتخابات المحلية عام 2009 وعام)201419. ومقارنةً بأفضل النتائج التي حقّقها في الانتخابات البلدية الأخيرة عام 2009، حين حصل على نحو 39 في المئة من الأصوات، تقدّم حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2014 بنحو ستّ نقاط مئوية، وحاز نسبًا عالية من الأصوات في المناطق الكردية، متجاوزًا بذلك الظروف المحلية لاختيارات الناخبين والعوامل الجهوية؛ فانتزع بلدية "موش" الواقعة في قلب المنطقة الكردية للمرة الأولى. كما حلّ منافسًا قويًّا في مدن الساحل التي طالما عُدّت قلاعًا للأحزاب العلمانية والقومية التركية، فانتزع بلدية "مانسيا"، واستردّ "أنطاليا" التي كان خسرها في الانتخابات الماضية لمصلحة حزب الشعب الجمهوري20. لكنّ الأمر الأكثر أهمية هو أنّ الحزب احتفظ ببلديتَي إسطنبول الكبرى والعاصمة أنقرة، أكبر مدينتين في البلاد، على الرغم من أنّ خصمه السياسي الأكبر نافس بقوّة للحصول على إحداهما على الأقلّ. وعلى الرغم من التوقّعات بأن تذهب بلدية "أرضروم"، مسقط رأس فتح الله غولن، لمرشّح الشعب الجمهوري، فقد حقّق العدالة والتنمية فوزًا كبيرًا فيها. ويتضمّن هذا الأمر معنى مهمًّ إذا أخذنا في الحسبان أنّ جماعة غولن كانت وجّهت أنصارها عشية الانتخابات للتصويت للمنافس الرئيس لمرشّح العدالة والتنمية، بغضّ النظر عن هويّة الحزب الذي ينتمي إليه، فضلً عن تبنّي حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب العلماني الأتاتوركي، خطابًا تصالحيًّا مع جماعة غولن بعد أن اعتاد على وصمها بالرجعية وانتقد تغلغلها في مراكز الدولة ومؤسساتها؛ وذلك في مسعى منه للحصول على أصوات أنصار الجماعة بعد أن اختلفت جذريًّا مع حليفها السابق. ومع ذلك، فإنّ جميع هذا الجهد لم ينفع في تحقيق هزيمة أو على الأقلّ تقليص شعبية الحزب الحاكم21.

  1. محاضرة محمد زاهد غل...، المرجع نفسه.
  2. انظر: "الانتخابات المحلية التركية: الخلفية والنتائج والدلالات"، مركز الجزيرة للدراسات، 2014/4/1، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2014/04/201441114830782204.
  3. المرجع نفسه.
  4. سعيد الحاج، "الانتخابات البلدية وانعكاساتها على الواقع التركي"، الجزيرة نت، 2014/4/8، على الرابط: http://www.aljazeera.net/opinions/pages/45bca06a-444f-4ba1-9944- htm ad4c28317cd6

وقد ترجمت هذه النتائج إلى حصول حزب العدالة والتنمية على 49 بلدية من إجمالي البلديات التركية البالغ عددها 81 بلدية، مقارنةً ب 47 بلدية في انتخابات 2009، بما فيها نصف بلديات المدن الثلاثين الكبرى في البلاد. أمّا حزب الشعب الجمهوري، فحصل على 13 بلدية، والحركة القومية وحزب السلام والديمقراطية 8 بلديات لكلٍّ منهما22.

أهمية الانتخابات البلدية ودلالات الفوز فيها

نادرًا ما تتحوّل انتخابات محلية في أيّ بلدٍ إلى شأن إقليمي ودولي، وبتداعيات سياسية يمكن أن تمسّ عموم المنطقة الممتدة بين بحر قزوين شرقًا والمتوسط غربًا. ولم تحز انتخابات محلية في أيّ بلد اهتمامًا إعلاميًّا وسياسيًّا كما حازت الانتخابات المحلية التركية، فانقسم الرأي العام خارج تركيا وداخلها بالدرجة نفسها تقريبًا. ويعود هذا الاهتمام والانقسام والاستقطاب إلى عوامل أساسية عديدة، أهمّها: وزن تركيا الإقليمي، والدور البارز الذي تؤدّيه في معظم ملفات منطقة الشرق الأوسط، وتحوّل الانتخابات إلى ما يشبه استفتاء على شخص رئيس الحكومة، وبخاصة بعد أن تعهّد باعتزال السياسة في حال خسر حزبه البلديات. منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تشرين الثاني / نوفمبر 2002، وخصوصًا منذ أن تبوّأ أردوغان منصب رئاسة الحكومة في آذار / مارس 2003، تصدّت تركيا للقيام بدور إقليمي ظلّ مغيّبًا بفعل الشعار الشهير الذي طرحه أتاتورك مع تأسيس الجمهورية عام 1923 "سلام في الوطن، سلام في العالم." وخلال الفترة الممتدة بين 2002 و 2010 تمحور النشاط المستجدّ لتركيا في منطقة الشرق الأوسط حول سياسة وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو "صفر المشاكل"؛ ما سمح لتركيا بأن تركّز على توسيع نفوذها الاقتصادي وتأدية دور الوسيط بين مختلف الأطراف المتنازعة في المنطقة، فأدّت دور الوساطة في الملفّ النووي الإيراني، ومفاوضات السلام بين سورية وإسرائيل، وأسهمت في التوصّل إلى اتفاق الدوحة الذي أنهى الفراغ الرئاسي اللبناني عام 2008 وغير ذلك. بيد أنّ ثورات الربيع العربي التي اندلعت مطلع عام 2011 أجبرت أنقرة على التخل عن هذا الدور، والانحياز إلى الانتفاضات الشعبية التي ألهبت العالم العربي؛ فكانت من أوائل الدول التي نادت بتنحّي الرئيس المصري حسني مبارك، ثمّ اتّخذت موقفًا داعمً بقوة ثورة الشعب السوري، فاحتضنت معارضته السياسية والعسكرية وفتحت أبوابها للاجئين. وقد ازدادت أهمية دور تركيا الإقليمي مع تنامي حدّة الاستقطاب الإقليمي، بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي في تموز / يوليو.2013

وبالتوازي مع تنامي أهمية الدور التركي، برزت محورية شخص رئيس الحكومة أردوغان الذي تحوّل إلى شخصية جدلية داخل تركيا وخارجها بين من يرى فيه نموذجًا للزعيم السياسي الناجح الذي ارتقى ببلاده إلى المرتبة السابعة عشرة بين الاقتصادات العالمية، ومن يرى فيه مستبدًّا، يخفي وراء شعارات الديمقراطية والرؤية الاقتصادية الليبرالية، مشروعًا دينيًّا متزمتًا. وبسبب المواقف التي اتّخذها في تأييده ثورات الربيع العربي، وتحوّله إلى رمز التصالح بين الإسلام والهويّة الوطنية والديمقراطية، بما في ذلك قبول حزب إسلامي علمانية الدولة، وتقديم نموذج بديل لأنظمة الحكم السائدة في عموم المنطقة (من ولاية الفقيه في إيران، وحتى أنظمة الاستبداد العربية على اختلافها)، تعرّض شخص أردوغان لحملات إعلامية شديدة، وتحوّلت الانتخابات المحلية إلى فرصة للنيل منه عبر استغلال مزاعم بالفساد شملت بعض مسؤولي حزبه، ونكسات تعرّضت لها سياساته الخارجية ابتداء بإطاحة حكم محمد مرسي في مصر وانتهاءً بحصاد علاقات متوترة مع معظم دول الجوار الإقليمي. فضلً عن قيام المعارضة بتحويل سورية إلى مادة للتنافس الانتخابي؛ إذ جرى التركيز على التكاليف المترتبة على الميزانية التركية جرّاء تدفّق اللاجئين السوريين23.

  1. انظر: أحمد موسى بدوي، "ذروة منافسة وبداية صراع: قراءة في نتائج الانتخابات البلدية التركية"، المركز العربي للبحوث والدراسات، 2014/4/6، على الرابط: 3708/http://www.acrseg.org
  2. انظر: عماد قدورة، "هل يراد لتركيا أن تتحوّل إلى باكستان أخرى"، الجزيرة نت، 2013/12/15، على الرابط: http://www.aljazeera.net/opinions/pages/30d2b7ce-daab-4046-8c94- c958df38f7bd

الناخب يثأر

ما كان للانتخابات البلدية التركية أن تحظى باهتمام كبير عربيًّا ودوليًّا لو أنّها جاءت في سياق وظروف مختلفة؛ فقد كان من الممكن - بحسب اعتقاد خصوم أردوغان وسياساته – أن تتحوّل إلى فرصة للقضاء على طموح الحزب الحاكم وزعيمه في الاستمرار في حكم تركيا عبر انتخابات الرئاسة التي تجري في آب / أغسطس المقبل، وهو ما حوّل هذه الانتخابات إلى معركة بخصوص مستقبل أردوغان وحزبه وسياسات تركيا الإقليمية والدولية. لكنّ الناخب التركي الذي استفزّه ما بدا مؤامرة استُخدمت فيها وسائل غير شرعية لإطاحة الحزب الحاكم وزعيمه، وبخاصة بعد أن جرى تصوير الانتخابات على أنّها استفتاء على الثقة بشخص أردوغان، قرّر هذا الناخب أن يقلب الموازين، ويمنح حكومته التي حقّقت لتركيا الاستقرار والازدهار الاقتصادي نصرًا غير مسبوق في أيّ انتخابات محلية. كما عدّت هذه النتائج موافقة شعبية على سياسات التخلّص من نفوذ جماعة غولن الواسع في أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة، وبخاصة في الشرطة والقضاء.

لا شكّ في أنّ مزاعم الفساد التي ثارت بشأن وزراء في حكومة حزب العدالة والتنمية، وأدَّت إلى تعديل وزاري كبير، في كانون الأوّل / ديسمبر الماضي، قد أثّرت في صورة الحزب الحكم لدى الناخب التركي؛ ذلك أنّ جزءًا كبيرًا من الناخبين يميل عمومًا، إلى القول بوجود فساد في مؤسّسات الدولة، لكنه يعتقد في الوقت نفسه، أنّ الهجوم المتواصل على الحكومة وإثارة جملة من القضايا دفعةً واحدة ضدّها على أبواب انتخابات بلدية قرّر أردوغان أن يعتزل السياسة إذا خسرها، كلّ ذلك دفع للاعتقاد أنّ ثمّة مؤامرةً ما ضدّ الحكومة، وأن هناك جهدًا مخطّطًا ومقصودًا؛ لتشويه صورتها وتقزيم إنجازاتها. وفضلً عن أنّ علاقة الناخب التركي بحزبه السياسي تشبه علاقته بفريق كرته المفضّ ل؛ بمعنى أنّه لا يتخلّ عنه حتى ولو خسر بضع مواجهات، كان هناك توجّه عامّ للتصويت في هذه الانتخابات تحديدًا لمصلحة أجندة خدمية، وليس أجندة سياسية. وفي هذا المجال تحديدًا لا يوجد منافس فعلي للحزب الحاكم؛ فمنذ نشأته ثم وصوله إلى السلطة عام 2002 لم يستطع حزب سياسي تركي منافسة العدالة والتنمية في تقديم الخدمات للمجتمعات المحلية التركية في المدن الكبرى والصغيرة على السواء. حتّى خلافه مع حركة اجتماعية وجمعية خدمة خيرية ذات علاقات متشعّبة، مثل جماعة غولن، لم يتمكّن من إلحاق أيّ ضرر بالحزب الحاكم، بل على العكس، أدّى انتهاء التحالف بين أردوغان وغولن، إلى جذب مزيد من الأصوات للأوّل. ما يعني أنّ المعارضة العلمانية وحلفاءَها الطارئين في التيار الإسلامي لم يستطيعوا على الرغم من الضربات السياسية القوية التي سدّدوها خلال العام الماضي لحزب العدالة والتنمية، أن يقدّموا للناخب بديلً مقنعًا عنه.

بالنتيجة، شكّلت نتائج الانتخابات المحلية التركية نصرًا سياسيًّا كبيرًا لرئيس الحكومة رجب الطيب أردوغان وحزبه، كما شكّلت في المقابل نكسةً كبيرة للخصوم الذين أرادوها فرصةً للقضاء على إمكانية استمراره في حكم تركيا، وفي تبنّي سياسات داخلية وخارجية لا تلقى استحسانًا لديهم. بيد أنّ المعركة بين الطرفين لم تنته؛ ففي الأفق جولة جديدة عنوانها الانتخابات الرئاسية التي تجري في آب / أغسطس المقبل؛ إذ يتوقّع أن يحشد الطرفان لها كما حصل في الانتخابات البلدية، لتبقى تركيا بوزنها وأهميتها عنوان صراعٍ يمتدّ على اتّساع المنطقة، ويتوقّع أن تؤثّر نتائجه في جميع من فيها24.