مراجعة كتاب "محنة فلسطين وأسرارها" وتصحيح مقولة "ماكو أوامر"
عنوان الكتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية. المؤلّف: صالح صائب الجبوري. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.2014 عدد الصفحات: 654 صفحة.
يشتمل هذا الكتاب الذي صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على مذكرات الفريق أول الركن صالح صائب الجبوري الذي كان رئيسًا لأركان الجيش العراقي إبان حرب فلسطين في عام 1948، ويروي فيه تفاصيل وقائع الحرب، الأمر الذي يجعل هذه المذكرات مصدرًا مهمً في كتابة التجربة العسكرية العربية، فضلً عن تاريخ فلسطين المعاصر، وجانب من تاريخ الجيش العراقي. وتكمن أهمية الكتاب في تصحيحه الكثير من المعلومات غير الدقيقة والشائعة جدًا في الكتابات العربية عن دور الجيوش العربية الفتية والضعيفة والمقيدة والمحدودة التسليح في حرب فلسطين، ومنها المقولة المشهورة غير الصحيحة "ماكو أوامر." أما الغاية، فهي توضيح الحقائق التاريخية ليطلع عليها أبناء الجيل الحالي والأجيال القادمة التي يخصها الجبوري باهتمامه، لتكوّن وعيًا تاريخيًا خارج الانفعالات وردّات الفعل والمضاربات السياسية والفكرية. يغوص الكتاب في التفاصيل الدقيقة لحرب فلسطين بعد أن يقدّم نبذة تاريخية وافية عن قضية فلسطين وعن الصهيونية واليهود والانتداب البريطاني. ويعرض بشكل مسهب للوقائع السياسية التي سبقت اندلاع القتال غداة قرار التقسيم في عام 1947، ثم تفاصيل الحرب والحركات العسكرية للجيش العراقي والمعارك التي خاضها حتى توقيع اتفاقيات الهدنة وتسليم المناطق الفلسطينية إلى الجيش الأردني. كما يحتوي الكتاب على فصول عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وحرب حزيران/ يونيو 1967، وتقارير وملاحق وخرائط إيضاحية تتميز بأهمية خاصة من الناحية التاريخية التفصيلية. أحاطت فصول الكتاب من الأول وحتى الثاني عشر بالقضية الفلسطينية من جميع أبعادها في المرحلة السابقة لدخول الجيوش النظامية العربية إلى فلسطين وبدء القتال الفعلي. وقد حلل المؤلف الحالة في فلسطين، ورأى – كما يرد في المقدمة - أنه "من المفيد وهو بصدد تسجيل أحداث فلسطين العسكرية أن يضيف إليها موجز الأحداث السياسية التي سبقت المعركة العسكرية والتي واكبها لتكتمل جوانب البحث وتستقيم سلسلته." ولعله لمس، وهو الضابط القريب من مركز القرار في بلده واشترك في المحادثات التمهيدية التي سبقت دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، حجم المؤامرة الدولية التي يتبناها الغرب ممثلً بالدولة المنتدبة بريطانيا، والدولة العظمى البازغة على الصعيد الدولي الولايات المتحدة الأميركية التي بدأت بممارسة قيادتها للمعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن استنزفت هذه الحرب قوى القوتين الإمبراطوريتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا. وقد لاحظ الدأب والتصميم الاستعماري على ضمان تسليم فلسطين للصهاينة، أو القسم الأكبر منها، ليأسسوا على أرضها دولتهم؛ وبهذا يحل الغرب الأزمة اليهودية في أوروبا ويخلع وزرها عن كاهل الشعوب الأوروبية، ويلقيه على كاهل العرب، وأهل فلسطين بصفة خاصة. ومن ناحية أخرى، لمس المؤلف وهو يعيش القضية بتفاصيلها، وبتمحيص الدارس، وتصميم الفاعل، مدى البون الشاسع بين تهيئة الصهاينة وتصميمهم على هدفهم، الذي بدأوا بتنفيذه بلا هوادة منذ أن أتيح للوكالة اليهودية القدرة على الفعل على أرض فلسطين، وبين جهل العرب بالمرامي الاستعمارية والصهيونية في المراحل الأولى الحاسمة من سنوات الانتداب، وهو ما أتاح للوكالة اليهودية أن تثبت وجودها في بيروقراطية جهاز الانتداب بحيث حولته إلى جهاز يعمل لمصلحتها، فبدأوا بالاستيلاء على الأراضي "الأميرية" التي هي بعهدة الدولة المنتدبة (بريطانيا) أولً، ثم تحولوا لشراء الأراضي العربية التي بدأ بعض العرب بيعها لهم لسوء الحظ، من دون إدراك حجم التهديد الذي يشكله انتقال الأرض من العرب إلى الصهاينة. توصل المؤلف، ومنذ المراحل الأولى التي بدأ فيها يسمع ويشارك في اجتماعات التحضير للعمل العربي المشترك لإنقاذ فلسطين بعد أن بدأت محاولات العدو للسيطرة على الأراضي والتعدي على القرى العربية وتهديد سكانها وإجلائهم، إلى حقيقة مهمة كانت - ولا تزال - تلحق الكثير من الأذى بالعمل العربي المشترك، وهي غياب الرؤية المشتركة وضعف تحسّس الخطر القادم الذي يشكل تحديًا وجوديًا ليس لفلسطين فحسب، بل للوطن العربي كافة. وقد انعكست آراؤه وخواطره هذه في ثنايا كتابه؛ إذ يقول في الفصل الأول: "إنّ الخطر الصهيوني قبل استفحاله كان يتطلب اتخاذ إجراءات فعالة من جانب الحكومات والشعوب العربية. وكان ينبغي وقوفها موقفًا حازمًا تجاه سياسة الاستعمار في فلسطين التي أفسحت المجال لنشاط الصهيونية وتوسعها، وفتحت باب الهجرة لهم، وتغاضت عن استعداداتهم العسكرية حتى أصبحوا وكأنهم حكومة داخل حكومة، ولم يبالوا بسلوك جميع الطرق المخالفة وغير المشروعة لبلوغ مآربهم بينما وقفت حكومة الانتداب مكتوفة الأيدي تجاههم وكأنها عاجزة عن إيقافهم عند حدودهم، ولو أرادت ذلك حقًا لقضت عليهم متى شاءت." لا شك في أنّ العديد من الضباط العراقيين الذين أسهموا في حرب فلسطين قد كتبوا عن قتال الجيش العراقي في فلسطين وفي مقدمتهم العسكري والسياسي العراقي المخضرم طه الهاشمي، واللواء الركن خليل سعيد، ولكن ما يميز كتاب المؤلف هذا أنه جاء كتابًا وثائقيًا
جمع بين وجهة النظر الإستراتيجية والمهنية من جهة، ودوره كمسؤول ورئيس مهني للقوات المسلحة التي كانت تخوض الحرب من جهة أخرى. ويقول الجبوري في مقدمة الكتاب "إنّ معظم ما دوّنته يخص الجيش العراقي والمداولات والاجتماعات والاتصالات التي قمت بها، بحكم واجبي بصفتي رئيس أركان الجيش العراقي في تلك الفترة، وكذلك المعلومات التي اطلعت عليها بعد انتهاء الحركات." وقد صحح المؤلف في كتابه هذا انطباعات أشاعها الجو السياسي المشحون بعيد النكبة من اتهامات وجهت للجيش العراقي، ولدوره المميز في الحفاظ على الأرض العربية وسعيه لمد العون لجيش عربي شقيق واجه صعوبات نتيجة اتساع جبهته ونجاح الجيش الإسرائيلي في اختراقها، وهو الجيش المصري، وقد وثِّقَ المؤلف هذا الجهد بإيراد المراسلات الرسمية التي تم تبادلها في هذا المجال. ومما يضيف الحاجة لهذا الكتاب في هذا الوقت هو أنه يفتح كثيرًا من الأسئلة ويمنح الباحث والأكاديمي والمهتم قدرة أكبر على مقاربة المستقبل عبر استقراء الماضي والحاضر؛ كونه يمثل شهادة موثقة تقدّم تفكيكًا مفصّلً لنكبة فلسطين وتسهم بشكل كبير في تصحيح الصورة التي رسمت بخصوص دور الجيوش العربية، وتقدم تحليل تاريخيًا يعطي الباحثين مصدرًا مساعدًا في كتابة تاريخ حرب فلسطين من منظور الرؤية العربية، وهو ما قد يسهم في بناء رواية عربية موضوعية عن هذه الحرب ما زالت المكتبة العربية مدعوة إلى إنجازها.