مراجعة كتاب نساء فلسطين في معترك الحياة

نعيمة أبو مصطفى

المؤلف: عبد القادر ياسين وآخرون.

الملخص التنفيذي

الناشر: القاهرة - مكتبة الشروق الدولية.2012 عدد الصفحات: 263 صفحة.

ما هي جذور المرأة الفلسطينية؟ هل يحق لمن استدعاها للمشاركة في مختلف مجالات الحياة إعادتها إلى البيت؟ هل هي حقًّا متخلفة، ومن ثمَّة يجب استبعادها؟ أهي نصف المجتمع أم المجتمع برمته؟ ما دور التقاليد الاجتماعية في مشاركتها في الحياة السياسية؟ وما دورها في الانتفاضة؟ أهي ظاهرة اجتماعية فحسب أم نموذج من نماذج تضحيات الشعوب؟ وهل أنّ الجهاد، بالنسبة إليها، مرحلة موقَّتة؟ أم هل هو نهج حياة مستمر؟ تضمَّن الكتاب 263 صفحةً من القِطْع الكبير، وجرى تقسيمه إلى بابين تضمَّن أولهما تسعة فصول، هي: العمق التاريخي للمرأة، ودور المرأة الفلسطينية منذ عام 1948 حتى انتفاضة الأقصى. وقد قُسِّ م الباب الثاني إلى ستة فصول، وتناول المرأة الفلسطينية والتمثيل الفصائلي، وسير بعض الشخصيات البارزة في تاريخ النضال الفلسطيني. بدأ الباب الأول بالمسيرة، وتناول الفصل الأول العمق التاريخي للمرأة الفلسطينية، وقد كتبه أحمد الدبش الذي أرجع ابتكار الزراعة إلى النساء، من خلال تدجين النبات، في الوقت الذي كان فيه الرجال قد احترفوا استئناس الحيوانات، وأرجع الباحث تضاعف السكان إلى نجاح النساء في ابتكار الفلاحة، من خلال احتفاظهن ببعض الحبوب والبذور التي يجمعنها بعيدًا من متناول الرجال. وذكر الدبش تفوُّق المرأة في هذا المجال، ونسَب إليها تفوقًا آخر؛ وهو صناعة الخمر بإضافة الخميرة التي يُصنع منها الخبز إلى عصير الحبوب، فيتخمر، وتُصنع منه المشروبات الكحولية. شبَّه الباحث العمل الزراعي بالعمل الجنسي، ولا سيما أنّ استدارة أواني الطعام قديمًا صُنعت على نمط ثدي أفروديت، مستندًا في هذه التشبيهات إلى لويس ممفورد، وإلى رؤيته التي عبَّ عنها، مرارًا، منذ العصر الحجري، والعصر النيوليتي، وهو قبل ميلاد المسيح ب 7000 سنة، والعصر الباليوليثي الأعلى الذي يمتد إلى 25000 سنة قبل الميلاد. رجَّح الدبش أنّ عبادة الآلهة الأم يرجع إلى اكتشاف علماء الآثار دُمى أنثويةً، لها صفات تناسلية بارزة. كما يرى أنّ خصوبة الأرض في المجتمعات الزراعية، مقترنة بخصوبة النساء، إلى يومنا هذا، وأن جني المحصول كان يقتصر على النساء العاريات الصدور، وأشار إلى معتقدات أخرى تحرِّم العمل في الأرض، لأنّها تمثّل الأم التي يحرم إيذائها. وقد ذَكر الباحث المرأة الفلسطينية في نهاية البحث، في جملة واحدة، أثناء العصر الأموي، بطريقة لا تُظهر أيَّ دور لهذه المرأة التي ترأَّست عنوان البحث. ولا أعلم ما علاقة ما ذَكره الدبش بالعمق التاريخي للمرأة الفلسطينية، فهو بحث محلُّه خارج هذا الكتاب. تناولت منى عزت الفصل الثاني، من الاحتلال البريطاني وحتى النكبة، وبدأت المشهد بتظاهرة احتجاج للمرأة الفلسطينية ضد إقامة مستوطنة صهيونية، عام 1839، وانتقلت إلى الجمعيات سست أوّل جمعية نسائية عام النسائية؛ إذ أ 1903؛ وهي "الجمعية الأرثوذكسية لمساعدة الفقراء"، وتلتها عدّة جمعيات نسائية، معظمها من الطبقة البرجوازية، التي نالت قسطًا من التعليم، واتصالً بالمجتمع الأوروبي، وتبنَّت هذه الجمعيات الجانب الخدمي، والتعليمي للمرأة. كشفت عزت عن دور المرأة الفلسطينية النضالي، منذ وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، في 24 تموز/ يوليو 1922، وانحياز بريطانيا إلى الصهاينة، على حساب أصحاب الأرض العرب، وعن سقوط تسع شهيدات فلسطينيات، في "هَبة البراق"، صيف عام 1929، دفاعًا عن الوطن. وكشفت أيضًا أنه جرى تشكيل "الاتحاد النسائي" في العام نفسه، وبيّنت دوره في تقديم المساعدات الإنسانية، والصحية للجرحى، والمنكوبين، وعقْد أوّل مؤتمر نسائي، بحضور 300 سيدة، وتوجُّههن إلى منزل المندوب السامي البريطاني، وتسليمه قرارات الاجتماع، وعلاقة اللجنة المنبثقة من المؤتمر ب "عصبة الأمم." رصدت الباحثة دور الحركة النسائية في مساندتها للحركة الوطنية الفلسطينية، وتحركها الدؤوب لتأييد الكفاح الوطني، وتقديم الاعتراض، والاحتجاج على الممارسات البريطانية التي كانت تعدُّها سّ البلاء"، وتعدُّ الصهيونية تابعةً لها. كما رصدت الباحثة "أ، عام 1933، وقوف امرأة مسيحية فلسطينية على منبر عمر بن الخطاب، وإلقاءها خطبة دانت فيها الاستعمار البريطاني الذي يسمح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين وعام 1936 الذي استشهدت فيه 30 سيدة في الكفاح المسلح، واعتقلت فيه سيدات وطالبات كثيرات. وكان ل "لجنة السيدات العربيات" دور فعال في الاتصال بالمجتمع البريطاني، والمندوب السامي، ودور محدود في رفع المعاناة الاقتصادية عن الشعب الفلسطيني؛ بسبب المرجعية البرجوازية لهذه الجمعيات النسائية.

ودانت الباحثة قرارات المؤتمر النسائي عام 1938 الذي عُقد في مصر للدفاع عن فلسطين، برئاسة هدى شعراوي، ووصفت قرارته بالتناقض، لتعاملها مع الحكومات الأوروبية وبالأخص بريطانيا التي تُعَدُّ خصمً للعرب، بوصفها دولة احتلال، وجرى حصْ فعاليات المؤتمر في طبقة معيّنة، ولم يخرج نشاط هذه الجمعيات عن خطوات محدَّدة. لم ترصد الباحثة سوى دور المرأة البرجوازية، وتجاهلت دور المرأة المناضلة في الطبقات الأخرى؛ إذ إنّ كلّ نساء فلسطين اشتركن مع الرجال في كلّ الأحداث التي مرَّت. ويُعَدُّ صمودهنّ وصبرهنّ على قتل أزواجهن وأبنائهن، وإخوانهنّ كفاح. ولم تسجل عزت، كذلك، أيّ حالة استشهادية للمرأة الفلسطينية، في حرب .1948 جاءت إلهام الشريف لتتحدث عن الفلسطينية اللاجئة، بعد حرب 1948 التي دمرت نكبتها تركيبة المجتمع الفلسطيني اجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وسياسيًّا؛ إذ لجأ الفلسطينيون إلى غزة والضفة، والدول العربية، والأجنبية، وبعد عام 1967، حدث اللجوء الثاني لفلسطينيي عام 1948، واللجوء الأول لأهل الضفة والقطاع. صورت الشريف الوضع الاقتصادي والتعليمي للمرأة اللاجئة في وطنها، وكيفية محافظتها على الهوية الفلسطينية، متناسيةًالقهر المتمثّل ب "المحافظة" الذي تتعرض له من خلال تقاليد المجتمع العربية، متَّجهةً إلى هدفها الأكبر؛ وهو مساندة الرجال في الوقوف في وجه المحتل. وتبنَّت زيادة معدل الإنجاب، لتكوين عائلة كبيرة، فهي تعلم أنّ الاحتلال سيحصد أحد الأعزاء، ابنًا كان أو زوجًا أو أخًا؛ فكان اتّجاهها ذاك مغالبةً لقسوة الفراق، والحياة القاسية التي فُرضت عليها. واختارت الباحثة طمخيم شعفاط نموذجًا للمرأة اللاجئة، لتكشف عن معاناتها، ثمّ انتقلت إلى الدول العربية، بدايةً من سورية التي تعمل الأونروا فيها على تقديم المساعدات للاجئين. وتعامل الحكومة السورية الفلسطينيين معاملة السوريين، الأمر الذي أدَّى إلى تخفيف العبء الاقتصادي عنهم في هذا البلد. أمَّا في لبنان فالصورة معكوسة؛ نظرًا إلى ما يعانيه اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات، والقوانين الصارمة التي تُفرض على مخيماتهم وتعرضهم للمجازر، مثلما حدث عامي 1976 و 1982. يُضاف إلى ذلك اضطهاد الحكومة اللبنانية لهم؛ ذلك أنَّها فرضت عليهم أشدّ أنواع الإقصاء، والتهميش، وعاملتهم على أنّهم أجانب. وأمَّا أوضاعهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة فهي مزرية؛ ما ضاعف معاناة المرأة والرجل، ورفع نسبة الأمية والبطالة في أوساط الطرفين. أمَّا الصورة في الأردن الذي ساوى في المعاملة بين الفلسطيني والأردني، فهي لامعة، ولكن لا يخلو الأمر في المخيمات الفلسطينية من معاناة وتردٍّ متعلّقين بأوضاع السكن. وفي العراق صارت المعاملة، بعد عام 1968، مثل الأردن، مع وضْ ع خاصٍّ ذكرته الباحثة، مفصَّل، وبخاصة بعد عام .2003 انتقلت الشريف إلى مصر لتوضح بعض المعاناة التي يتعرض لها اللاجئ في هذه البلاد، وبخاصة بعد توقيع "معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية." وحلَّقت الباحثة في الفضاء، لتصل إلى ألمانيا؛ إذ تطاير الشتات الفلسطيني هناك، ليصطدم بقوانين لا يُلمّ بها اللاجئ جيدًا، فتُسبِّب له مزيدًا من المشكلات. وفي لندن ليس ثمَّة وضع خاص بالفلسطينيات، بل إنّ كلّ العرب هناك يعانون من المشكلات نفسها التي جاءت في الدراسة. أمّا الولايات المتحدة، ظاهره رحمة، وباطنه عذاب الأميركية فهي تتَّبع أسلوبًا خاصًّ. لاحظت الباحثة مدى تمسُّك الجيل الثالث من اللاجئين في آيسلندا بحق العودة، وذلك بسبب اضطهاد الصهاينة للفلسطينيين. كما صاغت بعض النماذج المتعلِّقة بمعاناة نساء فلسطينيات في بلد اللجوء، وبكيفية تبنِّى الدول سياسة "فرِّق تسُد"، لتشتيت الشعب المشتت أصلً. كما روت الباحثة قصة ليلى خالد التي قامت بخطف طائرة أميركية في 28 آب/ أغسطس .1969 تخوفت الشريف من أن يتراجع وضع المرأة الفلسطينية تحت وطأة الموجة الدينية السلفية السائدة في الوطن العربي التي أدَّت، بوجه عامّ، إلى تراجع دور المرأة العربية؛ فانعكس ذلك، بوجهٍ خاصٍّ، على المرأة الفلسطينية. وطالبت الباحثة بتحسين أوضاع المرأة الفلسطينية اللاجئة، من خلال مجموعة من الأطاريح التي حفل بها البحث. دخل عبد القادر ياسين المعارك في الفترة المتراوحة بين عامي 1948 و 1967، ليلتقط صور استشهاد المرأة الفلسطينية، وفرحها باستشهاد ذويها، وتضميدها جراح المصابين، إلى غير ذلك من مشاهد معركة دير ياسين عام 1948. وانتقل ياسين إلى فرقة "زهرة الأقحوان" في يافا ومشاركتها في المعارك، ذاكرًا شهيدات النضال، ودور المرأة الفلسطينية اللاجئة، داخل فلسطين وخارجها، في الحفاظ على الهوية الفلسطينية، وغرْسها في الأجيال الناشئة، واهتمامها بالتعليم؛

لأنَّه السلاح الوحيد للفلسطيني اللاجئ، تحت نير القمع الرسمي العربي، وحرمانه من العمل والتعليم، ومن العلاج، ماعدا في سورية والأردن. وقد جرت معالجة هذه النقطة في الفصول السابقة، ثم تكررت بعد ذلك. أمَّا بشأن الأوضاع السيئة التي تعيشها المرأة الفلسطينية اللاجئة، فقد شرح الكاتب الوضع المأسوي، وكيفية تغلب المرأة الفلسطينية عليه، وتحديها الأوضاع القاسية، ونضالها المستمرّ من خلال الجمعيات، والمؤسَّسات الاجتماعية، والإنسانية لدعم المجتمع د. وكذلك التباين في الوضع بين القطاع والضفة الفلسطيني المشَ، من جهة امتلاك الأرض، ونوع العمل المتاح الذي اتَّصف به الريف من حيث ذلك التقسيم التقليدي بين الذكور والإناث بوصفه عمل عائليًّا، وجهاد المرأة الفلسطينية في الحصول على العمل لضمان البقاء، وحرصها على التعليم الذي منحها قوَّة الحرِّية الفكرية، وحرِّية السفر إلى الخارج من أجل العلم والعمل. وقد ساعدتها على ذلك تسهيلات قدمتها الأونروا للنساء الفلسطينيات. تناول ياسين الوضع القانوني للمرأة في الأقطار العربية، والكفالة الاجتماعية وأثرها في وعي المرأة، وحرِّية الحركة، والأع لاا المنزلية، والتصنيف النوعي للذكر والأنثى، وكيفية تجلِّ دور المرأة الفلسطينية السياسي لإجهاض "مشروع سيناء"، ربيع عام 1955، وتدويل القطاع 1957-1956()، وذلك على الرَّغم من إغفال المطالب النسائية في الأحزاب السياسية، وعدم إتاحة فرصة حق المشاركة في الحياة السياسية للاجئات في الشتات. أشار الكاتب، في شيء من التفصيل، إلى خطوات انعقاد مؤتمر للمرأة الفلسطينية، في القدس، خلال الفترة المتراوحة بين 15 و 20 تموز/ يوليو 1965؛ بهدف توحيد التنظيمات النسائية الفلسطينية، في مؤسسة واحدة، تحمل اسم "الاتحاد العامّ للمرأة الفلسطينية." وأشار، كذلك، إلى دور اللجان الخمس في بلورة التوصيات التي خرج بها المؤتمر، والتي دعت إلى الاهتمام بالمرأة، من جميع النواحي، وحمْل رسالة "النضال لتحرير الوطن السليب." استنتج ياسين سمات المرأة الفلسطينية اللاجئة؛ ومنها الحرص على التعليم، والبحث عن العمل الذي أدَّى إلى تفتيت الأسر الفلسطينية من جهة انخراط المرأة في الأنشطة الاجتماعية والكفاح، في حين بقي العمل السياسي مقصورًا على فئة معينه فقط، على نحوٍ موسمي. كما أنَّه أشار إلى أسباب قصور أداء "الاتحاد العامّ للمرأة"، على الرَّغم من تأسيس خمسة وعشرين فرعًا له، واشتماله على نحو خمسين ألف عضو. كتبت دنيا إسماعيل الفصل الخامس، من هزيمة 1967 إلى انتفاضة 1987، وفيه رصدت معاناة المرأة العاملة في ما يعرف ب "بالمياومة"، في المشاريع الإسرائيلية الذي لا يوفِّر لها أيّ ضمان اجتماعي، أو رعاية صحية. وذكرت دور الحاجة إلى عملٍ في تأخُّر سنّ الزواج لدى الفتيات، من أجل تأمين مورد رزق. وذَكرت أن كثيرات فقدن عملهن داخل الأراضي المحتلة عام 48، نتيجة الركود الاقتصادي، والسياسات الإسرائيلية المتعنِّتة. ترر إسماعيل آثر التحولات الاقتصادية في وضع المرأة وح، وعدد العاملات الفلسطينيات في مختلف الميادين عامي  1967 و 1987، ونسبة الزيادة التي تركِّز معظمها في قطاع الزراعة، ثم تحوّل الأيدي العاملة إلى قطاعات أخرى؛ كالتمريض، والحياكة، والتدريس، والصناعات التحويلية، الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض نسبة العاملات في الزراعة، مقابل ارتفاعها في قطاعات أخرى، وإلى تدنِّ نسبة العاملات في الريف مقارنةً بالمدن؛ نتيجةً لتغيُّ الأحوال الاقتصادية والسياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى أن يكون الاقتصاد الفلسطيني تابعًا لاقتصادها. جبرت على تكثيف العمل رأت الباحثة أنّ المرأة الفلسطينية أ، لمواجهة الأوضاع التي تمرُّ بها البلاد، فشكَّلت الجمعيات والمؤسسات لمواجهة هذه الأوضاع وتقديم الإغاثة للمنكوبين، من خلال جمْع التبرعات، وسدّ حاجات المحتاجين الأساسية؛ من غذاء وعلاج، ودمج الدور النضالي في الدور الخدمي الاجتماعي. لاحظت إسماعيل نتائج المؤتمر الاجتماعي الفلسطيني الأول الذي عقد في القدس في العشرين من تموز/ يوليو 1979، والذي اهتم بمناقشة المشكلات الاجتماعية ذات البعد السياسي، ومحاولة الحفاظ على الشخصية الفلسطينية، والتصدي لمحاولات تهويد القدس، وكذلك بيانات المؤتمرات العديدة التي عقدت في عامي  1981، 1984، واللجان المنبثقة من المؤتمر، وعدد النساء اللاتي شاركن في 40 لجنةً، انتشرت في كامل فلسطين لتقديم نشاطات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وصحية. ثمّ إنها تطرَّقت إلى أسماء اللجان ومقارّها، وفروعها، ونشاطاتها. زخَر البحث بالحديث عن نضال المرأة الفلسطينية وصمودها، وتحدِّيها الواقع الذي فُرض عليها، ودورها في العمل المسلح، ونقل

السلاح، والتدريب عليه، وإيواء الفدائيين الذي شهدته سنوات الاحتلال من دون توقف حتى الآن، على الرَّغم من تمييز نوعية العمليات الفدائية التي تجرى في الضفة الغربية، والتي يسهل فيها دخول المناطق المستهدفة، من العمليَّات التي تجري في قطاع غزة التي تُلقى فيها قنابل على السيارات العسكرية الإسرائيلية، وعلى مقر الحاكم العامّ العسكري الإسرائيلي. وما أدهش العالم أن المناضلات الفلسطينيات يعملن ولديهن مصدر دخْل، وأنّهنّ طالبات أحيانًا أخرى، أو ربات بيوت لديهن أطفال. فعلى الرَّغم من ذلك كلِّه يُقدمن على النضال المسلَّح من دون تردُّد، أو خضوع لمغريات الحياة. دخلن السجون الإسرائيلية كما رصدت إسماعيل عدد النساء اللاتي أ، أو أ بعدن إلى خارج الوطن، أو فُرضت عليهن الإقامة الجبرية، إلى غير ذلك من أنواع العقاب، بسبب انتمائهن السياسي، ومقاومتهن الاحتلال. ورصدت، كذلك، الدور الذي تضطلع به المرأة أيام حظر التجوال؛ ذلك أنَّه يسهل تنقلها تحت أيّ ذريعة؛ كذهابها إلى السوق مثلً، وهي في حقيقة الأمر تساعد إخوانها الرجال في المقاومة. ويبرز وعي المرأة الفلسطينية في حرصها على حماية الثقافة الوطنية الفلسطينية من الاختراق الصهيوني. فلقد حافظت على اللهجة الفلسطينية، فضلً عن الطعام، والزي، والعادات، وتقاليد الزواج. غير أنَّها حافظت على الموروث الاجتماعي، من قبيل أساليب تنشئة الأطفال، وزواج الأقارب، محافظةً سبَّبت لها معاناةً كبيرةً، مثل خضوعها لهذا الموروث الذي يعوق نيلها الحرِّية، على الرغم من درجة التعليم العالية الحاصلة عليها؛ فهي تخضع لرغبات الرجل وتصوراته المتمثّلة بإبعادها من مراكز صُنع القرار الفلسطيني. أشادت الباحثة بالإنجازات التي حقّقتها المرأة في مجالي التعليم والصحافة، وغيرهما، وبيَّنت كيفية طغيان الصبغة السياسية على العمل النقابي، ليتحول إلى الدفاع عن حرِّية الوطن على حساب المطالب الاجتماعية. وختمت إسماعيل بحثها بلمحة عن سلبيات "الاتحاد العامّ للمرأة الفلسطينية." أطل علينا عبد القادر ياسين، من جديد من خلال انتفاضة الحجارة 1987( - 1991)، وأثرها الاقتصادي المتمثّل بعمل أبناء فلسطين تحت نير الاحتلال، علاوةً على أثرها الاجتماعي الذي أدَّى إلى انتقال العمل السياسي إلى الشارع، وأثرها السياسي إلى المجتمع الفلسطيني الذي تشكَّل وعيه بنضج البنى الحزبية، والفصائلية، والنقابية، وتعرَّض لكيفية ضعف المقاومة الفلسطينية في الخارج، بعد خروج الفصائل من لبنان عام 1982، وابتعادها عن خط المواجهة مع الكيان، والانشقاق الكبير في حركة فتح عام .1983/5/9 وعن أسباب اندلاع الانتفاضة، كتب ياسين جملةً من الأحداث؛ منها زيادة وتيرة القمع الإسرائيلي، وزيادة الضرائب، وإعلان شارون الانتقال للإقامة في القدس، إلى غير ذلك من الأسباب. عاد المؤلف إلى الموضوع الرئيس المتمثِّل بتأثير الانتفاضة في المرأة الفلسطينية التي احتلت موقعًا متقدمًا في الحركة الوطنية، ورصد ياسين ارتفاع أعداد المعتقلات، وتشكيل اتحادات نسائية من القوى الوطنية والتقدمية، وتولّ المرأة تأسيس الأطر النسائية للفصائل. ياسين لمشاركة المرأة الفلسطينية في التظاهرات وتعرَّض، والاعتصامات، وإلى إلقائها الحجارة والزجاجات على دوريات الاحتلال، وجمْعها تبرُّعات للمعتقلين، وتشكيلها لجانًا مع "لجان الإغاثة الطبية" تحثُّ على التبرع بالدم. وتعرَّض، أيضًا، لتصديها لجنود الاحتلال، ومساهمتها في تخليص المجاهدين من أيديهم، وقد شملت هذه التحركات النسائية فئات المجتمع كلِّها. وجرى استشهاد 68 امرأةً وفتاةً حتى 1989/3/8، إضافةً إلى آلاف الجريحات والمعتقلات، وأدَّت هذه الانتفاضة إلى تكوين أركان دولة فلسطينية مستقلة عن الاحتلال، تستطيع إدارة شؤن الحياة، بعيدًا منه. وكشف الكاتب عن زيادة الروابط الأسرية، وتعزيز ارتباط الرجل بزوجته وأولاده، بعد الانتفاضة نتيجة وجودهم في المنزل، ساعات طويلةً، من جرَّاء حظر التجوال، وتفاقم الأزمة الاقتصادية؛ ما جعل الأسرة تتكافل في سدّ حاجاتها؛ والمرأة ذات مكانة أعلى نتيجة لنجاحها في فرْض تعاونها غير المسبوق في جميع نواحي الحياة، وتدبير شؤون المجتمع، داخل البيت وخارجه. أكملت آمال خزامي مسيرة المرأة في "انتفاضة الأقصى والاستقلال"، مستعرضةً تاريخ نساء فلسطين النضالي، منذ عام 1967، وصول إلى إحصاءات متعلِّقة بالانتهاكات الإسرائيلية في "انتفاضة الأقصى وعدد الشهداء، والجرحى، والمعتقلين، والمنازل والاستقلال"،، والمدارس، والجامعات، والزراعات، والأراضي، والثروة الحيوانية المدمَّرة، وإجراءات الحصار والإغلاق الإسرائيلية التي رفعت معدلّات الفقر، والبطالة، وضربت البنية التحتية، والاجتماعية، والاقتصادية للأراضي الفلسطينية، وكيفية مساهمة المرأة في تحمل كلّ هذا الدمار وتبعاته؛ فتحمَّلت، نتيجةً لذلك، أعباء الحاجات الضرورية

للأسرة من تعليم، وطعام، ورعاية صحية، وزراعة - بدلً من الزوج الذي استشهد أو اعتُقل - ومساعدة الجرحى، والمقاومين، وأكَّدت، في هذا السِّياق، دور المرأة بوصفها صمام أمانٍ بالنسبة إلى البيت الفلسطيني. سردت الباحثة مجموعة روايات لسيدات وفتيات تعرضن للاعتقال؛ بسبب مشاركتهن في النضال، وشهادات لسيدات في المعتقلات تعرضن للقمع، والضغط النفسي، والتعذيب الجسدي، ولفتت النَّظر إلى المرأة الأسيرة الحامل التي تلد وراء القضبان، إضافةً إلى المرأة المريضة التي لا يتوافر لها علاج ملائم، وسوء معاملة الأسيرات وحرمانهنّ من رؤية أهلهنّ، وصوَّرت مشاهد أخرى لعمليات فدائية واستشهادية قامت بها النساء بعد الانتفاضة، تعدَّت 12 سيدة وفتاةً، من إجمالي 270 امرأةً شهيدةً في ما بين عامي  2000 - 2005، وذكرت كيفية تمكُّن المرأة الفلسطينية من تغيير صورتها في نظر فصائل إسلامية قد كانت تهَمشها. عادت نهال قاسم إلى عام 48، لترصد دور المرأة تحت وطأة الأوضاع السياسية، عشية النكبة، ومعدل خصوبتها آنذاك، والكثافة السكانية للعرب الفلسطينيين واليهود، والمحاولات والمخططات الصهيونية المتتابعة في تهجير الفلسطينيين وطردهم، وإزالة قراهم كلِّها، ومصادرة ممتلكاتهم، لمحو أيّ أثر للوجود العربي في فلسطين، وإحلال اليهود مكانهم. والوضع الاقتصادي المتردي، ومعاناة المرأة اللاجئة، والأوضاع المعيشية المتردية، وبخاصة في وضع العرب الفلسطينيين الذين جرى منْحهم المواطنة، ولكنهم لا يزالون يخضعون لسياسة التمييز بين العرب واليهود. وقد استندت إسرائيل، في هذا السياق، إلى نصوص التوراة في إصدار قوانينها الظالمة، مثل "قانون الغائبين"، وبناء المستوطنات فوق الأراضي العربية، مستخدمةً "قانون استملاك الأراضي"، وقانون "مرور الزمن"، و"الأراضي"، و"استملاك الأراضي في النقب"، وعديد القوانين، والأحكام الأخرى التي وردت في الدراسة. كتب خالد سعيد الفصل التاسع والأخير من الجزء الأول، وهو بعنوان "المرأة الفلسطينية في المصطلح الصهيوني"؛ وذكر أنها من منظور صهيونيّ "متخلفة، زانية، استشهادية، يجب قتلها، إلى غير ذلك من الصور الذهنية التي تنضوي إلى العلاقة بين "الأنا" و"الآخر" في هذا السِّياق، والتي التقطها الباحث من الدراسات الاجتماعية، ومن انعكاس تطبيقها في المجتمع اليهودي، ومن صورة المرأة الفلسطينية في (العهد القديم) الذي يعدُّ الرب هو رب الجنود؛ ومن ذلك القول: "وهو الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك، ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو أسماءهم تحت السماء"، والقول: "هو الرب القاسي المتوحش الذي لا يعرف الرحمة بالإنسان أو الحيوان." وكلها فقرات تبيح قتل الآخر، بوحشية، رجلً كان، أو امرأةً، أو طفل. سرد الباحث فقراتٍ عديدةً من توراة العهد القديم التي تتضمن سيطرة اليهود على الأرض والشعوب الأخرى بزعمهم أنهم "شعب الله المختار." وتذكر أسفار التوراة، باطلً، أنّ النبي داوود، عليه السلام، كان يعيش من السطو على الشعوب المجاورة لأصحاب الأرض الأصليين، وأنَّه قام بانتزاع امرأة فلسطينية من أحضان زوجها "لأنها امرأة جيّدة الفهم، وجميلة الصورة"، فرسخت صورة المرأة الزانية لدى اليهود التي يستحلّ هتْك عرضها. صوَّر سعيد نظرة اليهود إلى القاضي شمشون، وهو يهودي كان يقتل الفلسطينيين إلى أن تمكّنوا منه، على يد "عاهرة" تدعى "دليلة"، ومن ثمَّة فإنّ مثل هذه الروايات تغذِّي الوجدان الصهيوني بمبررات للعدوان والوحشية. وهناك ثلاثة مفاهيم تصور الصفوة الإسرائيلية للعرب، وهي البوبرية1 التي تقول إنّ "فلسطين أرض بلا شعب مُنحت لشعب بلا أرض"، والبنغوريونية2، والوايزمانية3 التي ترى أنّ العرب لا يعرفون سوى لغة القوة، والأغلبيّة العظمى ترى العرب كسالى منخفضي الذكاء، وتصفهم بال "أغبياء"، وبأنهم فلاحون ورعاة أغنامٍ. واستند خالد سعيد إلى وقائع من مجموعة قصص لكتاب يهود يصفون فيها العرب باستخدام البهائم في تنقلاتهم، ويصفونهم بالبهائم أيضًا. ووصف الباحث، نقلً عن الصهاينة، كفاح المرأة الفلسطينية المسلح في دير ياسين؛ إذ كانت تحمل سكينًا أو آلةً حادةً لمواجهة المذابح التي اعترف بها اليهود أنفسهم، وكانت ترشق المحتليّن بالحجارة، شأنها في ذلك شأن الرجال، وتحمل الأعلام في التظاهرات، إلى غير ذلك من أشكال الكفاح المسلَّح التي سبق سردها. وزخَر هذا الفصل بكشف اعترافات الصهاينة بالمذابح التي نفذوها في حقِّ الفلسطينيين، وبخاصة الأطفال، والسيدات، بناءً على نظرتهم المتدنية تجاه العرب والمسلمين، ودعوة الحاخامات، والمفكرين، والشعراء اليهود إلى قتل كلّ من هو دونهم، وخصوصًا الأطفال والحوامل حتى لا يزداد التناسل.

  1. نسبةً إلى مارتن بوبر.
  2. نسبةً إلى ديفيد بن غوريون.
  3. نسبةً إلى رئيس الدولة الإسرائيلية حاييم وايزمان.

عرض خالد بعض صور العنف الذي يمارسه الصهاينة ضد الفلسطينيات، ومنها طرد الطالبات الفلسطينيات اللاتي يرتدين الزّي الإسلامي، وإقدام أكثر من محاضر في جامعة تل أبيب على هذا التصرف، وشهادة طبيب من أوروبا سافر للعمل في مستشفيات الكيان بأنه رأى بأمّ عينه أطباء صهاينة يُعطون فلسطينيات حوامل أدوية إجهاض، أو مُؤدِّية إلى موت الأجنَّة. وهذا كلُّه يُظهر الصورة الذهنية للمرأة الفلسطينية في مخيلة الكيان المحتل. أمّا عنوان الجزء الثاني، فهو "في معترك الحياة." وفي فصله الأول، كتبت رانية المدهون في موضوع "المرأة الفلسطينية والتمثيل الفصائلي"، وقد صوَّرت آثار النكبة وهزيمة 1967 في المرأة الفلسطينية، وانطلاق أوّل مؤتمر للمرأة، واندماج المرأة الفلسطينية في التجمعات النقابية والفصائلية، والأحزاب السياسية، وكيفية اضطلاع المرأة بموقع لاتخاذ القرار في المجلس التشريعي عام 2009، وفي المجلس الوطني الفلسطيني (برلمان منظمة التحرير الفلسطينية)، وكذلك أثر الانتفاضة في دور المرأة الحزبي، من خلال جداول إحصائية للمرشَّحين في الانتخابات الوطنية عام 1996، ونسبة النساء في الهيئات والمواقع القيادية في الفصائل، حتى نهاية 1997، ومدى ضعف المشاركة النسائية في الحياة السياسية العامَّة، والفجوة الكبيرة بين الواقع الفعلي للمرأة، وبين نظرة الأحزاب السياسية لهذا الواقع. كتب أنور محمود الفصل الثاني "الفدائية في ثورة 1936"، وتناول مسألة خروج المرأة للنضال ضدّ قرار التقسيم، ودورها في الكفاح المسلح عام النكبة، وما قامت به من عمليات فدائية مسلحة، وقد جعل الباحث عنوان الفقرة "النكبة والفدائيات." وتحدَّث ضِ منه عن النكسة منذ عام 1967 حتى عام 1976، ولا نعلم إن كان الخطأ متمثِّلً بالعنوان أو بالأفكار التي اشتمل عليها. سرد الباحث قصة حياة فاطمة برناوي، اللاجئة، وكيفيَّة تعرفها إلى ياسر عرفات، وهو متنكر في هيئة طبيب. كما سرد تنفيذها بوساطته تفجير سينما صهيون بالقدس 1967/10/8()، وإلقاء القبض عليها بعد هذه العمليَّة بيومين، وخروجها من قبضة المحتلّ؛ بموجب توقيع "اتفاقية كامب ديفيد" وإبعادها إلى الأردن. وسرد كذلك قصة كلّ من شادية أبو غزالة، ومريم روحي الشخشير، وعائشة عودة، وليلي خالد، وتريزا هلسة، وسناء فتحي نمر، ومنتهى الحوراني، ولينا النابلسي، ودلال المغربي، ومجموعة من المحررات في عملية النورس لتبادل الأسرى، وقصص استشهاديات كثيرات في الانتفاضتين ممَّن لم تمنعهن إغراءات الحياة من التنازل عنها، مقابل العزة والكرامة. وعن خنساء فلسطين، كتب فتحي عبد العليم، مشبِّهًا المرأة الفلسطينية بالخنساء التي وهبت أبناءها الذكور للجهاد في سبيل الله. واهتمّ عبد العليم بالبيئة بوجهٍ عامٍّ، وبالبيئة الفلسطينية، من جهة ما تعرضت له من تدمير بسبب الاحتلال بوجهٍ خاصٍّ، واهتمّ كذلك بإطار معيشة المرأة الفلسطينية والارتباط الوثيق بين الأرض والدم. وقدَّم الباحث قراءة نموذج المرأة الفلسطينية، من خلال توصيف حالتها وتشخيصه؛ بالنظر إلى أنَّها راعيةٌ لثقافة الجهاد التي قدمها لنا في شخصية وفاء إدريس بوصفها نموذجًا، وذلك في قراءة لسيكولوجية المرأة الفلسطينية وصوْغ أدبي مميَّزين. ورسم فتحي ما دار في خلَد الفتاة التي عاشت وسط الدماء ممرضةً داخل سيارة إسعاف، تنقل الجثث، وأجزاءً بشريةً ممزقةً، وأطفالً وشبابًا يلفظون أنفاسهم الأخيرة بين يديها. ورصد عبد العليم الأبعاد السوسيوثقافية لنموذج المرأة الفلسطينية، من خلال "أم نضال" المعروفة ب "خنساء فلسطين"؛ بالنظر إلى أنَّها فقدت 54 شهيدًا من عائلتها. وأوصى الباحث بألَّ  تذهب هذه التضحيات سدى، على غرار مشاريع التسوية الهزيلة التي تعبِّ عن اليأس السياسي في الوقت الذي تعبِّ فيه المقاومة عن أمل متمثِّل بأن دم الشهداء، وقوَّة البندقية التي أخرجت أهل فلسطين، والإرادة، عوامل تُقدرهم على العودة إليها. كتب هشام عبد الرؤوف الفصل الرابع "أسيرات الوطن الفلسطيني"، وعدَّد المؤسَّسات الفلسطينية والدولية التي تدافع عن الأسرى، وقدَّم إحصاءً لعدد الأسيرات، وصنَّفهنّ إلى قاصرات وحوامل، وتحدَّث عن وضعنّ داخل الأسوار، وعن الأسيرات وأزواجهنّ، والشهيدات، والمعتقلات. كما تحدَّث عن عميدات الأسيرات اللاتي أمضين أكثر من خمسة عشر عامًا في المعتقل، وعن مضاعفة عدد السجون؛ حتى تستوعب أعدادًا كبيرة من المعتقلين الفلسطينيين، وعن سجون سرية تحت الأرض لا يُعلم عنها شيء، إضافةً إلى حالة السجون المتردية التي تدخلها القوارض والزواحف وتتسبب للسجينات في أمراض مختلفة.

وتحدَّث الباحث، أيضًا، عن أنواع مختلفة من التعذيب وانتهاكات مخالفة للقوانين الإنسانية والدولية، وعن تقييد الأس اررت من أيديهن وأرجلهن للخلف، ووضع أكياس سوداء على وجوههنّ، حتى لا تعرف المعتقلة عدد الليالي التي تمرُّ عليها. وتكلَّم على التهديد بالاغتصاب، والضرب، والسحل، والحبس في غرف ضيقة مظلمة، في درجة البرودة عالية، وعلى بعض الأسيرات اللاتي اعترفن باغتصابهن أمام أهلهنّ، وعلى كثير من الممارسات الصهيونية اللاأخلاقية المعتادة من هذا الكيان الهمجي. وكتبت أميمة الشريف الفصل الخامس "المرأة الفلسطينية وإعلام لم ينضج"، وفيه رأت أنّ الإعلام كَرّس فكرة تبعية المرأة للرجل، وأفضليّته عليها، وأنّ الأمر بالنسبة إلى المرأة الفلسطينية قد ازداد سوءًا؛ بسبب توالي الأزمات، والمردود الإعلامي الذي لم يُنصفها على ف الذي كشفت عنه الباحثة في الكتاب الرَّغم من تاريخ نضالها المشَ، وهو دور الجماعات الدينية التي لم تُؤدِّ ذلك على نحوٍ واضح، على الرّغم من أنها ذات مرجعية دينية متمثّلة بالشيخ عز الدين القسام ومفهومه الصحيح للدين الإسلامي، ووعيه بدور المرأة في الجهاد، حتى أنه أسَّس مجموعاتٍ نسائيةً مدرَّبات على استخدام السلاح عُرفن ب "أخوات القسام"، إضافةً إلى سعيه أيضًا لتكوين جمعيات نسائية من أجل المطالبة بتحرير الأرض؛ منها "الاتحاد النسائي." رأت الباحثة أنّ الإع ماا لم يُعطِ المرأة حقها، في إظهار جهدها المضاعف التي لم تقم به أيّ امرأة عربية أخرى على مرّ العصور. فكل دول العالم تحررت من الاحتلال، ماعدا فلسطين، التي أصبح الاحتلال والموت منهجيْ حياةٍ فيها، بل إنّ الحق الفعلي الذي مُنح للمرأة من الاحتلال مساواتها بالرجال في المعارك، والقتل، والاعتقال؛ من ثمَّة كانت هي الهدف الرئيس، لكونها مصدر التناسل الفلسطيني. وسلطت الشريف الضوء على أسباب تهميش المرأة، وشرحت الموروثات الاجتماعية، والوضع الاقتصادي، والمنظومة التشريعية، وهيمنة الفكر الديني، المتمثّل بحركة "حماس" التي تمثّل الإسلام المعاصر الذي ابتدعته الجماعات الإسلامية الحديثة، والفهم الخاطئ للدين، وتطبيقاته على المرأة خاصَّةً، وأوضاع الاحتلال التي أ ضيفت إلى كلّ هذا. والصورة النمطية للمرأة في الإعلام التي تجرى المتاجرة بها، سواء كان ذلك لبثّ أفكار معينة، أو لبيع سلعة ما، أو للترفيه، أو البساطة والعفوية، إضافةً إلى الأشكال والصُّور النمطية للمرأة في الإعلام بصفة عامَّة. اختتمت عبلة الدجاني الكتاب بالحديث عن "الاتحاد العامّ للمرأة الفلسطينية"، منذ بداية نضالها، ونشاط المؤتمرات واللجان في عدّة مدن. غير أنَّها فصَّلت القول في الكلام على نشاط مؤسَّسة خاصة بمجموعة محدودة من المجتمع، ولم يشمل حديثها كلّ سيدات المجتمع الفلسطيني؛ لأنّ ذلك الاتحاد يعمل على شريحة محدَّدة فقط. انتهى الكتاب الذي تكرّرت فيه الجمل والفقرات بصيغٍ مختلفة؛ فالوضع الاقتصادي والاجتماعي تناوله عبد القادر ياسين وأميمة الشريف، ودنيا إسماعيل. إضافةً إلى ذلك، كُتبت معظم الفصول عن آثار النكبة والانتفاضة. وهذا ما يعيب الكتب التي تتناول محورًا معينًا يساهم فيه عدد كبير من الباحثين؛ لذلك لم يوفَّق المحرر في ترتيب الفصول. فلقد جاء الفصل الأول متحدّثًا عن المرأة في العصر الحجري والآثار، من دون أيّ إطلالة على العمق التاريخي للمرأة الفلسطينية بداخله. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الترتيب الزمني للأحداث تبعًا للفصول. فلقد اعتاد المحرر أن يجامل بعض الباحثين، من منطلق دوره التربوي في تشجيعهم على القراءة وكتابة البحث العلمي، وهو جهد، في الوقت نفسه، يُحسب له مثلما يُحسب عليه؛ إذ يلزمه مضاعفة جهده أكثر فأكثر في مراجعة الدراسات. جاء هذا الكتاب، ليضيء شمعةً من تاريخ المرأة الفلسطينية الذي يحتاج إلى مجلدات لكي تُوفَّ جزءًا من حقِّها؛ فليست المرأة الفلسطينيَّة المناضلة هي التي ضحَّت بحياتها، أو اعتُقلت، أو جُرحت، فحسب؛ بل إنّ كلّ نساء فلسطين مناضلات. فأيّ امرأة فلسطينيّة تحمَّلت مرارة ما وقع لذويها، وعانت مرارة ما أصابهم كثيرًا، وبكتهم، وحملتهم للعلاج وسعت وراءهم في المعتقلات للإفراج عنهم، وملأت الدنيا صراخًا ليصل صوتها في كلّ مكان، إنّ ا هي امرأة مناضلة من دون أدنى شك. يُنصح بقراءة هذا الكتاب لكلّ المهتمين بالقضية الفلسطينية، ولكل رجل عربي لديه نخوة عروبة تدغدغ خلايا مخه، وهو يلهث وراء الاستسلام لمفاوضات السلام؛ لعله يشعر بلذة الكرامة والعزة، عندما يشعر بأحاسيس الاستشهادية، والمعتقلة، والجريحة، والمكلومة، والثكلى.