عرض كتاب أميركا وأزمة القيادة سجناء البيت الأبيض: انعزال رؤساء
المؤلف: كنتث تي ولش.
الناشر: باردايم ببلشرز - لندن.2013 عدد الصفحات: 244 صفحة.
Prisoners of the white house: the isolation of America's presidents and the crisis of leadership العنوان الأصلي:
قليل منا من يعرف حياة الرؤساء والزعامات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالذين يمتلكون سلطاتٍ هائلةً على الصعيد الإقليمي أو المحل. هذا الغموض ربما يشرح، جزئيًّا، اهتمام القراء بكتب المذكرات والسير الذاتية، يضاف إليها دافع آخر لا يجوز إهماله؛ ألا وهو حب التلصص لدى الكثيرين منا. لكن هذا العامل لا ينطبق على القادة السياسيين. المؤلَّف، موضوع عرضنا، يوضح حياة رؤساء أميركا عبر وصف المكان الذي يعيشون فيه، وأساليب حياتهم، وعلاقاتهم المهنية والشخصية.. إلخ، ومن ثمة مدى ارتباطهم بالناخبين الذين أوصلوهم إلى المنصب وعهدوا إليهم بمهمّة معرفة مشكلات الجمهور وإيجاد الحلول الملائمة لها. والمؤلِّف كان في موقع مراسل في البيت الأبيض لمدَّة أربعة عقود، من رولاند ريغان إلى باراك أوباما، ما يؤهله للاطلاع على أسرار كثيرة متعلقة بمنصب الرئاسة، إضافةً إلى الأوراق الرسمية المُفرج نجزت داخليًّا لمصلحة البيت الأبيض عنها، واستطلاعات الرأي التي أ، والأحاديث المطولة التي عقدها مع عاملين فيه، والمعلومات شبه السرية وغير المعلنة التي ساعدته على كتابة هذا المؤلَّف المثير الذي يغطِّي مرحلةً تاريخيةً محددةً تبدأ بفرانكلن روزفلت وتنتهي بالرئيس الحالي باراك أوباما. إنّ المدخل الأفضل لفهم طبيعة حياة الرئيس الأميركي، في رأينا، يكمن في وصف البيت الأبيض؛ فقد ذَكر المؤلِّف أنَّه مبنى يحوي 132 غرفة،ً و 32 حمامًا، وصالة عرض أفلام، وملعب تنس، وقاعة بولينغ، وغرفة شرقيةً مزخرفةً مُجهزةً تجهيزًا كاملً للمآدب والحفلات والمناسبات الأخرى. كما ذَكر أنّ لدى سيده مجموعةً من الخدم تحت تصرفه تبتاع له حاجاته اليومية، وطباخين يطهون له ما يريد من الوجبات، وخدمًا يُعدُّون ملابسه ويلمِّعون أحذيته ويأخذون أطفاله إلى المدارس، ويستقبلون الاتصالات الهاتفية.. إلخ، وأنَّه ثمَّة متخصصين في إعداد الحفلات التي يريدها وفرقة موسيقية تابعة للمارينز لتسلية الضيوف. وذَكر أيضًا أنّ الرئيس لا يحمل نقودًا معه لأنها مؤمَّنة لدى مرافقيه، وأنَّه لا يقود السيارة، إلا في أمكنة محروسة حراسةً كاملةً؛ مثل منتجع كامب ديفيد، وأنّ لديه مساعدًا دائمًا لإنجاز أعمال، عادةً ما ينجزها أيُّ إنسان عاديّ بنفسه؛ مثل فتْح الأبواب وحمْل الحقائب. وممَّ ذكره المؤلِّف كذلك أنّ الرئيس تُقدَّم له معقمات ضد الجراثيم إثْر مصافحته أشخاصًا غرباء. وهكذا تكون الحياة في البيت الأبيض مماثلةً للحياة في البلاط الملكي أو الإمبراطوري؛ لأن بنيته مصمَّمة لتلبية حاجات شخص واحد ورغباته، كي يتفرَّغ للقضايا الكبرى التي تهمّ البلاد وموقعها العالمي. لذا تراه يُعامل كالملوك، فمن غير المسموح لأحد المبادرة إلى الحديث معه ما لم يبادر الرئيس نفسه بذلك، ومن غير المسموح مقاطعته ما لم تحصل كارثة، ومن غير المسموح بنقده مباشرة في حال تصرفة تصرفًا منفعلً أو غير ملائم للواقع؛ ما جعل الأشخاص الذين يقابلون الرئيس يتفادون نقل أخبار سيئة إليه أو الحديث معه عن أخطائه. على الرئيس أيضًا الحفاظ على مظهره لأنه عرضة للتصوير في أي لحظة، وعليه التفكير في كل كلمة يتفوه بها لأنها ستوضع تحت المجهر لتحليلها، وعليه أن يعقد لقاءاتٍ متواصلةً مع الصحافة لأن تجنب ذلك سيُؤَوَّل على أنه احتقار لها، ومن ثمّة للشعب. ومن المشكلات الأخرى التي تواجه الرئاسة الأميركية ربط الرسمي بالاحتفالي؛ إذ على الرئيس قضاء ساعات طويلة في نهاية كلّ عام واقفًا يسلّم على الضيوف ويتبادل أحاديث قصيرةً معهم. الحياة في البيت الأبيض لها إيقاع سحري، وفق الكاتب، وبعض الرؤساء، والعاملين هناك؛ ما يجعل الرئيس يشعر بأنه إله. أحد مساعدي نكسن قال: إذا كنت في خدمة أحدهم (في البيت الأبيض) فإنه الإله، وعليك تنفيذ أوامره أيًّا كانت، ومن دون مناقشة أو تردُّد. ونذكر في هذا المجال أنّ الرئيس ترومان قال بعدما قرر دعم اغتصاب فلسطين وتحويلها إلى دولة يهودية: أنا قورش، في إشارة إلى الإمبراطوري الفارسي المذكور في التوراة. وإنّ السياسيين، بحسب الكاتب، مختلفون عن بقيَّة البشر؛ لأن مهنة الوصول إلى السلطة تعزل الشخص عن بقيَّة الناس إلى درجة يصل فيها إلى مرحلة التفكير وفق: ما بإمكان هذا أو ذاك من الناس أن يخدمني. ولقد أورد المؤلِّف حادثًا طريفًا حصل للرئيس الأميركي بل كلينتون عندما كان مشاركًا في عشاء، وسقطت شوكته من يده على الأرض، فعلى الرغم من أنّ المائدة كانت مملوءة من كل أنواع الشوكات، وحقيقة أنّ كلّ المرافقين والخدم هرعوا حاملين له شوكات بديلةً، إلا أنه تجاهلهم جميعًا وأخذ شوكة الشخص الجالس إلى جانبه، بل إنه سمح لنفس بحرِّية أخذ أكواب الشراب من أمام الضيوف الآخرين. إنّ الكتاب مدخل مهمّ لفهم مدى عزلة الرئاسة الأميركية؛ ما جعل الرئيس هاري ترومن يصف البيت الأبيض بأنه: السجن الأبيض الكبير. أمّا الرئيس بل كلينتون فوصفه بأنه جوهرة تاج نظام الإصلاحيات
والسجون الاتحادية. وأمّا باراك أوباما فقال: من غير الممكن تغيير واشنطن من الداخل، وعلى المرء عمل ذلك من الخارج، ما يشرح كثرة زياراته خارج المدينة. وسط هذه العزلة الهائلة المفروضة على الرئاسة الأميركية، منذ اغتيال الرئيس أبراهام لنكلن، وغيره من قادة أميركا، أو الاعتداء عليهم، يحاط البيت الأبيض بآلاف الحراس بعد أن كانت الطبقة السفلية للبيت الأبيض مفتوحةً للعامَّة طوال النهار والليل. العزلة، في نظر المؤلف، ليست مشكلةً عندما تتعلق بالأشخاص العاديين، أو الفنانين وما إلى ذلك، لكنها مشكلة عضوية عندما يتعلق الأمر بشخص "استأجره" الشعب، على حدّ تعبير المؤلِّف، لفهم مشكلاتهم وإيجاد الحلول الملائمة لها. يورد الكتاب أربع طرائق يمكن للرئيس من خلالها الاتصال بالواقع، موزِّعًا إيَّاها على فصول الكتاب، وهي: أوَّلً، الحدس أو البديهية. ثانيًا، استمزاج الآراء. ثالثًا، أن يكون الرئيس مستهلكًا شرهًا للمعلومات المتعلِّقة بالحياة في الولايات المتحدة الأميركية من الأفلام، والتلفزيون، والصحف القومية والمحلية، وأن يكون متواصلً مع أصدقائه وزملائه. رابعًا، التواصل المستمرّ مع أعضاء الكونغرس. وأمّا بشأن تقسيم الكتاب فإنّ المؤلف لا يتوخَّى التقسيم الكرونولوجيّ، بل مدى نجاح هذا الرئيس أو ذاك، عبر أربعة أجزاء تضم بمجملها اثني عشر فصلً، مُخصِّصًا كلًّ منها للحديث عن رئيس محدَّد، متعرِّضًا لعهده ونجاحاته، وإخفاقاته، على النحو الآتي: أوَّلً، الأربعة الذين خسروا الشعب. ثانيًا، أميران ليسا هيابين. ثالثًا، الخمسة الذين حافظوا على علاقتهم. رابعًا، من السحرة إلى المتنكرين. ويرى المؤلِّف أنّ أمثل طريقة تجنِّب الرئاسة العزلة إدراك حدود السلطة والقوة ومقدرة الرئيس على اختبارها لمعرفة مدى صحتها وصلاحيتها، بهدف تجنيب نفسه السقوط في هوّة الغطرسة ووهم المقدرة الإلهية. وإنّ الكتاب لا يقدم خطةً مفصلةً لخروج الرئاسة من هذه العزلة، أو السجن، التي أطلق عليها عاملون في البيت الأبيض صفة (الفقاعة التي لا يمكن اختراقها)، لكنه مفيد لمعرفة تطور موقع الرئاسة الأميركية.