الحرب بين التحريم والتقنين

شمامة خير الدين

الملخّص

عدّ الحرب أبشع ما يمكن أن تواجهه البشرية، بدليل أنّ نهايتها لا تعني أبدًا نهاية مآسيها ت، وأنّ آثارها تشمل عددًا غير محدود من السنوات والأجيال؛ وذلك لأنها تسمح باقتراف كل أنواع الجرائم. وقد تنطبق عليها مقولة المفكر الفرنسي غاستون بوتول Gaston Boutouleً "لا تعدُّ الحرب وسيلة لنا، بل نحن الذين نعدُّ وسائل لها." ومع التسليم بأنّ الحرب ظاهرة إنسانية متأصلة في تاريخ البشر، فإنه لا بد من الاعتراف بأن الأمل في السلم متأصل، أيض ا، في طبيعة البشر. من أجل ذلك، عرف العالم من الحروب بقدر ما عرف من جهد لإطفاء فتيل الحرب وتقنينها. لذا، فإنّ تتبُّع مسيرة الحرب في مجاليْ تحريمها وتقنينها يسمح بإدراك مساهمات جميع العصور بحضاراتها وديانتيها الأكثر انتشارًا في تكوين الإرث القانوني الإنساني.

إنّ تحريم الحرب بنصوص واضحة لم يَحُلْ دون تكرارها في مختلف أنحاء المعمورة، كما أنّ إخضاعها لقوانين عديدة لم يقضِ على التجاوزات التي ترتبط بكلّ نزاع مسلح. وعلى الرغم من ذلك، يشهد تاريخ العصور المختلفة أنّ ذلك التكرار الذي جعل من الحرب إحدى الحقائق التي لم يخلُ منها عصر أو جيل، لا يعني الاستسلام للحرب بوصفها قدرًا لا مفرّ منه. فالبحث عن السلام وأنسنة النزاعات عند تعذر السلم، ظلَّ على الدوام هدفين مشتركين للإنسانية جمعاء، لذلك فإنّ قوانين الحرب (حظرًا أو تقنينًا)، على خلاف فروع عديدة في القانون الدولي، ليست من صنع الدول الكبرى الغربية بالدرجة الأولى، بل هي مساهمة لمختلف الحضارات والديانات؛ ما يجعل كلّ فرد، في هذين المجالين تحديدًا، غر مخاطب من حيث المواثيق القانونية الحديثة - وإن كان تصديقها من جهة دولته لها يجعلها جزءًا من تشريعاتها الداخلية – بل من حيث تراثه الديني والحضاري الذي لا يفرض عليه الجنوح إلى السلم واحترام إنسانية الإنسان في النزاعات المسلحة فحسب، بل يفرض عليه كذلك مواصلة ذلك الجهد لبلوغ ما هو أحسن في المجالين المذكورين. ولتوضيح الأفكار المشار إليها، قسَّمنا هذه المقالة إلى ثلاثة محاور، هي: الحرب ظاهرةً إنسانيةً. نبذ الحرب وتحريمها. تقنين النزاعات المسلحة.

مشكلة البحث

إذا عرف الأفراد أنّ أصل القواعد القانونية التي تحظر الحرب وتدعو إلى تقنينها - عند تعذُّر تحاشيها - متجذرة في تراثهم الحضاري، فهل يعزّز ذلك التزامها؟

أهداف البحث

لقد أدَّت الحروب الطاحنة التي عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ إلى استقرار فكرة لدى بعض الناس مُفادها أنّ الميل إلى الحرب لم يترك مجالً للميل إلى السلم؛ ولذلك يأتي في صدارة أهداف هذه الدراسة إثبات أنّ الميل إلى السلم، أيضًا، متجذر في نفوس أناس كثرين، إلى درجة أنه على الرغم من التسليم بأنّ الحرب ظاهرة إنسانية متكررة، فإنه لم يخلُ عصر من عقلاء وفلاسفة ينددون بها ويعملون على تقنينها، علاوةً على جنوح الديانتين السماويتين الأكثر انتشارًا (المسيحية والإسلام) إلى السلم، وإلى احترام إنسانية الإنسان. إنّ الهدف المشار إليه، يُفضي إلى هدف آخر؛ هو استغلال هذا التجذر للسلم وإنسانية الإنسان للحصول على التزام أكثر لقواعد حظْر الحرب وأنسنتها.

أهمية البحث

يعرف العالم منذ نهاية الحرب الباردة عودةً محمومةً إلى الحرب. وعلى الرغم من تغطيتها بمعطف الفضيلة (التدخل الإنساني، والتدخل الديمقراطي، ومحاربة الإرهاب)، وعلى الرغم من الزعم أنّ خوضها يكون بأقل الخسائر البشرية، أو المعاناة الإنسانية، بالنظر إلى التطور العلمي - العسكري، فقد أثبت الواقع أنها حروب تقليدية تُحرِّكها الأطماع والطموحات الشخصية نفسها، وأنّ كلفتها الإنسانية أضخم. ومن هذا الوجه يكتسب استمرار الحديث عن الحرب والسلم أهميةً بالغةً. التركيز على الإنسان من خلال تراثه المتأصل فيه؛ لأنّ الإنسان في نهاية المطاف ينطبق عليه المثل الأفريقي القائل: "ليس أفظع من الإنسان إلَّ الإنسان، وليس أحسن من الإنسان إلَّ الإنسان. فإذا كانت الحرب داءً، فإنّ سبب هذا الداء هو الإنسان. وإذا كان الحظر والتقنين هما الدواء، فإنّ الإنسان وحده هو الذي يمكنه تقديم هذا الدواء."

الدراسات السابقة

لقد رأى الفيزيوقراطيون خلال القرن الثامن عشر أنّ تطور العلاقات التجارية بين الدول سيضع حدًّا لكلّ احتمال للحرب. ومع بداية القرن العشرين (عام 1910) دافع نورمان آنجل Angel Norman في كتابه Great Illusion Teعhن هذا المعنى. وفي عام  1994، توقع هايدي توفلر Tofeflr Heidi وألفين توفلر Tofeflr Alvin في كتابهما: Guerre et contre guerre, survivre à l’aube du XXI' siècle قدرة التكنولوجيا الحديثة على تقليل التكلفة الإنسانية للحروب؛ بالنظر إلى أنّ العمليات العسكرية ستكون أكثر دقةً. إلا أنّ الحروب بقيت مع ذلك مستمرةً، إضافةً إلى أنّ أنسنتها لم تتحقَّق. وممّ لا شك فيه أنّ ما يأتي من المقالة لا يحمل أفكارًا تزعم إنهاء الحرب أو جعْل أنسنتها مضمونةً. لكنه يندرج، شأنه في ذلك شأن كلّ ما كتب

في مجالي السلم والأنسنة، ضمن ما قاله الميثاق التأسيسي لليونسكو: "إن الحرب تولد في عقول البشر ولهذا السبب يجب أن تُبنى حصون السلام في عقولهم." وهذا البناء ينطلق في هذه المقالة من الربط بين الإنسان وتراثه.

فرضية البحث

تقوم فرضية هذا البحث على أساس أنّ القانون الدولي العامّ، بخاصة من خلال ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، وخصوصًا من خلال اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليْها الإضافيين، يشتملان على نصوص عديدة تحظر الحرب وتُقنِّنها عند اندلاعها. بيد أنّنا نتبيَّ من الواقع المعيش أنّ العيب لا يكمن كليًّا في النصوص، بل في عدم التزامها. وهذا ما دفعنا إلى البحث عن منفذ آخر قد يساهم في إعطاء تلك القواعد فاعليةً، ولو نسبيةً.

المقاربة المنهجية

اعتمدنا في هذا البحث على: المنهج التحليلي: وهو يلائم الطابع القانوني للدراسة، ويقتضي إخضاع القاعدة القانونية للتحليل والتقويم، وعدم الاكتفاء بما يوحي به ظاهرها. المنهج الوصفي: يتطلبه إظهار التطورات القانونية المتعاقبة في مجالي تحريم الحرب وتقنينها. المنهج التاريخي: لقد جرت الاستعانة به لاقتناص بعض الأحداث التاريخية لكي تُزرع بعد ذلك في سياقها القانوني؛ نظرًا إلى أنّ الدراسة، بالدرجة الأولى، قانونية.

الحرب ظاهرة إنسانية

يرى دافيد روزيي Ruzié David أنّ "الحرب، في أيامنا هذه، وسيلة تجاوزتها الموضة في حلّ النزاعات"1. ولكنْ إنْ سايرنا روزيي في دخوله عالم الموضة، فسوف نجد ما يطلق عليه أهل الاختصاص Les Indémodables؛ أي تلك الأشياء التي لا تتجاوزها الموضة أبدًا، وتظل مسايرةً لها دائمًا. وهذا بالضبط ما ينطبق على الحرب. صحيح أنّ اللجوء إلى الحرب في الوقت الحالي، لم يَعُدْ بتلك الحدة التي عرفتها القرون الماضية، إلا أنّ الحرب لا تزال إحدى الحقائق المميزة لكافة العصور. ولقد تعرض ابن خلدون في الفصل السابع والثلاثين من مقدمته للحرب، فقال: "اعلم أنّ الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعةً في الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكلّ منها أهل عصبيته، فإذا ما تذامروا لذلك توافقت الطائفتان، إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل، وسبب هذا الانتقام في الأكثر إمّا غرة ومنافسة وإمّا عدوان وإمّا غضب لله ولدينه وإمّا غضب للملك وسعي في تمهيده"2. ويرى حامد سلطان أنّ الحرب "ظاهرة إنسانية" مستمرة، لم يستطع القضاء عليها التفكر، أو التعقل، أو الحكمة؛ وذلك لأنّ أسبابها والدوافع التي تدعو إليها تتنوع وتتجدد مع تطور الحياة ذاتها وتجددها المستمر3. وتعكس الأوصاف التي تطلق على الحرب، هذا الطابع البشري المستمر، ومن قبيل ذلك قول مونتاين Montaigne إنها "مرض بشري"، أو قول قيبار Guibert إنها "آفة، لكنها حتمية"4. إنّ الآراء المشار إليها ليست فلسفةً قانونيةً نظريةً بقدر ما هي عاكسة لواقع معيش عبر مختلف العصور. ولقد بينت دراسة جادة نشُرت في الثمانينيات من القرن الماضي أنه منذ عصور ما قبل التاريخ وإلى غاية التاريخ المشار إليه، لم تعش البشرية من مجموع 3400 عام سوى 250 عامًا من السلم. وبحسب معاهد علوم الحرب، فإنّ العالم لم يعرف سوى 26 يومًا من السلم منذ الحرب العالمية الثانية، إلى غاية الثمانينيات، بل إنّ محمد بجاري يجزم بأنه لو تمَّ تبني "معاير أقلّ صرامة" ممّ يمكن فهمه من عبارة "يوم من دون حرب" لاتضح لنا أننا لا نعيش في العام الواحد أكثر من ثلاثة أيام من السلم التام5. وفي دراسة أخرى أجرتها المنظمة العالمية للصحة OMS() عام 1952، اتضح أنّ عدد ضحايا الحروب منذ 3570 سنةً قبل الميلاد، قُدِّر ب 3600

  1. David Ruzié, Droit international public , 18th edn. (Paris: Dalloz, 2006), p. 205.
  2. ابن خلدون، المقدمة، ط  1 (بروت: دار القلم، 1978)، ص 270 – .271
  3. حامد سلطان وآخرون، التشريع الإسلامي والنظم القانونية الوضعية (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978)، ص .154
  4. Lucien Poirier, Les voix de la stratégie (Paris: Fayard, 1985), pp. 405 – 406.
  5. محمد بجاوي، "العلاقة بين السلم والتنمية"، 5 المجلة الجزائرية للعلاقات الدولية، العدد 77 1987()، ص 5 – .6

مليون قتيل6. إلا أنّ التسليم بكون الحرب ظاهرةً إنسانية لا يعني التسليم بها أو بالكوارث الناجمة عنها، ولن يعنيَ ذلك أبدًا. وإذا كان البشر قد تصدَّوا بقدر المستطاع للظواهر الطبيعية؛ كالزلازل والفيضانات، فإنّ التصدي للحرب وآثارها - وهي من صنع الإنسان – أوجب من ذلك. ومن ثمَّة اتجه جهد البشرية، عبر العصور المختلفة إلى العمل على جبهتين اثنتين؛ وذلك بالسعي لنبذ الحرب، بل تحريمها من ناحية، والعمل على أنسنتها من ناحية أخرى.

لقد بدا هذان العملان المتزامنان في منتهى التناقض بالنسبة إلى كثر من المفكرين. ورأى بعضهم أنّ تحريم الحرب يقتضي إثراء قانون السلم، بدلً من إيجاد قانون للنزاعات المسلحة. ورأى بعضهم الآخر أنّ هذا القانون يبدو "تنظيمً للامشروع"7. فكيف يمكن أنسنة ما هو غر إنساني؛ أي أنسنة الحرب، بدلً من إعلانها بكل بساطة "خارجةً عن القانون؟"8. في الواقع، إنّ المرء يتمنى مع سماحة البابا يوحنا بولس الثاني Jean Paul II أن يعْرف القانون الدولي تحوّلً جذريًّا لكي ينطبق عليه قول سماحته: "هذا القانون الذي كان يسمى قانون السلم والحرب، عليه أن يتجه نحو التحول حصريًّا إلى قانون للسلم"9. ولكن طالما أنّ ذلك لم يحدث إلى حدّ الآن، فإنّ المرء يجد نفسه مجبرًا على التعامل مع أمرين في آنٍ واحد؛ هما السعي الحثيث للحؤول دون قيام الحروب، والعمل الدؤوب لأنسنتها. فإذا كان إلغاؤها لم يتحقّق إلى حدّ الآن، فإنّ أضعف الإيمان هو التقليل منها بقدر المستطاع وجعْل خسائرها المادية والبشرية في حدِّها الأدنى. وإذا تحقّق ذات يوم إلغاء الحرب إلغاءً تامًّا، فإنّ الحديث عن أنسنتها سيختفي تلقائيًّا، آخذًا معه القانون الدولي الإنساني بأكمله. كما أنّ البوليمولوجيا polémologie La وهي، بوجه عامّ، "علم الحرب والنزاعات وآثارها الاجتماعية"، ستختفي كليًّا، وستبقى الأيرينولوجيا L'irénologie فقط، وهي "علم السلام"10. لا يسعنا، في ظلّ المعطيات القائمة، سوى التسليم بأنّ الحرب لا تزال ظاهرةً إنسانيةً؛ لذلك فإنّ إلغاءها الشامل لم يتحقّق إلى حدّ الآن، لكنّ العمل على جعْلها مستحيلةً بقدر الإمكان وإخضاعها عند حدوثها لقواعد قانونية، يظلان ضرورةً ملحةً.

نبذ الحرب وتحريمها

على خلاف ما ذهب إليه المنظِّر الأمركي صامويل هنتنغتون Samuel Huntington، عندما اتهم بعض الشعوب بذاتها بأنها وقود صراع الحضارات، فإنّ التاريخ يثبت أنّ الشعوب كلّها تقريبًا قد عرفت، من خلال فلاسفتها وحكمائها وشرائعها السماوية، نبْذ الحرب والحث على الجنوح للسلام؛ وذلك على النحو الآتي.

في العصور القديمة

لقد دعا فلاسفة الصين منذ ستة آلاف سنة قبل الميلاد إلى تجنيب البشر كوارث الحروب إلى درجة أنّ آلان بيلِّيه Alain Pellet وباتريك ديلييه Dallier Patrick يصفان كونفوشيوس Confucius بأنه "أوَّل من رافع من أجل سلام عالمي ودائم"11. فقد حثّ هذا الفيلسوف على ضرورة إنشاء منظمة دولية لا تختلف مهمّ تها عن أهداف الأمم المتحدة حاليًّا، واقترح أن تختار كلّ دولة من دول تلك المنظمة أكثر أبنائها كفاءةً وخُلقًا، وأن ترسلهم مندوبين ممثِّلين لها؛ هذا على الصعيد الرسمي. أمّا على الصعيد الشعبي، فقد اقترح تحالفًا بين الشعوب (وهذا الأمر يمكن أن يقابل المنظمات غر الحكومية في وقتنا الحالي.) وأمّا الفيلسوف لاو تسو Tseu Lao، فقد اقترح عدّة أفكار للحدّ من الحروب وأضاف إليها العقوبات الواجب فرضها على المتسبِّبين فيها12. كما عرفت بلاد ما بين النهرين منذ عام 2850 قبل الميلاد الاتفاقيات الهادفة إلى حلّ نزاعات الحدود، على غرار تلك التي أُبرمت بين مدينتي لاغاش وأوما من ناحية، أو بين مدينة شط الحي ومدن بابل من ناحية

  1. Quid 2006 (Paris: Robert Laffont, 2005), p. 1166.
  2. Patrick Daillier & Alain Pellet, Droit international public, 7th edn (Paris: LGDJ, 2002), p. 967.
  3. 10  Quid, p. 1366. 11  Daillier & Pellet, p. 43. 12 تونسي بن عامر، قانون المجتمع الدولي المعاصر (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1990)، ص .9
  4. Ruzié, p. 61.
  5. 8  Mohamed Bédjaoui, Actes du 1er Colloque algérien sur le droit
  6. international humanitaire: Alger, les 19 et 20 mai 2001 (Alger: Comité
  7. international de la Croix rouge et du Croissant rouge algérien, 2006), p. 15.

أخرى13. ومن الواضح أنّ هذه الاتفاقيات وغرها تستهدف، بقدر الإمكان، الوقاية من الحرب. أمّا معاهدة 1278 قبل الميلاد المبرمة بين خاتوسيليس الثالث ملك الحثيين والفرعون رمسيس الثاني، فقد توَّجت الصلح المبرم بين الدولتين بالنص على مبدأ السلام الدائم بينهما14.

ويكفي قانون مانو الهندي أنه عرَّف الدبلوماسية، منذ سنة ألف قبل الميلاد، بأنها فنّ تجنب الحرب وتدعيم السلم15. وأمّا المدن الإغريقية، فقد عرفت الاتفاقيات التي تؤكِّد التزام طرفين بالسلم تجاه بعضهما، على غرار معاهدة نيسياس Nicias بين إسبرطة وأثينا سنة 446 قبل الميلاد، وهي اتفاقية تضمنت مرحلة سلم تقدر ب 30 سنةً، أو اتفاقية سنة 431 قبل الميلاد التي قُدِّرت مرحلة السلم فيها سنةً؛ كما كان التحكيم سمةً واضحة أيضًا لدى الإغريق؛ إذ أُب 60 حصيت في مدَّة خمسة قرون نحو 110 حالات تحكيم16. ولا شك في أنّ التحكيم وسيلة سلمية لحلّ الخلافات وأنه يقلِّل احتمالات الحروب. وعلى الرغم ممّ خاضه الرومان من حروب لتوسيع إمبراطوريتهم، فإنّ الدعوة إلى السلم ونبذ الحرب لم تكن غائبةً كليًّا لديهم. ولقد وصف المفكر الروماني شيشرون Cicéron اللجوء إلى القوة لحلّ الخلافات، في مؤلَّفه نظرية قانون الشعوب، بأنه عمل غر عقلاني17. ولا يمكننا أن نختتم الحديث عن العصور القديمة من دون التطرق إلى موقف الدين اليهودي من الحرب، لأنه يشذُّ عمّ رأيناه سابقًا وما سوف نراه لاحقًا. إنّ المبدأ عند اليهود هو أن ربهم رب الانتقام، لذلك فإنّ الحرب عندهم ممجَّدة، وليست محظورةً أو منهيًّا عنها، وقد تُغنينا الأسفار من العهد القديم عن كلّ تفصيل بهذا الصدد؛ ذلك أنه ورد فيها ما يلي: "ولكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلً قليلً. لا تستطيع أن تفنيهم سريعًا، لئلا تكثر عليك وحوش البرية. ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطرابًا عظيمً حتى يفنوا. يدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو اسمهم من تحت السماء لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم"18. وقد جاء في شرح الآيات السابقة الذكر ما يلي: "الله سيطرد الشعوب من أمامهم ولكن بحكمته لن يطردهم مرةً واحدةً، بل قليلً قليلً؛ أيْ تدريجيًّا لمصلحتهم وسلامتهم. فهم شعب قليل العدد ولو طرد الله الشعوب الأخرى مرةً واحدةً لهاجمت الوحوش الأرض[...]هذا تحقق في أيام يشوع فقد قتل يشوع 31 ملكًا واستولى على مدنهم"19. تلكم كانت، إذن، مساهمات العصور القديمة في مجال نبذ الحرب، إذا استثنينا منها الديانة اليهودية، فما هي مساهمات العصور الوسطى في هذا المجال؟

في العصور الوسطى

تتمثّل المحطتان الأساسيتان اللتان يمكن التوقف عندهما في هذه العصور بالديانة المسيحية والشريعة الإسلامية. أمّا العهد الإقطاعي، فلم يترك فيه تنافس أمراء الإقطاع مجالً سوى للحروب الطاحنة. وإذا نظرنا في الأناجيل الأربعة وجدناها مجمعةً على أنّ من قتَل بالسيف قُتل به، فقد قال السيد المسيح عليه السلام للقديس بطرس: "ردَّ سيفك إلى مكانه، لأن كلّ الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون"20. بل إنه القائل أيضا: "وأمَّا أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضا"21. وبنفس التسامح يقول عليه السلام : "ومن سخرك ميلً فاذهب معه اثنين"22. انطلاقًا ممّ سبق ذكره، فإنّ الله عند المسيح ليس ربّ الانتقام، وإنما هو ربّ السلام والمحبة، وهذا ما فتح جبهة صدام استمرت طَوال أربعة قرون بين المسالمين من المسيحيين الأوائل وحكام روما؛ لأنّ الذين اعتنقوا المسيحية رفضوا المشاركة في الحروب23، وقد أدَّى ذلك إلى ظهور بعض المفكرين الذين حاولوا التوفيق بين الروح المسالمة للمسيحيين الأوائل والطموحات الشخصية للحكام.

  1. 18 سفر التثنية، الإصحاح  7، الآيات 22 - .24
  2. 19 انظر: القس أنطونيوس فكري، تفسير الكتاب المقدس، سفر التثنية.
  3. 20 إنجيل متى، الإصحاح  26، الآية .52
  4. 21 المرجع نفسه، الإصحاح  5، الآية .39
  5. 22 المرجع نفسه، الإصحاح  5، الآية .41 23 سلطان، ص.156
  6. 13  المدخل في علم السياسة (القاهرة: المطبعة الفنية الحديثة، 1966)، ص .582
  7. 14 المرجع نفسه، ص.583
  8. 15 بن عامر، ص.15
  9. 16  Daillier & Pellet, 44 – 45.
  10. 17  Abdelwahab Biad, Droit international humanitaire , 2nd edn (Paris:
  11. Ellipses, 2006), p. 8.

ولقد ميّز القديس أوغستين Saint Augustin في كتابه مدينة الرب La cité de Dieu بين الحروب العادلة وغر العادلة. فالعادلة هي تلك التي "لا تشن بسبب الطموح والفظاعة، ولكن بسبب حبّ السلم ولقمع السيئين وإغاثة الطيبين"24. وبذلك كانت الحروب العادلة هي الدفاعية، وغر العادلة هي الهجومية إلَّ إذا شُنَّت على غر المسيحيين، فهي تتحول حينئذ إلى حرب عادلة؛ لأنها ستدخل في إطار قمع السيئين كما يُزعم. أمّا القديس توما الأكويني d’Aquin Tohmas، فقد عدَّ الحرب عادلةً إذا حفزتها "نيَّة مستقيمة" وكانت ل "سبب عادل"25؛ أي إنها تلك التي لا تستهدف السلب والنهب، بل ردّ الظلم واستعادة السلم. وإذا نظرنا في الشريعة الإسلامية وجدنا ميلً إلى السلام يفنِّد تفنيدًا كلِّيًّا قول مونتسكيو Montesquieu "إنها لمصيبة للطبيعية الإنسانية، عندما يُعطى الدين من غازٍ، إنّ دين محمد الذي لا يتحدث سوى عن السيف، يؤثِّر أيضًا في الناس بهذه الروح التدمرية التي أسسته"26. فالحرب في هذه الشريعة استثناء، وليست قاعدةً عامَّةً، والهدف منها إمّا أن يكون ردًّا لعدوان ما، وإمّا أن يكون إزاحةً لحواجز تعترض نشْ الدعوة الإسلامية. ويمكننا التأكد من هذا الطابع الاستثنائي من خلال آيات عديدة في القرآن الكريم؛ منها قول المولى عزَّ وجلَّ: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُم)ْ)27، وقوله أيضًا: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَ اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم)ُ)28، وقوله: ((وَقَاتِلُواْ فِ  سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولَاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين)َ)29، وقوله كذلك: ((يَاأ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا  فِ  السِّلْمِ كَافَّةً وَلَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان)ِ)30. كما رُويَ عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله: "لا تتمنوا لقاء العدو وسلُوا الله العفو والعافية"31. وتثر حروب المسلمين من أجل نشر الدعوة الإسلامية كثرًا من الخلط لدى عدد من الناس؛ إذ يُنظر إليها على أنها حروب عدوانية تستهدف إكراه غر المسلمين على اعتناق الإسلام. ولكنّ الغاية من تلك الحروب كانت إزاحة الحواجز التي وُضعت في طريق نشْ الرسالة التي جاءت للناس كافَّةً، وقد حدث ذلك في وقت لم تكُن فيه فضائيات، ولا جرائد، ولا إنترنت.. إلخ، لِنقْل المفاهيم إلى أنحاء العالم كلِّها. ومن ثمَّة فإنّ الحرب لم تكن لفرض الدين، بل كانت لإيصاله. وبعد ذلك، تتمّ الدعوة إلى الإسلام على النمط الذي ذكره المولى عزَّ وجلَّ بقوله: ((ادْعُ إِلَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)ُ)32. ولقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لنصرانية: "أيتها العجوز أسلمي تسلمي، إنّ الله بعث لنا محمدًا بالحق. فقالت العجوز: وأنا عجوز كبرة وأموت إلى قريب؟ قال عمر: "اللهم اشهدْ، لا إكراه في الدين33. فقد تمَّ تجسيد قول المولى عزّ وجلّ: ((لَ إِكْرَاهَ  فِ  الدِّينِ قَدْ تَبَيَّ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي))34. وهكذا يتضح أنّ الديانتين السماويتين الأكثر انتشارًا في العالم تجنحان للسلم، ولا تجنحان للحرب.

في العصر الحديث

يمكن القول إنّ أوَّل محاولة لتحريم الحرب كانت من خلال اتفاقية الحد من استعمال الأسلحة لاستعادة الديون التعاقدية، وهي اتفاقية لاهاي الثانية عام 1907، المعروفة باتفاقية دراقو بورتر Drago-Porter التي نصَّت مادتها الأولى على أنّ "القوى المتعاقدة اتفقت على عدم اللجوء إلى القوة المسلحة لاستعادة الديون التعاقدية المطالب بها لدى حكومة دولة ما من جهة حكومة دولة أخرى، بوصفها مستحقةً لرعاياها"35. وإنّ هذه الاتفاقية، كما قد نلاحظ، ذات طابع ضيق جدًّا؛ إذ يقتصر رفض استعمال القوة فيها على مجال محدود هو استعادة الدول لديون رعاياها، في حال توقُّف الدول المدينة عن السداد. ومع ذلك، فإنها تُعدّ خطوةً عملاقةً إذا أخذنا في الحسبان أنّ الحرب في هذه المرحلة كانت إحدى الحقوق الناجمة عن السيادة. ومن ثمَّة يجوز للدول الأوروبية إعلانها، بغضِّ النظر عن كونها عادلةً أو غر عادلة، على النحو الذي نصَّت عليه معاهدة وستفاليا عام 1648. أمّا عهد عصبة الأمم 1919()، فقد وضع شروطًا من شأنها التقليل من الحروب، وفسح المجال للطرائق السلمية لتسوية المنازعات؛ لذلك ألزم كلّ دولة من الدول الأطراف احترامَ إقليم البلدان الأخرى الأعضاء في العصبة واستقلالها (المادة 10)، كما عدَّ إعلان الحرب غرَ مشروعٍ؛ قبل عرض النزاع على التحكيم، أو القضاء، أو مجلس العصبة، أو قبل انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ صدور قرار التحكيم، أو القضاء، أو مجلس العصبة

  1. Biad, p. 9.
  2. Ibid.
  3. Montesquieu, L’esprit des lois (Alger: ENAG, 1990), p. 138.
  4. البقرة، الآية.216
  5. الأنفال، الآية.61
  6. البقرة، الآية.190
  7. البقرة، الآية.208
  8. صحيح البخاري (بروت: دار صادر، د. ت)، ص.1278
  9. النحل، الآية.125
  10. محمد قلعجي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب (الكويت: مكتبة الفلاح،)1981، ص .78
  11. البقرة، الآية.256
  12. Daillier & Pellet, p. 936.

(المادة 12)، أو ضدّ دولة قبلت قرار التحكيم، أو القضاء، أو مجلس العصبة بالإجماع (المادتان 4/12 و 6/15.) من الواضح إذن أنّ عهد عصبة الأمم لم يحرِّم الحرب بنص صريح تحريمًا كليًّا، فقد بقيت مشروعةً في كثر من الحالات، لكنه على الأقل حرَّم حرب العدوان. وقد أدركت الدول، بوجه عامّ، عدم كفاية ما نصَّ عليه عهد عصبة الأمم، فأبرمت اتفاقية باريس 1928/8/26() المعروفة بميثاق بريان كيلوغ Kellogg-Briand الذي أكد الحاضرون فيه أمرًا مقتضاه "التخلي عن الحرب وسيلةً للسياسة الوطنية في علاقاتهم المتبادلة"36. ولقد خلا هذا الميثاق من نظام عقابي ضدّ الدول المنتهكة لأحكامه، كما أنه ينطبق عليه انطباقًا كليًّا قول إيمانويل ديكو Décaux Emmanuel: "إنّ الأمر يتعلق ب ‘تخلٍّ ’؛ "أي تنازل عن السيادة تُقبل عليه الأطراف على أساس أنّ المعاملة بالمثل اتفاقية، وليس على أساس مبدأ ينطبق على نحوٍ مطلق"37. وعلى الرغم من كلّ ما سبق ذكره، فإنّ طابع العالمية الذي اكتساه هذا الميثاق بعد أن صدَّقته 63 دولةً عام 1939 - وهو عدد كبر مقارنةً بعدد البلدان المستقلة آنذاك – وصوغ ألفاظه صوغًا عامًّا يسمح بالقول بتحريم كلّ أنواع الحروب ماعدا الدفاع الشرعي عن النفس، يجعلانه كما يرى بعض الفقهاء "الوثيقة الدولية المُنهِية للقاعدة التقليدية التي رأت أنّ الحرب مسألة خاضعة للسلطة التقديرية"؛ ولذلك ليس غريبًا ألَّ تستند محاكمات نورنبرغ عام 1946 إلى عهد عصبة الأمم، بل إلى ميثاق برييان - كيلوج38. ولكن بما أنّ هذا الميثاق لم يَحُلْ دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، فقد كان من الضروري مواصلة مسرة التصدي للحرب. انتقل ميثاق الأمم المتحدة 1945() من نبْذ الحرب أو الحد منها إلى تحريمها بكلّ أشكالها ماعدا ما كان منها دفاعًا شرعيًّا. وقد نصت الفقرة الرابعة من المادة الثانية على أن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأيِّ دولة، أو على أيّ وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة." وهكذا، صار واضحًا أنّ الميثاق الأممي قد حرّم كلّ أنواع الحروب ماعدا الدفاع الشرعي عن النفس، سواء كان ذلك على نحوٍ فرديٍّ أو جماعيٍّ، وذلك طبقًا لما نصَّت عليه المادة 51 منه. ولكن بما أنّ "الدول تملك لتبرئة نفسها خيالً لا ينضب"39، على حدّ تعبر فيليب مورو دوفارج، فقد استُعمل حقّ الدفاع الشرعي لتغطية حالات عدوان واضحة قبل الميثاق وبعده. فقد كان هتلر، مثلً، يرسل جنوده بزيٍّ عسكري بولوني لافتعال أحداث على الحدود الألمانية البولونية، ثمّ يدعي أنه يدافع عن نفسه ضدّ اعتداءات بولونيا. بل إنّ اليابانيين برروا مهاجمتهم لقاعدة برل هاربر بالرد على "العدوان الدبلوماسي" الأمركي كما برّر الاتحاد السوفياتي سابقًا عدوانه على المجر 1956()، وعلى تشيكوسلوفاكيا سابقًا 1968() بأنه دفاع شرعي جماعي40. تطلَّب التصدي للحرب جولةً أخرى عام 1974؛ إذ تولَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف المقصود بالعدوان قائلةً: "العدوان هو استعمال القوة المسلحة من دولة ضدّ سيادة الوحدة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى، أو على نحوٍ غر ملائم لميثاق الأمم المتحدة"، مضيفةً أنّ العدوان "جريمة ضدّ السلام تترتَّب عليها مسؤولية دولية"41. وقد تُوِّجت هذه المسرة بإصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان الحقّ في السلم الذي نصَّ، رسميًّا، على أنّ "المحافظة على حقّ الشعوب في السلام وترقية تحقيق هذا الحقّ يشكلان، بالنسبة إلى كلّ دولة، التزامًا جوهريًّا"42. كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة توصيةً أخرى متعلقة بتدعيم فعالية مبدأ عدم اللجوء إلى القوة43. ولئن كانت توصيات الجمعية العامة غر ملزمة، فإنها تعكس، على الأقلّ، إصرار أغلبية أعضاء المجتمع الدولي على تحريم الحرب. ونشر في الأخر إلى أنّ مسرة التصدي للحرب لا تزال مفتوحةً؛ ذلك أنّ ميثاق روما المنشِئ للمحكمة الجنائية الدولية 1998() قد نصّ على أنّ جريمة العدوان تدخل في اختصاص هذه المحكمة، كما أنّ لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة لا تزال تعمل على وضع اتفاقية دولية تشمل كلّ الجرائم ضدّ السلام وأمن البشرية، وقد ظهرت جريمة العدوان في مشروعها الأول الذي نشر عام 1996. لكن هل يُغني جهد إزالة الحرب عن تقنينها؟ في الواقع، طالما أنّ الحرب لا تزال موجودةً، فإنّ تقنينها يكتسي أهميةَ إلغائها نفسه، وهذا ما أدركته البشرية منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا.

  1. 40  Décaux, p. 181.
  2. 41  Résol. A. G. 3314 (XXIX), 14/12/1974. 42  Résol. A. G. 39/11, 12/11/1984.
  3. 43  Résol. A. G. 42/28, 18/11/1987.
  4. Philippe Moreaux Defarges, Les grands concepts de la politique internationale (Paris: Hachette, 1995), p. 77.
  5. 36  Article 1er du Pacte Briand - Kellogg, signé à Paris le 27/8/1928.
  6. 37  Emmanuel Décaux, Droit international public , 2nd edn, (Paris: Dalloz,
  7. 1999), p. 180.
  8. 38  Daillier & Pellet, p. 938.

تقنين النزاعات المسلحة

يُقصد بتقنين النزاعات المسلحة جعْلها محكومةً بالقانون، سواء في ما يتعلق بإدارة العمليات الحربية، أو أساليبها، أو حماية ضحاياها من الأشخاص، أو المحافظة على الأعيان الضرورية للحياة. وهذه هي وظيفة القانون الدولي الإنساني الذي يسعى لإقامة "قوَّة القانون بدلً من قانون القوة"44، على حدّ تعبر ليون بورجوا. Léon Bourgeois وانطلاقًا ممّ سبق ذكره، فإنّ أنسنة النزاعات المسلحة ليست وليدة العصر الحديث. إنها غاية نبَّهت إليها الشرائع السماوية، واهتم بها فرسان وعقلاء في مختلف العصور على نحوٍ يسمح لنا بالقول إنّ القانون الدولي الإنساني ليس وليد القرن التاسع عشر، وإن كان المرء يعترف بأنّ الجهد المبذول في القرنين الماضيين كان الأكثر حسمً. وفي ما يلي نعرض مساهمة العصور المختلفة في إثراء أنسنة النزاعات المسلحة.

في العصور القديمة

لقد كان الجنرال الصيني سين تسي بينغ Sun Tsé Ping أوّل من حاول البحث عن أنسنة قواعد الحرب، وذلك منذ القرن السادس قبل الميلاد45. والتزامًا بتعاليم كونفوشيوس، نهَى سي ما Se-Ma عن كلّ تدمر لا تقتضيه الضرورة، فضلً عن ضرورة الاهتمام بالجرحى؛ كما فرض الامتناع عن مهاجمة السجناء أو المدن Sun Tzu الفيلسوف سان تزو غر المدافع عنها46. وفي الغرض نفسه، قال ملك بلاد ما بين النهرين حمورابي: "إنني أضع هذه القوانين لأمنع القويّ من اضطهاد الضعيف"47. أمّا في مصر الفرعونية، فيمكننا أن نجد في معاهدة 1279 قبل الميلاد المشار إليها سابقًا، قواعد تتعلق بتسليم الأسرى إلى الجهات المختصة48. كما وُجدت عند الحثيين اتفاقيات متعلقة بتقسيم الغنائم، وأخرى متعلقة بوقف إطلاق النار، وقد كانت هذه الاتفاقيات محترمةً49. وعرَف قانون مانو الهندي منذ نحو 1000 سنة قبل الميلاد قواعد إنسانية متقدمةً جدًّا؛ إذ نصَّ على ضرورة امتناع المقاتلين عن قطْع الأشجار، أو حرْق الحقول أو إفسادها، أو قتل العدو في حالة استسلامه أو نومه، أو في حال كونه أعزل أو أسر حرب50. كما منع استعمال أسلحة معيّنة؛ مثل الأسلحة المسمّمة أو المحرقة51. ولم تتخلف الحضارة الرومانية أيضًا عن إرساء مبادئ مهمة جدًّا مثل مبادئ الحياد، وعدم الشروع في حرب قبل إعلانها، فقد كان إعلانها يجرى من خلال حفل رسمي52. وفي حالة رضوخ العدو للعبودية، كانت روما تقبل بذلك، ويصبح القتل أو الهجوم على العدو غر شرعي53. كما ساهمت الحضارة الإغريقية في وضع بعض القوانين التي تحكم العمليات الحربية وتحمي الضحايا، ومن قبيل ذلك عدم الدخول في الحرب إلَّ بعد إبعاد الأعمال الحربية عن المعابد والملاعب، وعدم الاعتداء على الجرحى والأسرى.. إلخ54. وإلى جانب مساهمة الحضارات الكبرى في أنسنة النزاعات على نحوٍ مميِّزٍ للعصور القديمة، يُطرح السؤال نفسه أيضًا بشأن مساهمة الديانات الكبرى في هذه الأنسنة. والتزامًا بالتسلسل الزمني المتَّبع في المحور الثاني من هذه المقالة، فإننا سنتطرق في ذلك إلى مساهمة الديانة اليهودية، ومساهمة كلّ من الديانة المسيحية والشريعة الإسلامية أثناء العصور الوسطى. سبق أن رأينا أنّ الديانة اليهودية لم تقيِّد الحرب ولم تجعلها استثناءً، وعلى الرغم من ذلك فقد كانت حروب اليهود في ما بينهم تحترم بعض القواعد الإنسانية؛ مثل مساعدة ضحايا الحرب، أو التمييز بين المقاتلين وغر المقاتلين. أمّا حروبهم مع غرهم، فإنها حروب إبادة؛ على نحو ما فعلوه مع الكنعانيين55، منفِّذين بذلك ما جاء في العهد القديم، على النحو الذي أشرنا إليه سابقًا، وعلى غرار ما بيَّنه منعم باراش Barash Menahem في أحد أعداد يومية يديعوت أحرونوت عام 1974. لقد شرح براش الطريقة التي يجب أن تكون عليها الحرب ضدّ الفلسطينيين بقوله: "هذا الطاعون الذي أخبرتنا به التوراة، والذي يريد

  1. Décaux, p. 6.
  2. Michel Bélanger, Droit international humanitaire (Paris: Gualino, 2002), p. 15.
  3. Robert Kolb, Ius in Bello. Le droit international des conflits armés (Bâle:
  4. 52 صلاح الدين حمدي، محاضرات في القانون الدولي العام (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1990)، ص .15 53  Kolb, p. 30.
  5. بن عامر، ص.10
  6. Kolb, p. 16.
  7. بن عامر، ص.11 51  Kolb, p. 14.
  8. Helbing & Lichtel hahn, 2003), p. 15.
  9. 47 ‘‘ Quelles sont les origines du droit international humanitaire?’’, CICR , 1/1/2004, at:
  10. http://www.icrc.org/fre/resources/documents/misc/5qkhj8.htm
  11. المدخل، ص.584
  12. Biad, p. 8.

الاستحواذ على الأرض التي وعد الله بها إبراهيم، علينا أن نحذوَ [معه] حذو Josué لغزو أرض إسرائيل والاستقرار فيها، كما تطالبنا التوراة[...] لا مكان في هذه الأرض لشعوب أخرى غر شعب إسرائيل؛ ما يعني أنه علينا أن نطرد الذين يسكنون فيها كافَّةً. إنها حرب مقدسة تفرضها التوراة"56. هذا المقتطف الذي تختلط فيه الطموحات الدنيوية بالغطاء الديني، يتنافى مع أدنى القواعد الإنسانية، وهو يتضمن على نحوٍ صريح دعوةً إلى الحرب، ودعوةً ثانيةً إلى ترحيل أبناء الإقليم المحتل، وأخرى إلى إبادة غر المقاتلين، فضلً عن المقاتلين. وإنّ دعوة الإسرائيليين إلى الحذو حذو يوشع هي دعوة إلى الإبادة وعدم الإبقاء على حياة أحد. فالتاريخ اليهودي المستند إلى العهد القديم يزعم أنّ المولى عزَّ وجلَّ قد ساعد النبي يوشع بمعجزة؛ إذ جعله قادرًا على وقف الشمس للحصول على النور الكافي لإبادة الأعداء الهاربين من معركة بيتورون57.Béthoron تلك الحرب المقدسة بزعمهم، عندما تأخذ صورة الحرب الشاملة – وهي القاعدة عادةً – تكون كما وصفها كولب قائلا: "تتضمن الحرب الأكثر شموليةً قتْل جميع أفراد العدوّ، بما في ذلك النساء والأطفال. الذهب والفضة يشكلان غنيمةً جُعلت وقفًا لله. بقيَّة الأشياء المستولَ عليها تُحرق. المدينة المهزومة تُدمَّر وتُرش رمزيًّا بالملح"58. ومن ثمَّة يمكن القول إنّ حروب اليهود مع غرهم خلَت خلوًّا كليًّا من القواعد الإنسانية؛ لذلك تنطبق عليها ملاحظة حامد سلطان القائل إنّ الدين اليهودي "لم يضع القيود على ممارستها أو على طرق هذه الممارسة أو على أساليب القتال أو معاملة الأسرى، فقانون اليهود هو السنّ بالسنّ وربهم هو ربّ الانتقام، والعهد القديم إذ يروي قصصًا كثرةً عن حروب اليهود، إنما يؤيِّد هذا القول الذي نقوله"59.

في العصور الوسطى

إنّ أهمّ ما يمكن التوقف عنده في العصور الوسطى هو الديانة المسيحية والشريعة الإسلامية. أمّا العهد الإقطاعي، فإنّ حروبه الطاحنة لم تخضع لأيِّ قواعد إنسانية. وقد بينَّا في ما سبق أنّ الكنيسة عجزت عن المحافظة على الروح المسالمة للديانة المسيحية، وأنها أخذت تبحث عن طريقة للحد من آثار الحرب؛ وذلك عبر السعي للحصول على توافق أوروبي في بعض المبادئ الإنسانية. لقد جرى الاتفاق في معاهدة لاتران Latrand (عام 1095) على ما سُمِّيَ "سلم الرب" الذي يفرض إبعاد العمليات الحربية عن النساء والأطفال، والرهبان والمعابد، والمدارس، والمحاصيل الزراعية.. إلخ. كما أقرَّ مؤتمر كلرمون Clairmont (عام 1096) "هدنة الرب" التي تحرِّم الحرب في أوقات معينة؛ مثل الفترة التي تسبق عيد الفصح أو عيد الميلاد، أو الفترة الممتدة بين مساء الجمعة وصباح الاثنين أسبوعيًّا60. أمّا المجمع الثالث للأتران (عام 1179)، فقد توصَّل إلى منْع تحويل أسرى الحرب إلى عبيد61. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ الكنيسة كانت تعاقب الذين تمتدُّ حروبهم إلى المدنيين، أو الكنائس، أو المدارس، ونحو ذلك، بعقوبة الحرمان الكنسي62. هكذا، إذن، نلاحظ أنّ الكنيسة قد وضعت قيودًا معينةً على ما كان يُعرف ب "الحقّ في إعلان الحرب"، وأنها منعته في بعض الأوقات، وأكدت وجوب اجتنابها لبعض الأشخاص، أو الأماكن، أو الأعيان. غ  يرأنّ كلّ ذلك لم يكن كافيًا؛ لأنّ إدارة العمليات الحربية في حدّ ذاتها لم تحظَ بأيِّ تنظيم، كما أنّ تلك المحظورات بقيت حكرًا على نزاعات المسيحيين في ما بينهم. ومن ثمَّة فإنّ الحرب ضدّ غر المسيحيين لا تخضع لأيّ قيد. وإنّ ما كتبه الفرنسي بوديكور Baudicour عن إحدى مذابح الاستعمار الفرنسي في منطقة القبائل الجزائرية - وهو مثال واحد فقط من بين آلاف الأمثلة - يعكس غيابًا كليًّا لتعاليم الكنيسة في الحرب ضدّ غر المسيحيين. فلقد شجرة مثمرة قُطعت، وأنّ المنازل أ أكد أن 18000"حرقت، وأنّ النساء والأطفال والشيوخ قد قُتلوا"63. وعلى النقيض ممَّ سبق ذكره، فإنّ أهمّ ما يميز القواعد التي وضعها الإسلام هو توجُّهها إلى الناس كافَّةً؛ لذا يجب على المسلمين احترامها حتى في نزاعاتهم المسلحة مع غرهم. ومن أهمّ القواعد التي أُرسيت في هذا الصدد ما يلي: عدم مقاتلة غر المقاتل، والتزام قواعد الحرب مع المقاتل، مصداقًا لقوله تعالى: ((وَقَاتِلُوا  فِ  سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ولَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين)َ)64. وكذا قوله عزَّ وجلَّ: ((فَإِنِ اعْتَزَلُوْكُمْ فَلَمْ

  1. 61  Bélanger, p. 15. 62  Olivier Le Cour Grandmaison, Coloniser, exterminer: Sur la guerre et l’Etat colonial (Alger: Casbah Editions, 2005), p. 174.
  2. Quid, p. 688.
  3. 63  Le Cour Grandamaison, p. 181.
  4. 64 البقرة، الآية.190
  5. ابن عامر، ص.33
  6. 56  Roger Garaudi & Jaques Verges, Le procès de la liberté (Alger: Houma,
  7. 2006), p. 83.
  8. 58  Kolb, p. 17.
  9. 59 سلطان، ص.155

لْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلْا يُقَاتِلُوْكُمْ وَأ)ً)65. بل إنّ مقاتلة المقاتل نفسها تخضع لقواعد تضبطها؛ منها على سبيل المثال ضرورة الملاءمة بين العمل العدواني وردّ الفعل، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِ ثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقيِن))66، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثِّلوا"67. كما أننا نلاحظ التزام المسلمين بقاعدة "عدم المعاملة بالمثل" في حالة النزاعات المسلحة. وهذه القاعدة من القواعد الأساسية في القانون الدولي الإنساني، عكس القانون الدولي العامّ. انطلاقًا ممّ ذُكر، إذا نقض العدوّ عهده، لا يجوز للمسلمين معاملته بالمثل؛ فالروم، مثلً، قد نقضوا عهدهم في عهد معاوية. لكنّ المسلمين رفضوا الرد على ذلك بقتل الرهائن الروم الموجودين تحت أيديهم، بل قالوا: "وفاء بغدر، خر من غدر بغدر"68. وبما أنّ العدو يظلّ إنسانًا، فإنه من الضروري وقْف القتال فترةً ما لدفن القتلى. بل إنه لا مانع من قيام المسلمين بدفن قتلى العدو إذا لم يفعل عدوُّهم ذلك بنفسه؛ على نحو ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع المشركين في غزوة بدر. أمّا المقاتلون الذين كفُّوا عن القتال؛ مثل الجرحى والأسرى، فإنّ الرسول عليه الصلاة والسلام يؤكِّد ضمان السلامة لهم، فلقد روى عنه البيهقي وعبد الرزاق وابن أبي سيبة رضوان الله عنهم جميعًا قوله: "ألا لا يُجهزنَّ على جريح ولا يُتبعنَّ مدبر ولا يُقتلنّ أسر، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن"69. بل إنّ الأسر لا تُضمن حياته فحسب؛ إذ يجب أن يُعامل معاملةً إنسانيةً أيضًا، فلقد روى الطبراني عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "استوصوا بالأسارى خرًا"70. وكيف لا يكون الأمر كذلك إذا كان القرآن الكريم قد عَدَّ المعاملة الطيبة للأسر من الصفات الحسنة للمؤمنين؛ وذلك في قوله عزَّ وجلَّ: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمً وَأَسِرًا))71. حماية المدن والمدنيين: هذا الالتزام يلخصه تلخيصًا جيِّدًا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلً صغرًا، ولا امرأةً، ولا تغلوا، وضمُّوا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إنّ الله يحبُّ المحسنين"72. ولقد سار خلفاؤه على هديه؛ إذ أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه المقاتلين المسلمين بضرورة احترام عشر قواعد أساسية في حروبهم قائلً: "لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلً صغرًا ولا شيخًا كبرًا ولا امرأةً، ولا تعقروا نخلً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعرًا إلا لمأكلة. وسوف تمرُّون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له"73، كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله لأحد أصحابه: "اِلحقْ خالدًا فقلْ له: "لا تقتلوا ذريةً ولا عسيفًا"74، وكذا قوله أيضًا: "لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع"75. وفي الواقع، يبدو أنّ هذه الوصايا القيِّمة، وإن كانت تركِّز على حماية الأعيان المدنية، وعلى المدنيين أنفسهم، ولا سيما من كان منهم ضعيفًا؛ كالنساء والأطفال والشيوخ، فإنها تتضمن في الوقت نفسه تأكيدًا متعلّقًا بحماية الأموال الثقافية (الصوامع)، وتأكيدًا خاصًّا بحماية البيئة (منْع الحرق أو الذبح لغر حاجة)، وهي تؤكِّد بوجهٍ عامّ أنّ حقّ المقاتلين في استعمال أساليب القتال ووسائله ليس حقًّا مطلقًا، بل هو مقيَّد بمقتضيات عديدة (منْع الخيانة والغدر مثلً.) يضاف إلى ذلك أنّ تلك الوصايا رفضت الغلو، فالهدف ليس تعريض الخصم لمعاناة مفرطة لا حاجة إليها، وإنما هو ضمان النصر. بل إنّ كرامة الإنسان، يجب أن تُحفظ حتى بعد موته، فلا مجال للتمثيل بجثث قتلى العدو، على الرغم من أنّ هذا التصرف كان شائعًا آنذاك. ولقد اعترفت وثائق الفاتيكان بقيمة المبادئ الإنسانية الإسلامية في مجال النزاعات المسلحة؛ إذ ورد فيها: "إنّ الجهاد ليس البتة الخرم Kherem اليهودي، إنه لا يتجه إلى الإبادة، بل إلى إيصال حقوق الرب والإنسان إلى مناطق جديدة. وإنّ العنف الذي سبق الجهاد كان يتَّبع، بوجهٍ عامٍّ، قوانين الحرب زمن الحروب الصليبية"76. وفي الأخر، يبدو أنّ أهمّ ما يلاحظ في ما يتعلّق بالعصور الوسطى هو غياب المبادئ الإنسانية في حروب أمراء الإقطاع غيايًا كليًّا، واقتصار المبادئ التي وضعتها الكنيسة على المسيحيين فقط. أمّا القواعد التي أرستها الشريعة الإسلامية، فقد وُجِّهت إلى الإنسان بغضّ النظر عن لونه،

  1. النساء، الآية.90
  2. البقرة، الآية.194
  3. صحيح مسلم (بروت: دار صادر، د. ت)، ص.666
  4. الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية (القاهرة: دار الفكر للطباعة والنشر
  5. نقلً عن بن عامر، ص.24
  6. نقلً عن عامر الزمالي وآخرين، مقالات في القانون الدولي الإنساني والإسلام (القاهرة:
  7. سورة الإنسان، الآية. 8
  8. نقلً عن قلعجي، ص.23
  9. نقلً عن فرانسواز بوشيه سولنييه، القاموس العملي للقانون الإنساني، ترجمة أحمد مسعود (بروت: دار العلم للملايين، 2005)، ص .99 74 نقلً عن محمد الحسيني، العلاقات الدولية: محاضرات في الفقه الإسلامي (القاهرة : دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 1978)، ص .152
  10. والتوزيع، 1983)، ص .47
  11. المرجع نفسه، ص.151 76  Chems Eddine Chitour, L’Islam et l’Occident chrétien: pour une quête de la tolérance (Alger: Casbah Editions, 2001), p. 379.
  12. منشورات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2007)، ص .135

أو عرقه، أو دينه. فما هي سمات العصر الحديث، إذن، بشأن تقنين النزاعات؟

في العصر الحديث

لقد أدَّت النزاعات المسلحة الطاحنة التي عرفتها أوروبا؛ كحرب المئة عام وحرب الثلاثين سنةً، إلى ظهور أفكار أرست عددًا من قواعد القانون الدولي الإنساني. كما أعقبتها توجيهات من بعض القادة والأمراء إلى جيوشهم لالتزام المبادئ الإنسانية، لنصل في نهاية المطاف إلى عصْ التقنين؛ وذلك بظهور الاتفاقيات الدولية التي أعطت دفعةً حقيقيةً للقانون الدولي الإنساني. قانون السلم والحرب، بيَّ غروتيوس ففي كتاب Grotius أنه يجب دائمًا استبعاد الأطفال، والنساء، والفلاحين، والتجار، والمعتقلين من العمليات الحربية، إلَّ في حال ارتكاب شيء شديد الخطورة. وأضاف إمرك دي فاتيل Vattel de Emeric إلى الفئات السابق ذكرها المرضى، والمعوقين، والشيوخ77. أمّا الفيلسوف إيمانويل كانط Kant Immanuel، فقد أكّد ضرورة التزام أطراف النزاعات المسلحة بعض القواعد الإنسانية والأخلاقية أثناء المعارك قائلً: "إنّ استعمال السفاحين، والمسمّمين، وانتهاك الامتيازات، ودسّ الخونة في الدولة التي نحاربها[...]كلّ ذلك يعدُّ غدرًا دنيئًا"78. ويرجع الفضل إلى الفرنسي جون جاك روسو Rousseau Jean-Jacques في زيادة توضيح الفرق بين المقاتلين وغر المقاتلين، وذلك حين قال: "إنّ الحرب ليست البتةَ علاقة رجل برجل، بل هي علاقة دولة بدولة لا يُعَدُّ الأفراد فيها أعداءً إلَّ على نحوٍ عرضيٍّ، وليس ذلك بوصفهم بشرًا أو مواطنين فحسب، بل بوصفهم مقاتلين أيضًا[...]وبما أنّ هدف الحرب هو تدمر الدولة العدوَّة، فإنه لنا الحقّ في قتل المدافعين عنها ما بقيت الأسلحة بين أيديهم. ولكنهم لن يبقوا أعداءً ولا وسائل للعدو ما إن يضعوا أسلحتهم ويسلّموا أنفسهم. إنهم يعودون مرةً أخرى بشرًا فقط، ولن يبقى لنا أيّ حقّ على أرواحهم"79. وإلى جانب نداءات كبار المفكرين، بدأ بعض الحكام والقادة ينتبهون إلى ضرورة إخضاع النزاعات المسلحة إلى بعض قواعد السلوك التي تلتزم المبادئ الإنسانية. فلقد أصدر ملك السويد غوستاف الثاني أدولف Adolphe II Gustave في القرن السابع عشر، قانونًا ينص على حماية بعض الفئات وبعض الأعيان المدنية، ومنْع إحراق المدن، أو القرى، أو الكنائس، والمستشفيات، والمطاحن، والمدارس، في بلد العدو، من دون تلقِّي أمرٍ بذلك من القائد الذي يجب أن يكون قد تلقَّى هو نفسُه من القائد العامّ للقوات المسلحة أو من الملك شخصيًّا أمرًا بذلك. وقد نصّ ذلك القانون على أنه لا يجوز، أيضًا، إساءة معاملة الرجال والنساء، والمُسنين، ورجال الكنيسة، والفتيات، والأطفال، طالما أنهم لم يحملوا السلاح ضدّ الجيش السويدي80. وها هو الأمر عبد القادر الجزائري الذي حارب فرنسا طَوال سنوات عديدة إلى أن نفته إلى سوريا، ينطلق بنفسه لحماية آلاف المسيحيين من مذابح الدروز عام 1860، وذلك بسبب إيمانه بأنّ المدنيين ليسوا طرفًا في أيّ نزاع مسلح، وأنه يجب ألَّ  تمتدّ إليهم آثاره؛ وبذلك فقد "أجبر" الأمر نابليون الثالث على أن يهديَه ميداليةً كُتب عليها "أمر أفريقيا الشمالية، المدافع عن الجنسية العربية وحامي المسيحيين المضطهدين"81. وبعد هذا الحدث العظيم بثلاث سنوات، أصدر الرئيس الأمركي أبراهام لينكولن Lincoln Abraham الأمر العامّ رقم 100 الموجه إلى جيش الشمال، خلال حرب انفصال، وهو الأمر الذي نُسب إعداده إلى أستاذ جامعة كولومبيا فرنسيس ليبر Lieber Francis. وقد لخصت ديباجة هذا القانون الهدف منه بنصها على أنّ تطورات الحضارة "يجب أن تُتمثّل آثارها في التخفيف بقدر الإمكان من كوارث الحرب"82. وعلى الرغم من أهمية كلّ الخطوات السابقة، فإنّ القفزة العملاقة جاءت على يد السويسري هنري دونان Dunant Henry، لأنه دشَّن عهد الاتفاقيات الدولية التي تمتاز بكونها لا توجَّه إلى شعب محدَّد بذاته أو عرق من الأعراق، على خلاف تعليمات ليبر التي كانت على الرغم من أهميتها موجهةً إلى الشعب الأمركي فقط، بل إلى الأمركيين ذوي الأصل الأوروبي على نحو خاصّ؛ لأنّ الحرب ضدّ الهنود الحمر، لم تُلتزم فيها تلك التعليمات. من أجل ذلك نقول إنّ التوقف عند مختلف الحضارات والديانات والعصور لمعرفة مساهماتها في إرساء قواعد القانون الدولي الإنساني لا يستهدف إرجاع الدول والناس إلى التقوقع داخل عقائدهم أو حضاراتهم، بدلً من قواعد القانون الدولي الإنساني، وإنما تذكرهم بأنّ هذا القانون متجذِّر فيهم، وليس ثمرة حضارة واحدة أو مساهمات لمجموعة من الدول الكبرى، وهو ما يعزِّز التزام السلام والقانون الدولي الإنساني، سواء ما قُنِّن منه أو ما بقيَ عرفيًّا. ولعله من المفيد التذكر بوجود أكثر

  1. Bélanger, pp. 15 - 16.
  2. Le Cour Grandamaison, p. 176.
  3. 81  Le Cour Grandamaison, p. 153. 82  Bélanger, 31.
  4. وائل بندق، موسوعة القانون الدولي للحرب (الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، 2004)، ص 57 - .58
  5. 79  Charles Rousseau, Droit international public , 8th edn (Paris Dalloz,
  6. 1976), p. 338.

من 500 مقنّنة سلوك، ونصوص، وعهود، اهتمت منذ العصور القديمة إلى غاية بدايات القانون الدولي الإنساني، بتنظيم العمليات العدائية83. بل إنّ عدد الأعراف المقنّنة في مجال حماية ضحايا النزاعات المسلحة يُقدَّر ب 161 عرفًا84. أثارت مخلفات الحرب الفرنسية - النمساوية أثرًا بالغًا في نفس دونان؛ فنتيجةً لذلك ألَّف بعد عودته من سولفرينو كتابه الشهر تذكار من سولفرينو (عام 1862)، وقد سمح التعاطف الكبر الذي أثاره هذا الكتاب بإبرام مؤتمر جنيف عام 1864، وهو المؤتمر الذي تمخَّضت عنه أوّل اتفاقية إنسانية متعلقة بحماية المرضى وعمال الصحة. ولئن كان المجال لا يتسع لعرض كلّ الاتفاقيات الدولية المتصلة بتقنين النزاعات المسلحة85، فإننا نكتفي بالإشارة إلى بعضها، وذلك من أجل معرفة كيفية ارتقاء جانبي القانون الدولي الإنساني؛ أي القوانين التي تنظم العمليات العدائية في حدّ ذاتها، أو ما يُطلق عليه قانون لاهاي، وما يُعرف بقانون جنيف الذي يتضمن الحماية الإنسانية لضحايا النزاعات المسلحة. لقد كان إعلان سان بيترسبورغ عام 1868 أوّل وثيقة تُحرِّم بوضوح تجاوز الهدف الأساسي للنزاع المسلح؛ إذ نصَّ هذا الإعلان على أنّ "الهدف الوحيد الشرعي الذي يجب على الدول أن تعتزمه، خلال الحرب، هو إضعاف القوات المسلحة للعدو"، لكنّ "هذا الهدف سيجري تجاوزه عن طريق استعمال الأسلحة التي تزيد، من دون داعٍ، معاناة الأشخاص البعيدين عن القتال وتجعل موتهم حتميًّا"86. أمّا الخطوة الثانية ذات الأثر الكبر في تطور القانون الدولي الإنساني، فإنها تتمثّل بمؤتمري لاهاي عامي 1899 و 1907 اللذين قنَّنا أعراف الحرب وقوانينها؛ فدشَّنا بذلك عهد التقنين الذي لا يزال مستمرًّا إلى يومنا هذا. وربَّ ا تكون أهمّ قاعدة في نظام لاهاي، تلك التي تقضي بأنه "ليس للمتحاربين حقٌّ غر محدود في اختيار وسائل الإضرار بالخصم"87. ولئن أثبتت تجربة الحرب العالمية الثانية عدم كفاية الاتفاقيات التي سبقتها، ولا سيما نظام لاهاي، فقد كانت السبب الرئيس للمرور إلى محطة حاسمة في مسرة تطوّر القانون الدولي الإنساني المتمثِّلة باتفاقيات جنيف الأربع (عام 1949)، وهي التي أوْلَت كلّ فئة من ضحايا المنازعات المسلحة حمايةً خاصةً. فقد اهتمت الاتفاقية الأولى بتحسين أحوال جرحى القوات المسلحة ومرضاها في الميدان. وتناولت الثانية تحسين أحوال الجرحى، والمرضى، والمنكوبين في البحار. أمّا الثالثة، فقد خُصصت لحماية أسرى الحرب. وأمَّا الرابعة، فقد اهتمّت بالمدنيين. وتُ ثِّل هذه الاتفاقيات، إلى حدّ الآن، حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني إلا أنّ انعدم كفايتها أدَّى إلى إضافة بروتكوليْ إضافييْ عام 1977. واهتم البروتكول الأول بزيادة حماية ضحايا المنازعات المسلحة التي لم تعُد تشمل الحروب الدولية بالمعنى التقليدي فحسب، بل حروب التحرير أيضًا. فطبقًا للمادة الأولى من البروتكول الإضافي الأول عام 1977، وهي المادة التي أحالت على المادة الثانية المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، أُضيف إلى الحرب بالمعنى التقليدي "المنازعات المسلحة التي تناضل فيها الشعوب ضدّ التسلط الاستعماري والاحتلال الأجنبي، وضدّ الأنظمة العنصرية؛ وذلك في إطار ممارسة الشعوب لحقِّها في تقرير مصرها. في حين خُصِّص البروتوكول الإضافي الثاني للنزاعات المسلحة غر الدولية. وقد حاول تدارك النقص في اتفاقيات جنيف الأربع التي تهتم بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية فقط، إلَّ إذا استثنينا المادة الثالثة المشتركة بين هذه الاتفاقيات؛ وهي التي تنص على الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية، أو القواعد الدنيا المنطبقة على جميع أنواع النزاعات المسلحة. نلاحظ إذن أنّ المجتمع الدولي قد أدرك أنّ تقنين الحرب ليس دليلً على الاستسلام لها، بل هو تأكيد آخر لرفضها، وأنّ المنطق لا يمكنه أن يتقبل الفشل في الحؤول دون اندلاع النزاعات المسلحة، ثمّ الفشل في إلزام أطراف النزاع بالخضوع لقوانين من شأنها أن تَحُدَّ من آثار الفشل الأول.

خاتمة

بعد استعراض المحطات الأساسية لهذه المقالة، يمكننا التوصَّل إلى بعض الاستنتاجات، وفي ضوئها، يمكن أن نقدِّم اقتراحاتٍ متصلةً بموضوع بحثنا. وفي ما يلي عرضٌ لهذه وتلك.

الاستنتاجات

إنّ الانتباه إلى أنّ تناقص عدد النزاعات المسلحة لا يعني توجهها نحو الانقراض. فلقد أعقبت فترات السلم الطويلة حروب طاحنة قد يكون

  1. ‘‘ Quelles sont les origines,’’ Ibid.
  2. Biad, p. 35.
  3. Ibid., p. 131 – 133.
  4. Déclaration de Saint, Pétersbourg, singné à Saint Pétersbourg,
  5. Biad, p. 11.

أحدث نماذجها نزاعات البلقان بعد 45 سنةً من السلام الأوروبي. وكل ذلك يقتضي التسليم بأنّ الحرب ظاهرة لا بدَّ من التعامل معها. إنّ الميل إلى السلم متجذر لدى الأغلبية الساحقة من الشعوب، والحضارات، والديانات الأكثر انتشارًا؛ ما يسمح لنا بالتسليم بأنّ هذا الميل ظاهرة ثابتة يجب استثمارها بقدر المستطاع. لا يوجد تعارض بين تحريم الحرب وتقنينها، بل إنهما متكاملان؛ لأنّ هدف جعْل الحرب مستحيلةً لا يتعارض مع التسليم بأنه في حالة الإخفاق، يبقى أضعف الإيمان هو إخضاع النزاع المسلح لقوانين تقلِّل من كوارثه. ينبغي عدم الاستسلام للمقولة الشائعة التي تنفي جدوى التقنين طالما أنّ الدول الكبرى، على نحو خاصّ، تملك دائمًا القدرة على الخروج على مبدأ عدم مشروعية الحرب، فضلً عن أنّ محاربيها يستطيعون دائمًا تجاوز القوانين الحربية؛ لأنّ إفشال حرب واحدة أو إنقاذ شخص واحد يستحقّ كلٌّ منهما الإبقاء على أمل التوجه نحو أفق أفضل.

الاقتراحات

ضرورة تطوير القانون الدولي العامّ لإخضاع الدول الكبرى للشرعية الدولية، وهي مسألة يتحمل فيها أعضاء الأمم المتحدة المسؤولية العظمى، بخاصة الكبار منهم؛ وذلك حتى لا تتسبب الطموحات الشخصية والمصالح الوطنية في إشعال النزاعات المسلحة (العراق، وأفغانستان، وغرهما)، أو في جعل إنهاء القائم منها مستحيلً (النزاع العربي الإسرائيلي)، أو في السماح بإفلات الذين لا يلتزمون قوانينها من العقاب. ضرورة تدريس القانون الدولي للسلام والقانون الدولي الإنساني في كلّ المستويات. ولئن كانت معرفة قوانين الحرب وأعرافها غرَ مُقيِّدة للمتحاربين كافَّةً، فإنها ستُحدث أثرًا، ولو نسبيًّا، في عدد كثر منهم. عند تدريس المادتين المشار إليهما، من المهمّ تأكيد مساهمة الحضارات، والديانات، وعقلاء الأزمنة المختلفة، في الحث على السلم وعلى أنسنة الحرب. وحينئذ لن يجد المرء أنه مخاطب من جهة اتفاقية قد يعتقد أنها لا تعنيه، بل من جهة دينه، أو تقاليد شعبه، أو شهامة الفرسان؛ ما يعزّز، أكثر فأكثر، التزامه الاتفاقيات والأعراف. فالأمر عبد القادر عندما حمى المسيحيين من مذابح الدروز عام 1860، لم يكن يطبِّق اتفاقيات جنيف أو بروتوكوليها الإضافيين؛ ذلك أنها لم تبُرم في ذلك الوقت، بل كان يطبِّق تعاليم دينه الحنيف وشهامة الفارس الأصيل. أهمية إيماننا جميعًا بأنه عندما يتعلق الأمر بالحرب، سواء في ما يخص تحاشيها أو تقنينها، يصر كلّ واحد منَّا معنيًّا على نحوٍ شخصي، بما لخصه الشاعر الإنكليزي جون دون Donne John عندما قال: "كل إنسان لا يمثّل جزيرة[...]كلّ إنسان جزء من المعمورة، جزء من كلّ[...]إنّ وفاة أيّ إنسان تنقص مني لأنني جزء من البشرية؛ لذلك لا تسأل أبدًا عن الذي يُقرع نعيُه. إنّ النعي يُقرع من أجلك"88.