دور المرأة الإخوانية:

هاني سليمان

الملخّص

على الرغم من حضور المرأة في حركة الإخوان المسلمين المصرية منذ نشأتها، فإن مكانتها التنظيمية ودورها السياسي قيَّدهما فكر الحركة الذي يؤمن بتقسيم الأدوار في المجتمع على أساس الاختاف البيولوجي، ويشدِّد على أولوية دور المرأة في الفضاء الخاص ووظيفتها المركزية في الأسرة. وخال فترة الانفتاح الديمقراطي القصيرة التي، تعزّأعقبت ثورة 25 يناير 2011 زت المشاركة السياسية للمرأة الإخوانية. وبعد عزل الرئيس محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013، خرجت المرأة عن الأطر والأدوار المرسومة لها؛ فنزلت إلى الشارع وتصدَّرت لأول مرة في تاريخ الجماعة حركة الاحتجاج والمعارضة ضد النظام السياسي. ومع ذلك، ترى هذه الورقة أنّ التطور في دور المرأة الإخوانية مردّه غياب الرجل الإخواني، ولا يعبّر عن تحول أيديولوجي. وبناء عليه، فإنه كي تكون لتلك التطورات انعكاسات على عاقات القوة بين الرجال والنساء في الحركة، وحتى تُفضي إلى التمكين السياسي والتنظيمي للمرأة فيها، يتعين أن يحدث تغيير في رؤية الحركة تجاه المرأة بعامة، وأن يتشكل وعي تحرري لدى المرأة الإخوانية بخاصة، فتغيِّر بذلك نظرتها إلى نفسها وحقوقها، وتسعى للدفاع عن حريتها ودورها.

دراسة في المحددات والتحولات بعد عزل محمد مرسي

مقدمة

لحظت حركةُ الإخوان المسلمين المصرية منذ نشأتها المرأةَ، وتوجهت إليها في خطابها الفكري، وسعت لاستقطابها أيديولوجيًا وتنظيميًا. وكانت المرأة تمثل كتلة مهمة في عضوية الحركة، وأدت دورًا مشهودًا في تمدّد الحركة في المجتمع المصري، والقيام بأعباء الأنشطة الدعوية والاجتماعية. لكنّ وضع المرأة في الحركة ظل خاضعًا لمحددات فكرية وتنظيمية وأخرى تتصل بالبيئة السياسية، جعلتها كلها لا تحتل مكانة مساوية للرجل سواء على صعيد المكانة في البنية التنظيمية أو على صعيد طبيعة الأدوار والمسؤوليات، ولا سيما في المجال السياسي. ومنذ مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهدت الحركة مطالبات "نخبوية" داخلها بضرورة إصلاح وضع المرأة، عبر تحريرها من وصاية الرجل وزيادة تمثيلها في "هراركية" الحركة وتعزيز مشاركتها السياسية. ومثّلت فترة الانفتاح الديمقراطي القصرة التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، فرصة للمرأة الإخوانية لتعزيز مشاركتها السياسية، فانضمت إلى أطر حزب الحرية والعدالة الذي مثّل الذراع السياسية لحركة الإخوان المسلمين، واضطلعت بدور رئيس في التحشيد الجماهري والتعبئة السياسية في أول انتخابات برلمانية بعد الثورة، وفي الانتخابات الرئاسية التي أوصلت مرشح الإخوان محمد مرسي إلى سدة الرئاسة. لكنّ التحول غر المسبوق في "نشاطية" المرأة activism woman الإخوانية ودورها تجسَّد في الفترة التي أعقبت عزل الرئيس محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013؛ فقد برزت مساهمة المرأة الفاعلة في التظاهرات والاحتجاجات المعارضة ل "الانقلاب" والمطالبة بعودة "الشرعية." وبعد اعتقال مئات من قادة الإخوان من الذكور عقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 آب/ أغسطس 2013، أصبحت "الإخوانيات" يتصدرن الاحتجاجات الميدانية، وتعرّض بعضهن للقتل والاعتقال. وفي هذا السياق، تحاول الورقة الإجابة عن أسئلة مثل: هل يعبّ تطور دور المرأة الإخوانية السياسي بعد عزل مرسي عن تحولٍ حقيقي في وضع المرأة في داخل حركة الإخوان وفي رؤية الحركة لها ولدورها؟ وكيف يمكن تفسر ذلك التطور؟ وهل الأدوار الجديدة ستُفضي بالضرورة إلى زيادة قوة المرأة التنظيمية والسياسية في الحركة مستقبلً، أم هل أنّ هناك شروطًا لتحقيق ذلك؟ تتناول هذه الورقة إشكالية وضع المرأة في إطار حركة الإخوان المسلمين المصرية، من خلال استقصاء ماهيّة مكانة المرأة في الحركة، وطبيعة المحددات التي قيّدت حظوتها بدرجة مساوية للرجل الإخواني، والتنقيب في دوافع التطورات في دورها وجذوره، ولا سيما السياسي، بعد ثورة 25 يناير 2011، وكذلك إثر عزل الرئيس محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013، واستكشاف أثر ذلك التطور في عملية تمكينها التنظيمي والسياسي في المستقبل. وتفترض الورقة أنّ المرأة الإخوانية منذ عزل مرسي تخطت الأطر والأدوار التي قُيدت فيها تاريخيًا، لكنّ هذا لم يكن نتيجة تحولات فكرية متسقة، بل جاء استجابة لضرورات الواقع ولتغييب قيادات الجماعة من الذكور. وبناء عليه، فإنّ الفاعلية الجديدة للمرأة الإخوانية لن تُفضي بالضرورة إلى إعادة طرح سؤال المرأة في الحركة، إلا إذا تشكل وعي تحرري واسع بين الأخوات، وأجرت الحركة مراجعة في رؤيتها الفكرية تجاه المرأة بعامة؛ إذ إنّ موقف الحركة من المرأة داخلها هو انعكاس لموقفها من المرأة في المجتمع الأوسع. تبحث الورقة أولً في ماهيّة خطاب حركة الإخوان المسلمين تجاه المرأة، وتستعرض مجالات حضور المرأة في حركة الإخوان المسلمين في مصر قبل ثورة 25 يناير 2011، وتتطرق إلى المحددات الذاتية والموضوعية لدور المرأة فيها. ثم تناقش طبيعة التحول في دور المرأة ما بعد الثورة، وبخاصة بعد 3 تموز/ يوليو 2013، وتحاول استشراف أثره المستقبلي في مكانتها داخل الحركة. تكمن أهمية هذه الورقة في أنها تمثل قراءة نقدية لوضعية المرأة في حركة الإخوان المسلمين المصرية، ما يعني أنّ هذه القراءة ستكون مفيدة في سياق المراجعة الجذرية التي يجب أن تجريها الحركة على خطابها الفكري وسياساتها الحزبية وتجربتها السياسية، كما تتضح هذه الأهمية إذا علمنا أنّ هذه الحركة لها تفرّعات وامتدادات في دولٍ عربيةٍ أخرى، ما يعني أنّ الموضوع يمسّ على نحوٍ ما تلك الحركات التي تتقاطع أيديولوجيًا والحركة المصرية الأم. ولا بد من الإشارة إلى مسألتين مهمتين: الأولى تتصل بالإطار النظري للورقة؛ فموضوع هذه الورقة يندرج أساسًا ضمن دراسات العلوم السياسية التي تتناول المشاركة السياسية للمرأة، وتمكينها في المنظمات السياسية والحركات الاجتماعية. إلا أنّ الورقة توظّف أيضًا اقترابات دراسات "النوع الاجتماعي" (أو الجندر)، التي ترى أنّ الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة يجب ألا تنسحب على

الحقوق والأدوار والوظائف في المجتمع، والتي تهدف إلى تحرير المرأة (والرجل على السواء) من أسْ النظام الأبوي وهيمنته، وإعادة صوغ الأدوار الاجتماعية بينهما لتحقيق المساواة والعدل الاجتماعي، وإصلاح علاقات القوة السائدة في المجتمع (ومؤسساته أيضًا) بحيث لا ترجح لمصلحة الرجل على حساب المرأة، وإعادة التوازن لدور المرأة (والرجل كذلك) بين الفضاء العام والفضاء الخاص. وقد يجادل بعضهم بأنّ تطبيق مثل هذه المفاهيم والاقترابات المستمدة من حقل معرفي غربي النشأة على حركة ذات أيديولوجية مغايرة ينطوي على إجحاف موضوعي ومغالطة منهجية، إلا أننا نوضح أنّ هذه المفاهيم والمقولات ليست بالضرورة متناقضة ومبادئ الدين الإسلامي ومقاصده، والذي تستمد منه حركة الإخوان المسلمين أيديولوجيتها، بدليل أنّ العقدين الأخرين شهدا بروز مدرسة فكرية يُطلق عليها "النسوية الإسلامية"، تسعى من خلال الاستفادة من دراسات النوع الاجتماعي لإعادة تأكيد مبادئ العدالة والمساواة والحرية التي جاء بها الإسلام، من خلال نقد المعرفة الدينية والتجربة التاريخية الإسلامية، لتخلصهما مما فيهما من انتقاص للمرأة المسلمة وتمييز ضدها وظلم لها1. أما المسألة الثانية فهي أنّ الورقة تنطلق في مقاربتها لموضوع المرأة الإخوانية من افتراض أساسي وهو أنّ مساعي النظام في مصر لإقصاء جماعة الإخوان المسلمين واستئصالها من الحياة السياسية والمجتمع لن تكلل غالبًا بالنجاح2، ومع ذلك فإننا نعتقد أيضًا أنّ الجماعة ستُضطر إلى إدخال تغيرات رئيسة وشاملة، على الصعيدين الأيديولوجي والتنظيمي، حتى تتمكن من إعادة الحصول على الشرعية في الدولة والمجتمع.

خطاب حركة الإخوان المسلمين تجاه المرأة

منذ نشأة حركة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، ضَ مّنت الحركةُ المرأةَ في خطابها الفكري، ويبدو أنّ مؤسس الحركة حسن البنّا لم يكن لديه تصوّر مسبّق لإدماج المرأة ضمن حركته الجديدة، فهو حينما أنشأ فرقة الأخوات المسلمات عام 1933 كان يهدف إلى تثقيف نساء الإخوان وقريباتهم بأمور دينهن، إلا أنّ عمل الفرقة تطوّر بعد ذلك، واتسع ليستقطب النساء من خارج دائرة أسر أعضاء الإخوان، وأصبحت النساء جزءًا من عملية التعبئة والحشد للجماعة، وإن كان نشاطهن اقتصر على الاضطلاع بأدوار دعوية واجتماعية وخرية أساسًا3. لقد أ وْلت الجماعةُ المرأةَ اهتمامها لأسباب عدة، من أهمها: أنّ خطاب الحركة موجّه إلى الشرائح المجتمعية كافة، والمرأة منها، إضافة إلى دور المرأة المهم في تحقيق رسالة الحركة وغايتها بإصلاح المجتمع وأسلمته، فخطاب الحركة يعتبر أنّ انحلال المجتمع وتفسّ خه يبدأ بتفكك الأسرة، والحركة تُعلي من دور المرأة في صون تماسك الأسرة. فوفقًا للسيدة لبيبة أحمد، رئيسة أول فرقة للأخوات المسلمات، فإنّ "أساسَ إصلاح هذه الأمة إصلاحُ الأسرة، وأولُ إصلاح الأسرة إصلاحُ الفتاة"4. هذا بالإضافة إلى العامل البراغماتي المتمثل في الثقل الديموغرافي للمرأة، فهي تشكّل نصف المجتمع؛ ما يعني أنّ استقطاب المرأة يوسِّ ع القاعدة الشعبية للجماعة. أسّ س حسن البنّا رؤيته وحركتَه إلى المرأة في الوثيقة التي وضعها بعنوان "رسالة المرأة المسلمة." لم تتطرق الوثيقة إلى

  1. ثمة عدد وافر من الأدبيات والإسهامات الفكرية التي تصب في إطار مدرسة "النسوية
  2. للاطلاع على مسوغات هذا الرأي، انظر: خليل العناني، "جماعة الإخوان المسلمين في سياسات عربية، العدد مرحلة ما بعد مرسي"، 4 (أيلول/ سبتمبر 2013)، ص.23-14 3 انظر: عامر شماخ، الإخوان والمرأة بين هموم الواقع وإشكاليات الخصوم (القاهرة: دار النشر للجامعات، 2009)، ص 103. وقد شهد العمل النسوي الإخواني انطلاقة في عام 1944 مع إطلاق أول لجنة تنفيذية للأخوات المسلمات بأمر من حسن البنا وبإشراف محمود الجوهري، وهي اللجنة التي ضمت 12 أختًا برئاسة السيدة آمال العشماوي وكانت وكيلتها السيدة فاطمة عبد الهادي. أما ما يقال عن دور السيدة زينب الغزالي في إنشاء الجناح النسوي للجماعة، فهو غر دقيق لأنّها كانت لديها جمعية السيدات المسلمات، وعرض عليها البنّا الانضمام للجماعة وقيادة قسم الأخوات المسلمات، إلا أنها رفضت العرض، ولم تنضم للجماعة وتقود القسم إلا بعد مقتل البنّا. انظر: فاطمة عبد الهادي، رحلتي مع الأخوات المسلمات: من الإمام الشهيد حسن البنا إلى سجون ناصر، إعداد وتحرير حسام تمام (القاهرة: دار الشروق، 2011)، ص 23-21.
  3. الإسلامية" وحركتها، والتي تنتجها منظمّات غر حكومية في أنحاء العالم العربي والإسلامي؛ مثل مؤسسة المرأة والذاكرة في مصر، ومؤسسة أخوات في الإسلام وحركة مساواة في ماليزيا، ومجموعة عالمات في إندونيسيا، إضافة إلى باحثات وكاتبات مثل أميمة أبو بكر وهدى الصدة وهدى السعدي وأماني صالح وزيبة مر حسيني وليلى أحمد وغرهن. للمزيد، انظر: أميمة أبو بكر (تحرير)، النسوية والدراسات الدينية، ترجمة رندة أبو بكر (القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2012)، وتحديدًا مقدمة المحررة؛ أميمة أبو بكر وشرين شكري، المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين (حوارات لقرن جديد) (دمشق: دار الفكر المعاصر، 2002)، وتحديدًا الفصل الذي كتبته أميمة أبو بكر بعنوان "النسوية، قضايا الجندر، والرؤية الإسلامية"؛ وليلى أحمد، المرأة والجنوسة في الإسلام: الجذور التاريخية لقضية جدلية حديثة، ترجمة منى إبراهيم وهالة كمال (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999.)
  4. من نص خطاب لها، مستمد من: حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية (الكويت: مكتبة آفاق، 2012)، ص.202

قضايا المرأة كلها، ولكنّ البنّا أقر فيها بحقوق المرأة الشخصية والمدنية والسياسية؛ إذ ورد فيها ما نصه: "الإسلام يرفع قيمة المرأة ويجعلها شريكة للرجل في الحقوق والواجبات، وقد اعترف الإسلام للمرأة بحقوقها الشخصية كاملة وبحقوقها المدنية كاملة وبحقوقها السياسية كاملة أيضًا." لكنّ البنّا لم يجعل المرأة متماثلة والرجل في الحقوق والواجبات "تبعًا للفوارق الطبيعية التي لا مناص منها بين الرجل والمرأة، وتبعًا لاختلاف المهمة التي يقوم بها كل منهما." وبينما اعترف البنّا بحق المرأة في العمل وبدورها في الشأن العام، فإنه عاد وأكد على أنّ "الإسلام يرى للمرأة مهمةً طبيعية أساسية هي المنزل والطفل"5. بل إنّ البنّا حصر تعليم المرأة في المعارف والعلوم التي تحتاج إليها "بحكم مهمتها ووظيفتها التي خلقها الله لها: تنظيم بيتها ورعاية أطفالها"6، وإن كان حصل تطور في فكر الجماعة وسلوكها في هذا الشأن تاليًا، إذ دعمت تعليم المرأة وتحصيلها جميع المعارف والعلوم بلا أي قيود، وكان لها دور مجتمعي ملموس في النهوض بالمرأة على المستوى التعليمي، من خلال إنشاء المدارس والمعاهد ودُور محو الأمية. وتتضح في تلك الوثيقة التأسيسية رؤية حركة الإخوان المسلمين إلى قضية المرأة؛7 وبخاصة أنّ الحركة لم تُنتج نصًا آخر حول المرأة إلا بعد أكثر من ستة عقود (أي وثيقة المرأة عام 1994.) فقد ظلت الحركة ترتكز على رسالة البنّا تلك. ومن الملاحظ أنه بينما سعت حركات إسلامية أخرى إلى أن تؤسس لتنظر تحرري في ما يخص قضية المرأة، كما فعلت الحركة السودانية من خلال تأليف قائدها حسن الترابي كتاب المرأة بين الأصول والتقاليد (الذي نشر أول مرة عام 1974)، وحركة النهضة التونسية من خلال تأليف زعيمها راشد الغنوشي كتاب المرأة بين القرآن وواقع المسلمين (صدرت طبعته الأولى عام 1984)، فإنّ حركة الإخوان المسلمين جمَدت عند رسالة البنّا تلك، عدا بعض الكتابات التي أنتجها علماء معاصرون قريبون للحركة، مثل محمد الغزالي وعبد الحليم أبو شقة ويوسف القرضاوي8. إنّ الرؤية التي طرحها البنّا، وسارت عليها الحركة من بعده، إنْ كانت تقرّ ابتداءً بحقوق المرأة، فإنها بعد ذلك تنتقص من هذه الحقوق من طريقين: الأول، هو تأكيد عدم المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات لأسباب تتصل باختلاف الأدوار الوظيفية والمجتمعية والإنسانية لكل منهما نتيجة للاختلاف البيولوجي؛ بمعنى أنّ الحركة تُجري تمييزًا بين المرأة والرجل على أساس "الجنس." أما الطريق الثاني فهو تقييد حقوق المرأة بشرط ألّ تتعدى على دورها الأساسي المتمثل في البيت والأسرة، ما يعني أنّ الحركة تفصل بين الفضاء العام والفضاء الخاص للمرأة، وتعطي الثاني أولوية على الأول. ومن يطّلع على الوثائق السياسية التي أصدرتها الجماعة في السنوات الأخرة يتبين له استمرارية تلك الأطروحة التي لا تشتمل على الإيمان بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، والتي تحصر أيضًا أولوية المرأة في الأسرة والبيت، وتضع قيودًا "شرعية" على الانخراط الكامل والحر للمرأة في الحيز العام، مثل الالتزام بالزي الشرعي وعدم الاختلاط بالرجال. وهذا ما يتبدى في وثيقة الإخوان المسلمين حول المرأة الصادرة عام 1994، فبينما أقرت الوثيقة حقوق المرأة المدنية والسياسية كافة، فإننا نلحظ أنها جعلت لوظيفة المرأة في الأسرة والمنزل أسبقية على غرها من الوظائف9، والموقف نفسه يتكرّر في البرنامج السياسي للجماعة الذي صدر عام 200710. وانطلاقًا من رؤية الجماعة إلى أدوار المرأة وفق المحدد البيولوجي، فقد حرم البرنامج المرأة حقًا من حقوق المواطنة، وهو حقها في تسلم وظيفة رئاسة الدولة، بدعوى أنّ "الواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتق رئيس الدولة،

  1. انظر: "رسالة المرأة المسلمة للإمام حسن البنا"، في "ويكيبيديا الإخوان المسلمون" على
  2. المرجع نفسه.
  3. 9 انظر: وثيقة الإخوان المسلمين حول المرأة، في: شماخ، ص.224-213 10 ففي البرنامج ورد نصًا ما يلي:..." على أهمية الدور الذي تلعبه المرأة في حقل العمل، إلا أنه يلزم توازن هذا الدور مع الرسالة السامية التي تحملها المرأة في منزلها وبين أبنائها سعيًا لاستقامة وصلاح لبنة المجتمع الأولى." انظر نص مسودة البرنامج في: شماخ، ص.226
  4. شبكة الإنترنت: http://goo.gl/bDU6ny
  5. 7 من المهم هنا لفت انتباه القارئ إلى أنّ هذه الرؤية ينسبها البنّا، والإخوان المسلمون
  6. من بعده، إلى الإسلام نفسه، كما يرد في نص الرسالة وليس إلى فَهمهم أو قراءتهم هم للإسلام! وهذه إحدى الإشكاليات الجذرية للخطاب الفكري للجماعة، ولكنها ليست موضع اهتمامنا في هذه الورقة. كما في كتابَ الغزالي المعنونين قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، و 8 السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث؛ وموسوعة عبد الحليم أبو شقة حول تحرير المرأة في عصر الرسالة؛ ومؤلفات الشيخ يوسف القرضاوي المتفرقة.

كقيادة الجيش مثلً، تتناقض مع الأدوار المقبولة اجتماعيًا للمرأة"11. وبينما أكّد البرنامج الانتخابي لحزب الحرية والعدالة للانتخابات البرلمانية لعام 2011 على "ضمان حصول المرأة على جميع حقوقها"، فإنه عاد وشرطه "بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، وبما يحقق التوازن بين واجباتها وحقوقها"؛ أي إنّه تابع الأخذ برؤية الجماعة إزاء المرأة وقضيتها، وهي الرؤية التي تحصر حقوق المرأة، دون الرجل، بالتوافق مع الشريعة الإسلامية وبأولوية دورها الأسري. وحتى في البند الخاص بالمرأة في البرنامج، وبعد أن يتحدث عن المساواة بين الرجل والمرأة وتمكينها اجتماعيًا وسياسيًا، يحترز بالتأكيد على "احترام وتقدير ودعم دور المرأة الأصيل كزوجة وأم ومنشئة للأجيال وتهيئتها للقيام بهذا الدور"، لكنّ البرنامج، مثل باقي الأدبيات والوثائق، لا يذكُر الرجل إلى جانب المرأة على قدم المساواة عند الحديث عن الدور والرسالة تجاه الأسرة والأبناء، ولا يطالبه بتحقيق التوازن بين دوره في الفضاء العام ودوره في الفضاء الخاص12. ومن دون الغوص في تفاصيل قضايا المرأة، سواء تلك المتعلقة بمسائل الأحوال الشخصية أو بمسائل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنّ الرؤية الفكرية التي تتبناها الحركة إزاء المرأة تميل إلى المحافظة والسلفية، حتى مقارنة برؤية حركات إسلامية أخرى، كما في تونس والسودان وتركيا. ومن المنظور اللبرالي، يُتهم الإخوان المسلمون بتبني أيديولوجية معادية للمرأة وحقوقها، والنظرة إلى النساء بنظرة محافظة للغاية، فبرأي القوى اللبرالية أنّ حركة الإخوان المسلمين "تحرم النساء من حقوقهن المدنية والسياسية، وتُخرجهن من الحياة العامة، وتعاملهن كقاصرات دائمات تحت وصاية الذكر في الأسرة"13. كما تُتهم الحركة من منظور نسوي بأنها تميّز بين الرجال والنساء، وأنها نقلت قوامة الرجل على المرأة من حيز البيت إلى حيز المجتمع14. بل إنّ الحركة في نظر المنظمات الحقوقية والنسوية عملت على تقويض مكاسب المرأة المصرية، خلال الفترة التي حكمت فيها البلاد في عامي 2012 و 2013، كما حصل في الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور عام 2012، التي هيمن عليها الإخوان المسلمون والسلفيون، فبعد إصرار القوى الإسلامية على تقييد حقوق المرأة بمبادئ الشريعة الإسلامية ورفض القوى العلمانية هذا التقييد خشية فتح باب للتعدي على حقوق المرأة، جرى حذف المادة المتعلقة بحقوق المرأة كلها. ويبدو أن تمترس الإخوان المسلمين خلف تقييد حقوق المرأة بمبادئ الشريعة الإسلامية، ينبع من اعتقادهم أنه من دون هذا التقييد "يمكن أن تنقلب بعض الحقوق التي تعطيها الشريعة للرجل وليس للمرأة، مثل حق الرجل في الزواج من أربع نساء أو قوانين المراث التي تعطي الرجل نصيبًا أكبر من المرأة"، وأنّ هذا الشرط "يضمن عدم اتباع مصر للاتفاقات العالمية المتعلقة بالحقوق العالمية للمرأة، التي تفرض المساواة التامة وتجرد شخصيتنا كشعب متدين يحترم الإسلام"، على حد قول أميمة كامل إحدى الأخوات المسلمات العضوات في الجمعية التأسيسية15. يبدو أنّ حركة الإخوان المسلمين في نظرتها إلى المرأة وتعاملها معها ترفض المساواة التامة بينها وبين الرجل، وتُقدّم قضية الاهتمام بالأسرة وحمايتها على قضية حرية المرأة وحقوقها، على اعتبار أنّ "الوظيفة الأهم للمرأة هي أن تكون أمًا، فهذه هي وظيفتها الأساسية"، على حد قول أميمة كامل16، وأنّ "أول دور للمرأة في مصر هو داخل الأسرة، كزوجة وأم، ثم تأتي السياسة أو العمل في المرتبة الثانية"، كما تقول عزة الجرف، إحدى عضوات الجماعة في الجمعية التأسيسية للدستور المصري لعام 2012. إنّ رؤية الحركة إلى المرأة بعامة، انعكست على واقع المرأة وحضورها في الحركة نفسها، كما سنرى تاليًا.

  1. المرجع نفسه، ص 226. إلا أنّ النقد الذي تعرض له البند، حمل بعض قيادات الجماعة
  2. انظر نص البرنامج الانتخابي لحزب الحرية والعدالة في: http://goo.gl/lViDao.
  3. نقلً عن: "المرأة تربك الدستور المصري الجديد"، 15 سكاي نيوز عربية، 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، انظر: http://goo.gl/nooZdC 16 المرجع نفسه.
  4. إلى تبريره بالقول إنّ هذه مسودة أولى فحسب وليست نهائية.
  5. 13  Nathan J. Brown, Amr Hamzawy and Marina Ottaway, “Islamist Movements and the Democratic Process in the Arab World: Exploring the Gray Zones,” Carnegie Papers , no. 67 (March 2006), p. 15, at: http://goo.gl/
  6. FB8H8b 14 انظر: هبة يحيى وشروق عبد الرحمن، "المرأة في فقه الإخوان المسلمين"، في: مجموعة مؤلفين، الإخوان المسلمون، -1 التأسيس، الكتاب الثاني عشر (دبي: مركز المسبار للبحوث والدراسات، كانون الأول/ ديسمبر 2007)، ص .231

الحضور السياسي والتنظيمي للمرأة في حركة الإخوان المسلمين

ليس من أغراض هذه الورقة التأريخ لوجود المرأة وحركتها في سياق جماعة الإخوان المسلمين، أو تتبع تطوّر حضورها فيها، لكنّ ما يعنينا هو استقراء ماهيّة هذا الحضور وقَسماته17. ومثلما أوضحنا سابقًا، عنيت الحركة في مصر بمخاطبة المرأة، واستقطاب النساء لدعوتها، لذا سعت لإنشاء منظمات غر حكومية موجّهة إلى المرأة، سواء كانت هذه المنظمات دعوية أو خدمية خرية (صحية، وتعليمية، وتشغيلية)، كما سعت لإقامة فرع نسائي لتنظيمها. لا جدال في أنّ حضور "الأخت المسلمة" في مجالات العمل الاجتماعية، الدعوية والتربوية والخرية، تطغى كثرًا على حضورها في مجال العمل السياسي، وهذا عائد في أصله إلى أنّ خطاب الحركة، منذ حسن البنّا، ركز على "الدور الاجتماعي للمرأة في الأسرة والدعوة"18. ففي أدبيات الإخوان، هناك "تقسيم حاد بين الخاص والعام... وتقسيم في الأدوار راسخ في العقلية، رغم الاقتناع بالاجتهادات المختلفة الداعمة لدور المرأة السياسي"19. ونتيجة لهذا النسق الفكري، لم يتّسم حضور المرأة السياسي في الحركة على قدر حضورها في الأدوار الدعوية والاجتماعية. على صعيد المشاركة السياسية للأخت المسلمة، نجد أنه منذ انفتاح نظام حسني مبارك نسبيًا على جماعة الإخوان المسلمين في أواسط ثمانينيات القرن الفائت، وسماحه لها بالانخراط في العملية السياسية عبر الانتخابات البرلمانية والنقابية، ولو بصورة محدودة ومقيّدة، بدأ نشاط "الأخوات المسلمات" يمتد إلى هذه المساحة. فقد حرصت الجماعة على استغلال جهد "الأخت المسلمة" في تعزيز أجندتها السياسية وأهدافها، فأشركت النساء في صفوفها في مهمات سياسية؛ كالمساعدة في حشد الأعضاء والمناصرين، وتنظيم الحملات الانتخابية، والمشاركة في التصويت يوم الانتخابات20. وللمفارقة، فإنّ الجماعة، إلى جانب الحزب الوطني الحاكم آنذاك، كانا أكثر تنظيمين سياسيين يعتمدان بشكل كبر على القوة التصويتية للنساء في الانتخابات المختلفة21. ومع ذلك، تأخّر ترشح المرأة الإخوانية للانتخابات البرلمانية مقارنةً بالرجل؛ فرشّحت الجماعة امرأة من بين صفوفها أول مرة في انتخابات عام 2000 (جيهان الحلفاوي في الإسكندرية)، ثم أعادت الكرّة في انتخابات عام 2005 (مكارم الديري في القاهرة.) أما في انتخابات عام 2010 فرشحت الجماعة 13 امرأة من صفوفها. بيد أنه من المهم التوقف عند أول مشاركة سياسية للمرأة الإخوانية؛ إذ إنّ ترشح جيهان الحلفاوي للانتخابات البرلمانية عام 2000 لم يكن بمبادرة من الحركة، بل بمبادرة فردية من زوجها القيادي في الجماعة، الدكتور إبراهيم الزعفراني؛ بهدف تحسين النظرة الخارجية للجماعة، بدليل أنّ هذه الخطوة لقيت في البداية معارضة واسعة في أطر الجماعة(2(.(أما مشاركة الحركة بثلاث عشرة مرشحة في انتخابات عام 2010، فكان استجابة لتطبيق نظام "الكوتا" النسائية أول مرة في انتخابات مجلس الشعب المصري. وعلى الرغم من أنّ الجماعة رشّحت النساء للانتخابات البرلمانية، فمن الملاحظ أنّهن لم يمثلن نماذج قيادية متميزة، سواء على صعيد العمل البرلماني أو العمل السياسي الأوسع، وهذا ما وضح خلال مشاركتهن السياسية الواسعة في فترة الانفتاح الديمقراطي القصرة بعد ثورة 25 يناير. وهذا يعود – جزئيًا - إلى ضعف التنشئة والتأهيل السياسي للمرأة في أطر الجماعة، والنزعة الأبوية في فكر الحركة وسياساتها التي تغيّب دور المرأة وتهمشها. والواقع أنّ تلك النزعة انسحبت على وضع المرأة التنظيمي داخل الحركة؛ فالناشطة الإخوانية لم تحصِّل مكانتها كاملة وعلى قدم

  1. لمعرفة الجذور التاريخية لوجود المرأة وتطور نشاطها ضمن الحركة، انظر: أميمة عبد
  2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 18 تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام   2005: نحو نهوض
  3. المرجع نفسه، ص.197
  4. أميمة عبد اللطيف ومارينا أوتاوي، "المرأة في الحركات الإسلامية: نحو نموذج إسلامي أوراق كارنيغي، سلسلة الشرق الأوسط، رقم لنشاط المرأة"، 2 (حزيران/ يونيو 2007)، ص.8 21 يسري العزباوي، "من جمال عبد الناصر إلى محمد مرسي: المرأة في المجالس المنتخبة"، موقع المركز العربي للبحوث والدراسات، القاهرة، 29 كانون الأول/ ديسمبر 2013، انظر: http://goo.gl/OK0dhw للاطلاع على حيثيات ترشح الحلفاوي، انظر: انتصار عبد المنعم، 22 حكايتي مع الإخوان: مذكرات أخت مسلمة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011)، ص.182-175
  5. أوراق كارنيغي اللطيف، "في ظلال الإخوان: النساء في جماعة الإخوان المسلمين المصرية"،، العدد 13 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2008
  6. المرأة في الوطن العربي (نيويورك: منشورات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2006)، ص.196

المساواة مع الإخواني الرجل، وما فتئت الحركة تعتبر أنّ نشاط "الأخت المسلمة" وفاعليتها في الحيز العام يعد ثانويًا مقابل دورها الأساسي في الحيز الخاص (الأسرة.) كما أن "النشاطية" النسائية في الحركة كانت تاريخيًا تقع على الهامش لا في مركز التنظيم. وأبلغ دليل على هذا القول هو أنّ قسم الأخوات المسلمات، منذ نشأته، لم يكن جزءًا من البنية التنظيمية للجماعة، فقد ظل منفصلً عن التنظيم الأساسي، يُعامل كفرع أو ملحق، بل إنه إما يرأسه رجل أو أنّ الوسيط بين القسم والتنظيم الأم يكون من الرجال عادة. وهكذا، بقيت "الأخت المسلمة" مهمّشة عن القيام بدور مؤثر في سياسات الحركة، ومغيبة عن هيكلية صنع القرار فيها. فمنذ تأسيس الجماعة "لم تحصل أية امرأة على عضوية مكتب الإرشاد، أو مجلس شورى الجماعة، وظلت المرأة الإخوانية بعيدة عن أي منصب إداري قيادي داخل الجماعة"22، على الرغم من أنّ النساء يمثلن – وفق أقل التقديرات – ما بين 25 و 30 في المئة من إجمالي أعضاء الجماعة23، في حين أنّ تقديرات أخرى ترفع النسبة إلى النصف تقريبًا24. والسؤال الذي يظهر في هذا السياق هو: ما هو موقف "الأخوات المسلمات" من هذا التهميش السياسي والتنظيمي لهنّ في أطر الحركة؟ هل يمكن القول إنّ هناك شعورًا بالغبن تولّد لدى نساء الحركة، ومن ثمّ يمكن تلمّس تذمّر في أوساط النساء الإخوانيات؟ وعلى نحو أعم، ما هو موقف "الأخت المسلمة" من الرؤية الفكرية للحركة إزاء المرأة؟ لا يمكن القول إنّ هناك "إجماعًا" لدى أوساط الإخوانيات بأنّ حقوقهنّ داخل الجماعة "مهضومة"، أو أنهنّ يعانين تمييزًا أو ظلمً، وهذا عائد جزئيًا إلى التنشئة التنظيمية للجماعة التي تقوم على "السمع والطاعة والتجرّد والثقة في القيادة"، والتي تجعل من الصعب على النساء الخروج على التوجه العام للجماعة(2(.(ومع ذلك، فهناك بعض الإخوانيات اللائي أخذن في السنوات الأخرة يستشعرن التهميش والتمييز الذي تعانيه المرأة الإخوانية، مثل الكاتبة انتصار عبد المنعم التي انشقت عن الجماعة، والتي كشفت عن النظرة القاصرة للمرأة والوصاية التي تخضع لها في التنظيم من قبل الرجال(2(.(في حين أنّ بعضهن الآخر، بقين في إطار الجماعة لكنهنّ أخذن ينادين بمشاركة سياسية أوسع، وتمثيل أفضل في المناصب القيادية العليا، كما حصل مع رشا أحمد، إحدى فتيات الإخوان، التي كتبت تدوينة في عام 2007 بعنوان "رسالة إلى المرشد العام"، تستنكر تغييب الأخوات عن اختيار قيادة الحركة أسوة بالرجال(2(.(بل إنّ بعضهن أيضًا "طالبن بالاندماج التام للفروع النسائية في الجهاز الرئيسي للحركة(2(".(ولكنّ هؤلاء النسوة لا يمثلن إلا أقلية في التنظيم، ولا يعبّ ن عن التيار السائد فيه. والأهم من ذلك، أنه حتى اللواتي رفضن وضعية المرأة في الحركة، فإنهنّ لم يخرجن على الرؤية الفكرية للحركة؛ إذ بقين يتبنين الآراء الفقهية التقليدية والخطاب الفكري المحافظ للجماعة الذي يعتبر أنّ دور المرأة في البيت والأسرة مقدَّم على دورها العام والحركي، بمعنى أنّ مطالبتهن بتعديل وضعية الأخوات في التنظيم إنما هي دعوة إلى إصلاح إجرائي، لا تغير فكري جذري؛ لذا، لم تتمخض عن نتيجة نوعية في ما يخص وضع المرأة الإخوانية، وهذا ما يقتضي التوسع في مناقشة المحددات لدورها.

محددات دور المرأة في حركة الإخوان المسلمين

أوْلت جماعة الإخوان المسلمين اهتمامًا كبرًا منذ البداية إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه "الأخت المسلمة" في نشر أيديولوجيتها، وتوسيع قاعدتها الشعبية، إلا أنه من الملاحظ أن "نشاطية" المرأة في الحركة كانت تتسم بسمتين أساسيتين: الأولى، أنها كانت تقبع في هامش الحركة لا في مركزها، وفي دور التبعية والخضوع للرجل لا في دور الشريك والمساوي في

  1. منى علّم، "المرأة داخل تنظيم الإخوان المسلمين: تبعية أم مساواة؟"، جريدة 23 السفير، 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2012، انظر: http://goo.gl/IRHuhi
  2. 27 انظر: انتصار عبد المنعم. 28 نقلً عن: “ Girl Power: Inside Egypt's Muslim Sisterhood,” October 17, 2013, at: http:// goo.gl/GYXg3y 29 أميمة عبد اللطيف ومارينا أوتاوي، ص.12
  3. هذا الرأي عبّ ت عنه نور الهدى، رئيسة تحرير مجلة الزهور التابعة لجماعة الإخوان
  4. 25 كما ورد في:
  5. Roula Khalaf, “The Muslim Sisterhood,” Financial Times , November 2, 2012, at: http://goo.gl/VGavg
  6. المسلمين، والعضو المؤسس في حزب الحرية والعدالة. نقلً عن: منى علّم.

القيادة والمهمات. أما السمة الثانية، فهي أنّ تلك "النشاطية" كانت جزءًا من تعزيز الأجندة السياسية والاجتماعية للحركة، ولم تكن موجّهة في الخصوص إلى قضية المرأة نفسها. وهذا ما جعل بعض الباحثات يشُرن إلى أن "الجماعات الإسلامية [ومنها جماعة الإخوان المسلمين] استغلت النساء المندرجات في إطارها في الدعوة لأهدافها ولبرامجها"25. ولكن من الناحية الموضوعية، لم تكن حركة الإخوان المسلمين متفردة في هذا التوجه "البراغماتي"، فكل الأحزاب السياسية في البلدان العربية أدرجت قضية المرأة "ضمن برامجها السياسية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولم تنظر إليها بوصفها قضية نوعية يقتضي تميزها في الخطاب السياسي العام، بل قدمتها باعتبارها جزءًا من المسألة الاجتماعية العامة"26. كما أنّ التهميش الذي تعيشه المرأة الناشطة لا يقتصر على هذه الحركة، بل يمتد إلى الحركات السياسية الأخرى، مثل اللبرالية واليسارية والقومية؛ فوضع المرأة في هذه الحركات ليس أفضل حالً من وضع المرأة الإخوانية؛ إذ إنّ "السمة العامة للأحزاب السياسية في الدول العربية، سواء كانت معارضة أو في السلطة، تتمثل في ضعف الحضور النسائي في العمل الحزبي الذي يبرز من خلال غياب شبه كلي للنساء في المراكز القيادية على كل المستويات وفي كل الفضاءات، ووجود محتشم ومحدود في الهياكل المتوسطية وفي الهياكل السفلى"27. وبناء عليه، إن كانت حالة الهامشية الحزبية والسياسية للمرأة متماثلة في الحركات الإسلامية وغر الإسلامية؛ فلماذا يجري تسليط الضوء على وضع المرأة في الحركات الأولى أكثر منها في الثانية؟ يكمن الجواب في اختلاف تفسر الظاهرة بين الحركات الإسلامية والحركات الأخرى؛ بمعنى أنّ تجليات الظاهرة واحدة، لكنّ أسبابها وجذورها مختلفة. فهامشية المرأة في الحركات اللبرالية واليسارية يمكن أن تُحال إلى الجدلية المركّبة بين الخطاب النظري المناصر لنهوض المرأة سياسيًا وبين الأداء الفعلي الذي تحكمه ثقافة سياسية واجتماعية28. أما بالنسبة إلى الحركات الإسلامية، فإنّ هامشية الدور السياسي للمرأة يعود إلى النظرة الأيديولوجية إلى المرأة لدى الإسلاميين بعامة، وهي النظرة التي تعتبر أنّ الاشتغال بالسياسة والعمل العام ليس من أولويات المرأة ووظيفتها الرئيسة. وعلى نحو تفصيلي، هناك نوعان من العوامل التي عوّقت حضور المرأة على قدم المساواة مع الرجل في حركة الإخوان المسلمين، ولا سيما في المجال السياسي والحزبي؛ وهي عوامل موضوعية تتصل بالحركة والمجتمع، وأخرى ذاتية تتعلق بالمرأة نفسها. تكمن العوامل الموضوعية في سطوة المفاهيم الذكورية في فكر حركة الإخوان المسلمين وقادتها، وهيمنة السلطة الأبوية على البنى التنظيمية للحركة. ونتيجة للنزعة الذكورية، وقعت الحركة في خطأ الفصل بين الحيز الخاص والحيز العام للمرأة، فأَعْلت من الأول على حساب الثاني، وهذا ما جعلها تركّز على الأدوار التي تناسب الحيز الخاص، مثل الأدوار الدعوية والاجتماعية، والتعامل مع أدوار الحيز العام بمنطق الضرورة. كما أنّ تركيز الجماعة على الحجاب وذمّ الاختلاط، أسهم في تدني حضور المرأة في الفضاء العام، ولا سيما في المجال السياسي. إنّ حصر الحركات الإسلامية حركة المرأة بالمجال الخاص، أي في علاقتها بزوجها وأسرتها ومع نفسها من خلال ملبسها، من دون التطرق في الكثر من الأحيان إلى الدور الذي يجب أن تقوم به المرأة في الحياة العامة، جعل تعاطيها مع المرأة داخل الحركة أو خارجها هو "تعاطي أو تعامل مشروط في معظمه"29، كما تقول غادة موسى. لذا، وقعت المسلمات الحركيات "في سطوة التمييز" في الحركات الإسلامية،30 ويجري التعامل معهنّ "كقوة احتياط فقط، أي اللجوء إلى استخدامهن عند الضرورة، وتحديد مهامهن في الجبهة الخلفية"31، بمعنى أنهنّ مجرد خاضعات ومطيعات لقوامة الرجل الحزبية والسياسية! ومن هنا تواجه الناشطات الإسلاميات ثقافة ذكورية أبوية في داخل الحركة الإسلامية نفسها أدت إلى "تحجيم المرأة على

  1. 33 المرجع نفسه، ص.194 34 من تعليق غادة موسى، ص.24 ريتا فرج، "المرأة في الإسلام الحركي، رؤية نقدية مقارنة"، في: مجموعة مؤلفين، 35 النسوية الإسلامية: جهاد من أجل العدالة (دبي: مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2010)، ص.62
  2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص.190
  3. 36 المرجع نفسه، ص. 73
  4. 30 من تعليق غادة موسى على ورقة أميمة عبد اللطيف ومارينا أوتاوي، "المرأة في
  5. الحركات الإسلامية: نحو نموذج إسلامي لنشاط المرأة"، سلسلة ترجمات (القاهرة: المركز الدولي
  6. للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، 2007)، ص .24
  7. 32 المرجع نفسه، ص.191

أساس منطق الحماية وليس مَأسسة حضورها السياسي"32. وهو منطق سنتطرق إليه تاليًا. وهنا ينبغي ألا نغفل عن أنّ حركة الإخوان المسلمين جزء من المجتمع المصري الذي تغلب عليه أيضًا ثقافة ذكورية وأبوية لا تساعد في تمكين المرأة؛ أي إنّ أعضاء الحركة وأنصارها متأثرون بالسياق الثقافي والاجتماعي الأوسع. ومن العوامل الموضوعية أيضًا الإقصاء السياسي للحركة والملاحقة الأمنية لها من قبل سلطة الدولة؛ إذ أسهم الإقصاء السياسي الذي تعرضت له الحركة والملاحقة الأمنية لقياداتها وكوادرها طوال تجربتها التاريخية مع الدولة المصرية، في تغييب التمثيل النسوي لدى الحركة، وذلك من خلال منع تجديد خطابها الديني وخصوصًا ما يتعلق بتفعيل الدور السياسي للمرأة؛ فانشغال الحركة بمعركة إثبات وجودها "انعكس على النهج الإصلاحي الذي من الممكن أن يعطي للمنتسبات إليها حيزًا أكبر"33. كما أنّ ذلك الإقصاء السياسي والاستهداف الأمني عزّزا نزعة "الحماية" لدى الحركة تجاه المرأة؛ فكثرًا ما تتذرّع قيادات الحركة، ومنهم نساء، مثل جيهان الحلفاوي ومكارم الديري34 وصباح السقاري35، بأنّ غياب النساء عن المناصب القيادية العليا في الحركة وعن المشاركة السياسية كان يعود إلى الخوف عليهنّ من الاضطهاد الأمني، مثل المضايقات التي واجهتها كل من جيهان الحلفاوي ومكارم الديري عند ترشحهما في الانتخابات البرلمانية عامي 2000 و 2005 على التوالي. ومع أهمية العوامل الموضوعية، فإنها ليس لها الوزن الأكبر في تحديد وضع المرأة في الحركة، فبرأينا أنّ العامل الذاتي الذي يتصل بالمرأة الإخوانية نفسها هو الذي ينطوي على أهمية أكبر؛ وهو تبنيها رؤية الحركة المحافظة تجاه المرأة بعامة، بل إنها تدافع عنها، وتعمل على نشرها. وهي لم تبادر إلى عمل مراجعة لأيديولوجية الحركة في ما يخص قضية المرأة، بل إنها وقفت موقفًا مناهضًا لأطروحات الحركة النسوية التي تراها بأنها "تقود إلى تقويض الأسرة." والغريب أنّ الأخوات المسلمات في مصر لم ينفتحن حتى على الأفكار التحررية التي نادى بها مفكرون إسلاميون، مثل جمال البنا، أو تلك التي تمثّلتها حركات إسلامية أخرى، مثل حركة النهضة في تونس أو حزب العدالة والتنمية في تركيا، كما أنهنّ لم يتعاطين مع مخرجات المدرسة "النسوية الإسلامية" التي تقارب قضية المرأة وحقوقها من منظور الإسلام. وكما تقول الباحثة "النسوية الإسلامية" أميمة أبو بكر، فإنّ "معظم الأخوات يشغلن وظائف مهنية، وهنّ نشيطات وحيويات وقويات جدًا، لكنهنّ لا يملكن وعيًا نسويًا"36. ومما ينطوي على دلالة أنّ منهج التنشئة في التنظيم يختلف بين النساء والرجال، أنه في حين تنشأ الأخوات على أنهنّ خُلقن ليكنّ زوجات وأمهات، وأنّ وظيفتهنّ الأساسية هي هذه، وأنهنّ يجب أن يتعلمن كيفية صون الأسرة والامتثال لإرادة الرجل، فإنّ الرجل في المقابل لا يتلقّى مثل هذه التنشئة. والمشكلة أنّ المرأة الإخوانية "محافظة" مثل الرجل الإخواني، ولكنها مكبلة بقيود أكثر من الرجل؛ لذا لم تقدم القيادات النسائية الإخوانية نموذجًا متميزًا، لا على صعيد الفكر ولا على صعيد الممارسة السياسية. وبناء عليه، فإننا نعتقد أنه ما لم تبادر المرأة الإخوانية إلى تجديد رؤيتها لنفسها، ولبنات جنسها، فإنّ وضعها ومكانتها في الحركة لن تتبدل كثرًا. وهذا ما نوضحه تاليًا.

المشاركة السياسية للمرأة الإخوانية ما بعد ثورة 25 يناير

لقد اضطلعت المرأة المصرية بدور طليعي في الاحتجاجات التي بدأت في 25 يناير 2011، سواء في التعبئة عبر المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي أو في تأطر الاحتجاجات والتظاهرات في الميادين والشوارع. وشاركت الفتاة الإخوانية إلى جانب الفتيات الأخريات في تلك الاحتجاجات ولا سيما منذ حسمت حركة الإخوان المسلمين موقفها وقررت الانضمام إلى الثورة في الثامن والعشرين من الشهر نفسه. اعتبرت إحدى القيادات النسائية في الجماعة "ثورة 25 يناير 2011 مرحلة جديدة في أسلوب عمل النساء، فقد برز دور الأخوات في الجماعة بشكل أكبر حين نزلن إلى ميدان التحرير،

  1. المرجع نفسه، ص.68
  2. المرجع نفسه، ص.65
  3. للاطلاع على تصريحات للحلفاوي والديري في هذا السياق، انظر: انتصار عبد المنعم، ص.184
  4. 40 انظر: منى علّم..Roula Khalaf: نقلً عن 41

تمامًا مثل الرجال، للمطالبة بإسقاط نظام حسني مبارك"37. وقد انعكست هذه المشاركة "النضالية" جزئيًا على وضع المرأة في أطر الجماعة أو في أطر حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة بعد إطاحة حسني مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011، ليكون بمنزلة الذراع السياسية لها. وقد مثّلت الأخوات المسلمات حوالي ثُ ن عدد الأعضاء المؤسسين للحزب البالغ عددهم 8000 عضو، كما أنهن شكّلن 25 في المئة تقريبًا من إجمالي عدد أعضاء الحزب البالغ عددهم 400 ألف عضو على مستوى الجمهورية. ومع ذلك، فإنّ المرأة فشلت في الوصول إلى مناصب قيادية في الحزب، بل إنّ أمينة المرأة في الحزب صباح السقاري، فشلت في الحصول على العدد المطلوب من استمارات التزكية (مئة عضو من المؤتمر العام الذي يضم 1011 عضوًا بينهم 70 امرأة)، للمنافسة على رئاسة الحزب خلفًا لمحمد مرسي في عام 2012 38. وبينما كان لافتًا أنّ الحزب رشَّح 76 امرأة على قوائمه الانتخابية للانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 2011 (ما أدى إلى نجاح أربعة منهن في الوصول إلى مجلس الشعب)، فإنّ هذه الخطوة في الحقيقة جاءت استجابة لقانون الانتخابات الذي ألزم الأحزاب بضرورة وجود امرأة واحدة على الأقل في كل قائمة انتخابية. ومع ذلك، يُحسب للحزب أنّ بعض المرشحات احتللن رأس القوائم الانتخابية، مثل السيدة وفاء مشهور التي احتلت رأس قائمتها لانتخابات مجلس الشورى في محافظة أسيوط متقدمة على ثلاثة رجال جاءوا بعدها، في حين أنّ الأحزاب السلفية، وفي مقدمها حزب النور، وضعت النساء المترشحات في ذيل قوائمها الانتخابية39. أدت الأخوات المسلمات دورًا ملموسًا في التعبئة والتحشيد والدعاية إبان الانتخابات التشريعية بغرفتيها (مجلس الشعب في كانون الأول/ ديسمبر 2011، ومجلس الشورى في شباط/ فبراير 2012)؛ فهنّ اللائي اضطلعن بالقدر الأكبر من العمل على الأرض، وهنّ أكثر من الرجال تأثرًا وإقناعًا41. لذلك، يرجع إليهن الفضل الأكبر في فوز مرشحي الحزب بالحصة الأكبر من مقاعد مجلس الشعب 235(مقعدًا بنسبة 47 في المئة تقريبًا من إجمالي مقاعد المجلس)، ومجلس الشورى 106(مقاعد بنسبة 58 في المئة تقريبًا)، وكذلك في فوز مرشح الحزب، محمد مرسي، برئاسة الجمهورية في حزيران/ يونيو 2012. ويلاحظ أنّ هذا البروز للأخوات المسلمات على صعيد المشاركة السياسية صاحبه تعزيز المطالبات بمزيد من الاستقلالية وتمثيل أكبر في أطر الجماعة نفسها، ولا سيما من جيل الفتيات الشابات، فبعد أن كانت النساء لا يَنتخبن حتى رئيسات اللجان النسائية المحلية، تذكر وفاء حفني، رئيسة شعبة النساء في مدينة نصر، أنّ محمد بديع المرشد العام للجماعة التقى بعد ثورة 25 يناير مجموعة من الأخوات لمناقشة هذه المطالبات، وتمخض عن الاجتماع إقرار انتخاب رئيسات اللجان النسائية المحلية من قبل النساء العضوات في اللجنة42. وعلى اعتبار أنّ ثورة 25 يناير اضطلع فيها الشباب بدور رئيس، فمن الطبيعي أن يتأثر شباب الإخوان، ذكورًا وإناثًا، بتجليات الثورة. وفي ما يخص موضوع هذه الورقة، فيبدو أنّ بعض الفتيات شعرن بالانسجام أكثر مع قضية حقوق المرأة. وبينما كانت المرأة الإخوانية لا تُلقي بالً لمسألة حقوق المرأة، بدأ بعضهن "التفكر حول ما مدى معرفتنا بحقوق المرأة"، كما تقول نرمين حسن، إحدى الناشطات الإخوانيات43. إنّ هذا التطور المحدود في وعي الأخوات المسلمات ومشاركتهن كان من المتوقع أن يتعزز وينمو مع استمرار مرحلة الانفتاح الديمقراطي التي بدأت مع سقوط حسني مبارك؛ إذ من المعروف في أدبيات الحركات الاجتماعية أنّ إدماج هذه الحركات، حتى إن كانت ذات خلفية أيديولوجية، في الحياة السياسية يضطرها إلى تطوير خطابها وسياساتها. لكنّ المنعطف الذي تمثّل في عزل الرئيس محمد مرسي في الثالث من تموز/ يوليو 2013، وما نتج منه من إقصاء لحركة الإخوان المسلمين، أجهض تلك الدينامية، ومع ذلك، خلق في الوقت نفسه فرصة جديدة في ما يتصل بوضع المرأة الإخوانية.

  1. هي وفاء مشهور، عضو سابق في المجلس الشورى المصري عن حزب الحرية والعدالة، وقولها ورد في: Enas Hamed, “Egypt’s 'Muslim Sisterhood' moves from social work to politics,” Al-Monitor , November 20, 2013, at: http://goo.gl/JRrSO8
  2. منى علّم.
  3. وحيد عبد المجيد، "المرأة في الانتخابات بين "الإخوان" والسلفيين"!، جريدة 44 الحياة، 28
  4. Roula Khalaf. 46 “ Girl Power: Inside Egypt's Muslim Sisterhood.”
  5. كانون الأول/ ديسمبر.2011
  6. Roula Khalaf: كما ورد في 47

من البيت إلى الشارع: دور المرأة بعد عزل محمد مرسي

حصل التحول في الدور السياسي للمرأة الإخوانية في الفترة التي أعقبت عزل الرئيس محمد مرسي؛ إذ شكّلت نساء الجماعة في 14 تموز/ يوليو 2013 حركة "نساء ضد الانقلاب" التي انطلقت من القاهرة وانتشرت في محافظات عدة44. وبعد اعتقال الكثرين من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وأعضائها الذكور في مصر بعد فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 آب/ أغسطس 2013، أصبحت النساء هنّ اللواتي يقدن المواجهة ضد النظام الجديد؛ فقامت الأخوات بتصدر الاحتجاجات والتظاهرات التي تخرج للتنديد ب "الانقلاب العسكري" والمطالبة بعودة "الشرعية"، ولم يردعهن العنف الذي واجهت به قوى الأمن والجيش والبلطجية هذه التظاهرات. يرى معارضون للجماعة أنّها دفعت النساء إلى الشارع لأنها كانت مدركة للحساسيات الاجتماعية التي قد تثر غضب الناس من الإجراءات المتخذة بحق النساء والفتيات اللائي يتظاهرن ضد الحكومة؛ إذ إنه في العادة "تتردد السلطات المصرية في اعتقال النساء أكثر من اعتقال الرجال"45. إلا أنّ السلطات المصرية مع ذلك لم تستنكف عن قمع الحراك النسائي الإخواني المعارض، ففي إحدى التظاهرات السلمية في مدينة المنصورة في 19 تموز/ يوليو 2013 تعرضت أربع نساء للقتل على أيدي بلطجية مؤيَّدين من قبل قوى الأمن. كما أنها لم تتورع عن اعتقال "الأخوات"، كفتيات "حركة 7 الصبح" اللواتي خرجن في تظاهرة في الإسكندرية مؤيدة لشرعية الرئيس المعزول؛ ما أدى إلى القبض عليهم والحكم عليهن بالسجن 11 سنة، إلا أنّ الحكم خُفِّف إلى سنة مع إيقاف التنفيذ، نتيجة للضغط الحقوقي الدولي والاستنكار الشعبي46. من غر المتيسر التيقن من عدد القتلى والجرحى والمعتقلات من النساء، بعد 3 تموز/ يوليو، في ظل التعتيم الحكومي؛ إذ تدّعي حركة "نساء ضد الانقلاب"، في أحد بياناتها المنشورة على الإنترنت، أنّ السلطات المصرية اعتقلت 1500 سيدة منذ ذلك التاريخ، وأن 150 منهنّ مازلن قيد الاعتقال والحبس، فضلً عن وقوع 40 قتيلة، أغلبهن خلال فض اعتصاميّ رابعة العدوية والنهضة، و 1000 مصابة. أما موقع "ويكي ثورة"، فيقدِّر عدد القتلى من النساء منذ 3 تموز/ يوليو 2013 وحتى 31 كانون الثاني/ يناير 2014 ب 72 امرأة؛ 17 منهنّ في أثناء فضّ اعتصاميّ رابعة العدوية والنهضة47. أما إحصاءاته عن عدد المصابين والمعتقلين فغر مصنَّفة حسب "الجنس"، لذا لا يمكننا الاستفادة منها في هذا السياق. يبدو أنّ النساء في جماعة الإخوان المسلمين يُعتبرن بمنزلة "قوة احتياط"48 - بحسب وصف ماجي فيك - يجري اللجوء إليهن في الأوقات التي تتعرض فيها الحركة للملاحقة والقمع من طرف السلطة؛ فخلال الفترة التي واجهت فيها الجماعة القمع والملاحقة من قبل نظام جمال عبد الناصر ما بعد عام 1954، تحمّلت ناشطات الحركة عبئًا كبرًا في رعاية أسر الناشطين الإخوان، وحتى الحفاظ على "الدعوة"، بل إنهنّ تعرضن أيضًا للاعتقال والسجن في أزمة عام 1965 مع النظام50. إلا أنّ دور عضوات الحركة ونصراتها في فترة ما بعد إطاحة محمد مرسي،

  1. أبو الفضل الإسناوي، "نساء الإخوان وثورة 30 يونيو: تحولات المرأة الإخوانية من التظاهر إلى الاعتصام"، المركز العربي للأبحاث والدراسات، القاهرة، 15 سبتمبر 2013، انظر:
  2. السجن سنة مع إيقاف التنفيذ لفتيات الإسكندرية"، 50 الجزيرة نت، 7 كانون الأول/ ديسمبر 2013، انظر: http://goo.gl/xtEVDi
  3. موقع "ويكي ثورة " Thawra Wiki؛ مبادرة تابعة للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وهدفها توثيق بيانات إحصائية للضحايا منذ ثورة 25 يناير بالاستناد إلى بيانات مفتوحة المصدر، انظر: http://goo.gl/DsAFjO
  4. ماجي فيك، "جماعة الإخوان المسلمين تستعين "بالأخوات" في المواجهة مع الدولة "، القدس العربي جريدة، 13 كانون الأول/ ديسمبر 2013، انظر: http://goo.gl/770GH4 53 تروي فاطمة عبد الهادي، وكيلة أول لجنة نسائية في الإخوان المسلمين وزوجة أحد قياديي الجماعة، في مذكراتها جانبًا من الدور الذي اضطلعت به الأخوات في تلك الفترة، كما تشر إلى أنّ نظام عبد الناصر سجن 50 أختًا، وتعرّض لبعض صور المعاناة التي تعرّضت لها في السجن. انظر: فاطمة عبد الهادي، ص.86-75
  5. http://goo.gl/anOkpj. ويرى الإسناوي - مثل غره من معارضي الإخوان - أنّ هذه الحركة قامت بالتحريض على العنف ضد قوات الجيش والشرطة. 49 المرجع نفسه.

تخطى دور شقيقاتهنّ السالفات؛ فقد خرجن بأنفسهنّ إلى الشوارع والميادين العامة لمناهضة "الانقلاب" ومواجهة آلة القمع للنظام الجديد، حتى إنّ جزءًا كبرًا من جذوة الحراك المعارض لنظام ما بعد مرسي يقع على عاتق نساء الإخوان (إلى جانب الشباب في الجامعات طبعًا)، وهذا ما يشر إلى تشكّل وعي لدى الجيل الجديد من الإخوانيات مقارنة بالجيل الأول. والسؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو: أيعبّ هذا التحول في دور النساء الإخوانيات عن تحول فكري في أطر الجماعة وكوادرها، أم أنّ له تفسرًا آخر؟ يقول معارضو الجماعة إن نزول عضوات الإخوان ونصراتهن للشوارع مبعثه الاستغلال والتوظيف السياسي من قبل الجماعة لتلكم النساء، والتضحية بهن ككبش فداء من أجل تحقيق الجماعة أهدافها وتشويه صورة الجيش والشرطة51. فالجماعة اعتادت أن تتخذ من النساء "مجرد أداة لتعزيز صورتها"52، وهي حاليًا تتخذ منهنّ قرابين في مواجهة النظام الجديد، بحسب المعارضين. بينما يفسّ الباحث إبراهيم الهضيبي، وهو أحد أعضاء الجماعة سابقًا، تصدّر الأخوات المشهد السياسي الحالي الخاص بالجماعة من خلال تنظيمهن التظاهرات وإطلاق الحركات الاحتجاجية الرافضة لعزل محمد مرسي، بالقول إنّ "الظرف السياسي هو الذي أجبرهنّ على أخذ مكان الرجال نظرًا لوجود غالبية قيادات الجماعة في داخل المعتقلات اليوم"، مبيّنًا أنّ هذا الفعل لم يكن نتيجة تغر في فكر الإخوان53. لترجيح أي من التفسرين أو الخروج بتفسر ثالث، تجب الإشارة بداية إلى نقطتين: أولاهما أنّ الدور الذي أدته – ولا تزال – المرأة الإخوانية بعد عزل مرسي جاء متسقًا والتطور – وإن كان جزئيًا – الذي حصل في دورهنّ السياسي بعد ثورة 25 يناير، بمعنى أنّ هذه الثورة تركت أثرًا "تحرّريًا" في روح النساء الإخوانيات، ولا سيما الفتيات منهنّ. والنقطة الثانية، أنه يجب النظر في ماهية تشكيلة النساء المشاركات في الاحتجاجات والتظاهرات؛ فمن الجلي أنّ معظم هؤلاء المتظاهرات هنّ إخوانيات قريبات للإخوان الذكور الذين تعرضوا للقتل أو الاعتقال منذ الفض الدموي لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة. وهذا ما يتأكد إذا علمنا أنّ نمط الزواج والمصاهرة لدى الجماعة يتسم بأنه "مغلق"، بمعنى أن الإخوان يميلون إلى الزواج من المنتميات للجماعة، أو أنّ الأخ في حال أنه لم يتزوج من أخت مسلمة، فإنه يحرص على ضم زوجته بعد ذلك إلى الجماعة. إنّ خروج الأخوات المسلمات إلى الشارع جاء مدفوعًا بردّ مظالم ذاتية؛ أي الدفاع عن الآباء والأزواج والأبناء والأشقاء، إما مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين أو بمحاسبة قاتلي المقتولين منهم، وإن كانت المطالبة بعودة "الشرعية" متزاوجة مع هذه المطالب الذاتية. ومع عدم ترجيحنا إحالة تصدُّر الإخوانيات الاحتجاجات إلى فكرة التوظيف والاستغلال، فإننا نؤيد الرأي القائل بأنّ هذا الخروج إنما هو بفعل الضرورة؛ "فالأخت التي فقدت زوجًا وأخًا وأبًا وابنًا لن تظل صامتة مستكينة"، على حد قول الدكتورة وفاء حفني54. لكنّ فعل الضرورة تأثر شكله ومظهره، احتجاجًا وتظاهرًا، بالروح الجديدة التي بثّتها ثورة 25 يناير في نفوس الشباب المصري من الذكور والإناث، وفي الثقة بالنفس التي زرعتها فيهم. ولا يعني هذا أيضًا أنّ نزول الإخوانيات إلى الشوارع يؤشّ إلى تغيّ في الرؤية الفكرية لجماعة الإخوان، سواء بالنسبة إلى النساء أو قيادة الجماعة التي يغلب عليها كبار السن (الشيوخ) المحافظون. فلا يُتصور أن يحدث هذا التحول الفكري في فترة قصرة كهذه، كما لا يُتوقع حدوثه في فترة الملاحقة والإقصاء وسحب الشرعية من الجماعة. لقد "ساهمت محنة الإخوان، التي تتصاعد حدّتُها منذ الانقلاب العسكري في مصر، في إخراج المرأة من أدوارها التقليدية داخل الحركة"55، فتصدّرت الأخوات الاحتجاجات والتظاهرات، ورفعن

  1. فاطمة الصمادي، "بين شيوخ الحركة الإسلامية وشبابها"، جريدة 58 العربي الجديد، 24 نيسان/ أبريل 2014، انظر: http://goo.gl/ZxKiLi
  2. انظر مثلً تحقيق ماجدة صالح المنشور في صفحة حزب الوفد الإلكترونية بعنوان "التجارة بالنساء في تظاهرات الإخوان"!، 10 آب/ أغسطس 2013، انظر: http://goo.gl/NwvnK8
  3. Nervana Mahmoud, “Women at Forefront of Egypt's Revolutionary Wave,” Al-Monitor , July 22, 2013, at: http://goo.gl/7gt0p3
  4. Enas Hamed: نقلً عن 56
  5. كما ورد في: "ما بين الأخوة والأخوات: نساء الإخوان يجدن طريقًا جديدًا بعد تنحي مرسي"، موقع مدى مصر، 2 كانون الأول/ ديسمبر 2013، انظر: http://goo.gl/6DydN4

راية المعارضة، ودفعن تضحيات في هذا السبيل. لكنّ كل هذا كان استجابة لتطورات واقعية ولم يكن نتاج مراجعة أيديولوجية؛ فبعد اعتقال معظم قيادات الجماعة فإنّ "المجال أصبح واسعًا للنساء... للعمل بكل حرية واستقلالية"، على حد قول إحدى الإخوانيات الناشطات56. وبناء عليه، لا نعتقد بأنّ هذه التجارب والتحولات ستدفع بالضرورة إلى إعادة طرح وضعية المرأة في الحركة للنقاش في المستقبل، أو تحصيل التمثيل العادل في التنظيم والدور السياسي المأمول من دون تحقّق شرطين: إجراء الحركة مراجعة فكرية لخطابها تجاه المرأة بعامة، وتشكّل وعي "نسوي" بين نساء الحركة من خلال تغير نظرتهنّ إلى أنفسهنّ مقابل الرجل، وإعادة تعريف دورهنّ في المجتمع والسياسة.

خلاصة واستنتاجات

قامت حركة الإخوان المسلمين بإشراك المرأة ضمن حركتها الدعوية والاجتماعية والسياسية، ومع ذلك، فإنها أخذت بفكرة الفصل بين الفضاء الخاص والفضاء العام للمرأة، ونزعت إلى الذكورية في خطابها، وتبنت ممارسات أبوية في سياساتها وهياكلها التنظيمية؛ الأمر الذي حرَم الناشطة الإسلامية من التأثر في توجه الحركة وسياساتها وقراراتها. وعلى حد وصف ناشطات نسويات علمانيات، فإنّ تمثيل النساء في الحركات الإسلامية، ومنها حركة الإخوان المسلمين، "مزيف، وهنّ مجرد لاعبات سلبيات تقيدهن القوانين السلوكية الصارمة للحركات ولا يُكلفن، إذا ما كلفن أصلً، بأي أدوار بارزة في رسم معالم سياستها"57. ومع أنّ الحركة شهدت منذ مطلع الألفية رفضًا من بعض النخب النسائية لتهميش "الأخوات المسلمات" داخل أطرها، ومطالبات بزيادة التمثيل والمشاركة في القرار، فإنّ هذا الرفض والمطالبة لم يتسما بكونهما اتجاهًا عامًا بين الأخوات. وقد أدى توسّ ع مشاركة الأخوات، خلال فترة الانفتاح الديمقراطي القصرة التي أعقبت الثورة، في زيادة ثقتهنّ بأنفسهنّ، وتعزيز المطالبات النسوية النخبوية بمزيد من المساواة مع الرجل. وقد أسهم ما سبق في بروز دورهنّ السياسي والاحتجاجي بعد عزل الرئيس مرسي. إلا أنّ السبب الرئيس لهذا الدور هو غياب الرجل، أو تغييبه بالأحرى؛ ما أتاح للمرأة أن تتمدد إلى حيزها الطبيعي، وكأنّ المعادلة القائمة هي أنّ حضور المرأة لا يتم إلا بغياب الرجل الطاغي والمقيِّد لها! وبناء عليه، حتى تُجرى إعادة توزيع علاقات القوة والأدوار بين النساء والرجال في الحركة، وانتقال المرأة فيها من الهامش إلى المركز، ومن التبعية إلى المشاركة في القيادة على قدم المساواة مع الرجل، ومن الأدوار الدعوية والاجتماعية إلى الأدوار السياسية، ينبغي القيام بمراجعة في فكر الحركة وخطابها تجاه المرأة بحيث تتبنى المساواة التامة بين الرجل والمرأة، وعدم الفصل بين الحيز الخاص والحيز العام للمرأة. ولكنّ تحقّق هذا الأمر مشروط في نهاية المطاف بانتشار الوعي التحرري بين الأخوات المسلمات، ونبذهنّ لتقسيم الأدوار القائم على أساس الجنس، وتشكّل حراك واسع بينهنّ للمطالبة بحقوقهن السياسية والتنظيمية في داخل الجماعة؛ ما يمكّنهنّ من تأدية دور أكبر في عمليات صنع سياسات الحركة، وصوغ قراراتها، وبروز كوادر نسائية في العمل الحزبي والسياسي مؤهلات للمشاركة في قيادة الحركة ومنافسة الرجال في هذا المجال. وفي الأخر، فلا شك في أنّ أحد الاستحقاقات الرئيسة التي ستواجهها حركة الإخوان المسلمين حين يُعاد إدماجها ضمن الحياة السياسية، هو إصلاح وضع المرأة فيها.