الدولة الوطنية بعد الثورات

حسن طارق

الملخّص

تقترن الثورة بالدولة، ويرتبط التفكير في الأولى بالنظر في الثانية، سواء في التاريخ أو النظرية السياسية. لذلك كان لا بدّ للثورات العربية وهي تطيح الأنظمة السلطوية أن تستدعي التفكير في الدولة. وكان لا بدّ لهذا الاستحضار أن يقود بالضرورة إلى مساءلة واقع "الدولة الوطنية" ومستقبلها. ومن هنا، فإنّ الإشكال الذي تذهب إليه هذه الورقة رأسًا هو: هل كانت الدولة الوطنية موضوعا للثورة أم إطارًا لها؟ وتتناسل داخل هذا الأفق التحليلي العديد من المفارقات والأسئلة: هل الثورة إيذان بأفول "الدولة الوطنية" وغلق حاسم لمرحلةٍ كاملة شك لت هذه الدولة عنوان استعصائها على التحديث والديمقراطية؟ أم هي ترسيخ متأخ ر لشرعيتها بوصفها تعبيرًا مؤسسيًّا لمجموعة وطنية شك ل حدث الثورة أوج تكريس اندماجها كأمّة سياسية؟ وهل تحتاج فكرة الدولة الوطنية إلى إقبار نهائي؟ أم تحتاج إلى إعادة بناء؟ وهل كان "الربيع العربي" انقابا على "الوطنية/ الوطنيات"؟ أم كان تكثيف ا لنضجها وتتويجًا لترسّ خها؟

جدل الأيديولوجيا والهويّة: من تطابق الدولة والأمّة إلى دولة المواطنين

قرأ البعض فعل الثورات على أنّه تفجر طلبٍ عام على السياسة، ولا شكّ في أنّ هذا الطلب في جزء منه طلبٌ كذلك على الدولة؛ لقد حُملت الدولة الوطنية من جديد بانتظارات المواطنين وآمالهم، بعدما ظلّت لعقود بتأثرٍ من أيديولوجية الفصل المزدوج: بين "الدولة" و"الأمّة" من جانب، وبين "الأمّة المعاشة" و"الأمّة المتخيّلة"، لا تحظى بكبر اهتمام من النخب التي ظلّت تنظر إليها حادثة سر استعمارية أو انقلابًا على "دولة الخلافة"، وتحرص على منازعتها في شرعية الوجود: إمّا لأنّها دولة "الطبقة"، أو دولة "العلمانية"، أو دولة "القطر" والتجزئة، ولا تقرّ لها إلا بوظيفة مرحلية وعابرة في انتظار دولة / أمّة تليق بالمتخيّل الأيديولوجي لهذه النخب. إنّ تقفّي أثر الثورات في تمثّل الدولة الوطنية، لا بدّ أن يرتبط بالبحث عن أثر تصاعد خطابات الهويّة في مفهوم الوطن نفسه.

الدولة الوطنية في ضوء الثورات العربية: تجاوز أم إعادة امتلاك؟

هل صحيح أنّ "الربيع العربي" كان ضدّ الدولة الوطنية1؟ لا نميل إلى الجواب بالإيجاب عن هذا السؤال؛ فالثورات أسقطت أنظمة سياسية سلطوية مستبدّة، أمّا مسألة مُنازعتها في طبيعة كيان "الدولة الوطنية"، فأمر يحتاج إلى نقاش. نرجّح في الواقع التفكر في كون طموح الساحات العامة لحظة الانفجار الثوري، لم يرتبط بالدفاع عن انتماء مُتخيّل لأمّة تتجاوز حدود الدولة الوطنية، وهو ما يسمح بقراءة الانفجار الثوري في حدّ ذاته - بشكل من الأشكال – بوصفه تعبرًا حادًّا عن هويّةٍ وطنية مكتملة، وتكريسًا لوحدة وجدانية وائتمانية للمجموعة الوطنية الباحثة عن إعادة امتلاك دولتها عبر نظامٍ سياسي جديد. فبقدر ما يمكن عَدّ أحداث "الربيع العربي" إدانة أخلاقية مُطلقة للسلطة والسلطوية، قد يسمح تحليل هذه الأحداث، عبر رصد تقاطعات المسار المعقّد لتاريخ الدولة الوطنية، في علاقة بحضور الانتماءات "المتخيّلة" للأمّة العربية أو الإسلامية، بوصف "الربيع العربي" تكريسًا تاريخيًّا لكيانية الدولة الوطنية ولشرعيتها التي طالما تعرّضت للتشكيك المنهجي، سواء عبر استحضار عطبها التأسيسي أو عبر حرص الأيديولوجيات العربية المعاصرة على تجاوز هويّتها الانتمائية. وهنا، إذا كانت الثورات العربية قد مثّلت اندحارًا تاريخيًّا للسلطوية، فإنّه بالإمكان أن نعيد استحضار أحداثها أيضًا، بوصفها لحظة انتصار مَشهدي للدولة الوطنية على كلّ خُصومها الأيديولوجيين الذين بلوروا ثلاثة مواقفَ نقدية تجاهها منذ ميلادها بين العقدين الثالث والسابع من القرن العشرين؛ أوّلها الموقف القومي العربي الذي ذهبت مقالته إلى إسقاط شرعية الدولة الوطنية لأنّها ناتجة من إرادة التقسيم والتجزئة الاستعمارية، وثاني تلك المواقف النقدية الموقف الإسلامي الذي طعنت مقالته في شرعيتها أيضًا، إمّا لأنّها أتت على أنقاض الخلافة أو لأنّها لا تحكم بما أنزل الله. أمّا ثالث المواقف، فهو الموقف الماركسي الذي يذهب أصحابه إلى اتّهام تلك الدولة بأنّها دولة طبقة واحدة، هي البرجوازية2. إنّها الخطابات/الأيديولوجيات نفسها التي لاحظ بعض الباحثين اختفاءَها من مشهد الساحات العامة عشيّة ثورات الربيع العربي؛ إذ لم يرتفع في الميادين ما من شأنه الإحالة على أيديولوجيا "الإسلام السياسي"، أو أيديولوجيا القومية العربية، أو الأيديولوجيا الماركسية3. إنّ لحظة الولادة الأولى للدولة الوطنية، في جيل "الاستقلالات" طُبعت بفورة فكرة التحرّر العربي ووحدة حركات التحرير؛ ما جعل اكتشاف "الهويّة الوطنية" الذي رافق النضال ضدّ الاستعمار، يرتبط بعقدة عدم استكمال مشروع الوحدة العربية. وهذا من شأنه أن يجعل جيل الثورات الأخرة شاهدًا على لحظة الولادة الثانية والكبرى للدولة الوطنية ذات الشرعية الكاملة.

  1. 1 حسن حنفي، "الثورة والهوية والعمل العربي المشترك"، مجلة الديمقراطية، السنة 13، العدد 50، نيسان/أبريل 2013، ص.56

على أنّ تراجع خطابات الهويّة فوق "القطرية" الإسلامية والقومية، يُوازيه في الواقع تصاعد حزمة من خطابات الهويّات الفرعية، لا شكّ في أنّ الأفق الديمقراطي ومسار المواطنة كفيل بتقديم الأجوبة المطابقة له. إذا كان يجوز الحديث عن تراجع خطابات الهويّة فوق "الوطنية"، فلأنّ الأمر يتعلّق بخفوتٍ في الحدّة والنبرة، وليس بغيابٍ مُطلق؛ فالثورات العربية – مع ذلك - مثّلت بالنسبة إلى البعض فُرصةً للدعوة "لجامعة إسلامية"4 وحتى شرقية ولم نسمّها خلافة إسلامية – على نحو ما صنعته أوروبا في "الاتحاد الأوروبي" - تمتدّ من "غانة" إلى "فرغانة"، ومن حوض نهر الفولغا إلى جنوبي خطّ الاستواء، وتعيش فيها أمّة تقارب أن تكون الآن ربع البشرية، وتمتلك من الثروات والموقع الإستراتيجي والمراث الحضاري ما يجعلها العالم الأوّل – وقد كانت في ظلّ الجامعة الإسلامية – العالم الأوّل على ظهر هذا الكوكب لأكثر من عشرة قرون.

أمّا بالنسبة إلى البعض الآخر، فالربيع العربي "يستطيع أن يقوم بوحدة الشعوب العربية التي لم تفلح في تحقيقها التيارات القومية، ويستطيع أن يتجاوز الحدود التي وضعها الاستعمار منذ سقوط دولة الخلافة واتفاقية سايكس بيكو5، وبإمكانه أن يحلّ قضايا العرب المزيّفة مثل قضايا الحدود بين كلّ جارتين عربيتين، كما يستطيع الربيع العربي أن يتناول قضية فلسطين تناول شعبٍ لشعب، وليس حكومة لحكومة، أو جيش لجيش"6. عندما نعود إلى الفكر العربي المعاصر، نجده قد وقف طويلً على أزمة الدولة الوطنية من خلال وجهها الفكري كأزمة لنظرية الدولة الحديثة7؛ إذ لم يُواز فقر التأصيل النظري للدولة الوطنية إلا تضخّم الخطاب الأيديولوجي الذي يُ جّد الانتماء للأمّة العربية أو الأمّة الإسلامية. بالنسبة إلى علي أومليل مثلً، فإنّ استيعاب "الدولة الوطنية" في البلاد الإسلامية انطلق بإشكالٍ نظري نتج من محاولة الربط بين مفاهيم ثلاثة: "الدستور"، و"الأمّة"، و"الدولة." فإذا كان الدستور هو قانون الأمّة الأساسي، وقد ارتبط بمفهوم الدولة الوطنية، فإنّ قانون المسلمين الأساسي هو "الشريعة" وهذه أوسع من أن يحدّها "وطن" من أوطان المسلمين، في حين أنّ الدستور في المصطلح السياسي الحديث مرتبط بوطن، أي: "تراب وطني" تقوم "دولة وطنية" بتدبره، فكيف إذن يستسيغ مُسلم هذا التحديد ويقوم لديه وعي واضح بالتطابق بين القانون والأمّة والوطن9؟ لذلك رأى علال الفاسي في هذا السياق أنّ "لفظ الأمّة أعمّ من الدولة"؛ فالأمّة الإسلامية أمّة واحدة حدودها هي دار الإسلام، وهي تكون وحدة سياسية دون حسبان الحدود الجغرافية10. لقد تعرّضت جميع مكوّنات الدولة الوطنية، بسبب طبيعة الأيديولوجيات السائدة في زمن بدايات الفكر العربي الحديث، ثمّ بسبب الشروط الموضوعية التي رافقت ميلاد هذه الدولة: ضغط الحاجة إلى الإصلاح، وإلحاح فكرة إقحام نمط "التنظيمات"، ثمّ الحالة الاستعمارية وأثرها في الخريطة الجديدة للدول العربية، إلى حالةٍ من عدم الاستيعاب الفكري لهذه المكوّنات، توزّعت بين الرفض المبدئي أو القبول التكتيكي، ما أفضى في النهاية إلى تحوير مضامين الجهاز المفاهيمي للدولة الوطنية: الدستور، والجنسية، والتراب الوطني، والوطن، والأمّة... فالفكر الإصلاحي الإسلامي دعا إلى الدستور لكنّه ظلّ يتعلّق بما يتجاوزه12. وعبّ ت الأدبيات القومية عن الدولة الوطنية بوصفها كيانًا سياسيًّا مستجدًّا بصيغة "الدولة القطرية"14، وإذا

  1. 9 المرجع نفسه، ص.60 10 المرجع نفسه، ص.98
  2. المرجع نفسه.
  3. انظر مثلا الفصل السابع من كتاب عبد الله العروي "مفهوم الدولة"، أو مؤلّف علي أومليل " الإصلاحية العربية والدولة الوطنية "، أو أعمال برهان غليون بخصوص الدولة العربية.
  4. 4 محمد عمارة، "إما الجامعة الإسلامية... أو التشرذم والتفتيت"، مجلة الديمقراطية، السنة

كان لطفي السيد أحد رموز الفكر اللبرالي، قد دافع عن مفهوم الجنسية كانتماء إلى الدولة الوطنية، فإنّ جمال الدين الأفغاني في المقابل قد هاجم هذا المفهوم مدافعًا عن "كون المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم"19. ويربط عبد الله العروي في كتابه "مفهوم الدولة" بين ضعف شرعية الدولة الإقليمية وهيمنة الطوبى المجسّدة في "الدولة العربية الكبرى"؛ إذ يرى أنّه "بوجود هذه الطوبى تنزع الشرعية عن الدول الإقليمية، حيث يوجد ولاء، لكن غر مرتبط بها، ويوجد إجماع لكن ليس حولها. في هذه الحال، تنفصل السلطة عن الشرع، القوّة عن النفوذ الأدبي. إنّ أوامر الدولة تنفّذ، إن إنجازاتها تحقّق... إلا أنّ كلّ هذه الإنجازات لا تكسبها ولاءً ولا تنشئ إجماعًا حولها، بخاصة إذا كانت دعايتها تعيد إلى الذاكرة باستمرار أنّها مرحلة فقط على طريق تحقيق الدولة العربية الكبرى"22. إنّ وجود هذه الطوبى يجعل الكيان الإقليمي، مفتقرًا إلى أدلوجة عضوية يبرّر بها وجوده23. على ضوء هذا التحليل، هل يمكن تقديم فرضية خُفوت طوبى الوحدة داخل الساحات العمومية لحظة الثورات العربية دليلً على استعادة الكيانات الوطنية شرعيّتها التاريخية؟ وهل يمكن الرهان على فعل "الثورة" حدثًا فارقًا في تمثّل هذه الكيانات ذاتها وتاريخها، وهويّتها الجماعية منطلقًا للأدلوجة العضوية الجديدة للدولة الوطنية؟ أليست الهويّة في النهاية، سوى طريقة معيّنة في "حكاية أنفسنا"24؟ إنّ الذهاب بالفرضية السابقة إلى مداها الأقصى، يجعلنا نفكّر في إمكانية قراءة حدث الثورات العربية بوصفه حدثًا يستطيع أن يتجاوز الحالة المستعصية للتناقض بين "الدولة" والأمّة"28 التي طبعت ميلاد الدولة الوطنية، إلى حالةٍ من التطابق. كلّ هذا، انطلاقًا من كون هذا الحدث التاريخي، يستطيع - إن هو أسهم في إطلاق دينامية ديمقراطية - أن يُكرّس تبلور الهوية الوطنية29، ويعزّز شرعية الدولة الوطنية، ويُعيد تحديد طبيعة العلاقة بين "الدولة" و"الأمّة"، والتي لن تصبح علاقة مبنيّة على التناقض في سياق المشروع الوطني الديمقراطي وأثره الحاسم في ترتيب أولوية الانتماء الوطني، دون تهميش إمكانيات الانتماء – مثل - للأفق العروبي الذي لن يُصبح نقيضًا للهويّة الوطنية ولا بديلً عنها، وهو ما يتطلّب مراجعةً شاملة للقومية العربية في اتّجاه تغير مفهومها إلى هويّة ثقافية، وشراكة وجدانية، ومَعالم سياسية تكمل الهويّة الوطنية30.

إنّ الثورات العربية قامت في هذا السياق التحليلي بعملية تحرير الدولة الوطنية من عُقدة الخطأ الأصلي: التجزئة والانقسام، كما صنعتها الأيديولوجية القومية، ولا شكّ في أنّ هذا من شأنه أن يسهم في الوقت ذاته في تحرير الانتماء العروبي من أوهام الأيديولوجية التي طالما كيّفته في قالب "أحادي" و"مغلق." لكن، هل هذا يعني أنّ الثورات العربية في زلزالها الهويّاتي الكبر، وهي تُقوّض أسس الأيديولوجيا القومية، أعلنت بالضرورة "وداع العروبة"31؟ الجواب ليس سهلً، ويرتبط حتمً بالمضمون الذي نقدّمه للهويّة العربية، بخاصة في علاقة بالانتماء للدولة الوطنية. إنّ الموضوعية تقتضي الاعتراف بأنّ حدث الثورات العربية ما كان له أن يكون بشكله المتوالي والمتتالي، وأن يكون له أثر الدومينو، وأن لا يمتدّ إلى خارج البلدان غر العربية في أفريقيا

  1. 13 عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 5 (بروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993.169)، ص
  2. 18 المرجع نفسه، ص. 10
  3. أومليل، الإصلاحية العربية...، المرجع نفسه، ص.97
  4. المرجع نفسه، ص.170
  5. التعبر هنا مستقى من مؤلف ل: حازم صاغية، وداع العروبة (بروت: دار الساقي، جدل الأيديولوجيا والهويّة: من تطابق الدولة والأمّة إلى دولة المواطنين
  6. 16 أومليل، الإصلاحية العربية...، المرجع نفسه، ص.100 17 عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، ط 1 (بروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.9)، ص

الشمالية أو الشرق الأوسط32، دون هذا المشترك العروبي33 بين هذه الدول والمجتمعات. مشتركٌ لا يدَ للأيديولوجية القومية – وحدها بالضرورة - في تكريسه والحفاظ عليه، بخاصة مع تصاعد دور وسائل الإعلام والتواصل التلفزيوني أساسًا في خلق فضاء عمومي عربي للتبادل الرمزي والقيمي.

نُقرّ بهذا المشترك وبأثره السياسي والوجداني العاطفي دون أن نذهب بعيدًا، مع تحليل المقالة القومية، وهي ترى أنّ الوحدة العربية تجسّدت في الحراك الثوري العربي بصورة فعليّة وعمليّة؛ "فالثورة التي اندلعت في بلدٍ عربي لم تلبث إلا أيامًا، لا أسابيع ولا شهورًا ولا سنوات، حتى انتقلت إلى بلدان عربية أخرى، في الوقت الذي لم تتأثّر هذه البلدان نفسها بثوراتٍ حصلت في بلادٍ غر عربية سواء في شرق أوروبا أو في أمركا اللاتينية." وهنا فالثورة التي "ليست سوى عدوى "قومية الطبيعة والطابع" أثبتت أنّ العوازل والفواصل الحائلة بين المجتمعات العربية أوهنّ من عوامل الوحدة والتواشج النفسية والثقافية التي تسري فيها وبينها"35. ودون أن نذهب بعيدًا كذلك، مع تحليل الصحافي اللبرالي، وهو ينفي أثر العروبة في الثورات والانتفاضات المتلاحقة مقارنًا بينها وبين ثورات أوروبا الوسطى والشرقية حيث الروس والألمان الشرقيون والبلغار والهنغاريّون والبولنديّون والرومانيّون والتشيكوسلوفاكيون، ممّن تتابعت ثوراتهم بإيقاعٍ زمني متسارع، ليسوا أمّة واحدة ولا قومية واحدة36. إنّ الثورات العربية بقدر ما مثّلته من قطيعةٍ واضحة مع أيديولوجيا قومية محنّطة، فهي تمثّل مناسبة لإعادة بناء "العروبة" بوصفها أفقًا مستقبليًّا مدعومًا بالشرعية السياسية الديمقراطية38، الأمر الذي ظلّ غائبًا في الخطابات القومية المبنيّة على العرقيّة والرومانسية. يمثّل حدث الثورات العربية، في قابليته للتحوّل إلى فرصة للديمقراطية، مناسبةً لتكريس غياب الشرطية الحاسمة بين فكرة الدولة/الأمّة – بالمعنى القومي - والديمقراطية، وهو ما يؤهّله إلى إمكانية تحقيق ما يسمّيه عزمي بشارة "الأمّة الديمقراطية"39، في إشارةٍ إلى تجارب الدول الناجحة أو نصف الناجحة، والتي لم تكن الوحدة الإثنية والثقافية عنصرًا حاسمً في انتقالها الديمقراطي، مثل حالات: كندا، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرازيل، وجنوب أفريقيا40. وهي حالات يبدو أنّها لم تستحقّ من المتخيّل الأيديولوجي القومي الاهتمام ال زاام، لأنّه ظلّ مسحورًا بفلسفة القوّة والضخامة المتعدّدة المصادر، ولم يكترث لتجارب لبرالية وتعاقدية "صغرى"41. إذا كانت فكرة غياب أيديولوجيا الدولة الحديثة (الدولة/الأمّة) في الوطن العربي، خلال السنوات الأخرة، قد ظلّت "حبيسة" الفكر النقدي، فإنّ سياق المعطيات العملية الملموسة للمسارات الانتقالية الجارية عربيًّا، يقدّم فرصة ذهبية لأن تدنو هذه الفكرة من فهم أوسع النخب العربية المسيّسة والمثقفة43. لقد انتبه الكثر من الباحثين إلى مسالك القراءة التي تمنحها انطلاقة الربيع العربي من محطة "تونس"، كنموذج تميّز بسبقٍ تاريخي على مستوى بداية التحديث الاجتماعي والاقتصادي في أفق الدولة الوطنية المستقلة44.

  1. حسن إبراهيم أحمد، "اليساري والقومي في الحراك الثوري العربي"، مجلة 22 الطريق، العدد الرابع، السنة 72 - شتاء 2013، ص.164
  2. حازم صاغية، "وإذا بها قومية عربية"!، جريدة الحياة، ص 11، عدد 17497، آذار/مارس 2011.
  3. كمال عبد اللطيف، الثورات العربية: تحديات جديدة ومعارك مرتقبة (الرباط: منشورات كلية الآداب، سلسلة بحوث ودراسات، رقم 61، 2012.58)، ص
  4. سهيل الحبيب، "الثورة على دولة الاستقلال، وماهية التحول الديمقراطي في الفكر عمران، العدد الإيديولوجي التونسي المعاصر"، مجلة 6 – خريف 2013، ص.142-123
  5. عبد الأحد السبتي، "الشعوب العربية وعودة الحدث"، في: عبد الحي مُودن و 29 عبد الأحد السبتي وإدريس كسيكس، أسئلة حول انطلاق الربيع العربي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة بحوث ودراسات، رقم 49، 2012)، ص.42
  6. 25 عزمي بشارة، في الثورة...، المرجع نفسه، ص.78 26 المرجع نفسه، ص.79 27 حازم صاغية، وداع العروبة، ط 1 (بروت: دار الساقي، 1999.13)، ص
  7. 21 عزمي بشارة، في الثورة والقابلية للثورة، المرجع نفسه، ص.79

وهذا ما جعل من تحديث مؤسسات الدولة التونسية وعلمنة المجتمع، يصنعان أثرهما البالغ على مستوى الاحتجاج الواعي المؤطّر وطنيًّا45. يسمح كلّ هذا بقراءة الحراك الثوري والشبابي لعام 2011، بوصفه إعادةً لتأسيس "التعاقد الوطني" وفقًا لمبدأ المواطنة، ويُعلن ضمنيًّا أنّ ورش إعادة بناء الدولة الوطنية هي الأساس قبل أيّ تفكر في كيانات أوسع46.

لقد أسهمت دينامية الربيع العربي فعلً، في تكريس ظاهرة الدولة الوطنية وتخليصها ممّ ظلّت الأيديولوجيا القومية تلصقه بها كإثم تأسيسي و"خطيئة أولى"، ونتيجة حتمية لمؤامرة دولية تقسيمية48، ولا شكّ في أنّ قراءة الثورات بطريقة مزدوجة كإسقاط لأنظمة سياسية سلطوية، وكإعادة مستحقّة لشرعية الدولة الوطنية، بوصفها كيانًا ووجودًا جغرافيًّا وسياسيًّا يسمح من جانب باستئناف الجهد النظري والفكري - والذي ظلّ معزول - الذي انخرطت فيه المقالة اللبرالية منذ عقود دفاعًا عن الدولة الوطنية وعن شرعيتها، ومن جانب آخر أيضًا، بتثمين الدور التقدّمي والتحديثي التاريخي الذي قامت به هذه الدولة في لحظة الالتقاء بين العرب والحداثة السياسية، وفي تدبر الانتقال الكبر من بنى مجتمعية تقليدية عصبوية إلى نسيج مجتمعي يطمح لأفق المواطنة والمدينة.

الوطن في قبضة الهويّة، أيّ مسالك للتجاوز: وطن مدني، وطنية دستورية أم مجتمع مدني؟

تقدّم المقالة الفلسفية حلًّ جذريًّا لتمزّقات الهويّة في علاقة بالوطن، عندما تدعو إلى بناء مفهوم مدني للوطن، يمكِّن من الانتقال من الوطن إلى المواطنة كحلّ تاريخي كل49، أو عندما تُبلور مفهوم "الوطنية الدستورية" بوصفها محدّدًا قيميًّا للانتماء، يُصبح معه التماشي مع مبادئ الدستور والقانون، أرضية جديدة للوطن، أو حين تُطوّر "المجتمع المدني" كآلية تحليلية من شأنها تثبيت الانفصال بين مفهومَي "الأمّة" و"القومية" داخل الوطن الواحد.

في "المفهوم المدني للوطن"70

يتعلّق الأمر هنا بمفهوم مدني يتعلّم من خلاله الإنسان لأوّل مرة أنّ حقوقه هي معنى الوطن الوحيد الذي ينبغي أن يدافع عنه. ينطلق تحليل فتحي المسكيني من أنّ الحداثة هي الموضع الجديد للسؤال عن أيّ معنى للوطن؟ وذلك للتعامل معه بوصفه مشكلً "مدنيًّا"، وليس مشكلً قوميًّا، ولدفع الفلسفة نحو إرساء استعمال مدني للوطن. إنّ التفكر ضمن هذا الأفق يجعل أيّ طرحٍ لمشكل "الهويّة" مدعوًّا إلى التساؤل قبل الطمع في أيّ إجابة جاهزة عنه، عن طبيعة الفهم الذي صارت تفرضه واقعة الحداثة على معنى الوطن. الحداثة هنا بالمعنى الفلسفي الذي يجعلها مقامًا مدنيًّا للإنسان، أي معنى مستحدثًا من الوطن ومن الانتماء. بالنسبة إلى هذه القراءة، فإنّ الدولة الحديثة هي دولة/أمّة؛ أي أنّها قامت على ادّعاء قومي جاء ليعوّض أفق الملّة بلا رجعة، غر أنّ هذه الدولة لا تستطيع أن تشتغل دون تحويل الوطن بوصفه "نحن" روحية بلا دين، وبوصفه مكسبًا رومانسيًّا، إلى أداة عمومية للسلطة، والمطلوب هو تحرير معنى الوطن من الدولة /الأمّة، وبناء شروط

  1. عزمي بشارة، 30 الثورة التونسية المجيدة: بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها (بروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.27-26
  2. السبتي، المرجع نفسه، ص.49
  3. 34 انظر أساسًا المرجع نفسه، ص 72-70؛ ومؤلّفه: ا لهوية والحرية، نحو أنوار جديدة (بروت: منشورات جداول، فبراير.)2011 جدل الأيديولوجيا والهويّة: من تطابق الدولة والأمّة إلى دولة المواطنين
  4. المسكيني، الهوية والزمان، المرجع نفسه، ص.71
  5. 32 محمد جابر الأنصاري، العرب والسياسة: أين الخلل؟، ط 2(بروت: دار الساقي، 2000)، ص.139

جديدة للانتماء لا يكون لها أساس سوى الالتزام المدني الجذري بإنسانية الإنسان. هكذا يصبح الانتماء إلى الحداثة طريقة غر مسبوقة في احتمال معنى الوطن، ليس بوصفه انتماءًاضطراريًّا إلى ملّة أو قومية أو طائفة؛ فالوطن لا يقوم بلغة دون أخرى، ولا بعِرق يفصل أو بدين يُفرّق، بل بإمكانية العصر الذي بحوزتنا فقط، وهذه الإمكانية تأخذ اليوم شكل الحداثة. إنّ الحداثة هي اليوم شكل الوطن لمن يفكّر. إنّ كلّ الثقافات التقليدية؛ أي التي لا تزال تتّخذ من الملّة موضعها الخاص، هي ثقافات "هويّة"، وحدها الحداثة هي موضع الموطن.

يدافع هذا المفكّر التونسي عن الوطن بوصفه ميثاقًا اجتماعيًّا، وليس معطى سحريًّا أو طبيعيًّا، وعن الحداثة كمقام غر قومي ولا ديني بل مدني للإنسانية جمعاء، وعن معنى مدني للوطن لا يكون فيه للدين أو للعرق غر دور أخلاقي. لكنّه يتوقّف قليلً للتساؤل عن مدى إمكانية تحقيق ما يسمّيه حلًّ تاريخيًّا كليًّا universel؛ هو الانتقال من الوطن إلى المواطنة.

في "الوطنية الدستورية"78

في سياق فكري وفلسفي غربي، يرى الفيلسوف الألماني هابرماس أنّ الانتقال إلى ما يسمّيه في مشروعه الفكري الكبر "الوطنية الدستورية"، ممكنًا. جرّب الكثرون، وهم يتابعون قلق الهويّة المنفجرة مع الثورات العربية، أن يفكّروا في هابرماس، وهم يحلمون بمواطنين كفُّوا عن التفكر في ذواتهم بوصفهم مسلمين أو قوميين عربًا أو أقباطًا أو أمازيغَ...، متحوّلين إلى مواطنين يراعون مبادئ الدستور والعدالة. وهذا ربّ ا ما يدعو لاستحضار الوطنية الدستورية، بوصفها وطنية مبادئ غر إثنية، واندماجًا اجتماعيًّا يمرّ عبر ثقافة سياسية مشتركة وليس بناءً على قيم ثقافية مشتركة79، ويتأسّس على ولاء ديمقراطي "بعد وطني." إنّ رهان الوطنية الدستورية هو بناء رابطة مجرّدة قائمة على القانون، حيث يتمثّل أعضاء الجماعة السياسية المنظّمة وفقًا لهذا المنطق، ذواتهم ليس انطلاقًا من المرجعيات العرقية، اللغوية والثقافية بل بوصفهم مواضيعَ للقانون100، وحيث الرابطة تصبح سياسية وليست انطلاقًا من "هويّة" و"ثقافة." وعلى الرغم من حكم الكثر من المفكّرين على نظرية الوطنية الدستورية، جوابًا عن إشكاليات الهويّة القومية الألمانية، فإنّ درجة التجريد والإحكام اللذيْن صيغت بهما كأطروحة للاندماج السياسي والثقافي الأوروبي جعلاها إحدى النظريات الأكثر إثارةً للاهتمام في الفكر السياسي المعاصر. ينطلق هاجس "الوطنية ما بعد الوطنية" من الرغبة في تجاوز الهويّات الذاتية الشوفينية والمتطرفة، والتي تغذّي كراهية الآخر. لذلك يؤسّس هابرماس بناءَه النظري على العناصر التالية: أوّلً، تقرّ أطروحة الوطنية الدستورية، غياب أيّ رابط مفاهيمي بين القومية والجمهورية؛ أي بين الجماعة العرقية ethnos والشعب السياسي demos خارج صُدف التاريخ، وإذا كانت هذه العلاقة لم تصبح وظيفية سياسيًّا إلا لفترة معيّنة فقد أصبحت مُتجاوزة؛ ما يعني ضرورة فعل الارتباط بين الدولة والأمّة؛ أي بين الجماعة

  1. انظر أساسًا:
  2. دافيد فونسيكا، "أثر هابرماس" في الفقه الدستوري المعاصر"، مجلة 36 القانون العام وعلم السياسة، بروت، العدد السادس، 2007، ص.1462
  3. jurgen Habermas, après l’Etat-nation. Une nouvelle constellation politique , traduction, R.Rochlitze, Paris-Fayard, 2000. - jurgen Habermas, l’intégration républicaine, Essai de théorie politique ,
  4. traduction, R.Rochlitze, Paris-Fayard, 1998.

التاريخية للانتماء والجماعة السياسية للديمقراطية، بهدف إعادة بناء جديد لتضامن المواطنين. إنّ تكسر احتكار أمم بعينها مبادئ السياسة العالمية التي تنتظم حولها المواطنة، يعني أنّ هذه الأخرة أصبحت منفصلة اليوم عن الأمّة، كما أنّ المجتمعات المتعددة الثقافات تجعل الاندماج السياسي للمواطنين غر مستند إلى أيّ أفضلية ثقافية، بخاصة مع أثر ظاهرة الهجرة في التداخل الثقافي بين مختلف الأمم.

هل يتعلّق الأمر ببناء قومية جديدة ذات نزوع مدني، يتحقّق حولها الاندماج السياسي وفقًا لصيغة قانونية بعيدًا عن أيّ تصوّر عضوي تاريخي للجماعة السياسية؟ يشكّك الباحثون في إمكانية الجواب بالإيجاب عن هذا السؤال، لأنّ الأمر في العمق يهدف إلى تجاوزٍ جذري ونقدي للقومية، وليس إلى إعادة بناء جديد لأحد أشكالها. ثانيًا: تدافع أطروحة الوطنية الدستورية عن دورٍ حاسم للديمقراطية التداولية في تحقيق مسلسل الاندماج، لذلك يرى هابرماس أنّه داخل مجتمعٍ معقّد والبناء التداولي لآراء المواطنين وإرادتهم القائم على مبادئ السيادة الشعبية وحقوق الإنسان، هو الذي يشكّل الوسط الذي ينمو فيه الارتباط المجرّد. إنّ عملية الاندماج الاجتماعي هنا لا تتأسّس في المجتمعات المتعددة ثقافيًّا على المكوّنات المادية للهويّة، بل المطلوب في هذا النمط تعايش الأشكال الثقافية في إطار جماعة ديمقراطية يتمتّع فيها كلّ واحد بالحقوق نفسها، وهذا وحده ما يسمح بتأسيس وحدة ثقافية سياسية في قلب تعددية الثقافات الفرعية التي تمثّل مصدر غنى للمجتمعات المركزية. ثالثًا: ترتبط نظرية الوطنية الدستورية، كتجاوز نقدي وجذري للحظة الدولة - الأمّة، بتجاوز الإطار الإقليمي إلى ما بعد الوطني، حيث يرتبط المواطنون وراء انتماءاتهم العاطفية بمبادئ قانونية وبقيم أخلاقية كونيّة، ما يمكّنهم من إرساء بنية فعّالة لهويّة سياسية متحرّرة من تحديدات القبيلة و"الهويّة". وعليه، لا يتعلّق الأمر بهويّة - أوروبية في هذه الحالة – جاهزة بوصفها معطى تاريخيًّا أو بيولوجيًّا، بل بوصفها هويّة قيد التأسيس الديمقراطي/التداولي/التواصلي، تحت محكّ فضاء عمومي مندمج وبأثر حاسم لفكرة الدستور ما بعد الوطني. إنّ هذه الفكرة ترتبط بمكوّن آخر من مكوّنات مشروع هابرماس الفلسفي المرتبط باستعادة التراث الكانطي، من خلال الدفاع عن المواطنة الكونية، إجابةً عن التحدّيات الراهنة التي تواجه الإنسانية على الصعيد العالمي، إضافةً إلى الإمكانيات التي يمنحها البعد الكوني باتّخاذ موقف نقدي تجاه وطنية "الهويّة".

في "المجتمع المدني كمشروع حداثي لتثبيت الانفصال بين الأمّة والقومية"

يدافع عزمي بشارة عن تعريف نظري وسياسي للأمّة كمجموع للمواطنين الذين يشكّلون سيادة أو يطمحون إلى بنائها، مبرزًا أنّ إرادة السيادة تجعل الأمّة مميزة عن القومية المتوقّفة على الإثني أو الثقافي، فالعنصر السياسي هو ما يخلق حالة الأمّة الحديثة. لذلك فالحفاظ - اليوم- على الوحدة السياسية للأمم، قد يرتبط بالقدرة على الحفاظ على القوميات المتعددة داخلها. وهذا ما يعني محاصرة الرغبة في تحويل الانتماء القومي إلى سيادة ورفض عملية الاندماج القسري للقوميات في قومية واحدة، ورفض تحويل الأمّة إلى قومية.

  1. 47 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 2 (بروت: منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.271 جدل الأيديولوجيا والهويّة: من تطابق الدولة والأمّة إلى دولة المواطنين
  2. 42 محمد عبد السلام الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، ط 1 (عمان: دار الورد الأردنية للنشر والتوزيع، 2013)، ص.225
  3. ركح، ما بعد الدولة الأمة، المرجع نفسه، ص.146
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه، ص.227
  6. ركح، المرجع نفسه، ص.154
  7. الأشهب، المرجع نفسه، ص.227
  8. محمد نور الدين أفاية، 46 الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس، ط 2 (الدار البيضاء/بروت: أفريقيا الشرق، 1998)، ص.93

في إطار الدفاع عن هذا الفصل بين الأمّة والقومية، يطوّر عزمي بشارة مقاربة تعدّ المجتمع المدني أداة تحليلية متميزة تطرح في العمق والجوهر طريقة في الانتماء مختلفة كليًّا عن "القومية."

وهكذا، في كتابه "المجتمع المدني دراسة نقدية" يُقدّم المفهوم المعياري للمجتمع المدني داخل الدولة الديمقراطية، أفقًا لمقاومة الرغبة في إعادة الوحدة إلى ما هو منفصل في الحداثة، أي الأمّة والقومية، ومشروعًا قادرًا على تحويل المسافة الفاصلة بينهما إلى حيّزٍ عامّ تبقى المواطنة هي تذكرة الدخول إليه. فإذا كانت علاقة الفرد المباشرة مع مجتمع له دولة، ولكنّه منفصل عن الدولة هي التي تخلق حيّزًا عامًّا هو المجتمع المدني، فإنّ القومية هي محاولة لتحقيق رابطة نظرية بين الأفراد والأمّة كرابطة مُباشرة، وكجماعة مقدّسة تستأثر بولاء الأفراد وإخلاصهم على حساب ولاءاتهم الأخرى، لذلك يرى عزمي بشارة أنّ القومية العارية من وساطة الانتماءات الأخرى، ومن دون المجتمع المدني الذي يفصل بينها وبين الدولة، هي جماعة "توتاليتارية" تقمع الجماعات الأخرى كافّة. ينطلق هذا التحليل من كون مسلسل "الرسملة" والتراكم الاقتصادي دفع الجماعة الأهلية في اتّجاه مسارين متوازيين؛ الأوّل قلّصها إلى مستوى العائلة الذرية، والثاني رفعها إلى مستوى الأمّة، وبين هذين المسارين تطوّر وسط ثالث هو الحيّز العام الذي يقوم بالوساطة والفصل بين العائلة والأمّة. لكن هذا الفصل يصبح ممكنًا إذا تميّز المجتمع المدني عن القومية، وعندما يتمّ التماثل بينهما، لا يبقى متّسع للمجتمع المدني وتصبح القومية هي الجماعة الوحيدة المعترف بها. أمّا إذا تميزت القومية عن الأمّة، فإنّها تصبح أكبر الجماعات فحسب.

أسئلة وملاحظات

إنّ استحضار هذه النماذج والمسالك الثلاثة – بكلّ هذا الاختزال والسرعة - يسمح بطرح قليل من الأسئلة، بخاصة في علاقة بالشرط التاريخي للدولة الوطنية، وهو شرط يتميز بالمفارقة التالية: إنّها تحاول الخروج من شرك الأيديولوجيات المشكّكة في شرعيتها، لكنّها توشك على السقوط في فخّ الهويّة. وإذا كانت الأيديولوجيات المشكّكة في الدولة الوطنية، قد نهضت على افتراض فكرة "ما بعد الدولة الوطنية"، فإنّ فخاخ الهويّة التي تطوّرها خطابات النزعات الإثنية والدينية، تحمل خطر العودة إلى "ما قبل الدولة الوطنية." فهل نحن في حاجة إلى فصل الدولة عن الأمّة؟ أم إلى فصل الأمّة عن "القومية" وتكريس الدولة/الأمّة الحديثة؟ وهل يبدو الدفاع عن الوطن بمفهومه المدني ممكنًا، في لحظة عربية يبدو شعارها الأكثر مطابقة هو الدفاع عن الدولة بمفهومها المدني؟ وهل يبدو الدفاع عن مواطنة دستورية تتجاوز لحظة الدولة/الأمّة مُمكنًا، في زمنٍ عربي يبدو شعاره الأكثر مطابقةً هو الدفاع عن الدولة الوطنية بوصفها دولة مواطنين؟ إنّ تزايد الطلب المجتمعي على الدولة الدينية لا يسمح بالتفكر في الوطن المتحرّر من الملّة والدين، كما أنّ خطر تضخّم نزعات الهويّات ما قبل الوطنية، يجعل ترسيخ فكرة الدولة الوطنية والمواطنية هاجسًا أكثر واقعية من تجاوز الدولة/الأمّة ترسيخ يرتبط بالأساس بفكّ الاتصال بين الأمّة والقومية، وبتكسر التراتبية المتخيّلة بين "الدولة القائمة" من جهة، كدولة سابقة عن لحظة الدولة الأمّة، ومن جهة أخرى "الدولة القومية" المتماشية وحدها - في بناء المتخيّل الأيديولوجي - مع مضمون الدولة الأمّة. يرمي فكّ الاتصال هذا في غايته الكبرى إلى تجاوز التفكر في الدول العربية بعيدًا عن مُركّب النقص الأيديولوجي الذي ظلّ يلصق بها مسمّى "الدول القطرية"، وتكريس النظر إليها دولة/أمّة بكلّ المعنى

  1. المرجع نفسه، ص.275
  2. المرجع نفسه، ص.277

السياسي للأمّة الحديثة، دولة/أمّة يمكن عدّ لحظة الثورات لحظة حاسمة في إعادة بناء سيادتها الديمقراطية. لذلك تبدو مقاربة "المجتمع المدني" بوصفها آليّة تحليلية، بأفقٍ حداثي، لتثبيت الانفصال بين الأمّة والقومية، مطابقةً للشرط السياسي والتاريخي للدولة الوطنية، في لحظة ما بعد الثورات. على أنّ الاسترشاد بالمسالك الفكرية التي يفتحها النظر الفلسفي في موضوعات "الوطن المدني" و"الوطنية الدستورية"، على الرغم من شرعية السؤال عن شرط المطابقة السياسية والمرحلية لهذه الأطروحات في علاقة بالحاجة التاريخية إلى الدولة الوطنية هنا والآن، من شأنه أن يفتح الفكر السياسي العربي على آفاقٍ رحبة، بخاصة من خلال تجريب التفكر في "الوطن" بأفق الحداثة، على ضوء ما تعيشه "الهويّة" من تمزّقات في علاقتها بالوطن. آفاق تنطلق من الأفكار المعروضة سابقًا، لتدبر تمرين فكري وسياسي بخصوص تحرير الوطن من "القومية" ومن "الدين" وكلّ فخاخ الهويّة، وفتح على أسئلة الحداثة والمواطنة. ومن هنا، تتجلّ العلاقة قويّة بين هذه الأسئلة وآفاقها التاريخية ومرجعياتها الفكرية، وتمزّقات الهويّة التي يعيشها "الوطن" جرّاء تصاعد النزعات الإثنية والطائفية والعقائدية؛ فالمؤكّد، كما يدعو كمال عبد اللطيف في العديد من مؤلّفاته، أنّ تذويب هذه التحدّيات لن يتمّ إلا بمزيدٍ من إعلاء القيم التي تستوعبها روح مفردة المواطنة؛ أي تلك المرجعية السياسية الحداثية المركّبة لدلالتها. فمبدأ المواطنة في صيغ تداوله الجديدة يلحّ على ضرورة التقليل من البعد الإثني والديني دون نفيهما، لكنّه يتطلّع إلى منح الاعتبار للرابطة المدنية؛ وذلك بالإعلاء من شأن القيم الصانعة لها، القادرة في الآن نفسه على استيعاب الاختلافات العقائدية والإثنية.

ولا شكّ في أنّ هذا الاختيار الذي يدافع عن المواطنة بأفق الحداثة السياسية ومرجعيتها، يتجاوز جذريًّا لحظة التلقّي الاضطراري الأوّل لمفهوم المواطنة، بوصفه مرادفًا لرابطة الجنسية المكتشفة في العلاقة المستحدثة مع الدولة، ثمّ اللحظة الثانية التي منحت المواطنة مدلولً قانونيًّا وحقوقيًّا، إلى مستوى جديد من الاستيعاب الفكري لا تصبح معه المواطنة علاقة مع الدولة أو حزمة من الحقوق فقط، بل جوابًا عن توترات الحرية والهويّة، وقاعدة لإعادة ترتيب الانتماءات، ومشروعًا لتوطين الحداثة السياسية. ومن هنا، تصبح دولة المواطنين أفقًا تاريخيًّا تجاوزيًّا وعنوانًا فكريًّا آخرَ للدولة الوطنية في زمن ما بعد الثورة، حيث تتحرّر الدولة الوطنية من أوهام الأيديولوجيات من جهة، ومن فخاخ الهويّة من جهةٍ أخرى، وحيث تتطابق الدولة مع الأمّة السياسية، بصورةٍ تحرّر "الوطنية" من الأيديولوجيا، وتصنع المواطنة مفهومًا جديدًا للديمقراطية، بطريقةٍ تُحرّر"الوطن" من قبضة الهويّة.