مراجعة كتاب روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة
المؤلف: لاري ديموند، ترجمة عبد النور الخرافي. العنوان الأصلي: روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بروت، الطبعة الأولى.2014
الملخص التنفيذي
عدد الصفحات: ٨٠٦ صفحة.
في كتابه روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة1 نتعرَّف رقمً ثقيلً بشأن معادلة الفكر والسياسة في العالم الغربي، وفي الآن نفسه طريقةً متميزةً في الكتابة، والتحليل، والقدرة على التركيب، ورؤيةً مختلفةً إلى العالم؛ إنه لاري دايموند مدير مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في جامعة ستانفورد، أحد كبار علماء علم الاجتماع السياسي في معهد هوفر، وأحد مؤسِسّي واحدة من أبرز الدوريات العالمية المتخصصة في موضوع الديمقراطية ومحرريها، منذ عام 1990، وهي تحمل اسم "مجلة الديمقراطية" of Journal. Democracy ويعدُّ لاري دايموند من النقاد الحادين للسياسات الأمركية المتناقضة التي تنال، من دون شك، من القيم التي يدافع هو عنها بشراسة. وهو من الأسماء التي رفضت السياسات الأمركية في العراق، وله أكثر من ثلاثين مؤلفًا من أبرزها "الانتصار المفقود: الاحتلال الأمركي والجهد الفاشل لجلب الديمقراطية إلى العراق." أحاطت فصول الكتاب الخمسة عشر الموزعة على ثلاثة أقسام بأعقد إشكاليات الديمقراطية؛ فالكتاب دراسة متعمقة عن تجارب عشرات الدول، على امتداد 200 سنة، في ما يخص تطبيقها للديمقراطية. والموضوع قطعًا شائك؛ لوجود فرْق بين الفكرة النظرية والتطبيق الفعلي لها. وقد جاءت أقسام هذا الكتاب تباعًا كالتالي: عالم يتحول جزئيًّا (سبعة فصول)، وفرص نجاح ديمقراطية عالمية (خمسة فصول)، وأخرًا الطريق نحو تجديد ديمقراطي (ثلاثة فصول.) بحث لاري دايموند - وهو المنتصر دائمًا في كتاباته وأعماله لمقولة غاندي: "لا يمكن لروح الديمقراطية أن تُفرض من الخارج، بل لا بدّ لها من أن تنبع من الداخل[...]إنّ الديمقراطي الحقيقي هو الذي يدافع عن حريته، ومن ثمّة عن حرِّية بلده، وعن حرِّية البشرية جمعاء-" في أطروحة للدكتوراه، موضوع العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية والدولية التي قد تشجع الديمقراطية وتدعمها حتى داخل الدول الأكثر فقرًا. وكانت تلك المقولة أحد العوامل وراء تحرير كتاب يزيد على 600 صفحة؛ سعيًا للإجابة عن سؤال إشكالي هو: هل في إمكان العالم أن يصر ديمقراطيًّا؟ واستنادًا إلى ذلك، هل يمكن بناء مجتمعات حرَّة وديمقراطية في مختلف أنحاء العالم؟ جاءت الإجابة عن ذلك السؤال على امتداد صفحات هذا الكتاب الذي يتفرد بالمزج بين خلاصات حقول معرفية مختلفة، يكاد الباحث العادي يعجز عن التعامل معها منفصلةً. فكيف بالقدرة على دمجها في توليفةً واحدة تُجسر العلوم، وتصهر جزر المعرفة لتصر؛ بحرًا معرفيًّا متراميَ الأطراف، بالخوض في زحام أحداث التاريخ، وتفاصيل الجغرافيا، وأرقام الاقتصاد، وأعماق المتغرات الإستراتيجية الممزوجة بهالة علم السياسة وخبرة عالم الاجتماع المطلع على خفايا الميدان وأسراره، وذلك من خلال الزيارة القارية للاري (البرتغال، وتايلند، ونيجريا، إلخ.).. وكانت الخلاصة ما أعلنه هذا الباحث في مستهل تمهيده للكتاب الموسوم بعنوان "بزوغ العهد الديمقراطي"، بقوله: "لقد علمتني التجربة بما فيه الكفاية ما عززه لاحقًا السفر والمطالعة وكثرة البحث والتأمل أنّ مصر الديمقراطية ليس مقيدًا بقوى تاريخية وبنيوية مجردة، وإنما هو نتيجة نضال وإستراتيجية وإبداع ورؤية وبسالة وقناعة وتسوية وخيارات يلتزم بها الناس، أو بتعبر أدقّ، يلتزم بها الفاعلون السياسيون. وهذا ما أعنيه بروح الديمقراطية"2.
أسس النظام الديمقراطي: ثوابت في تجارب مختلفة
لم يكن حديث الكاتب عن النظام الديمقراطي على تلك الشاكلة المدرسية المألوفة في كتب علم السياسية؛ استعراضًا لنظرياتٍ وسردًا لنماذجَ، وتذكرًا كرونولوجيًّا قبلهما بالمحطات التاريخية لهذا النظام منذ اليونان. بل عمد إلى طرح يقوم على عنونة المباحث المشكِّلة لفصوله بأسئلة متعلقة بصميم الديمقراطية، من قبيل: ما هي القيم الديمقراطية؟ وهل أنها ترفٌ؟ وهل هي مفهوم غربي؟ وذلك في سلسلة لا متناهية من الأسئلة التي تستشكل الموضوع، فتأسر القارئ وتغوص به في تقنيات سردية وتحليلية مع قالب تركيبي ممتع.
وفي تحديده لماهية المفهوم يقول لاري إنه أشبه إلى حدٍّ ما بتأويل نص ديني. فإذا سألت عشرة رجال دين عن معناه، فمن المرجح أن تحصل على الأقل على أحد عشر جوابًا متعلّقًا بالنص نفسه، وهذا هو شأن الديمقراطية. غر أنّ هذا لن يثنيَه عن ضبط التصورات اللازم توافرها في نظام ما حتى يستحق أن يُنعت بأنه ديمقراطي3. وتوقف الباحث، على نحوٍ مفصّل، عند بعض الشائعات التي ترى الديمقراطية ترفًا فحسب، أو تلك التي تربطها برقعة جغرافية من العالم (الغرب)، بالاعتماد على أبحاث الاقتصادي الهندي أمارتيا سن؛ ففي نظره يمكن لديمقراطية ما أن تنتشر في أيّ مكان في العالم، لكن لا يمكن تعزيزها أو تدعيمها في أيّ مكان. فحيثما فقدت الديمقراطية قيمتها الحقيقية من لدن الشعب لن يكتب لها الظهور، وحتى في حال ظهورها، فإنها سرعان ما تزول. ويضيف أنها فعلً تعاني صعوبةً شديدةً في الدول الفقرة، وبعض الدول ذات الدخل المتوسط. لكن في معظم هذه الدول تتعلق مشاكل الديمقراطية بنقائص النُّخب وخياناتهم أكثر ممّ تتعلق بلامبالاة الشعب أو آرائه الاستبدادية4. ويردّ الباحث عن المشكِّكين ورافضي التغريب ممن يرون الديمقراطية نتاجًا فكريًّا وسياسيًّا منبثقًا من الغرب ومن التقليد الأوروبي التنويري، بتأكيد مفاده أنّ مناصرة الديمقراطية والحرِّية السياسية - بالمفهوم الحديث - لا يمكن أن توجد في تقاليد ما قبل عصر الأنوار في أيّ جزء من العالم، سواء في الغرب أو في الشرق؛ ما يستوجب أن نفحص عن المكونات والعناصر الأساسية لهذه الفكرة المركّبة التي وجد لها الدارسون حضورًا قويًّا في التقاليد الكونفوشيوسية، والتراث الصيني، والإسلامي. لاري الموجة الثالثة للديمقراطية بحسب حلَّل -تقسيم هنتنغتون5 - وهي التي بدأت عام 1974 حين كانت ثلاثة أرباع دول العالم ديكتاتوريات، في حين تحوّل نصف دول العالم إلى ديمقراطيات. لكن تلك المسرة لم تكتمل، فقد تعثّ جهد كثر في بناء هذه الديمقراطيات، كما أخفقت حكومات ديمقراطية عديدة وانتهت بالفشل والاستبداد، ليصل إلى سؤال جوهري هو: كيف تُبنى الديمقراطيات وتحافظ على تقدمها؟ ويجيب عن هذا السؤال من خلال استعراض نماذج لدول فقرة وغر مستقرة، استطاعت - على الرغم من كلّ العوائق - أن تبنيَ نظامًا ديمقراطيًّا. ويكمن الجانب المهمّ في بناء نظام حكم ديمقراطي - من وجهة نظره - في وجود مواطنين ناشطين منشغلين بالعمل السياسي والحقوقي على المستوى الشعبي البسيط، وفي زيادة المنظمات المدنية القوية، وفي وجود ثقافة سياسية مترسخة وتدبر سياسي للتنوع والاختلاف وسيادة القانون والمحاسبة قبلهما6. ولا يغفل الكاتب دور العامل الاقتصادي والتكنولوجي، أو ما يسميه السوسيولوجي سيمون ليبست "الضروريات الاجتماعية للديمقراطية"، في دعم الديمقراطية، ممثلً بالحرِّيات الاقتصادية وتطور ما سمّ ه التكنولوجيا المحررة technologies‘‘ libertin’’؛ إذ يمكن أن تتحول بسببها أنظمة أصولية مغلقة؛ مثل الصين وإيران، إلى أنظمة ديمقراطية خلال فترة قصرة من الزمن لا تتجاوز الجيل الواحد فقط. وفي المقابل، يعزو دايموند تعثُّ الديمقراطية وسقوطها في دول محورية في العالم؛ مثل روسيا، وفنزويلا، ونيجريا، إلى كونها متبوعةً بلعنة النفط أو نقمته.
الإس ماا والديمقراطية: سوء الفهم الكبير
ظل الصراع بين الديمقراطية والإسلام دومًا جدليًّا، ومعقدًا، ومتشابكًا، منذ بداياته الأولى، خصوصًا بعد تطويقه بأسئلة جزء كبر منها أيديولوجي وغر معرفي. وقد أثار الباحث بعضها؛ من قبيل: هل أنّ الإسلام ملائم للديمقراطية؟ ولماذا حقّقت الديمقراطية نجاحات لدى مختلف الشعوب ما عدا الشعوب الإسلامية؟ وجوابه، قبل التفصيل في الأدلة، قطعيٌّ؛ وهو أنّ الإسلام دين كبر ملائم للحكم الديمقراطي، بل إنّ في تجربة المذاهب الإسلامية ما قد يشكِّل اليوم بذورًا لقيم ديمقراطية، مشرًا إلى أنّ جزءًا كبرًا من السجال المتداول بين السياسيين عن الإسلام والديمقراطية في الإعلام، ملغوم. ولبيان موقفه هذا، يستند الكاتب إلى منهج الدراسات الكمية وتحليل بعض التجارب، وإلى قراءة استطلاعات للرأي شملت دولً إسلاميةً في مختلف مناطق العالم (أفريقية، وعربية، وآسيوية)؛ ليبيِّ أنّ الإسلام دين يقبل الديمقراطية ويدعو إليها. فبحسب استطلاع للرأي للأفروبارومتر الذي أُجريَ في أربع دول أفريقية تضم عددًا كبرًا من المسلمين (مالي، ونيجريا، وتنزانيا، وأوغندا) تشر نتائجه إلى أنّ الأغلبية الساحقة من السكان تؤيِّد الديمقراطية، وأنّ تردد دعم الديمقراطية وسط المسلمين إنما يُعزى إلى العجز الحاصل في التربية الرسمية، وفي خصائص أخرى ذات علاقة بالتجديد، أكثر ممّ يُعزى إلى الروابط الدينية. أما على الصعيد العربي، فرى أنّ العائق أمام تحقيق الديمقراطية في الشرق الأوسط ليس متعلّقًا بالثقافة، أو الإسلام، أو المجتمع. بل إنه يكمن في الأنظمة القائمة نفسها وجيوسياسية المنطقة المتميزة. وفي ظلّ غياب بارومتر للعرب، يستند الباحث إلى عدد محدود من استطلاعات الرأي العامّ التي أُجريت في المنطقة، وهي تكشف عن عناصر مشجعة لدعم الديمقراطية في العالم العربي. فعلى سبيل المثال وافق على الأقل %84 من الأشخاص ممن شملهم استطلاع الرأي (في الأردن، وفلسطين، والعراق، والجزائر، ومصر، والمغرب) على أنّ الديمقراطية، على الرغم من مشاكلها المختلفة، هي الشكل المثالي للحكومة7. وفي السياق الآسيوي، تناول الباحث بالدرس والتحليل، تجارب ديمقراطية ناجحة لدول إسلامية في المنطقة، كشف من خلالها أنّ انتكاسة بعض هذه التجارب لا علاقة للدين الإسلامي بها، بل مردها، في المقابل، إلى عوامل داخلية أو خارجية؛ وعلى رأسها تجربة الباكستان عام 1988 بعد وفاة ضياء الحق، وكذلك تجربة بنغلاديش التي تُوِّجت بانتخاب حكومة مدنية في بدايات عام 1991، بعدما باءت المحاولات المتكررة للزعيم حسين إرشاد للبقاء في السلطة بالفشل. يصل بذلك لاري دايموند إلى خلاصة جوهرية مفادها أنّ روح الديمقراطية ليست محصورةًالبتَّة في الفكر والثقافة الغربيين، بل هي مبدأ وطموح إنساني منتشر في العالم بأسره؛ لذا ينبغي إعادة إحياء الحركة الإصلاحية إحياءً شاملً في العالم العربي والإسلامي. فالإسلام المستنر والعقلاني هو وحده القادر على استيعاب الفكرة الديمقراطية، بل إنه سبق العالم كله إلى الحضارة والحداثة والحرِّية.
روح الديمقراطية: عودًا على بدء
إنّ روح الديمقراطية تعني الحرِّية بكلّ بساطة. وهي حرِّية يتوق إليها كلّ إنسان لأنها تسكن في جوانحه. والديمقراطية التي نشأت في أثينا، قبل ألفين وخمسمئة عام، تطورت كثرًا لاحقًا، فلم تعُد مباشرةً أو شعبيةً كما كانت عليه الحال في السَّابق، بالنظر إلى جملة متغرات تتلاحق من حقبة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر. وسعيًا لبلوغ الطريق نحو التجديد الديمقراطي يدعو الكاتب إلى ضرورة خلق شيء يتجاوز البنيات؛ فيولِّد مبادئ جديدةً، كما عبر عن ذلك غاندي. ومن الأكيد أنّ البنيات الديمقراطية ستكون واجهةً فحسب إنْ لم يولِ الناس مبادئَ الديمقراطية الأساسية اهتمامًا خاصًّا، وهي: السيادة الشعبية، ومسؤولية الحكام، والحرية، وحكم القانون.
وأمّا في حال عدم وجود هذه المبادئ، فإنّ الديمقراطيات المفترضة ستُتيح في نهاية المطاف فرصة تفشي الظلم، سواء كان ذلك تحت قناع مدني أو عسكري. كأننا بلاري دايموند عند تحريره القسم الأخر من كتابه في التجديد الديمقراطي، يتحدث عن مآلات المسار الديمقراطي في العالم العربي، وعن الأخطار المحدقة بهذه التجربة الفتية، من عودة للأنظمة الاستبدادية، أو القوى العسكرية، أو غر ذلك؛ ما يهدّد فرصة نجاح أيِّ تجربة ديمقراطية وليدة. يكفي أن نورد في هذا السياق ما كتبه عن المجتمع المدني، وعن أدواره لدعم الديمقراطية الناشئة؛ بالنظر إلى أنّ شرارة الربيع العربي ألهب فتيلها طيف من المجتمع المدني ممثلً بالقوى الشبابية الثورية. فمن وجهة نظره لا يستطيع هذا المجتمع أن يدعم الديمقراطية، مادامت الديمقراطية المدعومة تتطلب نظامًا دستوريًّا، وتسويةً واحترامًا للقانون. كما أنه لا يستطيع خلْق تنمية اقتصادية دائمة؛ لأن ذلك يتطلب فاعليِن يملكون رأسمال قادر على الاستثمار في نشاط إنتاجي في مجتمع مفترس لا يزداد فيه الناس غنى من خلال النشاط الإنتاجي وركوب المخاطر الشريفة. إنهم يزدادون غنى من خلال التلاعب بالسلطة والامتيازات ونهب الدولة، واستخلاص المستحقات من الضعيف، وتقليص القانون8. لم يوجه لاري دعوات التجديد الديمقراطي إلى الديمقراطيات الناشئة فحسب، بل كان النصيب الأكبر منها للديمقراطيات العريقة التي يتحفّظ عن وسْمها بهذا النعت. فهو يرى، على سبيل المثال، أنّ نِسب المشاركة في النظام الديمقراطي الأمركي مخيبة للآمال، مقارنةً بالديمقراطيات الأخرى؛ فقد بلغ معدل الإقبال على صناديق الاقتراع %48 من الناخبين البالغين سنَّ التصويت في كلّ الانتخابات التي امتدت بين عامي 1954 و 2001. هذا ما يجعل الولايات المتحدة الأمركية في مراتب متأخرة عن الديمقراطية الصناعية بأجمعها، ومتأخرةً كذلك حتى عن بعض الديمقراطيات الناشئة؛ مثل البرو، وإندونيسيا، ورومانيا9. أمّا في ما يتعلَّق بالديمقراطية في المنطقة الأوروبية، فلم يتردد لاري في كشف خبايا الفساد السياسي، والمحسوبية، والراسخين فيها؛ ممثلً لذلك بما يقع في أثناء عملية تشكيل الحكومة، إلى حدّ أنّ إحدى الدراسات نعتت هذا النظام بكونه النظام الأفضل الذي يمكن للمال أن يشتريه. وفي فصل آخر مثر بعنوان "أيها الطبيب، اشفِ نفسَك" يعترف الكاتب بأنّ الديمقراطية تعاني على مستوى العالم؛ فثمَّة خلفيات حقيقية تدعو إلى القلق، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بالأمل، فلا داعيَ للتشاؤم واليأس بشأن الديمقراطية. فهي، الآن، الإطار الشرعي العامّ والوحيد في إدارة الحكومة في العالم.
خاتمة
لقد صدرت ترجمة هذا الكتاب إلى العربية منذ أشهر فقط، وفاتته وقائع الثورات العربية الأخرة لأنّ نسخته الإنكليزية نشرت عام 2008، وكانت بلا شكّ ستضيف إليه تنظرًا مهمًّ، بخصوص هذه الوقائع غر المسبوقة في المنطقة العربية والتاريخ المعاصر. بل من المؤكَّد أنّ المؤلف لن يتردد في عَدِّ هذه الأحداث موجةً رابعةً للمد الديمقراطي الذي ينتصر له ويبشِّ به، بناءً على أنها تستجمع من العناصر ما يكفي لتعدَّ موجةً من الموجات الديمقراطية التي شهدها التاريخ المعاصر. وعلى الرغم من ذلك، تبقى قيمة الكتاب واضحةً إذا أردنا تقييمً للمنجز الديمقراطي كما تجلَّ في بقاع عديدة من العالم. وتبقى قراءة الكتاب على غاية من الأهمية، سواء كان ذلك بالنسبة إلى الباحثين أو الناشطين الديمقراطيين العرب؛ بالنظر إلى ما يقدمه من كثافةٍ في المعلومات، ودقةٍ في التفاصيل، وقدرةٍ كبرة على التحليل والتركيب، تُ كٍّن مدركها ومستوعبها من فهمٍ أكبرَ، وقراءةٍ أعمقَ، وتأويلٍ أدقَّ وأنسب لأحداث ماضية أو مازالت ساريةً بُعيْد الثورات العربية. هذا ويشكِّل الكتاب كذلك دعامةً نفسيةً لأنصار الديمقراطية، وحافزًا معنويًّا لهم؛ للتشبث بأمل عودة الديمقراطية إلى ثوراتهم، مع انطلاق إرهاصات وأْدها هنا وهناك، وذلك من خلال ما يستعرضه من تراجعات وانتكاسات بشأن ما نعاينه اليوم من تجارب ديمقراطية ناشئة.