مراجعة كتاب الغضب ضد الآلة: المعارضة السياسية ضد السلطوية في مصر
المؤلف: هولجر ألبريشت.Holger Albrecht
Raging Against the Machine: Political Opposition Under Authoritarianism in Egypt العنوان الأصلي: - Syracuse University Press نيويورك 2013 الناشر:
عدد الصفحات: 225 صفحة.
تنبع أهمية هذا الكتاب من رؤيته لطبيعة العلاقة بين المعارضة والنظام في مصر؛ إذ يتبنى الكاتب نظرةً وظيفيةً تجاه دور المعارضة داخل النظم السلطوية. ويصف الكاتب هولجر ألبريشت، مدرس العلوم السياسية بالجامعة الأمركية بالقاهرة، النظامَ السياسي في عصر مبارك بأنه سلطويّ بغطاء ليبرالي؛ ذلك أنّ قرارات هذا النظام كانت تُصنع بعيدًا من المؤسسات الرسمية، ولكنّه كان في حاجة إلى عملية سياسية تحقّق له وظائف بعينها.
وظائف المعارضة في النظام السلطوي
لقد كان من وظائف المعارضة في نظام مبارك تهدئة الناس، ومعرفة مطالبهم، ومنعهم من الثورة، وبناء بعض الشرعية السياسية، وإرضاء الخارج بهدف الحصول على المساعدات، وكذلك التنافس داخل النخبة الحاكمة؛ كالتنافس داخل الحزب الوطني بين الحرس القديم والحرس الجديد أو الجمَ ليين (نسبة إلى جمال مبارك.) وبما أنّ النظام يحتاج إلى تلك الخدمات، فقد سمح بقدر من اللبرالية. ويرى الكاتب، في مثال أوَّل، أنّ ليبرالية مبارك كانت فعالةً؛ فهي ليبرالية ضمن حدود معينة، فهِمها رجال النظام والمعارضة على حدٍّ سواء، وأنّ جميعهم تصرَّف وفقًا لقواعدها الضمنية التي تسمح بالقمع في حال تخطّي الخطوط الحمراء، واللتي تسمح باستمالة كثر من المعارضين أيضًا. فمبارك حرص على صناعة المعارضة كما حرص على صناعة النظام القمعي وأدواته؛ لذا يرى الكاتب أنّ النظر إلى المعارضة بدقة تساعد على فهم طبيعة النظام، ويرى كذلك أنّ المعارضة نفسها على اختلاف أنواعها قبِلت بتلك القواعد وأصبحت بمرور الوقت تحافظ عليها كما يحافظ عليها النظام؛ لذلك ترددت جماعات معارضة تقليدية رئيسة تجاه الدعوة الخاصة بتظاهرات 25 يناير 2011، سواء منها الإخوان أو بعض الأحزاب اللبرالية واليسارية، فالمعارضة بمرور الوقت تحولت – كما أرداها النظام – إلى جزء منه، وإلى أعمدة لحمايته. ويرى الكاتب، في مثال ثانٍ، أنّ المعارضة المصرية التقليدية المتمثلة بالإخوان، والأحزاب اللبرالية واليسارية، والنُّخب المسيطرة على المشهد السياسي قبل 25 يناير، وقفت موقفا متشكِّكًا من الجماهر الضخمة التي دفعت بها الثورة إلى الميادين بعد ثورة يناير أوّل مرة؛ لأنّ المعارضة التقليدية لم تتعود تلك الجماهر، وشعرت أنها تمثّل تهديدًا لها وهو شعور نظام مبارك نفسه. أمَّا سبب مشاركة المعارضة في اللعبة السياسية وفقًا لقواعد النظام، فهو يرجع إلى أنها رأت فيها منافع لها، فقد رأت في الفرص التي يوجدها لها النظام الاستبدادي ذو المسحة اللبرالية أدواتٍ للضغط عليه؛ مثل إحراجه دوليًّا، واستخدام القضاء ضده، وتدريب كوادرها، واستغلال المساحات التي يعجز النظام عن الاحتفاظ بها؛ كالنقابات المهنية مثلً. وفي هذا السياق يوضح الكاتب على نحوٍ مهمّ لافت للنظر أنه يجب ألَّ نحكم على المعارضة المصرية وفقًا لمعاير الديمقراطية المستقرَّة، بل وفقًا لمعاير المعارضة الموجودة في النُّظم السلطوية؛ إذ يجد الكاتب للإخوان ولغرهم، مثلً، عذرًا في عدم تطوير برامج سياسية واضحة، بالنظر إلى أنّ الصراع السياسي مع النظام السلطوي لم يكن أبدًا صراعًا على البرامج؛ ذلك أنّ النظام السلطوي القمعي لم يمتلك أيديولوجيةً أو برامج واضحةً، وقد كانت أهم أدواته احتكار تقديم الخدمات المعيشية للناس، لذا نافسه الإخوان فيها، ومن وجهة نظر الكاتب يحتاج تطوير البرامج إلى وقت وفرصة لفِعل ذلك. ويوضح الكاتب أيضًا أنّ النظام في حكم مبارك لم يستخدم المؤسسات والآليات الديمقراطية؛ كالبرلمان، والانتخابات، والمجالس القومية، والمؤسسات الدينية (الأزهر مثلً)، للقيام بوظائفها الديمقراطية بوصفها أذرعًا للمجتمع، بل بوصفها أذرعًا للدولة السلطوية ضمن إستراتيجية قمْع المعارضة أو استمالتها، وفي المقابل لم تسعَ المعارضة لاستغلال المؤسسات لكسْ النظام، بل من أجل إحراجه وتفجر تناقضاته الداخلية فحسب.
تقسيمات المعارضة المصرية
يقسِّم الكتاب المعارضة المصرية في ظلّ نظام مبارك ثلاثة أقسام رئيسة، هي: المعارضة الموالية للنظام، والمعارضة المقبولة، والمعارضة المعادية للنظام. فأمَّا المعارضة الموالية للنظام، فهي الأحزاب اللبرالية واليسارية التي وافق النظام على تأسيسها في عهده؛ كالوفد، والتجمع. وهي أحزاب وُلدت، بوصفها جزءًا من النظام نفسه، على أيدي شخصيات كانت كذلك جزءًا من نظام عبد الناصر والسادات. وعلى الرغم من تغر تلك الشخصيات بمرور الوقت، فإنّ الأحزاب ظلَّت تعاني مشكلاتٍ عديدةً؛ مثل سلطوية القيادة، والعجز عن التوحد، وغياب الجماهرية، والنخبوية، وكونها جزءًا من النظام إلى حدٍّ كبر. وفي هذا السياق يرى الكاتب أنّ بعضها كان انعكاسًا للنظام على مستوى مصغر. وأمَّا المعارضة المقبولة، فهي منظمات حقوق الإنسان، وحركة كفاية، والجمعية الوطنية للتغير. ويرى الكاتب أنّ هذه المنظمات والحركات على الرغم من تخطيها بعض الخطوط الحمراء؛ مثل حركة كفاية التي كسرت رفض النظام للتظاهر، وكسرت أيضًا حاجز نقْد الرئيس ومشروع التوريث، فإنها ظلت في النهاية حركاتٍ نخبويةً محدودة التأثر، ولم تنزل إلى الجماهر نزولً كافيًا، وأنّ النظام احتاج إليها لأسباب مختلفة؛ مثل إضفاء الشرعية واللبرالية على سياساته، والحصول على مساعدات خارجية. ويرى الكاتب أنّ النظام مرَّ بأكثر من مرحلة. فقد كان أكثر ليبراليةً في عقده الأول، ثمّ مال إلى قمْع التيارات الدينية في عقده الثاني بسبب صراعه مع الجماعات المسلحة، ونجاح الجماعات السلمية؛ كالإخوان في النقابات وانتخابات البرلمان. أمَّا في التسعينيات فقد سمح بصعود عدد كبر من المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني التي وصل عددها إلى الآلاف، ولكنّ الناشط منها على نحوٍ جدِّي اقتصر على العشرات تقريبًا. وبعد انفتاح موقَّت، عام 2005، أدَّى إلى صعود حركة كفاية وفوز الإخوان بنسبة كبرة من انتخابات مجلس الشعب، عاد النظام إلى القمع والانغلاق مرةً أخرى. وكانت انتخابات 2010 التي مارس فيها نظام مبارك التزوير الفج ذات دلالة على انسداد شرايين النظام؛ ما مهَّد الطريق لثورة يناير. وأمَّا المعارضة الأكثر تهديدًا للنظام فكانت المعارضة "الإسلامية"؛ أنّ المعارضة المسلحة كجماعتي الجهاد ذلك -والجماعة الإسلامية.. إلخ – لم تكن تعترف به، واستخدمت القوة ضده. وكانت المعارضة السلمية المتمثلة بالإخوان تهديدًا أساسيًّا له، ولم يكن ذلك لسبب أيديولوجي كما يرى الكاتب؛ إذ إنه يشر إلى أنّ النظام كان يستخدم الدين لإضفاء الشرعية الدينية على قراراته السياسية ونظامه، ومن ذلك استخدامه للمفتي والمؤسسات الدينية كالأزهر مثلً، وإلى أنّ نظام مبارك لم يكن أيديولوجيًّا أصلً، وأنّ السبب الرئيس لتهديد الإخوان له كان قدرتهم على العمل مع الناس. ويرى الكاتب، في هذا السياق، أنّ الإخوان أدركوا أنّ باب المشاركة السياسية مقفول أمامهم، ويذكر تعرُّض أكبر قادتهم؛ كخرت الشاطر، وعبد المنعم أبو الفتوح، وعصام العريان، للسجن بسبب نجاحهم في الانتخابات. لذا ترددت الجماعة في الدفع بهم في الانتخابات التالية، مفضِّ لةًالعمل على المستوى الاجتماعي، والتحول إلى حركة اجتماعية كبرة. ولعل قدرة الإخوان على الوصول إلى الناس في مختلف مناطق مصر وتنظيمهم أكبر تهديد مثلته جماعة معارضة مصرية لنظام مبارك. فلم يُزعج النظام شيء أكثر من قدرة معارضيه على الوصول إلى الجماهر. وفي هذا السياق تكمن أزمة كثر من معارضي مبارك؛ وهي اقتصارهم على حركات نخبوية بالأساس.
قواعد المنافسة غير الديمقراطية
يقول الكاتب إنّ رجال النظام كانوا يدركون دائمًا، خلال منافستهم للمعارضين المختلفين، أنّ للنظام اليد الطولى، وأنه هو الذي يضع قواعد اللعبة، والذي يقدر على قمْع معارضيه. وعلى الرغم من ذلك كان يجري التنافس، ويخسر رجال النظام أحيانًا كما حدث في انتخابات 2005. وقد كان النظام يوظّف هذه الخسائر في صعود قيادات جديدة داخله من ناحية، وفي إضفاء مسحة من الشرعية السياسية واللبرالية على سياساته من ناحية ثانية، وفي تنفيس الغضب الشعبي وإدراك مواطن الخلل في النظام وفهْم المطالب الجديدة للناس من ناحية أخرى. وظلّ الجميع مدركًا أنّ عملية التنافس بين رجال النظام والمعارضين لا تُؤثِّر في النظام وطبيعته، ولا تهدف إلى إسقاطه، ولكنها تتنافس داخله، وفقًا لقواعد معروفة تتغر كلّ فترة لأهداف قمعية وللحفاظ عليه (مثل قواعد الانتخابات بالقائمة أو فرديًّا)، وأنّ القرارات المهمَّة تُصنع بعيدًا من مساحة التنافس بين النظام ومعارضيه.
ومع نجاح معارضي النظام في استخدام المساحة المتاحة لإحراج النظام وتوسيع مساحات الحركة داخله؛ مثل استخدام المحاكم في تحدي تزوير الانتخابات، واستخدام الانتخابات لكشف دعاوى الديمقراطية التي كان يرددها الجميع ولا يعتقد أحد أنها موجودة، واستخدام النقابات لتدريب الكوادر وإيجاد المنابر، واستخدام الإعلام لتوسيع مساحة الخطاب المعارض للنظام، كان الخطاب السياسي والممارسة السياسية للمعارضة وجهيْ لعملة واحدة، وهي السعي لتوسيع مساحات عمل المعارضة ضمن النظام نفسه.
أزمة المعارضة بعد سقوط النظام
يرى الكاتب أنّ سقوط مبارك مثَّل أزمةً للنظام والمعارضة معًا؛ فكلاهما تعلَّم قواعد اللعبة السلطوية بمرور الوقت، وأصبح جزءًا من خبرتها وتجربتها السياسية. وأمَّا تغيرها، فقد بات أمرًا صعبًا بالنسبة إليهما. ويرى الكاتب أيضًا أنّ المعارضة، بعد سقوط مبارك الذي لم يكن سقوطه سقوطًا للنظام، ظلَّت تعاني المشكلات نفسها؛ فالأحزاب اللبرالية واليسارية ظلَّت مواليةً للنظام، وبعض رموزها سارع إلى المشاركة في حكومات المجلس العسكري، والإخوان عانوا "حدودًا فرضوها على أنفسهم"، وعانى الجميع الانقسام والعجز عن التوحد، وعانى المثقفون النخبوية وضعفًا في القدرة على العمل مع الجماهر. ويشر الكاتب إلى تناقض اللحظة التي تلَت الثورة المصرية، فالديمقراطية تشجِّع التنافس السياسي بين القوى المختلفة، ولكنّ إسقاط النظام السلطوي يتطلب توحُّد معارضيه. ثمّ يشر في خاتمة كتابه إلى مرور المعارضة بعد الثورة برؤية متَّسمة بالضبابية والشكّ لأكثر من سبب؛ ذلك أنّ التحول إلى الديمقراطية عملية صعبة غر مضمونة النجاح، وتحتاج إلى وقتٍ طويل. علاوةً على أنّ نتائج الانتخابات لم تعُدْ معروفةً بسبب سقوط قواعد التنافس في النظام القديم. وفي هذا السياق يجب أن نذكر أنّ إنهاء الكتاب كان قبل انقلاب يوليو 2013، كما يظهر ذلك من خلال محتواه. ويقول الكاتب إنّ نظام مبارك الذي لم يسقط سقوطًا كليًّا، والذي مثَّله المجلس العسكري في فترة الحكم الانتقالية، سعى لإعادة فرْض النظام وقواعد لعبة جديدة بعد الثورة؛ وذلك من خلال قوانين تحدُّ من التظاهر، وفرْض قيود على عمل منظمات المجتمع المدني. ثمّ إنَّ الكاتب يتساءل: أتتمكن المعارضة المصرية من طرح قواعد جديدة ومفتوحة وديمقراطية، ومن ترسيخها للتنافس داخل النظام الجديد أم تظلُّ وفيَّةً لقواعد التنافس داخل النظام القديم الذي عاشت داخله عقودًا؛ فترضى بالتنافس داخل النظام من دون التمكن من صناعة القرارات المهمَّة داخله؟
تقييم
ذكرنا أنّ أهمية بداية الكتاب تنبع من إطاره المفاهيمي بدءًا من تعريف النُّظم السلطوية، وأنواعها، وكيفية سماح بعضها بحيِّز من الحرِّيات اللبرالية لأسباب مختلفة، إلى التفريق بين وظائف المعارضة في النظم الديمقراطية من ناحية، والنظم السلطوية من ناحية أخرى. وهذه التفرقة مهمَّة للغاية؛ فعلى سبيل المثال حكم بعضهم على الإخوان وحزبهم في مصر بعد الثورة وكأنهم كانوا يعيشون طوال حياتهم في نظام ديمقراطي. وفي الحقيقة عاش الإخوان وغرهم – كما يساعدنا الكتاب على فهم ذلك – في نظام سلطوي، وتعلموا القيام بوظائف معينة متاحة داخل هذا النظام. أمَّا فكرة الكتاب المحورية الثالثة فهي تصنيف الأحزاب المعارضة في مصر وفقًا لوظائفها في النظام السلطوي، وتفصيل تلك الوظائف من حيث تهديدها للنظام، وقد كان أكثرها تهديدًا له العمل المباشر مع الناس. لذا يُعدُّ هذا الكتاب مدخلً مفيدًا للغاية من جهة فهم أخطاء كثرة وقع فيها شركاء الثورة المصريون خلال سنوات الثورة الأولى، ومن جهة النصح، ولو على نحوٍ غر مباشر، بالصبر على القوى السياسية في فترات التحول الديمقراطي. ولعل فكرة "التحول الديمقراطي"، فضلً عمَّ يجب توقُّعه من خلالها، تُ ثّل في حدِّ ذاتها منظورًا مفيدًا لدراسة وضع المعارضة المصرية بعد عام 2011، إذا جرت الاستفادة من محتوى هذا الكتاب.