عرض كتاب الماضي إلى آفاق المستقبل العلاقات التركية - الروسية: من إرث
المؤلّف: معمر فيصل الخولي. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.2014 عدد الصفحات: 120 صفحة.
لطالما اتسمت العلاقات التركية - الروسية تاريخيًّا بالتوتر والعداء؛ سواء كانت أسباب ذلك دينيةً، أو راجعةً إلى الحروب والصراعات على الجغرافيا. وظلت العلاقة بين هاتين الدولتين تتأرجح، لتخبوَ حينًا وتظهر إلى العلن في أحايين كثرة. وعلى الرغم من أنّ العامل الاقتصادي المتمثّل بمشاريع الطاقة والتجارة والاقتصاد ساهم بصورة أو بأخرى في إعطاء هذه العلاقة شيئًا من الاستقرار، فإنّ الهواجس الأمنية بقيت هي الحاضر الأقوى في رسم تلك العلاقة البينيّة إلى غاية انهيار الاتحاد السوفيتي بدايةً من تسعينيات القرن الماضي (عام 1991.) في ذلك الوقت دخلت العلاقات التركية - الروسية مرحلةً جديدةً عنوانها الانفتاح الاقتصادي والمصالح المشتركة. يحاول الباحث معمر فيصل الخولي في كتابه العلاقات التركية – الروسية: من إرث الماضي إلى آفاق المستقبل، تتبُّع تاريخ العلاقات التركية الروسية، من حيث تعرُّج هذه العلاقات بين الإمبراطوريتين، مفسرًا إلى حدّ كبر الواقع الراهن للخلافات التركيّة – الروسيّة في خلفيتيها الجغرافية والدينية. وتنبع أهمية الكتاب من أنه يتناول بالبحث المعمّق العلاقات التركية – الروسية في صعودها وهبوطها، وكذلك التقاطعات والافتراقات بين سياسات البلدين؛ ذلك أنّ العلاقات بين الدول لا تسر على خطٍّ مستقيم، وتطورها إيجابيًّا أو سلبيًّا يعتمد على طبيعة العلاقات الثنائية والتفاعلات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. يشتمل الكتاب على ثلاثة أقسام؛ يبحث القسم الأول منها في تأسيس الشراكة في العلاقات التركية – الروسية أثناء الفترة الممتدة ما بين عامي 2002 و 2004، ويبحث القسم الثاني في الشراكة المادية الملموسة ما بين عامي 2004 و 2008، وهي تتضمن العلاقات الدبلوماسية وقضايا ومواقف محلّ اتفاق، إضافةً إلى قضايا ومواقف محلّ خلاف في الفترة نفسها، والعلاقات الاقتصادية بينهما. أمّا في القسم الثالث من هذا الكتاب، فإنّ الباحث يسهب في الحديث عن تنوّع المصالح في الفترة الممتدة ما بين عامي 2008 و 2012، من الناحيتين الدبلوماسية والاقتصادية، وكذلك من حيث بحث الموقف الأمركي من التقارب التركي الروسي. وإنّ الفرضية التي يعالجها الكتاب هي وجود ترابط بين تطور العلاقات التركية الروسية على نحو إيجابي، ورغبة البلدين المشتركة في تطويق الخلافات التي تحدث نتيجة التطورات الإقليمية والدولية. وتشمل الفرضية متغرين رئيسين؛ أحدهما المتغر المستقل، وهو وصول حكومة العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا. أمّا المتغر الآخر، فهو التابع المتمثّل بالعلاقات التركية الروسية. وأمّا النطاق الزمني للدراسة، فهو ينحصر في المدة الواقعة بين 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، وهو تاريخ تسلُّم حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، ونهاية كانون الأول/ ديسمبر 2012، بوصفه الشهر الأخر من العام المكمّل لعقدٍ من الزمن على وصول ذلك الحزب إلى السلطة. ونظرًا إلى ما تمثّله الأزمة السورية من تناقض حادّ في موقف كلّ من تركيا وروسيا منها، فقد اضطرّ الباحث إلى توسيع النطاق الزمني حتى نيسان/ أبريل 2013، ولا سيما في مجال الانتقادات والتصريحات المتبادلة تجاهها. ويرى الباحث أنه ليس من المبالغة القول إنّ طبيعة العلاقات التركية الروسية يغلب عليها الطابع المميز لمسار العلاقات الدولية الذي يراوح بين التقارب والتباعد على مدار التاريخ، وإن رجحت كفة أحدهما على الآخر، ليصبح الطابع الغالب في مسار العلاقات بين الدولتين. فتارةً تكون الطبيعة التقاربية هي السمة الغالبة لهذه العلاقات، وتارةً أخرى تكون الطبيعة التصارعية هي السمة المميزة لها. لطالما اتسمت هذه العلاقات تاريخيًّا بالعداء، فقد اندلعت بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية حروب كثرة من جرّاء التباين الديني، وظلّ الروس يكنّون العداء للدولة العثمانية طوال خمسمئة سنة، ولم ينسوا أنّ العثمانيين دمروا الدولة البيزنطية غداة فتح القسطنطينية عام 1453، وهي العاصمة الأرثوذكسية ذات الأهمية في العالم كلّه. غر أنّ العلاقات بين الدولتين اتجهت إلى التحسن النسبي بين الحربين العالميتين الأولى والثانية بعد إطاحة البلاشفة دولة القياصرة عام 1917، وإطاحة أتاتورك دولة الخلافة العثمانية عام .1924 وعلى الرغم من العداء التاريخي الذي استمرّ قرونًا عدّة بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية، والتوتر السياسي بين وارثيهما الاتحاد السوفيتي والجمهورية التركية في مرحلة الحرب الباردة، فإنّ روسيا في ظلّ الرئيس فلاديمر بوتين، وتركيا في جواب رجب طيب أردوغان، تمكنتا إلى حدٍّ كبر من تحييد العداء والتوتر في علاقتهما الثنائية، واستطاعتا أن تتعاونا تعاونًا مثمرًا، فلم تعُد علاقات أنقرة بموسكو مبنيةً على جذور عميقة؛ ذلك أنّ المنظور التركي للدولة غر الصديقة روسيا السوفياتية قد تغيّ، كما أنّ موسكو لا تبدو مستعدةً لبدء العمل مع تركيا من منظور الدولة التجارية فحسب، بل من منظور الشريك الجيوسياسي في الحوار المشترك في غرب آسيا أيضًا. من أجل ذلك يعتقد الباحث أنّ ما يحكم مستقبل العلاقات بين البلدين هو التقارب والتعاون الإيجابي على الصعيد الاقتصادي. وهذا من شأنه أن يكون عاملً في ترميم العلاقات السلبية، في ما يتعلّق بالقضايا السياسية وتجسر الهوة بين رؤية البلدين، وهو ما قد يؤدِّي إلى بلورة القواسم المشتركة للأزمة وتسوية المشكلات بينهما.