مراجعة كتاب لورنس في جزيرة العرب:
حرب، وخداع، وحماقة إمبريالية، وصناعة الشرق الأوسط الحديث
المؤلف: سكت أندرسن.
Lawrence in Arabia: War, Deceit, Imperial Folly and the Making of the Modern Middle East العنوان الأصلي:
الناشر: دبلداي، نيويورك، الولايات المتحدة - ٣١٠٢. عدد الصفحات: 578 صفحةً.
يدلّ عنوان هذا الكتاب ويختصر إلى حد كبر المشاكل الكثرة التي تعترض طريق الباحث في المادة. وسيقول قائل: ألم يُكتب ما يكفي عن تلك المرحلة؟ هل نحن في حاجة إلى المزيد؟ وهل المزيد سيوضح ما هو واضح تمامًا في عنوان هذا الكتاب؟ فتاريخ المشرق العربي الحديث قائم على حروب وخداع ومؤامرات إمبريالية. في الواقع، يستخدم المؤلف هذه المفردات "الخشبية" في رأي بعض الكتاب والمثقفين الذين لا يزالون يؤمنون بمقولة "نهاية التاريخ" مع أنّ مطلقها تراجع عنها، والتطورات العالمية الحالية أثبتت، منذ هزيمة المعسكر الشيوعي، أنّ العالم لا يزال يمر بمرحلة انتقالية، وسيتَخطاها إلى ما بعد الرأسمالية، وربما بتأثر حرب عالمية جديدة أتوقع اندلاعها. على أي حال، ما يزيد من سحر هذا الكتاب أنّ المؤلف عمل، إضافةً إلى مهن أخرى، مراسلً حربيًا في لبنان وفلسطين المحتلة ومصر وإيرلندا الشمالية والشيشان والسودان والبوسنة والسلفادور وغرها. وهو، في الوقت ذاته، أديب ومؤلف روايات وكتب متخصصة. هاتان الخلفيتان أضفتا سحرًا خاصًا على أسلوبه السردي ما جعله مشوقًا إلى حد كبر. نرى أنّ هذا التشويق ليس مرتبطًا بالحقائق التاريخية المثبتة، فالمؤلف نفسه كتب في مؤلفه هذا "الحقيقة هي التي يكون الناس على استعداد لتصديقها." الحقيقة إذًا يمكن أن تكون مفصولة تمامًا عن الواقع؛ أي نتاج وعي زائف. إضافة إلى هذا، يؤكد الكاتب أنّ الحرب تدور بالكلمات والمفردات أيضًا. لا نعني هنا الحرب النفسية وإنما حرب المصطلحات؛ أي المصطلحات التي يستخدمها كل طرف في بياناته أو مقالاته، أو حتى في المدونات والمقالات وغرها. يذكرنا سكت أندرسن ببعض المصطلحات ذات العلاقة الواردة في كتابه، ويرى ضرورة لفت انتباه القارئ إليها. هي مصطلحات القارئ العادي أو لنقل القارئ اللانقدي، فقد يمر عليها من دون إعارتها الأهمية اللازمة. من هذا على سبيل المثال، الاستخدام المتبادل بين الاسمين إسطنبول والقسطنطينية مع أنّ كليهما يوناني. كان المعسكر المعادي للعثمانيين يوظف اسم القسطنطينية، بينما كان "الأتراك" يوظفون الاسم الأول. وقد وضعنا مفردة الأتراك بين مزدوجين لأنه التعريف الذي استخدمه الحلفاء في الحرب. ويعر المؤلف هذا التعريف وغره أهمية مطلقةً لأنه وضع شروحه لها في تنويه خاص. الأتراك، كتب المؤلف، اسم استخدمه الحلفاء قصديًا لتأكيد تميّز المحتلين عن الشعوب (غر التركية) التي كانوا يحكمونها، عربًا كانوا أو غرهم. الأمر يتعلق أيضًا بتسمية بلاد الشام التي كانت تعرف باسم سورية، لكنّ أدبيات قوات الحلفاء جعلت منها سورية وشرق الأردن ولبنان وغرها؛ أي التقسيمات التوراتية واللاهوتية وفق الفهم السائد. من الأمور اللافتة أنّ ألمانيا القيصرية كانت توظف مصطلح الحلفاء أيضًا، في نظرة مركزية-أوروبية للأمور، فاسم العثمانيين كان مستخدمًا لدى الطرف المعادي للحلفاء باستثناء الألمان. هذا أيضًا لاحظه الكاتب وشدد عليه. في الوقت ذاته، وقع الكاتب في الانحياز ذاته عندما قرر استخدام مفردات لاهوتية للدلالة على أجزاء من فلسطين. فمن الواضح أنّ فلسطين لم تشكّل في منظوره بلادًا يسكنها شعبها منذ عشرات القرون؛ بل أرض التوراة التي توقف الزمن فيها عند أساطر وخرافات تعود إلى الألفية الأولى قبل التاريخ السائد. ويشر مرات عديدة إلى فلسطين باسم إسرائيل! ويطلق على جبال الخليل الشرقية مصطلح جبال يهوذا! تواجه بعض هذه التعقيدات التفصيلية المهمة قارئ تاريخ المشرق العربي المعاصر. لكن ثمة تعقيدات أخرى نعثر عليها في هذا الكتاب المخصص للحديث عن عالم الآثار الإنكليزي توماس إدوارد لورنس، المعروف في الأدب العربي باسم لورنس العرب، ودوره في جبهة القتال في المشرق العربي ضمن ما يسمى اعتباطًا "الثورة العربية الكبرى"؛ إذ نعثر في تفاصيل هذا الكتاب على كثر من الحقائق التي تؤكد وصفنا "اعتباطًا." فالكاتب يتتبع عبر ثمانية عشر فصلً نشاط لورنس في المنطقة وعلاقاته بالاستخبارات البريطانية والقادة السياسيين والعسكريين الإنكليز وبعض العشائر البدوية واستخدامها لتحسين وضع القوات البريطانية التي كانت تحارب العثمانيين في الحجاز وبلاد الشام. يحوي الكتاب حقائق كثرة، وفي الوقت نفسه لا بد من أنه يحوي الكثر من التضليل. ولا ندعي أنّ الكاتب وضعها قصديًا، لكنّ الحقائق الكاملة قد لا تعرف تمامًا إلا عند الكشف عن جميع الوثائق ذات العلاقة. ولأنّ المشرق العربي لا يزال ملتهبًا، فإنّ القوى ذات العلاقة قررت عدم الإفراج عن كثر من أوراقها الرسمية عن المنطقة والمرحلة، لأنّ ذلك يكشف مدى التواطؤ الذي تم ضد شعوبنا العربية. ومع ذلك، يحوي الكتاب إشارات عابرة، ربما قصد الكاتب أن تكون كذلك، ومنها على سبيل المثال أنّ الملحق العسكري الأمركي في المنطقة ذا الصلة الوثيقة بالاستخبارات العسكرية الأمركية كان في الوقت نفسه مندوبًا لشركة نفط أمركية. وثمة أمر آخر مهم أشار إليه الكاتب بين السطور وهو ردة فعل فيصل بن الحسين بن علي على فرض نظام الانتداب وإجباره على قبول خضوعه لسلطة مندوب سامي فرنسي، إن قال: لقد تنازلنا لكم عن فلسطين مقابل منحنا سورية كاملة (ص. 481) هذا ما يؤكد ما نكرره دومًا أنّ الحركة الصهيونية ما كانت لتتمكن من فلسطين من دون تواطؤ عربي مع الخطط الإمبريالية الغربية، ومن ثم، كانت ما تسمى حرب فلسطين تمويهًا وتضليلً؛ لأنها كانت حرب تقاسم فلسطين بين أنظمة سايكس بيكو. من الأمور الأخرى التي يشر إليها الكاتب، والتي لم نعثر عليها في كتب أخرى عن تلك المرحلة اندلاع صراع حاد وعلني بين الحسين بن علي من جهة وأبنائه من جهة أخرى، وفي مقدمتهم فيصل على نحو خاص. على أي حال، يعد هذا الكتاب مهمً لأنه يفصّل القول في أمور كثرة ذات علاقة بلورنس الذي يريد بعض العرب تصويره على أنه صديق لنا وأنه وحلفاءه من ذوي العون قد خدعهم الإنكليز. يؤكد المؤلف أنّ لورنس كان صديقًا حميمً للصهاينة ومتبنيًا لمشروع اغتصاب فلسطين، بل إنه هو من رتب اللقاء بين فيصل بن الحسين وحاييم وايزمان إبان مؤتمر الصلح في باريس الذي ولد تحالفًا بين الطرفين (ص
ومن الأمور الأخرى التي لم نقرأ عنها من قبل التقارب بين جمال باشا من جهة وذوي عون من جهة أخرى، ومحاولات تشكيل جبهة بديلة عن علاقة الأخرين مع بريطانيا. على أي حال، تفاصيل الكتاب كثرة، ومهمة في آن معًا، وقد تمكن الكاتب من وضعها في قالب متواز ينظر إلى الأحداث بشمولية قارئ التاريخ، وكاتبه أيضًا.