ندوة الأزمة الأوكرانية: أسبابها ومآلاتها وانعكاساتها على المنطقة العربية
الملخّص
علمية بعنوان "الأزمة الأوكرانية عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ندوة: أسبابها ومآلاتها وانعكاساتها على المنطقة العربية"، بتاريخ 2 حزيران/ يونيو 2014، في النادي الدبلوماسي - الدوحة، بقاعة الروشنة
جيوبولتيك الأزمة الأوكرانية
المداخلة الأولى في هذه الندوة كانت للدكتور مروان قبلان، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعنوان "جيوبولتيك الأزمة الأوكرانية وحتمية الصدام الروسي – الغربي." وقد أشار في بدايتها إلى أنّ أوكرانيا التي يعني اسمها حرفيًّا "الحافة أو الطرف"؛ أي البلد الذي يقع على حافة الدول الأخرى أو طرفها، طالما كانت محلّ تنافس بين جران أقوياء، وهي لذلك كان يجري ضمُّها إلى هذه الدولة أو تلك، أو تقسيمها في أحيان أخرى بين المتنافسين.
ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت أوكرانيا مقسمةً بين روسيا، وبولندا، والدولة العثمانية. وفي القرن التاسع عشر كانت مقسمةً بين روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية، وفي القرن العشرين كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي، ولذلك تُعَدّ الأزمة الراهنة امتدادًا لصراع تاريخي على أوكرانيا التي لم تظهر بوصفها دولةً مستقلةً كاملة السيادة إلا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي قبل عقدين تقريبًا. وفي الوقت الذي يبدو فيه الصراع انقسامًا داخليًا متعلّقًا بهوية الدولة ومستقبلها، فإنه يأخذ نتيجةً لموقع أوكرانيا الجيوبولتيكي المهمّ، أبعادًا دوليةً مرتبطةً بمصالح ذات طبيعة جيو - إستراتيجية وجيو - طاقوية. وبيّ قبلان أنّ أوكرانيا طالما شكّلت عقدةً جيوسياسيةً وأمنيةً بالنسبة إلى روسيا التي تفتقر إلى مصدَّات طبيعية تؤمِّن لها الحماية من الغزو الخارجي؛ كالجبال، والبحار، والأنهار. وقد شكّلت أوكرانيا مرّتين على الأقل "المعبر" الذي تعرضت من خلاله روسيا للغزو من شبه القارة الأوروبية؛ ولذلك حرصت موسكو بعد الغزو الألماني في الحرب العالمية الثانية على إنشاء منطقة عازلة تمتد إلى وسط أوروبا، لحماية نفسها ومنْع تكرار محاولات غزوها من الغرب. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، ازدادت أهمية أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا. فقد تراجعت حدود روسيا الغربية لأوّل مرة منذ القرن السابع عشر من وسط ألمانيا إلى حدودها مع روسيا البيضاء، فضلً عن أنّ أوكرانيا تتحكم في منافذ روسيا على البحر الأسود، ومنه إلى المتوسط، وفيها قيادة الأسطول الروسي (في سيفاستوبول.) وذكّر قبلان بقول بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى "لا يمكن لروسيا من دون أوكرانيا أن تعود دولةً عظمى، بل تتحول إلى دولة آسيوية فقط." وانطلاقًا ممّ سبق، تعتقد روسيا أنّه ثمّة محاولات مستمرة لا تهدف إلى احتوائها فحسب، بل إلى تفكيك الاتحاد الروسي نفسه أيضًا، بعد أن جرى ضمّ جميع دول أوروبا الشرقية والبلطيق إلى حلف الناتو، أو الاتحاد الأوروبي، أو إليهما معًا. وقد جاءت نقطة التحوُّل التي أيقظت روسيا على ما تَعُدُّه محاولات من جهة الغرب لتطويقها، تمهيدًا لتفكيكها مع اندلاع الثورة المخملية في جورجيا عام 2003، والبرتقالية في أوكرانيا 2004 - 2005. ومنذ ذلك الوقت بدأ الرئيس الروسي فلاديمر بوتين بمحاولات وقْف تآكل الخاصرة الرخوة لروسيا، مستفيدًا من الانشغال الأمركي بالعالم الإسلامي. وقد كانت نقطة البداية في خطاب منتدى ميونيخ للأمن في شباط/ فبراير 2007؛ إذ هاجم بوتين خطط بناء الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك، ومحاولات ضمّ أوكرانيا وجورجيا إلى الناتو، لتأتيَ الحرب في جورجيا في آب/ أغسطس 2008 ترجمةً عمليةً لهذا الخطاب.
أمّا أوكرانيا فقد استعادها بوتين عبر حلفائه في حزب المناطق في انتخابات عام 2010، وقامت الحكومة الجديدة المتحالفة مع روسيا بزجِّ جميع خصوم روسيا في السجون. كما أشار قبلان إلى البعد الجيو – طاقوي للأزمة ومحاولات روسيا إنشاء تفاهم إستراتيجي مع ألمانيا، من خلال معادلة الطاقة مقابل التكنولوجيا، وإلى أنّ روسيا سعت لزيادة اعتماد أوروبا عليها من حيث تأمين إمدادات الطاقة، وحاولت استخدام الغاز أداةَ ضغطٍ سياسيٍّ لتحقيق مصالحها في القارة. وقد أدّت الأزمة الأوكرانية الأخرة إلى قيام الطرفين بإعادة النظر في العلاقات الطاقوية بينهما؛ إذ بدأت أوروبا في البحث عن
مصادر بديلة للغاز الروسي الذي يشكل نحو %35 من حاجاتها، في حين بدأت روسيا في البحث عن أسواق جديدة في آسيا والشرق الأقصى، وهو الأمر المنذر بتحولات عميقة على مستوى العلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية.
أمّا بشأن الموقف الأمركي، فقد رأى قبلان أنّ روسيا تشكِّل التحدي الأكبر للولايات المتحدة الأمركية في القارة الأوروبية، وذكَّر بأنّ واشنطن خاضت ثلاثة حروب في قرن واحد لمنع هيمنة أيِّ قوى كبرى على أوراسيا، وأنّ محاولات أمركا لم تقتصر على احتواء روسيا، بل كانت تهدف إلى تفكيكها أيضًا، ومنع أيّ إمكانية للتقارب بين روسيا وأوروبا (بخاصة ألمانيا.) وفي ما يتعلّق بالتطورات الراهنة، رأى قبلان أنّ الولايات المتحدة رحّبت، في حقيقة الأمر، بضمّ روسيا إلى القرم؛ لأنه أفزع أوروبا وشدّها من جديد إلى الحلف الأمركي، كما أنّ واشنطن استخلصت أوكرانيا من بوتين وإن تركت له القرم.
الرؤية الروسية
قدّم الدكتور منذر حلوم، مراسل صحيفة العربي الجديد في موسكو، مداخلةً بعنوان "الأزمة الأوكرانية: الرؤية الروسية"، حاول خلالها تقديم مقاربة للسياسية الروسية في أوكرانيا، ومرتكزات "افتراضية" تقوم عليها هذه المقاربة الرسمية، وهي: روسيا تحمي حدودها، وفيدراليتها من التفكُّك، ولا تسعى للتوسع، على خلاف الغرب ممثلً بالناتو الذي يقوم بتوسيع حلفه نحو روسيا، وينشر الدرع الصاروخية على حدودها. ما قامت به روسيا في أوكرانيا، بما في ذلك ضمّ القرم، جاء ردَّة فعلٍ، ولم يكن فعلً مبيَّتًا، فقد حاولت موسكو حلّ أزمة الانقسام الأوكراني، الشعبي والرسمي، بوسائل مختلفة تحمي السكان الروس ولم تلقَ استجابةً. عدم الاستجابة الغربية للمقترحات الروسية، واستمرار دعم من تسمِّيهم موسكو النازيين تارةً، والفاشيين في أوكرانيا تارةً أخرى، أدَّيا إلى تفاقم الأزمة، ورأى فيه الروس استهدافًا لروسيا. حق الناطقين بالروسية في أوكرانيا في ممارسة لغتهم وثقافتهم وتعزيز علاقتهم بروسيا الأم، وحساسية هذه المسألة في ظلّ انقسام البلاد إلى شرقية وغربية، إثنيًّا، وثقافيًّا، ومذهبيًّا، وسياسيًّا، إلى ما يجعل أوكرانيا أوكرانيَّتين، على أنّه يصعب على الذاكرة الروسية تجاهل قتال غرب أوكرانيا في خندق واحد مع هتلر ضدّ الروس السوفيات. محاولات الأطلسي التوسع في فضاء الاتحاد السوفياتي السَّابق، تجعل أوكرانيا المقبولة بالنسبة إلى روسيا، هي أوكرانيا الحيادية، والأفضل من ذلك أن تكون صديقةً، ولكن ينبغي ألَّ تكون عضوًا في الناتو بأيّ حال من الأحوال. ازدواجية المعاير التي تسمح بتأويل مواد القانون الدولي وفق ما يناسب المنتصر، واستثمار الغرب لذلك، وإعطاء الأرضية الأخلاقية والقانونية لاستغلال روسيا حين يمس الأمر مباشرةً مصالحها الحيوية. حدوث تغر جوهري في السياسة الروسية الخارجية؛ فبحسب قول الرئيس الروسي فلاديمر بوتين "بعد أن تعبت روسيا لم يعُد الغرب ينظر إليها بوصفها شريكًا مساويًا له في الحقوق." أحقية روسيا التاريخية أن يكون القرم لها، وعدم شرعية ضمّ خروتشوف له إلى أوكرانيا؛ ومن ثمة شرعية استعادته، بعد تصويت سكانه على خيار العودة إلى روسيا الأم. الشعبي الرسمي، وتجانس النخبة مع التجانس -القيادة في روسيا، في ما يخص القرم بالدرجة الأولى، والاحتفالات والانفعالات غر المسبوقة التي واكبت توقيع اتفاقية الضم. أهمية الناخب الروسي وصندوق الاقتراع. فروسيا الحالية يمكن لصندوق الاقتراع فيها إسقاط السياسات التي لا تلقى قبولً شعبيًّا، وإسقاط السياسيين الذين يتبنونها. ويلُاحظ في هذا السِّياق الارتفاع الكبر في شعبية الرئيس بوتين؛ على خلفية الحزْم والمهارة الإجرائية في مسألة القرم. فقد بلغت شعبيته، مع ضمّ القرم، ذروةً جديدة %82.3()، بحسب الاستطلاع الذي أجراه المركز الروسي لدراسة الرأي العامّ (فتسيوم)، وهي أعلى شعبية يحظى بها خلال 6 سنوات.
اعتماد مبدأ جديد يتمثّل بمقولة (مواطنونا - مصالحنا)، والدفاع عنهم وعن حقوقهم بجميع الوسائل المتاحة أينما كانوا.
وتطرق حلوم إلى موقف النُّخب السياسية في روسيا تجاه الأزمة الأوكرانية، ورأى أنه يوجد "توافق" بشأن هذه المسألة بين النخبة والقيادة. فأغلبيّة الآراء المنشورة في موقع "روسيا ما وراء العناوين" متَّفقة مع الرأي الرسمي المذكور سابقًا. وأورد حلوم آراء كثرٍ من السياسيين والمفكرين الروس تجاه مجريات الأحداث في أوكرانيا؛ ومن أبرزهم فيودور لوكيانوف، مدير مجلة روسيا في السياسة العالمية، وهو يرى أنّ خطاب بوتين الذي ألقاه في حفل توقيع اتفاقية ضمّ القرم لا يدور على استعادة الاتحاد السوفياتي، بل على التخلي عن رؤية ما جرى بوصفه عمليةً محتومةً ناجزةً. فموسكو الآن تَعُدُّ هذه العملية غر منتهية، وتعتزم تصحيح نتائجها المرحلية، وذلك لا يعني بالضرورة إعادة النظر في الحدود. أمّا القرم فهو حالة فريدة من نوعها أكثر من كونه حالةً نموذجيةً، والأهم أنها "إعادة تقييم أخلاقية وسياسية." ففي هذا المستوى يجري الحديث عن عتبة لا تقبل روسيا بتجاوز الغرب لها؛ ذلك أنّ سيفاستوبول قلعة حربية روسية قيصرية تاريخية، والقرم روسيٌّ، ولا مكان للناتو في أوكرانيا. وتحدث حلوم عن المقارنات التي تستحضرها النخبة الروسية من حادثة القرم، ومن أبرزها حالة كوسوفو. ففي أذهان الروس، تصبُّ مقارنة حالة القرم بكوسوفو في مصلحة ضمّ القرم إلى روسيا، أو استعادته كما يقولون. فالرأي السائد في روسيا، المستند إلى معطيات تاريخية، يقول إنّ الروس يعيشون في القرم منذ عدّة قرون، في حين جرى نقل الألبان إلى كوسوفو بصورة جماعية، وإنّ أيّ تطهر عرقي لم يجرِ في القرم، بخلاف كوسوفو، وإنّ عتاة النازيين باتوا يحكمون أوكرانيا؛ ومن هذا المنطلق، لماذا يحقّ لأوروبا والولايات المتحدة الدفاع عن سكان كوسوفو الغرباء عنهم، ولا يحق لروسيا حماية الروس؟ كما تحدّث حلوم عن سياسة روسية جديدة ترفع عنوان "مواطنونا" و"مصالحنا"، في إشارة إلى معاناة الروس نتيجة تفكُّك الاتحاد السوفياتي. وقد جاء ذلك واضحًا على لسان الرئيس فلاديمر بوتين عندما أعلن، في خطابة أثناء حفل توقيع اتفاقية انضمام القرم إلى روسيا، أنّ" ملايين الروس أخلدوا إلى النوم في بلد واحد، ولكنهم استيقظوا خارج الحدود، لقد أصبح الشعب الروسي من أكبر شعوب العالم، إذا لم نَقُلْ أكبر شعب مقسّم في العالم." ولا يخفى ما تعرَّض له الروس من إهانات وشعور بالضعف بعد القوة في عهد يلتسين، وقد عرف بوتين كيف يستثمر حاجة الروس إلى الشعور بالقوة والعزة القومية من جديد.
موقف الناتو
المداخلة الثالثة في هذه الندوة، كانت للدكتور إبراهيم اسعيدي، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة قطر، وهي بعنوان "حلف الناتو وتحدي الأزمة الأوكرانية." وقد انطلق اسعيدي من أنّ الحلف الأطلسي – اختصارًا للناتو - يُعَدّ من أهمّ الفاعلين الدوليين المعنيين بالأزمة السياسية الأوكرانية على نحوٍ مباشر، وذلك لسببين أساسيين؛ أولهما متمثّل بأنّ الأزمة الأوكرانية طرحت على السطح بطريقة جليّة عُمق الخلافات القائمة بين روسيا والناتو في ما يتعلق بسياسة التوسيع، أو ما يسمى "سياسة الباب المفتوح" التي ينتهجها تجاه جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي. أمّا السبب الآخر فهو متمثّل بحظوة أوكرانيا في علاقاتها بالناتو، منذ عام 1994، بوضعية الشريك الإستراتيجي؛ ما يجعلها مؤهلةً، بدايةً من عام 2008، لتصبح عضوًا كامل العضوية داخل الحلف وتستفيد، تبعًا لذلك، من مقتضيات الدفاع الجماعي التي ينص عليها الفصل الخامس من معاهدة واشنطن عام 1949 المؤسسة لهذا الحلف. بناءً على هذين السببين، فرضت الأزمة الأوكرانية على الحلف الأطلسي إعادة التفكر في ما يجب القيام به في حالة وجود أزمة خطِرة مع روسيا يتطلب تدبرها أسلوبًا جديدًا لا يقوم على العودة إلى منطق الحرب الباردة المتمثِّل بمنطق التوازن الإستراتيجي، وسياسة الردع. كما أنها طرحت تحدِّيًا للناتو بشأن قدرته على طمأنة شركائه في
أوروبا الشرقية في ما يتعلق باحتمال حدوث تهديدات روسية مماثلة ضدّ حدودها.
وأشار اسعيدي إلى أنّ الأزمة الأوكرانية تحظى بخصوصية معينة في تاريخ تدبر أزمات ما بعد الحرب الباردة ونزاعاتها في سياسة الحلف الأطلسي. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي دخل الحلف في متاهات البحث عن هوية جديدة تبرر سبب وجوده؛ لأنّ أيّ حلفٍ عسكري يُفترض أن يختفيَ باختفاء العدو التقليدي الذي أ سِّس من أجله. لكنّ الحلف الأطلسي راجع عقيدته العسكرية والسياسة، ليتبنى مفهومًا إستراتيجيًّا جديدًا يقوم على أساسٍ مُفاده أنّ الحلف إن كان لا يواجه – على الأقل في المنظور القريب – تهديدًا عسكريًّا مباشرًا، فإنه – على العكس من ذلك - يواجه تهديداتٍ أمنيةً غر عسكرية لها تأثر مباشر في مصالحه وأمن أعضائه؛ وهو ما دفعه إلى أن يشهد تحوّلً وظيفيًّا من حلفٍ يرعى الحدود وفق نظام محدَّد للدفاع المشترك، إلى حلفٍ ينظر خارج الحدود الجغرافية لأعضائه. وبيّ اسعيدي أنّ الحلف الأطلسي، بعد هذه الأزمة التي يمكن عدُّها أزمة هوية، واجه تحدي أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، بوصفها اعتداءً مباشرًا على أحد أعضائه؛ إذ قام بتفعيل الفصل الخامس من معاهدة واشنطن الذي ينص على مبدأ التضامن الجماعي في حال تعرُّض أحد أعضاء الحلف لاعتداء أو تهديد يمسّ بأمنه، أو سيادته، أو وحدته الترابية. ومنذ ذلك التاريخ ساهم الحلف الأطلسي في تدبر عدد من النزاعات الإقليمية، وساهم في كثر من عمليات حفظ السلام مساهمةً تُثبت امتلاكه لمقومات القوة العسكرية، وأهميته في بناء السلام على المستوى الإقليمي والدولي. وختم اسعيدي قوله بأنّ الأزمة الأوكرانية ستُشكِّل اختبارًا جديًّا للحلف الأطلسي وطريقة تعامله مع الأزمة الحساسة على الصعيد الدولي.
انعكاسات الأزمة عربيًّا
قدّم الباحث حواس تقية في مركز الجزيرة للدراسات مداخلةً بعنوان "تداعيات الأزمة الأوكرانية على العالم العربي"، وفيها قال إنّ أحداث العالم العربي وأزمة أوكرانيا ساهمت في ترسيخ اتجاه دولي سيؤدّي إلى التأثر في كليهما تأثرًا كبرًا؛ وهذا الاتجاه هو تراجع النفوذ الأمركي في العالم. وأشار تقية إلى أنّ الرئيس الروسي فلاديمر بوتين ما كان ليضم القرم لولا أنه رأى حدود قوَّة أمركا والغرب في العراق وسورية، فاستنتج أنّ الوقت ملائم لتستعيد روسيا سيطرتها على مناطق بجوارها تعتقد أنها حيوية. وإنّ الأزمة الأوكرانية، في رأي تقية، قد أعادت ترتيب أولويات الاهتمام الدولي؛ فمن قبل كان التركيز على قضايا المنطقة العربية، لكنه الآن بات منصبًّا على أمن أوروبا، وكيفية إعادة صَوْغ العلاقة بين روسيا والغرب بعد أن قضت الأزمة الأوكرانية على عدد من الثوابت التي قامت عليها تفاهمات الطرفين في عقب انهيار الاتحاد السوفياتي. ووفقًا لحواس تقية، فإنّ أوروبا عند كلّ من روسيا وأمركا أكثر أهميةً من المنطقة العربية، سواء من حيث التداعيات الأمنية أو الاقتصادية، وهذا التغير في الأولويات سيجعل الموارد المخصصة لنزاعات منطقة الشرق الأوسط أقلّ ممّ كانت عليه، وسيجعل هامش مناورة القوى الإقليمية أكبر أيضًا. وفي ما يتعلّق بالارتباط بين الأزمة الأوكرانية والأزمات في العالم العربي، ذكَر تقية أنّ الأزمة الأوكرانية أبرزت ثلاثة اتجاهات تؤثِّر في العالم العربي وفي باقي دول العالم؛ وهي تراجع القوة الأمركية، والصراع بين الموجة التسلطية والموجة الديمقراطية، وإعادة ترتيبات الأولويات في النظام الدولي، وهذه الاتجاهات تؤثّر في الفرص والمخاطر بالنسبة إلى مختلف القوى بالعالم العربي، وتؤثر في أدوات مختلفة في دوله، لكنها تصبغ العالم العربي، في النهاية، بملامح تغلب على قسماته المستقبلية. فالسعوديّة استفادت من الاندفاع الروسي في مواجهة الثورة الأوكرانية في ترسيخ نظرتها تجاه الثورات العربية، كما أنّ التراجع الأمركي سيشجعها على ابتداع سياسة خارجية أقلّ اعتمادًا على الولايات المتحدة. علاوةً على ذلك يرى الباحث أنّ الصعود الروسي يخدم أحد أهداف الإستراتيجية السعودية في المنطقة العربية، فالبلدان يتفقان على منْع الحركات الإسلامية المماثلة للإخوان المسلمين من الوصول للحكم، ولكنهما يختلفان في الأسباب. ثمّ إنّ تداعيات الأزمة الأوكرانية ستؤثِّر في السعودية بشأن الملف الإيراني، بالنظر إلى أنّ الضمانات والتعهدات التي ظلّ الغرب يقدِّمها، أُثبت عدم فاعليتها، وعدم اندفاع الدول الغربية لالتزامها، كما جرى في أوكرانيا. وهذا ما قد يشجع السعودية على امتلاك قوَّة نووية لكبح المشروع النووي الإيراني والحد من نفوذه في المنطقة، وفي هذا الصدد يرجّح الباحث قيام السعودية بإحياء تعاونها مع باكستان.
ويوضح تقية خلال مداخلته كيفية استفادة قادة الانقلاب في مصر من الأزمة الأوكرانية، والصراع الأمركي الروسي لتوسيع هامش مناورتهم؛ ذلك أنهم انتهزوا حاجة روسيا إلى حلفاء في منطقة الشرق الأوسط ولوّحوا بالابتعاد عن الولايات المتحدة إن لم تعترفْ بالانقلاب وتوقفِ العقوبات التي شرعت فيها. وفي السياق نفسه زار قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي روسيا، وشجعه بوتين على الترشح للانتخابات الرئاسية، واتفق البلدان على صفقة سلاح بأكثر من مليونيْ دولار مولتها المملكة العربية السعودية.
ويرى حواس أنّ الأزمة الأوكرانية تفيد النظام الجديد في مصر من جهة تخلِّ الولايات المتحدة وأوروبا عن مطالبة مصر بتحقيق الديمقراطية، مقابل بقاء مصر في الفلك الغربي. لكنّ الباحث أشار إلى أنّ مصر تفتقد القدرات الضرورية لنجاح هذه الإستراتيجية، وإلى أنّ الأزمة الأوكرانية جعلت القضية الفلسطينية تتراجع في الأجندة السياسية الأمركية، مرجِّحًا رسوخ هذا الاتجاه مستقبلً، وهو ما سيصيب القوى الإسرائيلية الليبرالية بالضعف أمام صعود القوى اليمينية التي ينتمي قطاع كبر منها إلى روسيا، والتي تشارك بوتين إيمانه بالقوة وضمّ أراضي الغر بالقوة. أمّا في ما يتعلّق بسورية، فقد ذكر تقية أنّ الأزمة الأوكرانية ساهمت في القضاء على اتفاق جنيف لتسوية الأزمة السورية؛ لأنها جعلت بوتين يخفف ضغوطه على بشار الأسد، ويشجعه على الترشح للانتخابات الرئاسية؛ ما أدّى إلى القضاء على مصداقية اتفاق جنيف. وبيّ الباحث إشكالية الموضوع السوري بالنسبة إلى بوتين؛ فروسيا لا تمتلك الموارد الكافية لخوض الصراع على عدّة جبهات، وهي مضطرة إلى إعطاء الأولوية للجبهة الأوكرانية، لأنها ترتبط بأمنها الحيوي. وبناءً على ذلك، ستملأ إيران الفراغ الناتج من ذلك في سورية، من خلال الاستعانة بالمليشيات الطائفية؛ فيتفاقم الصراع المذهبي بمنطقة الشرق الأوسط، وتتحول المنطقة إلى مركز جذب للمتشددين على غرار القاعدة.