الحرب الإسرائيلية على غزة

محمود محارب

الملخّص

تعالج هذه الدراسة الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في فجر الثامن من تموز/ يوليو 2014، والتي استمرت خمسين يوما، وارتكب الجيش الإسرائيلي خلالها سلسلة من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين الفلسطينيين، وأوقعت نحو 2150 شهيدًا و 10870 جريحًا، ودمرت آلاف البيوت، وشرّدت نحو 400 ألف فلسطيني من منازلهم. وتقف الدراسة باقتضاب على خلفية العدوان وأهدافه المعلنة وغير المعلنة، والوسائل التي اتبعتها إسرائيل لتحقيق هذه الأهداف المستندة أساسً ا إلى ارتكاب المجازر المتتالية بحق المدنيين الفلسطينيين. وتستعرض عملية صنع القرارات في لجنة الوزراء لشؤون الأمن "الكابينت الأمني" الإسرائيلي، والنقاشات والخلافات التي دارت فيه بشأن أهداف الحرب ووسائل تحقيقها، ثم تلقي الضوء على خشية إسرائيل من تشكيل لجنة التحقيق الدولية، وعلى الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية من جراء الحرب، ثم تعالج تأثير الحرب في مستقبل بنيامين نتنياهو في الخارطة الحزبية في إسرائيل.

خلفية العدوان

شنت إسرائيل في فجر الثامن من تموز/ يوليو 2014 عدوانًا واسع النطاق على قطاع غزة، هو الأكثر شراسة ودموية والأطول زمنًا والأكثر خسائر في الأرواح والممتلكات، في سلسلة الحروب التي أعلنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ تأسيسها وحتى اليوم. وهذا العدوان هو الثالث واسع النطاق الذي تشنه إسرائيل على قطاع غزة في الأعوام الستة الماضية، وهو التاسع ضد قطاع غزة منذ عام 2002. كما جاء هذا العدوان استمرارًا وتصعيدًا للعدوان الذي شنته قوات الاحتلال الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة بعد عملية الخليل التي أودت بحياة ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في 12 حزيران/ يونيو.2014 لقد جاءت عملية الخليل بعد فترة وجيزة من الإعلان عن وقف المفاوضات الثنائية المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وعقد المصالحة بين فتح وحماس، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، وازدياد عزلة إسرائيل على الصعيد الدولي. وقد استغلت إسرائيل عملية الخليل لتحقيق أهداف سياسية ليست ذات صلة بهذه العملية، وإنما لتوجيه ضربة مؤلمة لحماس وفصائل المقاومة الأخرى، في البداية في الضفة الغربية ثم في قطاع غزة، ولإنهاء اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، ونزع الشرعية الدولية عن حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية لتفكيكها في أسرع وقت. وفي هذا السياق، حمّلت إسرائيل كلً من حماس والسلطة الفلسطينية المسؤولية عن العملية، وفرضت عقوبات جماعية على الفلسطينيين في الضفة الغربية، ونكلت بهم ولا سيما في منطقة الخليل، واعتقلت أكثر من ألف فلسطيني، كانت أغلبيتهم من قادة حماس وناشطيها، بما في ذلك جميع أسرى حماس الذين أطلق سراحهم في صفقة التبادل مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وشرعت في اتخاذ إجراءات قانونية شكلية لإعادة هؤلاء الأسرى إلى السجن لقضاء الأحكام المؤبدة التي كانت صدرت بحقهم. وفي الوقت نفسه، استمرت الحكومة الإسرائيلية في تحميل حركة حماس المسؤولية عن عملية الخليل وفي توجيه التهديدات إليها، مرفقة باعتداءات جوية متكررة على قطاع غزة، بهدف إرهاب حركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة وإرغامها على قبول خرق إسرائيل لكل من "صفقة شاليط" واتفاق التهدئة الذي جرى التوصل إليه بوساطة مصرية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 في أعقاب العدوان الإسرائيلي على غزة. أمّا حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة فطالبت إسرائيل بالتزام هاتين الاتفاقيتين وفك الحصار عن قطاع غزة، وحرصت في الوقت نفسه على عدم التصعيد والرد على الاعتداءات الإسرائيلية الجوية المتكررة بوتيرة منخفضة. بيد أنّ إسرائيل سرعان ما صعدت من عدوانيتها ورفضت الوساطات التي دعت إلى التهدئة وشنت عدوانًا مبيتًا على قطاع غزة. وقد ساهمت مجموعة من العوامل المحلية والإقليمية والدولية في شن إسرائيل عدوانها على قطاع غزة، وأهمها: التنافس في العدوانية بين قيادات الأحزاب الإسرائيلية، ولا سيما قيادات أحزاب الائتلاف الحكومي التي انبرت تزايد في ما بينها، في الضغط بشدة لشن عدوان على قطاع غزة. عدم وجود ميزان قوى عسكري بين إسرائيل والمقاومة في قطاع غزة، ورجحانه بشكل كبير للغاية لمصلحة إسرائيل. اعتقاد قادة إسرائيل أنّ انشغال الدول العربية بأوضاعها وصراعاتها الداخلية وفي تناقضاتها البينية، وفقدان قادة هذه الدول في الوقت الحاضر الإرادة السياسية للتصدي للعدوانية الإسرائيلية، يمنح إسرائيل فرصة لشن العدوان على غزة من دون أن يكون هناك تصدٍ لها من أغلبية الدول العربية ولو في حده الأدنى. مناصبة العديد من الأنظمة العربية العداء لحركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة، وتواطؤ بعضها مع إسرائيل ضد حماس عشية العدوان وأثناءه، كما أكد المسؤولون الإسرائيليون ووسائل الإعلام الإسرائيلية ذلك مرارًا وتكرارًا. اعتقاد قادة إسرائيل الراسخ أنّ محور إيران وحزب الله والنظام السوري لن يحرك ساكنًا ضد إسرائيل، ولن يمد العون الفعلي للمقاومة في غزة أثناء العدوان، ولن يفتح أو يسمح بفتح جبهة ضد إسرائيل من الجنوب اللبناني. فقدان المجتمع الدولي والإدارة الأميركية الإرادة السياسية للجم عدوان إسرائيل.

صمود المقاومة وإنجازاتها

وقبل التطرق إلى أهداف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ووسائل تحقيقها، والصراعات الداخلية في الائتلاف الحكومي بهذا الشأن، من المهم الإشارة باختصار شديد إلى صمود فصائل المقاومة والشعب الفلسطيني في قطاع غزة في هذه الحرب وإلى الإنجازات التي حققتها.

لقد كانت هذه الحرب أطول حرب تخوضها حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة وأهمها منذ تأسيس حماس وحتى اليوم. وعلى الرغم من رجحان ميزان القوى العسكري بشكل واضح لمصلحة إسرائيل، وسلسلة المجازر المتتالية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، والمعاناة الشديدة التي كانت فوق طاقة تحمل البشر، فقد حقق صمود المقاومة الفلسطينية الباسلة في قطاع غزة جملة من الإنجازات المهمة، كان أبرزها: خاضت المقاومة في قطاع غزة حربًا طويلة دامت خمسين يومًا استمرت خلالها في إطلاق الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي بكثافة عالية، ما أدى إلى نزوح الإسرائيليين من الكيبوتسات والقرى الإسرائيلية الواقعة في غلاف غزة وإلى شل الحياة جزئيًا في جنوبي إسرائيل. وقد فشلت إسرائيل في وقف إطلاق الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، على الرغم من المجازر والقصف الجوي والبري والبحري، وعمليات الجيش الإسرائيلي البرية داخل قطاع غزة. وفشلت إسرائيل في تطبيق أهم أسس العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي تعتمد على الردع ونقل المعركة إلى أرض العدو والحسم العسكري السريع.

فشلت إسرائيل فشلً واضحًا في تحقيق الهدف الرسمي المعلن الذي وضعه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للحرب على غزة وهو تحقيق "الهدوء مقابل الهدوء"، واضطر نتنياهو إلى إجراء مفاوضات غير مباشرة مع حماس وفصائل المقاومة الأخرى، والاستجابة للعديد من شروطها المهمة لوقف إطلاق النار، وهو الذي بنى نفسه سياسيًا وعقائديًا خلال عقود طويلة على رفض المفاوضات مع فصائل المقاومة ودعا إلى القضاء عليها. فشلت إسرائيل في تحقيق أي إنجاز سياسي ذي قيمة في الحرب؛ إذ لم تنجح في تحقيق أي هدف من الأهداف السياسية غير المعلنة رسميًا للحرب. فقد فشلت في كسر إرادة المقاومة لدى حماس والفصائل الأخرى بشكل خاص، والشعب الفلسطيني بشكل عام، وفي استعادة قوة الردع الإسرائيلية، وفي ضرب المصالحة بين فتح وحماس، وفي الحفاظ على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وفي إضعاف حكومة الوفاق الفلسطينية أو تفكيكها. تمكنت المقاومة لأول مرة في تاريخ الصراع مع إسرائيل من تعطيل مطار اللد (مطار بن غوريون) لعدة أيام، وهو المطار الوحيد الذي يربط إسرائيل بالعالم. نجحت المقاومة في مفاجأة إسرائيل ليس في القدرة على الصمود فحسب، وإنما أيضًا في تنفيذ مجموعة من العمليات العسكرية الجريئة والمهمة من الأنفاق والبحر، وأخذت زمام المبادرة في كثير من الأحيان وهاجمت من الأنفاق المعدة سلفًا جيش الاحتلال في مواقعه داخل الخط الأخضر المحاذية لقطاع غزة، وأوقعت به خسائر لم يكن يتوقعها؛ إذ بلغت خسائر الجيش الإسرائيلي التي اعترف بها مقتل 64 ضابطًا وجنديًا وإصابة أكثر من 600 ضابط وجندي بجروح بليغة ومتوسطة. رفعت الحرب من مكانة حماس وفصائل المقاومة في نظر الفلسطينيين، وزادت من شعبيتها وأعادتها إلى مكان مهم ليس في مقاومة الاحتلال فحسب، وإنما أيضًا في معادلة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. كشفت الحرب طبيعة إسرائيل العدوانية أمام العالم وألحقت أذى جديًّا بسمعتها ومكانتها، وظهر بشكل واضح أنّها لا تحترم القوانين والمواثيق الدولية، وأنّها تفرض عقوبات جماعية على الفلسطينيين، وتستهدف قتل المدنيين، وترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين. أحدثت الحرب توترًا في علاقات إسرائيل مع الدول الغربية وخاصة مع الإدارة الأميركية، وزادت من التوتر في علاقاتها مع الكثير من الدول ولا سيما مع تركيا وقطر، ومع دول أميركا الجنوبية التي استدعى بعضها سفيره من تل أبيب احتجاجًا على العدوان الإسرائيلي على غزة، وقادت إلى ازدياد النقد الموجه لإسرائيل في معظم دول العالم، وإلى زيادة عزلتها الدولية، وتصاعد حملة المقاطعة ضدها ولا سيما في أوروبا وأميركا. أدى العدوان الذي ارتكبت خلاله إسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين، إلى أن شكّل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجنة تحقيق دولية للتحقيق في جرائم إسرائيل، الأمر الذي يحمل بين ثناياه إمكانات حقيقية لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين العسكريين والمدنيين ومعاقبتهم

على جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين في هذه الحرب.

أهداف العدوان المعلنة ووسائل تحقيقها

حرص بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية على وضع أهداف عامة "متواضعة" للحرب على قطاع غزة وذلك في محاولة منه للاستفادة من دروس الحروب الماضية التي خاضتها إسرائيل، ومن توصيات لجان التحقيق الإسرائيلية التي أعقبتها والتي وجهت انتقادات لقيادات إسرائيل لفشلها في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. فقد صرح نتنياهو في بداية العدوان على غزة أنّ هدف الحرب هو إعادة الهدوء إلى جنوب إسرائيل، ورفع شعار "الهدوء مقابل الهدوء"، في إشارة واضحة منه بأنّه لن يستجيب لمطالب المقاومة في غزة وشروطها لوقف إطلاق النار، وفي مقدمتها فك الحصار عن القطاع. بيد أنّ نتنياهو ما لبث أن أضاف هدفًا آخر بعد عدة أيام من بدء الحرب، وهو إضعاف حماس من خلال توجيه الضربات العنيفة لها، ثم وضع بعد ذلك هدفًا جديدًا هو "القضاء على الأنفاق."

وقد كان واضحًا لمتخذي القرارات في إسرائيل على المستويين السياسي والعسكري، أنّ إسرائيل لا تستطيع تحقيق أهداف الحرب بالوسائل العسكرية من دون ارتكاب سلسلة من المجازر المتواصلة بحق المدنيين الفلسطينيين. فقد بات استهداف المدنيين وارتكاب المجازر المتواصلة بحقهم جزءًا مهمً، لا غنى عنه في العقيدة العسكرية الإسرائيلية في حروب إسرائيل ضد حركات المقاومة في العقود الماضية. لقد استهدفت إسرائيل المدنيين العرب في حروبها السابقة ضد جيوش الدول العربية، ولكن حربها الأساسية في تلك الحروب كانت ضد الجيوش، ولم يكن استهداف المدنيين وارتكاب المجازر بحقهم، كما فعلت مرات عديدة، شرطًا لحسم الحرب لمصلحة إسرائيل وهزيمة الجيوش العربية. بيد أنّ حرب إسرائيل ضد حركات المقاومة، بعد أن تخلت الدول العربية وجيوشها عن مواجهة إسرائيل ومحاربتها، تختلف اختلافًا جذريًا عن الحرب ضد الجيوش العربية. فالجيش الإسرائيلي في حربه ضد حركات المقاومة يستهدف بالضرورة المدنيين غير المشاركين في الجهد الحربي ويرتكب المجازر المتتالية بحقهم، ويعتبر ذلك شرطًا لا غنى عنه لحسم الحرب لمصلحته، كما أكد العديد من الباحثين الإسرائيليين والدراسات الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية1. وهذا بالضبط ما قام به الجيش الإسرائيلي في حربه ضد حماس وفصائل المقاومة الأخرى في قطاع غزة؛ فاستهداف الجيش الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين في القطاع طوال الحرب، وارتكابه المجازر المتتالية بحقهم، يأتي في صلب عقيدته العسكرية التي تهدف إلى دفع عائلات المقاومة وجمهورها بشكل خاص (غير المشاركين في الجهد الحربي) والشعب بشكل عام، ثمنًا مرتفعًا جدًا يصعب تحمله لإرغام قيادة المقاومة على الخضوع والركوع وقبول وقف القتال وفق الشروط الإسرائيلية. وعلى الرغم من أنّ قيادة إسرائيل السياسية والعسكرية تدرك أنّ ارتكاب الجيش الإسرائيلي للمجازر المتتالية بحق الفلسطينيين المدنيين يخالف القوانين والمواثيق الدولية، وأنّه قد يعرّض المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين عن هذه المجازر للملاحقة القانونية الدولية؛ وعلى الرغم من أنّهم يدركون أيضًا أنّ ارتكاب إسرائيل لهذه المجازر يلحق أضرارًا سياسية بإسرائيل على الصعيد الدولي ويزيد من عزلتها، فإنّ قادة إسرائيل يصرون على ارتكاب هذه المجازر وسيلة أساسية لكسر إرادة قيادة فصائل المقاومة. لا توجد معارضة في إسرائيل في صفوف قيادات الأحزاب والنخب الإسرائيلية المختلفة، لاستهداف الجيش الإسرائيلي المدنيين الفلسطينيين وارتكابه المجازر المتتالية بحقهم. وعلى أرضية الإجماع في صفوف النخب الإسرائيلية السياسية والأمنية بشأن ضرورة ارتكاب الجيش الإسرائيلي المجازر بحق الفلسطينيين، دار نقاش – ولا يزال - في ما بينها بما في ذلك في لجنة الوزراء لشؤون الأمن "الكابينت الأمني"2، حول

  1. للمزيد، انظر: يجيل ليفي، من جيش الشعب إلى جيش الأطراف (القدس: كرمل، 2007.) وانظر كذلك: ميخائيل ميلشطاين، مقاومة: صعود تحدي المقاومة وتأثيره في مفهوم أمن إسرائيل (تل أبيب: معهد دراسات الأمن القومي،.)2010
  2. يضم "الكابينت الأمني" الذي يرأسه رئيس الحكومة ثمانية وزراء، وهم: رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع موشيه يعلون من حزب الليكود، ووزير المالية ورئيس حزب "يوجد مستقبل" يائير لبيد، ووزير الخارجية ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، ووزير الاقتصاد ورئيس حزب "البيت اليهودي" نفتالي بنيت، ووزيرة القضاء ورئيسة حزب "الحركة" تسيبي ليفني، ووزير الأمن الداخلي يتسحاك أهرونوفيتش من حزب "إسرائيل بيتنا"، ووزير الاتصالات جلعاد اردان من حزب الليكود. ويشارك في اجتماعات هذه اللجنة وزيران آخران بصفة مراقب من دون أن يكون لهما حق التصويت وهما: وزير الشؤون الإستراتيجية والمسؤول عن ملف المخابرات يوفال شطاينتس من حزب الليكود، ووزير العلوم ورئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق (الشاباك) يعقوب بيري من حزب "يوجد مستقبل."

حجم هذه المجازر، ووتيرة ارتكابها، ومدى تسامح المجتمع الدولي مع استمرار إسرائيل في ارتكابها، والنقطة أو الخط الأحمر الذي على إسرائيل ألاّ يتعداه بشأنها، خشية من تدخل المجتمع الدولي وإرغامه إسرائيل على وقفها وفرض عقوبات عليها. فالعديد من أحزاب الائتلاف الحكومي، ولا سيما حزب "البيت اليهودي" بقيادة نفتالي بنيت وحزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان وقادة بارزين في حزب الليكود، يستخفّون بالموقف الدولي، والرأي العام العالمي وإمكان قيامه باتخاذ خطوات جدية ضد إسرائيل عقابًا لها على المجازر التي ترتكبها، ويدعون إلى عدم الالتفات إليه، والاستمرار في ارتكاب المزيد من المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، من دون توقّف حتى تستسلم حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة، كما سنرى لاحقًا.

صراع في الحكومة وفي "الكابينت الأمني" أثناء العدوان

تعتبر الحكومة في إسرائيل الجسم الوحيد المخوّل رسميًا وفق القانون اتخاذ قرار الحرب. ومن صلاحيات الحكومة تخويل "الكابينت الأمني" اتخاذ القرارات بشأن الحرب أو العمليات العسكرية واسعة النطاق. وقد خوّلت الحكومة الإسرائيلية "الكابينت الأمني"، اتخاذ القرارات بشأن الحرب على غزة التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي "عملية الجرف الصامد"، وحرصت الحكومة الإسرائيلية على تعريفها بأنها عملية عسكرية واسعة وليست حربًا. وعقد نتنياهو اجتماعات كثيرة ل "الكابينت الأمني" خلال الحرب، بلغت 28 اجتماعًا، تمشيًا منه مع توصيات "لجنة فينوغراد" التي حققت في حرب لبنان الثانية. وشارك في هذه الاجتماعات كما هو متبع رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي، وقادة الأجهزة الأمنية، وعدد من جنرالات الجيش. ويتضح من تسريبات وسائل الإعلام الإسرائيلية، أنّ نتنياهو تفاهم ونسّق بعمق في عملية صنع القرارات في "الكابينت الأمني" مع وزير الدفاع موشيه يعلون، ومع بيني غانتس رئيس هيئة الأركان العامة الذي لا يملك حق التصويت في "الكابينت الأمني"، ولكنه يؤثّر هو وجنرالات الجيش الذين يشاركون في الاجتماعات بشكل كبير في عملية صنع القرارات3. وشكلت ترويكا "نتنياهو – يعلون – غانتس" محورًا أساسيًا في "الكابينت الأمني" وقادت هذه الترويكا عملية صنع القرارات فيه بشأن الحرب على غزة. وقد ظهر منذ بداية العدوان على غزة خلاف وصراع متواصلان بين نتنياهو المدعوم بقوة من وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وعدد غير ثابت من أعضاء "الكابينت الأمني" من ناحية، وأفيغدور ليبرمان وزير الخارجية ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ونفتالي بنيت وزير الاقتصاد ورئيس حزب "البيت اليهودي" من ناحية أخرى.

جاءت الحرب على غزة في ظل قيادة نتنياهو ائتلافًا حكوميًا صعبًا، مكونًا من خمسة أحزاب يتنافس الكثير من قادتها منذ اليوم الأول للعدوان في توجيه الانتقادات العلنية له بشأن أهداف الحرب، وإدارته لها، والوسائل التي يجري اتباعها لتحقيق هذه الأهداف. وشكلت هذه الانتقادات والهجمات العلنية المستمرة ضد رئيس الحكومة أثناء الحرب سابقة لفتت أنظار المحللين الإسرائيليين. فهي المرة الأولى التي يجري فيها بشكل علني ومستمر انتقاد حاد لرئيس الحكومة خلال الحرب من شركائه في الائتلاف الحكومي، ومن حزبه أيضًا، والأعضاء في "الكابينت الأمني" في الوقت نفسه. وقد اتسمت هذه الانتقادات والصراعات بين مكونات الائتلاف الحكومي بالمزايدات العدوانية في محاولة من أصحابها ليس فقط للتأثير في سياسة الحكومة تجاه الحرب، وإنّ ا أيضًا لتحقيق شعبية في أوساط الجمهور الإسرائيلي، ولا سيما في أوساط أنصار أحزاب اليمين واليمين

  1. للمزيد عن مدى تأثير المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في عملية صنع القرارات المتعلقة بمجريات الحرب والأمن القومي الإسرائيلي، انظر: محمود محارب، "عملية صنع قرارات الأمن القومي في إسرائيل وتأثير المؤسسة العسكرية فيها"، دراسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 21 شباط/ فبراير:2011 http://dohainstitute.org/release/2118ee56-8dfe-481a-8be0-b123c97dc8bd

الفاشي في إسرائيل الذين ما انفكوا يتطلعون بأغلبيتهم الكبيرة إلى حلول عسكرية سريعة، والذين تستهويهم في الوقت نفسه الشعارات العدوانية الداعية إلى الفتك بالفلسطينيين. وسنعرض هنا أبرز الانتقادات والصراعات التي عانتها حكومة نتنياهو وائتلافه الحكومي منذ بداية العدوان على غزة.

تفكيك التحالف بين حزبي الليكود و"إسرائيل بيتنا"

شهدت الأسابيع التي سبقت الحرب على غزة ازديادًا في التوتر بين الوزير أفيغدور ليبرمان رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، ورئيس الحكومة نتنياهو بشأن السياسة التي ينبغي لإسرائيل اتباعها تجاه غزة وفصائل المقاومة في ظل استمرار إطلاق النار على وتيرة منخفضة بين إسرائيل وقطاع غزة4. وقد طالب ليبرمان مرارًا بانتهاج سياسة إسرائيلية أكثر عدوانية تجاه فصائل المقاومة الفلسطينية، واحتلال قطاع غزة عسكريًا بهدف تقويض حكم حماس والقضاء عليها وعلى فصائل المقاومة في قطاع غزة. وعلى هذه الخلفية عقد ليبرمان مؤتمرًا صحفيًا في السابع من تموز/ يوليو 2014، أعلن فيه انفصال كتلة حزب "إسرائيل بيتنا" عن كتلة الليكود في الكنيست وإنهاء التحالف الذي كان قد أبرم بين الحزبين عشية انتخابات الكنيست الأخيرة. وعزا ليبرمان سبب إنهاء هذا التحالف إلى ازدياد الاختلافات بينه وبين رئيس الحكومة نتنياهو في العديد من القضايا الجوهرية، وأكد أنّ هذه الخطوة لا تعني إطلاقًا انسحابه من الائتلاف الحكومي، وأنّه يعتزم البقاء في هذا الائتلاف5. وهدف ليبرمان من تفكيك تحالفه مع الليكود الذي كان قد خطط له سلفًا، إلى تمييز نفسه هو وحزبه عن سياسة نتنياهو وحزب الليكود في قضايا الأمن وفي ملفات أوجه الصراع المختلفة مع الفلسطينيين؛ إذ ما انفك ليبرمان يطرح مواقف أكثر عدوانية وفاشية تجاه الفلسطينيين في سياق تنافسه مع حزبي الليكود والبيت اليهودي، على جمهور معسكر اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل. وقد ظل ليبرمان منذ اليوم الأول للحرب يوجه النقد تلو الآخر لنتنياهو بشأن سياسته في الحرب على غزة، وادّعى أنّ نتنياهو لم يحدّد هدفًا إستراتيجيًا واضحًا للحرب، ودعاه إلى وضع إستراتيجية تهدف إلى تقويض حكم حماس في قطاع غزة والقضاء على فصائل المقاومة6. وجه الوزير نفتالي بنيت رئيس حزب "البيت اليهودي" منذ بداية الحرب على غزة انتقادات شديدة لسياسة نتنياهو وللأهداف التي أعلنها لهذه الحرب. وطالب بنيت أن يكون هدف الحرب على غزة إلحاق الهزيمة الحاسمة والواضحة بحماس وبفصائل المقاومة في قطاع غزة، من دون احتلاله، وقصف ومدنه ومخيماته وقراه بشكل متواصل من الجو والبر والبحر، بلا رحمة وبلا توقف، على مدار الساعة وطوال الأيام، ما يعني ارتكاب مجازر متتالية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين المدنيين في قطاع غزة. ودعا بنيت إلى تجاهل المجتمع الدولي ورفض مطالبته بوقف القتال وإلى رفض "الهدنة الإنسانية" أيضًا والاستمرار في قصف قطاع غزة بلا توقف حتى تستسلم حماس وفصائل المقاومة7. شارك العديد من وزراء حزب الليكود وقسم كبير من نوابه في الكنيست في المزايدات العدوانية التي ألمّت بأحزاب الائتلاف الحكومي. وبرز من بينهم كل من يسرائيل كاتس وجدعون ساعر اللذين يتطلعان للمنافسة على زعامة الليكود، ونائب وزير الدفاع داني دنون. وقد طالب الوزير جدعون ساعر أن يكون تقويض حكم حماس في غزة شرطًا ضروريًا لا مفر منه لنزع السلاح من قطاع غزة8. وانتقد داني دنون نائب وزير الدفاع ورئيس مركز حزب الليكود، بشدة نتنياهو وسياسته في الحرب على غزة واتهمه بالضعف، وبتبني "سياسة الخنوع اليسارية"، وبالتخلي عن قيمه ومواقفه السابقة إزاء حماس. وقد أقال نتنياهو في أعقاب هذه التصريحات داني دنون من

  1. 7 براك رفيد، "بنيت يهاجم سياسة نتنياهو: الهدف ليس القضاء على الأنفاق وإنما هزيمة هآرتس حماس"،، 2014/7/20، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2390963
  2. 8 يهونتنان ليس، "الوزير ساعر لا يمكن نزع سلاح غزة من دون تقويض حكم حماس "، هآرتس، 2014/8/3، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2395981
  3. ليبرمان: الحكومة لم تبلور هدفًا إستراتيجيًا واضحًا لعملية الجرف الصامد"، 6 هآرتس، 2014/8/23، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2413353 هآرتس وانظر كذلك يوسي فيرطر، "الطلاق المتأخر بين ليبرمان ونتنياهو"،، 2014/7/8، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politi/.premium-1.2369980
  4. 4 براك رفيد، "نتنياهو هاجم ليبرمان: احضر اجتماعات الكابينت قبل أن تنتقد الحكومة "، هآرتس، 2014/7/6، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2368645
  5. 5 يهونتنان ليس، "ليبرمان أعلن نهاية الكتلة المشتركة، إسرائيل بيتنا تنفصل من الليكود "، هآرتس، 2014/7/7، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politi/1.2369233

منصب نائب وزير الدفاع، معللً قراره بقوله إنّه من غير المقبول أن يهاجم علنًا نائب وزير الدفاع سياسة الحكومة الإسرائيلية في الحرب على غزة أثناء الحرب، وبأنّ تصريحات دنون خدمت حماس وأفادتها أثناء الحرب9. بيد أن نتنياهو لم يجرؤ على إقالة أو توجيه إنذار لكلا الوزيرين ليبرمان وبنيت اللذين استمرا في انتقاده بشدة وعلنًا المرة تلو الأخرى طوال الحرب على الرغم من أنهما عضوان في "الكابينت الأمني"، ما يتيح لهما التعبير عن مواقفهما وانتقاداتهما في اجتماعات "الكابينت الأمني"، لإدراكه أن إقالتهما قد تقود إلى إسقاط حكومته.

وشهدت علاقات نتنياهو توترًا مع الوزير يائير لبيد رئيس حزب "يوجد مستقبل"، الذي لم ينتقد علنًا نتنياهو في الشهر الأول للحرب، ولكنه ما لبث أن شن هجومًا لاذعًا على نتنياهو عند الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار، واتهمه بإلحاق الضرر بعلاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة بسبب خلافاته المستمرة والعلنية بشأن الحرب على غزة10. أما الوزيرة تسيبي ليفني رئيسة حزب الحركة التي أيدت نتنياهو بشكل عام خلال مجريات الحرب، فإنها ما لبثت أن انتقدت بشدة مواقفه من المفاوضات غير المباشرة مع حماس، ومن شروط وقف إطلاق النار، ومن السلطة الفلسطينية. وقد شاركها في نقد سياسة نتنياهو في هذه القضايا حزبا العمل وميرتس من المعارضة، اللذان دعما نتنياهو وأيدا سياسته وقراراته بشأن الحرب بشكل عام، إلا أنّهما انتقداه لعدم وجود رؤية أو خطة لتحقيق السلام مع الفلسطينيين11.

الاحتجاج على عملية صنع القرارات بشأن الحرب

وعلى خلفية توتر العلاقات في "الكابينت الأمني" ولا سيما بين كل من ليبرمان ونفتالي بينت مع رئيس الحكومة نتنياهو، المدعوم من وزير الدفاع موشيه يعلون ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بيني غانتس وقادة الأجهزة الأمنية، بشأن أهداف الحرب ومجرياتها؛ احتج عدد من الوزراء في "الكابينت الأمني" على عملية صنع القرارات المتعلقة بالحرب ومجرياتها وعلى التأثير الكبير للمؤسسة العسكرية في عملية صنع القرارات. فبعد مرور أكثر من شهر على الحرب، سرّب عدد من الوزراء الأعضاء في "الكابينت الأمني" لوسائل الإعلام أنه لم يبحث ولم يناقش في الاجتماعات الكثيرة التي عقدها خلال الحرب الأهداف السياسية للحرب، ولا كيفية إنهائها، ولا تفاصيل المفاوضات غير المباشرة مع الفصائل الفلسطينية لوقف إطلاق النار12. ولم تذكر وسائل الإعلام أسماء هؤلاء الوزراء، ولكن فُهم من السياق أنه كان من بينهم ليبرمان ونفتالي بينت. وذكر هؤلاء الوزراء في تسريبهم أنهم سمعوا من وسائل الإعلام عن مواقف إسرائيل بشأن وقف إطلاق النار، وإمكانات تخفيف الحصار عن قطاع غزة، وإعادة السلطة الفلسطينية إليه، وإمكانات إطلاق سراح أسرى فلسطينيين مقابل جثتي الجنديين الإسرائيليين، من دون أن يجري نقاش هذه المواضيع في "الكابينت الأمني." وكان من أهم القضايا التي أشار إليها هؤلاء الوزراء في نقدهم لنتنياهو وعملية صنع القرارات في "الكابينت الأمني"، التأثير الكبير للمؤسسة العسكرية في صنع القرارات وهيمنتها على مداولاته. وقد ذكروا أنّ المؤسسة العسكرية سيطرت على مضامين الاجتماعات فيه وأنّ وزراءه لم يحصلوا على مواد مكتوبة قبل الاجتماعات، لا من المؤسسة العسكرية ولا من أي مؤسسة أخرى، وأنّ تلك المؤسسة احتكرت قراءة الواقع وتقديم المقترحات ومشاريع القرارات، وأنّ "الكابينت الأمني" استند فقط إلى المعلومات والتحليلات والتوصيات التي قدمها قادة المؤسسة العسكرية والأمنية. وأكدوا أنّه إلى جانب ذلك، لم تقدّم المؤسسة العسكرية ل "الكابينت الأمني"، في أغلب الأحيان، بدائل لكي يكون بإمكان وزرائه الاختيار من بينها، وفي الحالات القليلة التي قدّمت فيها عدة بدائل، فإنّها لم تكن واقعية، وكان هدف المؤسسة العسكرية

  1. براك رفيد ويهونتنان ليس، "بسبب انتقاده الحكومة: نتنياهو أقال نائب وزير الدفاع هآرتس دنون"، 2014/8/15، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politi/1.2377994
  2. يوسي فيرطر، "نتنياهو خرج من الحرب قويًا في الرأي العام ولكنه فقد احترام الوزراء "،
  3. المرجع نفسه. 12 براك رفيد، "وزراء في الكابينت: لم يحدث بحث حقيقي في أهداف الحرب والمفاوضات هآرتس لوقف إطلاق النار"،،2014/8/11، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2402635
  4. هآرتس، 2014/8/8، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politi/.premium-1.2400460

من تقديمها دفع وزراء "الكابينت الأمني" لقبول الموقف أو الخطة التي تريدها المؤسسة العسكرية. وأشار هؤلاء الوزراء أنّ كل ذلك يتناقض مع توصيات لجنة فينوغراد، والتي انتقدت في تقريرها التأثير الكبير للمؤسسة العسكرية في عملية صنع القرارات التي تتخذها القيادة السياسية في "الكابينت الأمني" والحكومة، وأكدت في الوقت نفسه ضرورة أن تقدّم "هيئة الأمن القومي" ووزارة الخارجية وجهة نظر أخرى كاملة ومستقلة، إلى جانب وجهة نظر المؤسسة العسكرية في كل موضوع أمني – سياسي يبحثه "الكابينت الأمني"؛ لكي يكون بإمكانه الاختيار فعلً بين بدائل حقيقية مختلفة. وأكد هؤلاء الوزراء على أنّ هذا الأمر لم يحدث، واستمرت المؤسسة العسكرية في احتكار قراءة الواقع وتقديم اقتراحاتها ل "الكابينت الأمني"13.

مسألة احتلال قطاع غزة

في سياق الصراع في "الكابينت الأمني" وبمبادرة من رئيس الحكومة نتنياهو، بحث "الكابينت الأمني" مسألة احتلال قطاع غزة عسكريًا، وذلك بعد أن طالب علنًا عدد من الوزراء بتقويض حكم حماس في قطاع غزة، إما بواسطة احتلاله عسكريًا كما دأب على المطالبة بذلك الوزراء أفيغدور ليبرمان ويوفال شطاينتس وجدعون ساعر وغيرهم، أو بواسطة قصفه من الجو والبر والبحر بكل قوة وباستمرار، حتى تستسلم فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة مثلما دعا إلى ذلك رئيس حزب "البيت اليهودي" الوزير نفتالي بنيت وغيره. وقد خصص "الكابينت الأمني" لبحث هذه المسألة أكثر من أربع ساعات قدم خلالها رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي ونائبه ورئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس المخابرات العامة تقديراتهم بشأن احتلال قطاع غزة14. وأكد هؤلاء القادة العسكريون على أنّ احتلال قطاع غزة بشكل كامل سيستغرق عدة شهور وسيتكبد الجيش الإسرائيلي خلالها مئات القتلى، وسيحتاج الجيش إلى عدة سنوات من أجل ملاحقة كوادر فصائل المقاومة وأعضائها واعتقالهم والقضاء عليهم والبحث عن الأسلحة. وأضافوا، أنّ احتلال قطاع غزة سيؤدي بالضرورة إلى سقوط عدد كبير جدًّا من المدنيين الفلسطينيين ما يلحق أذى بإسرائيل على الصعيد الدولي. إلى جانب ذلك، سيعيد احتلال قطاع غزة المسؤولية المباشرة إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلية، وسيقود ذلك إلى تحملها مسؤولية تقديم الخدمات المختلفة لسكان قطاع غزة والتي تصل إلى مليارات الشواقل. وفي أعقاب الاستماع إلى تحليلات قادة المؤسسة العسكرية والأمنية وتقديراتهم ومقترحاتهم، طلب نتنياهو من وزراء "الكابينت الأمني" بأن يصوتوا على الموضوع وسأل عمّن يؤيد منهم احتلال قطاع غزة. وقد استنكر العديد من الوزراء طرح هذا الموضوع للتصويت، ولم يؤيده أحد منهم بعدما سمعوا ما قاله قادة الجيش والأجهزة الأمنية، ولكن بعضهم احتج بأنّ التحليلات والتقديرات والمقترحات التي قدّمت لهم هدفت إلى إفشال القيام باحتلال قطاع غزة، ودفع "الكابينت الأمني" للتصويت وفقًا لما يريده نتنياهو وقادة المؤسسة العسكرية15. وقد ازداد حنق عدد من الوزراء على نتنياهو لاعتقادهم أنه ووزير الدفاع ورئيس الأركان قد "طبخوا" سلفًا هذا القرار، وأنهم نسقوا مسبقًا بشأن المداولات التي جرت في "الكابينت الأمني."

الخشية من لجنة التحقيق الدولية

أثار القرار الذي اتخذه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال الحرب على غزة، القاضي بتشكيل لجنة تحقيق دولية في الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب، سخط القيادة الإسرائيلية ومخاوفها. وقد هاجم القادة والمسؤولون الإسرائيليون هذا القرار وأعلنوا بأنّ إسرائيل لن تتعاون بشأنه ولا مع لجنة التحقيق التي سيشكلها المجلس. وفي الوقت نفسه، دأب القادة الإسرائيليون على التحضير سياسيًا وقانونيًا لمواجهة هذا القرار ونتائجه16. وقد أكد

  1. المرجع نفسه.
  2. براك رفيد، "السيناريو الذي عرض للوزراء: احتلال غزة يستغرق أشهرًا، ومئات الجنود هآرتس سيقتلون"،، 2014/8/5، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2398339
  3. المرجع نفسه؛ انظر كذلك أريئيل كهانا، "نقد الجيش الإسرائيلي في المستوى السياسي: معاريف فشل في تحقيق الهدف"، موقع، 2014/8/4، انظر: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/604/021.html
  4. زئيف كام، "في إسرائيل شرعوا في الاستعداد لتقرير جولدستون الجديد"، موقع معاريف، 2014/8/8، انظر: http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/605/587.html?hp=1&cat=404&loc=59

مصدر رفيع المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية أنّه تقرر إقامة طواقم عمل مشتركة مكونة من مختصين من وزارة الخارجية، وهيئة الأمن القومي، ووزارة القضاء، وأجهزة الأمن الإسرائيلية، استعدادًا لمواجهة عمل لجنة التحقيق الدولية. وفي معرض نقاشه لهذا القرار أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، قال وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان إنّ وزارته تتعامل مع هذا القرار بمنتهى الجدية، وتعتبر أنّ المعركة امتدت من ميدان الحرب إلى الميدان السياسي والدولي، وأنّها تبذل جهدًا جمً لمواجهة هذا القرار، وستعمل كل ما في وسعها للتأثير في تركيبة لجنة التحقيق التي سيتم تعيينها، وذلك من أجل تقليل الأضرار التي ستلحق بإسرائيل17.

وعلى الرغم من الجهد الذي بذلته إسرائيل، فقد فشلت في التأثير في تركيبة لجنة التحقيق التي شكّلها مجلس حقوق الإنسان للتحقيق في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة18. ففي الثاني من آب/ أغسطس 2014، أعلن مجلس حقوق الإنسان عن تركيبة لجنة التحقيق، وأنه جرى تعيين البروفيسور وليم شاباس الخبير الكندي في القانون الدولي وحقوق الإنسان رئيسًا لهذه اللجنة، وأنها ستقدّم تقريرها للمجلس في مدة أقصاها آذار/ مارس 2015. وأثار هذا القرار وبخاصة تعيين شاباس رئيسًا للجنة، المعروف بنزاهته وبقدرته المهنية الرفيعة وبنقده الموضوعي للجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، سخط القادة الإسرائيليين. وشنّ نتنياهو وليبرمان والكثير من المسؤولين الإسرائيليين، هجمات شديدة على لجنة التحقيق ورئيسها، وادّعوا أنّ اللجنة منحازة كليّة ضد إسرائيل، وأنّ "تقريرها كتب سلفًا" ضدها. كما أعلن نتنياهو وليبرمان أنّ إسرائيل ترفض التعاون مع هذه اللجنة19.وفي خضم ردات الفعل الإسرائيلية المتوترة على قرار تشكيل لجنة التحقيق الدولية وعلى تركيبتها، دار نقاش عن الوسائل الأجدى التي ينبغي اتباعها لتجنّب النتائج السلبية لهذا القرار وللالتفاف مسبقًا على "لجنة شاباس." وقد ارتفعت أصوات كثيرة نادت بتشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية لتكون بديلً من لجنة التحقيق الدولية، ولتقوم بفحص إمكان خرق إسرائيل في حربها على غزة للقوانين الدولية، علاوة على التحقيق في قضايا مهمة أخرى بشأن أداء القيادتين السياسية والعسكرية في هذه الحرب. ويسود ادعاء لدى العديد من الخبراء في إسرائيل بأنّه إذا ما قامت لجنة تحقيق أو مؤسسة إسرائيلية بالتحقيق في إمكان خرق إسرائيل للقوانين الدولية في حربها على غزة، فإن ذلك يسحب البساط من تحت أقدام لجنة دولية في القيام بهذا الأمر. وفي هذا السياق، أعلن مراقب الدولة يوسف شبيرا، بعد اجتماعه مع رئيس الحكومة نتنياهو وبعد التنسيق معه بشأن قيام مؤسسة مراقب الدولة بالتحقيق في مجريات الحرب، أنّه قرر فحص عملية صنع القرارات في المستويين السياسي والعسكري خلال الحرب على غزة، وفحص احتمال خرق إسرائيل للقوانين والمواثيق الدولية20. وقررت لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أيضًا اتخاذ خطوة مشابهة وأعلنت عن شروعها في التحقيق في مجريات الحرب على غزة21. وفي مقابل ذلك، أعرب البروفيسور يحزكيل درور الذي كان عضوًا في لجنة فينوغراد، عن اقتناعه بأنّ إقامة لجنة تحقيق إسرائيلية لتكون بديلا من "لجنة شاباس" الدولية أو لإحباطها أو إفشال عملها لن يجدي إسرائيل نفعًا أبدًا، لأنّ العالم سيعتبر أن تشكيل هذه اللجنة هو مناورة إسرائيلية لإفشال عمل لجنة التحقيق الدولية. لذلك، دعا البروفيسور يحزكيل درور إسرائيل إلى التعاون مع لجنة التحقيق الدولية وعدم مقاطعتها وتنسيق ذلك مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، الأمر الذي من شأنه أن يقود وفق ما أكده درور إلى تحسين علاقات إسرائيل مع الدول الغربية وإلى التأثير في استنتاجات تلك اللجنة وتوصياتها22.

  1. المرجع نفسه.
  2. براك رفيد، "رئيس لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة تمنى في الماضي مقاضاة نتنياهو
  3. براك رفيد، "نتنياهو ضد لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة: التقرير كتب سلفًا هآرتس وليس لهم ما يبحثونه هنا"،، 2014/8/1، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2405425
  4. رفيطال حوفل، "مراقب الدولة يفحص إذا ما اخترقت إسرائيل في غزة القانون الدولي "، هآرتس، 2014/8/13، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2405038
  5. عاموس هارئيل، "مفاجأة الأنفاق عثرات في العمليات: الدروس التي على الجيش هآرتس الإسرائيلي استخلاصها للحرب القادمة"،، 2014/8/5، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.2397253 يحزكيل درور، "التعاون مع لجنة شاباس"، 22 هآرتس، 2014/8/18، انظر: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.2409085
  6. هآرتس في لاهاي"،، 2014/8/12، انظر: http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.2403411

خسائر الاقتصاد الإسرائيلي

جاءت الحرب على غزة في الوقت الذي كانت إسرائيل تعاني مظاهر بدايات أزمة اقتصادية. ففي النصف الأول من عام 2014 تباطأ نمو الاقتصاد الإسرائيلي وتراجع معدل نمو الناتج المحلي إلى أقل من 3 في المئة، وانخفض الاستهلاك الفردي 2 في المئة. لا توجد حتى الآن تقديرات نهائية في إسرائيل عن الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي لحقت باقتصادها من جراء الحرب على غزة. وقد أظهرت التقديرات الإسرائيلية الأولية أنّ الاقتصاد قد خسر في أول 25 يومًا للحرب أكثر من 15 مليار شيكل23. وتشمل هذه الخسائر التكاليف العسكرية للحرب التي كانت تقدر حينئذ بسبعة مليارات دولار، ويأتي من ضمنها تكاليف استدعاء أكثر من 80 ألفًا من قوات الاحتياط للخدمة في الجيش الإسرائيلي، وكذلك تشمل الأضرار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بقطاعات الاقتصاد الإسرائيلي المختلفة مثل: السياحة والصناعة والزراعة والبناء والمواصلات والبنى التحتية المختلفة24. وهناك خشية كبيرة في إسرائيل من أن تزيد الخسائر الاقتصادية كثيرًا عن التقديرات الإسرائيلية، لا سيما وأنّ الحرب استمرت بعد هذه التقديرات 25 يومًا آخر. أضف إلى ذلك أنّه من الصعب في الوقت الحاضر حساب مجموعة من المتغيرات والعوامل ومدى حجم الأذى الذي ستلحقه بالاقتصاد الإسرائيلي مثل: تراجع الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل، وتراجع مكانة إسرائيل في الأسواق العالمية، وتراجع تصديرها، وتراجع حجم جباية الضرائب. إلى جانب ذلك، ستزيد نتائج الحرب ودروس المؤسسة العسكرية منها الأعباء على الموازنة العامة في إسرائيل في السنوات المقبلة. فقد طالبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بزيادة 11 مليار دولار إلى ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية لعام 2015 لتبلغ هذه الميزانية 70 مليار شيكل25، وهو ما يعادل 17 في المئة من موازنة إسرائيل العامة لعام 2015. ومما يزيد من هذا العبء المالي أنّ المؤسسة العسكرية طالبت بزيادة ال 11 مليار شيكل هذه ليس لعام 2015 المقبل فقط، وإنّ ا أيضًا للأعوام الأخرى المقبلة؛ فالمؤسسة العسكرية تصر على جعل الحد الأدنى لميزانية وزارة الدفاع 70 مليار شيكل في كل عام وليس بنحو 60 مليار شيكل في العام كما هو الحال في الأعوام الأخيرة.

ويدور صراع في الحكومة الإسرائيلية بشأن كيفية تغطية خسائر الحرب، ومن سيتكفل بتغطيتها، في أجواء الخشية السائدة في صفوف النخب السياسية والاقتصادية من مغبة استمرار تعمّق الأزمة الاقتصادية التي تعانينها إسرائيل، واحتمالات حدوث تباطؤ وركود عميق في الاقتصاد الإسرائيلي. ويحتدّ جدل وصراع بين توجهات مختلفة ومتضاربة داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن مجموعة من العوامل التي ينبغي اتخاذ قرارات سريعة فيها، وفي مقدمتها حجم التخفيضات في ميزانيات الوزارات المختلفة، ومسألة فرض ضرائب جديدة، وزيادة العجز في موازنة الدولة. وفي كل الأحوال، بات من الواضح لدى المختصين الإسرائيليين أنّ تغطية تكلفة الحرب ستقود إلى مزيد من تقليص ميزانيات قطاعات مهمة في إسرائيل مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية لذوي الدخل المتوسط والمحدود.

تأثير الحرب في نتنياهو والخارطة الحزبية

أظهرت نتائج استطلاعات الرأي العام في إسرائيل التي أجريت في أعقاب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار النهائي، تراجعًا في شعبية نتنياهو مقارنة بما كانت عليه في بدايات الحرب وخلالها. فقد أعرب 52 في المئة عن رضاهم عن أداء نتنياهو في الحرب في 27 آب/ أغسطس 2014، في حين كانت النسبة 77 في المئة في 5

  1. موطي بسوك، "الدولة خسرت في الجرف الصامد 15 مليار شيكل"، موقع جريدة ذي ماركر الاقتصادية، 2014/8/3، انظر: http://www.themarker.com/news/1.2395110
  2. اقتصاد ما بعد الحرب، هل سننتعش بسرعة بعد الحرب على غزة"، موقع جريدة 24 ذي ماركر الاقتصادية، 2014/8/6، انظر: http://www.themarker.com/news/1.2398259
  3. موطي بسوك، "قنبلة المؤسسة العسكرية: مطلوب زيادة 11 مليار شيكل لموازنة 2015 هآرتس "،، 2014/8/10، انظر: http://www.haaretz.co.il/tm/1.2401549

آب/ أغسطس، و 84 في المئة في بداية الحرب26. وعلى الرغم من أنّ استطلاعات الرأي العام أشارت بوضوح إلى عدم رضى المجتمع الإسرائيلي عن نتائج الحرب، وأنّ ما يربو على 60 في المئة عارضوا وقف إطلاق النار وأعربوا عن رأيهم بأنّ إسرائيل لم تنتصر في الحرب، وأن 25 في المئة فقط قالوا إنّ إسرائيل انتصرت في الحرب، فإنّ استطلاعات الرأي العام نفسها كشفت أيضًا أنّ نتنياهو لا يزال الأكثر ملاءمة لتبوّؤ منصب رئيس الحكومة في نظر المجتمع الإسرائيلي اليهودي. فقد قال 42 في المئة من المستطلعين إنّ نتنياهو هو الأكثر ملاءمة لمنصب رئيس الحكومة، متفوقًا بفارق كبير على جميع قادة الأحزاب الرئيسة في إسرائيل؛ فقد حصل يتسحاك هيرتسوغ رئيس حزب العمل (ورئيس المعارضة في إسرائيل) على 12 في المئة فقط، وأفيغدور ليبرمان على 11 في المئة، ونفتالي بنيت على 11 في المئة، ويائير لبيد على 4 في المئة فقط. ويعزى التناقض ما بين محافظة نتنياهو بعد انتهاء الحرب على شعبية عالية نسبيًا واستمرار تفوقه بنسبة كبيرة على جميع قادة الأحزاب في مدى الملاءمة لمنصب رئيس الحكومة – على الرغم من إبداء 60 في المئة من الجمهور الإسرائيلي عدم رضاهم عن نتائج الحرب - إلى عدم وجود بديل جدي من نتنياهو بين قادة الأحزاب، وإلى أنّ انعكاس عدم رضى الجمهور عن نتائج الحرب والتعبير عنه في استطلاعات الرأي العام يستغرق فترة من الزمن27.

ومن اللافت للانتباه أنّ استطلاعات الرأي العام هذه أظهرت بوضوح استمرار انزياح المجتمع الإسرائيلي إلى مواقف اليمين واليمين المتطرف، وازدياد قوة أحزاب معسكر اليمين واليمين المتطرف؛ إذ حصلت هذه الأحزاب (الليكود والبيت اليهودي وإسرائيل بيتنا وشاس ويهدوت هاتوراه)، في هذه الاستطلاعات على ما بين 70 و 80 مقعدًا في الكنيست، في حين تراجعت قوة أحزاب الوسط واليسار الصهيوني (يوجد مستقبل، وحزب العمل، وميرتس، وحزب الحركة) بشكل كبير. لقد أظهرت العديد من الحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل مدى تأثير هذه الحروب في مصير رؤساء الحكومات الذين قادوا تلك الحروب وفشلوا فيها. فقد أطاحت حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 غولدا مئير من رئاسة الحكومة، وأطاحت حرب لبنان الأولى التي شنتها إسرائيل على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عام 1982 مناحم بيغن من رئاسة الحكومة، ولقي إيهود أولمرت المصير نفسه جرّاء حرب لبنان الثانية. فبعد أن وضعت تلك الحروب، أوزارها اندلع صراع سياسي بشأن من يتحمل مسؤولية الفشل في الحرب. من غير الواضح حتى الآن ومن السابق لأوانه الحكم إذا ما كان بنيامين نتنياهو سيواجه نفس مصير هؤلاء. فذلك يعتمد كثيرًا على النتائج النهائية للحرب، ونتائج المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية بشأن المطالب الفلسطينية المرتبطة بشروط وقف إطلاق النار، وعلى تفاعلات الأحزاب والنخب الإسرائيلية وتجاذباتها ومواقفها من نتائج الحرب المختلفة ولا سيما الاقتصادية والسياسية، وعلى قدرة نتنياهو والكيفية التي اعتمدها في معالجتها. ولكن من الواضح أن نتنياهو واجه – ولا يزال - مشاكل جمة من وطأة هذه الحرب مع شركائه في الائتلاف الحكومي، من منطلقات مختلفة، ولا سيما في العلاقات مع حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة ليبرمان ومع حزب "البيت اليهودي" بقيادة بنيت، وبدرجة أقل مع حزب "يوجد مستقبل" بقيادة لبيد وحزب "الحركة" بقيادة ليفني. بيد أنّ التحدي الأساسي الذي يواجهه نتنياهو هو السؤال الذي بدأ يُطرح مؤخرًا بشأن قدرته على الاستمرار في قيادة حزب الليكود في انتخابات الكنيست المقبلة في ضوء تقلص قوته داخل حزبه وازدياد الاحتجاج داخل الحزب على سياسته - والذي تعزّز أثناء الحرب على غزة وبعدها - مصحوبًا بظهور عدد من القادة في الليكود يتطلعون لتحدي نتنياهو والمنافسة على قيادة الحزب في الانتخابات المقبلة. وقد تقود مجمل تفاعلات هذه المشاكل والصراعات في العام المقبل إلى تقصير فترة عمر حكومته وقد تؤثر سلبيًا في مستقبله السياسي.