أزمة عرسال: سياقات المواجهة المسلحة وتداعياتها

حمزة المصطفى

الملخّص

في مطلع آب/ أغسطس 2014، اندلعت مواجهة في بلدة عرسال اللبنانية بين فصائل مسلحة تقاتل في سورية، من ضمنها فصائل جهادية؛ كتنظيم الدولة الإس مااية، وجبهة النصرة من جهة، والجيش اللبناني من جهة أخرى. واستمرت هذه مواجهة نحو خمسة أيام، وانتهت بانسحاب المسلحين السوريين من البلدة تطبيق ا لمبادرة رعتها هيئة علماء المسلمين في لبنان، والمؤسسة اللبنانيّة للديمقراطية وحقوق الإنسان (لايف) للديمقراطية وحقوق الإنسان. في ظل الروايات المتناقضة والاتهامات المتبادلة نقف في الملخص التنفيذي هذه الورقة على حقيقة ما جرى في عرسال، وسياقات تطور الأزمة، ومواقف الأطراف المختلفة وحساباتها، والتداعيات الناجمة عنها سوريًّا، ولبنانيًّا.

خصوصية عرسال في الثورة السورية

تقع عرسال في قضاء بعلبك في محافظة البقاع اللبنانية ضمن سلسلة جبال لبنان الشرقية، وهي بلدة حدودية تشترك مع سورية بخط حدودي طوله 50 كم. كما أنها بلدة معزولة من جهة محيطها الجغرافي؛ إذ تبعد 38 كم عن بعلبك، مركز القضاء، و 75 كم عن زحلة مركز محافظة البقاع1، و 120 كم عن العاصمة بيروت، و 10 كم عن الطريق العامّ بعلبك – اللبوة - الهرمل. وتُعد عرسال من كبريات البلدات اللبنانية؛ فمساحتها تبلغ نحو 316.9 كم ٢، وأراضيها تشكّل نحو %5 من مساحة لبنان2. ويعتمد أهاليها البالغ عددهم نحو 40 ألف نسمة تقريبًا3 على ثلاثة مصادر بوجه عامّ؛ هي التجارة، والكسارات (مقالع الحجر العرسالي)، والزراعة، في حين يشكّل قطاع الخدمات والوظائف العامة والخاصة، بحسب إحصاءات غير رسميّة، مصدرًا لنحو %10 من سكانها4. ومعروف عن هذه البلدة أيضًا صناعة السجاد المحلي، وانضمام عدد كثير من شبابها إلى الجيش اللبناني والدرك. وتعاني عرسال، مثل غيرها من قرى بعلبك وبلداتها، التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وغياب التنمية والخدمات الصحية والتعليمية. ويضاعف من تهميشها التنموي قلة مواردها، وطبيعتها الصحراوية الجرداء، وموقعها على الحدود السورية. نتيجةً لذلك، اعتمد عدد كثير من أهاليها على "حرفة" التهريب، فأصبحت مركزًا للبضائع والسلع المهربة بين سورية (القلمون) ولبنان، وبخاصة مادة المازوت التي كانت تشكّل قبل عام 2010 (تاريخ رفع أسعار المحرقات في سورية) عصب التهريب في المنطقة؛ لكونها المادة الأكثر ربحًا، والأكثر طلبًا في السوق اللبناني، وذلك بسبب الفارق الكبير في أسعار المازوت بين سورية ولبنان5. وقد خلقت عقود التهريب، والحركة التجاريّة النشطة بين البلدة وقرى القلمون في الجانب السوري، إضافةً إلى خصوصيتها الطائفية، واقعًا اجتماعيًّا خاصًّا بعرسال مميّزًا لها من غيرها من قرى البقاعين الأوسط والشمالي (عرسال بلدة سنية تحيط بها قرى وبلدات ذات أغلبية شيعية.) فازدادت المصاهرات مع الجانب السوري، وتعزّزت صلات القربى، وتشابهت العادات والتقاليد، فأصبحت البلدة، في حال مقاربة المسألة من زاوية اقتصادية واجتماعية، أقرب إلى أن تكون بلدةً "سوريةً" تقع ضمن الجغرافيا اللبنانية. وفي ذاكرة التاريخ أيضًا؛ أنّ أهلها قاوموا الأتراك أواخر العهد العثماني، مقداِّمين عددًا كثيرً من أبنائهم؛ إذ شُنق ما يزيد على أربعين منهم في "حي البستان" في عدم آخرون في بعلبك ودمشق بلدتهم، وأ"6. ويذكر البقاعيون أن عرسال كانت من أبرز البلدات الرافضة لتشكيل دولة لبنان الكبير والمطالِبة بالوحدة مع سورية. وتقف جرود البلدة، من خلال ذاكرة أهاليها، شاهدةً على انضمامهم إلى الثورة السورية الكبرى عام 1925، خصوصًا في المعركة الشرسة ضدّ الجيش الفرنسي في محلة "جوار النقّار" التي قُتل فيها 13 جنديًّا فرنسيًّا"7، والتي رُفع فيها العلم السوري (علم الوحدة) على مركزين حكوميين (المخفر والمدرسة) إبان أحداث 1958 في لبنان8. لم تكن عرسال، منذ انطلاق الثورة السورية حتى مطلع عام 2013 - على الرغم من تفاعل أهلها وتأييدهم لها بحكم الخصوصية السابقة - في دائرة الضوء لبنانياةًّ أو سوريًّا، واقتصر دور البلد خلال مرحلة الاحتجاجات السلميّة عام 2011 على احتضان بعض العائلات النازحة طوعًا أو كرهًا، وتزويد قرى القلمون السورية عبر التهريب العكسي بالبضائع الأساسية (مثل الطحين، والسكر، والأرز، والمازوت.. إلخ.) غير أنّ هذه البضائع تناقصت تدريجيًّا متأثرة بالارتدادات الاقتصادية للأزمة السياسيّة. وازدادت أهمية عرسال

  1. عرسال: بلدة لبنانية تؤيد الثورة السورية"، 1 الجزيرة نت، 2014/1/17، على الرابط: http://goo.gl/lwCtL0
  2. عرسال عرش إيل يتجسّد بشرًا وحجرًا"، مجلة الجيش، (حزيران، 2008)، العدد 276، على الرابط: http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/?18473#.U_NK-vmSy-0
  3. يُقدر عدد السكان الإجمالي بنحو 40000 نسمة، موزعين على 6000 أسرة، بمعدل 6,6 أشخاص للأسرة الواحدة (بنسبة %48 ذكورًا و%52 إناثًا.) ويبلغ عدد الناخبين في هذه البلدة 14000 ناخب، وهي تعرف نحو 700 ولادة سنويًّا؛ ما يرفع نسبة الزيادة السكانية إلى أكثر من %2. ومن أبرز العائلات في عرسال: الحجيري، والفليطي، وعز الدين، والأطرش، وزعرور، وكرنبي، وخلف، وأمون، وغيرها. ويُقدر عدد المقيمين في البلدة بنحو 35000 نسمة، وعدد النازحين بنحو 5000 نسمة موزعين على مشاريع القاع، وقب إلياس، وبعلبك، وبيروت. وقد
  4. عرسال: بلدة لبنانية"..، المرجع نفسه.
  5. حسين سلطان: "التهريب بين عرسال وسوريا.. ردّ للجميل"، 5 المدن، 2014/7/31، على الرابط: http://www.almodon.com/economy/e128a4c5-01a6-40fe-bc35-9ff47aa2125e 6  " عرسال عرش إيل"..، المرجع نفسه. 7 المرجع نفسه. سعود المولى، 8 الشيعة اللبنانيون في تبلور وعيهم الوطني  ، (ب ط 1 وررت: دار الجديد، 2007)، ص .37 سياقات المواجهة المسلحة وتداعياتها
  6. شهدت البلدة قبل الأحداث السورية حركة نزوح معاكسة نظرًا إلى ازدياد فرص العمل فيها
  7. (الكسارات والتهريب.) وتُعدُّ نسبة الهجرة والاغتراب في البلدة ضئيلةً (نحو 30 عائلةً مغتربة
  8. في دول أوروبا، وكندا، والخليج العربي، وليبيا.. إلخ.)

تدريجيًّا في مرحلة الثورة المسلحة؛ إذ تحولت البلدة إلى منفذ لإمدادات الأسلحة المقبلة من لبنان في اتجاه القلمون، وريف حمص. وخلال الفترة الممتدة ما بين مطلع عام 2012 ومنتصف عام 2013، كانت منفذًا من المنافذ والمعابر غير الشرعية (عددها نحو 17 معبرًا) الممتدة عبر شريط حدودي من القصير في ريف حمص الجنوبي، إلى الزبداني في ريف دمشق. وعلى الرغم من ذلك لم تحظَ، في ظلّ الدور الأساسي والمحوري لمدينة القصير الحدودية الذي يكمن في تزويد المعارضة السورية في حمص وريفها بالسلاح والمساعدات الأخرى، باهتمام كبير، سواء كان ذلك من المعارضة، أو من النظام السوري، أو من الدولة اللبنانية نفسها.

ولكن طرأت في الربع الأول من عام 2013 تغيرات في الوضع السوري ألقت بظلالها على لبنان عمومًا، وعرسال خصوصًا. فحلفاء النظام في الإقليم الذين قيَّموا الوضع الميداني خلال عام 2012، توصلوا إلى قناعة مؤداها عدم نجاح الجيش السوريّ والميليشيات المدنية التي تمأسست في جهاز عسكري (عُرف باسم جيش الدفاع الوطني) في وقف تقدُّم المعارضة، ولا سيما بعد أن هددت دمشق، وتقدمت بخصوص عدّة مناسبات في اتجاه ساحة العباسيين وأوتوستراد العدوي في قلب العاصمة نفسها. وبناءً عليه، بدأت إيران، الحليف الرئيس للنظام في المنطقة، تزجّ ميليشيات وأحزابًا تابعةً لها في القتال إلى جانب النظام. فجاء تدخُّل حزب الله والميليشيات العراقية لوقف تقدُّم المعارضة المسلحة وإنقاذ النظام في العاصمة في المرحلة الأولى، وقلْب المعادلة العسكريّة في مراحل أخرى. والجدير بالذكر أنّ نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، نقل في لقاء صحافي مع جريدة الحياة 22(حزيران/ يونيو 2013)، عن الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، قوله: "إنّ التدخل في سورية تقرّر بعدما وصل المقاتلون المعارضون إلى دمشق، وكادوا يحتفلون بالنصر"9. لقد غيَّ دخول حزب الله والميليشيات العراقيّة ومقاتلين أجانب آخرين10 الموازين العسكرية في الربع الأول من عام 2013؛ إذ صد هجوم المقاتلين المعارضين على العاصمة، ومن ثمّة طوَّقهم في الغوطتين الشرقية والغربية، وقطع، عند بلدتي العبادة والعتيبة، جميع طرق الإمداد الرئيسة للأسلحة والمساعدات المقبلة عبر البادية السورية، وعبر الأردن أيضًا؛ وهو ما زاد منطقة القلمون أهميةً، بالنظر إلى أنها أصبحت شريان الحياة الوحيد بالنسبة إلى الغوطة الشرقية من خلال منطقة عدرا، وزاد المعارضة اعتمادًا على المعابر اللبنانية غير الشرعية، وبخاصة معابر عرسال. واستكمالً لتكتيك عزل المعارضة المسلحة، بدأت معركة القصير التي أعلن خلالها الأمين العامّ لحزب   الله حسن نصر   الله صراحةً عن مشاركة مقاتليه إلى جانب النظام، تحت ذريعة حماية قرى سورية (يقطنها لبنانيون شيعه) قرب القصير. وقال الحزب بعد ذلك إنه يقوم بحماية المقدسات الدينية الشيعية (مقام السيدة زينب في دمشق)، ثمّ أعلن أنه يقوم باستباق الخطر التكفيري على لبنان، إلى جانب اعتماده حجّة حماية ظهر المقاومة. كيفما كان الأمر، نجح النظام السوري، وحزب الله في السيطرة على القصير، والقرى المحيطة بها، لتفقد المعارضة، كما ذكرنا سابقًا، أهمّ منفذ لإمدادات السلاح المقبلة من لبنان، ولتصبح بلدة عرسال التي كانت قد استقبلت آلاف اللاجئين من القصير، الرئةَ الوحيدة الباقية للثورة في الشريط الحدودي مع لبنان. كانت معركة القصير مؤشرًا على واقع عسكري جديد تتعرض فيه المعارضة السورية المسلحة لسلسة من الانتكاسات في مناطق حيوية؛ كريف حمص الجنوبي، والقلمون، ومدينة حمص، والغوطتين، وحلب11. وفي ظلّ التراكم العسكري والمعنوي، أطلق النظام وحلفاؤه أواخر عام 2013، حملةً عسكريةً سُمِّيت "معركة القلمون" التي جاءت على جولات عديدة، والتي سعى النظام خلالها للسيطرة على ما اصطلح على تسميته "سورية المفيدة" التي تصل العاصمة دمشق بالساحل، مرورًا بالمنطقة الوسطى في القلمون وحمص؛ لعزل

  1. 11 للوقوف على تداعيات معركة القصير، انظر: "معركة القصير: التداعيات والآثار"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013/5/23، على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/23f50d5e-ec95-48d6-8cca-90d73030af6f خريطة موقع عرسال المصدر: الخريطة من إعداد الباحث. وتشير الأسهم إلى حركة اللجوء من قرى القلمون إلى عرسال.
  2. تشير التقديرات إلى أنّ عدد المقاتلين الأجانب إلى جانب النظام يصل إلى نحو 30 ألف مقاتل. للتوسع في هذا الموضوع، انظر: حمزة المصطفى، "جهاد الممانعة والغيبيّات.. المقاتلون العربي الجديد الأجانب مع النظام السوري"،، 2014/5/5، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/opinion/cea40a90-8793-4e2a-8f68- 0b1ffdcef0e3#sthash.urQdIGqS.dpuf
  3. 9 بوغدانوف ل "الحياة:" نصر الله أبلغني أنه تدخل لمنع سقوط دمشق"، الحياة، 2013/6/20، على الرابط: http://alhayat.com/Details/525592

المعارضة في الهوامش والأطراف، وذلك قبل الاستحقاقات السياسية التي كانت مطروحةً يومئذ؛ كمؤتمر جنيف 2، والانتخابات الرئاسيّة مثل. وكان المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات قد نشر في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2013، ورقة تقدير موقف بعنوان "معارك القلمون: حسابات أطراف الصراع ورهاناتها"12. وقد تطرقت هذه الورقة إلى أهمية منطقة القلمون وحسابات الأطراف الفاعلة، وخلصت إلى أنّ حسم معارك القلمون يتطلب أربع جولات رئيسة داخل سورية، أُولاها في المناطق القريبة من الطريق الدولية؛ وهي النبك، وقارة، ودير عطية، ومعلولا (حسمها النظام في تشرين الأول/ أكتوبر- تشرين الثاني/ نوفمبر 2013.) وثانيتها في يبرود (حسمها النظام في شهر آذار/ مارس 2014)، وثالثتها في مثلث عسال الورد، ورنكوس، والزبداني (حسمها النظام في شهر نيسان/ أبريل 2014)، ورابعتها في ريف حمص (عزله النظام تدريجيًّا خلال النصف الأول من عام 2014.) وبعد ذلك، يتطلب الأمر جولةً خامسةً داخل الأراضي اللبنانية؛ أي في عرسال تحديدًا13. نتج من معارك القلمون، فقدان المعارضة لمراكز المدن والقرى في المنطقة، وانتقالها إلى الجرود، ودخولها في معارك استنزاف ضدّ حزب الله والنظام. كما تسببت معارك القلمون في تهجير عشرات آلاف اللاجئين، الذين لم يجدوا إلا عرسال ملجأً بحكم ديمغرافية قضاء بعلبك، وخصوصًا أنها قريبة من سورية؛ ما يُ كِّن المقاتلين في سائر جبهات القلمون (رأس المعرة، وفليطة، وأطراف رنكوس) من التواصل مع عائلاتهم وأقاربهم الذين سكنوا في البلدة. وقد

  1. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013/12/4، على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/c1979ab6-0f28-4621-aa58-1595999984b1
  2. انظر: "معارك القلمون: حسابات أطراف الصراع ورهاناتها"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013/12/4، على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/c1979ab6-0f28-4621-aa58-1595999984b1 سياقات المواجهة المسلحة وتداعياتها

تراوح عدد السوريين اللاجئين إلى عرسال، بحسب تقديرات غير رسمية، بين 100 و 120 ألف شخص؛ أي ما يفوق عدد سكانها ثلاثة أضعاف14. وتدريجيًّا تحولت عرسال إلى بلدة لبنانية، لكنها سورية في حسابات جميع الأطراف الفاعلة.

لبنانيًّا: عرسال ملف أمني طارئ

بخلاف ارتباطها الوثيق بسورية اقتصاديًّا واجتماعيًّا، لم تكن عرسال ضمن أولويات الدولة اللبنانية. وعلى غرار ما أوضحنا من قبلُ، عانت البلدة التهميش وغياب التنمية، شأنها في ذلك شأن قرى قضاء بعلبك ومدنها. وباستثناء بعض الحواجز العسكرية في الطرق المؤدية إليها، والواقعة على مداخلها، غابت الدولة اللبنانية عن عرسال غيابًا شبه كليٍّ. وغداةَ انطلاق الثورة السورية، انقسم الفرقاء اللبنانيون سريعًا في الموقف تجاهها بين مؤيّد، ومناوئ، ومتحفِّظ. وبمرور الشهور، عمّق الموقف من الثورة السورية الاستقطاب اللبناني، وزاد الشرخ القائم أصلً بين القوى السياسية. وفي محاولة لتجنيب لبنان ارتدادات الأزمة السوية توافقت القوى اللبنانية في 11 حزيران/ 2012 على إعلان بعبدا الذي حدّد في بنديه 12 و 13 الأطر العامة للموقف اللبناني من الأزمة15، وذلك على النحو الآتي: تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية، وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية. الحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية، وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرًّا لتهريب السلاح والمسلحين، أو ممرًّا لهذا التهريب. لكنّ إعلان بعبدا، أو ما أُطلق عليه "سياسة النأي بالنفس"، لم يصمد طويلً في ظلّ اندفاع الفرقاء السياسيين في لبنان للتدخل في الأزمة السورية ودعم حلفائهم، سواء كان هذا الدعم ماديًّا، أو لوجستيًّا، أو عسكريًّا مباشرًا، وهو ما ترك تداعيات مختلفةً وأدَّى إلى حرائق ومواجهات طائفية عدّة؛ كأحداث صيدا في مجمع الشيخ "السلفي" أحمد الأسير التي بدأت أواخر عام 2012، وانتهت بمواجهة مع الجيش اللبناني قُتل خلالها 16 جنديًّا قبل أن يحسمها هذا الجيش في 25 حزيران/ يونيو 2013 16، وباشتباكات طرابلس بين باب التبانة (السُّنة) وجبل محسن (العلويين) التي تدخَّل فيها الجيش عدّة مرات، محاولً تطويقها.

لم يُجدِ التكتيك "الإطفائي" نفعًا في تحييد لبنان عن الأزمة السورية. وجاء خطاب الأمين العامّ لحزب الله حسن نصر الله، بتاريخ 1 أيار/ مايو 2013، معلنًا عن مشاركة مقاتلي الحزب في القتال داخل سورية، ليخلط الأوراق في لبنان. فمبدأ النأي بالنفس لم يعُد قائمًا، حتى وإن دأبت الحكومة اللبنانية السابقة برئاسة نجيب ميقاتي على إعلان تمسكها به. وبناءً عليه، دخل لبنان مرحلةً جديدةً يعيش فيها على وقْع ما يجري في سورية أمنيًّا وسياسيًّا، وشهد خلالها سلسلة من التفجيرات المفخخة والانتحارية، قبل أن تندلع أزمة عرسال على النحو الآتي17: الضاحية الجنوبية، 9 تموز/ يوليو.2013 السفارة الإيرانية، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر.2013 الضاحية الجنوبية، 2 كانون الثاني/ يناير .2014 الهرمل، 16 كانون الثاني/ يناير .2014 حارة حريك، 21 كانون الثاني/ يناير.2014 الشويفات، 3 شباط/ فبراير.2014 بئر حسن، 19 شباط/ فبراير.2014 ضهر البيدر في البقاع، 20 حزيران/ يونيو.2013

  1. عرسال الحدودية تستفيد طبيًّا من وجود اللاجئين السوريين.. وتخسر اقتصاديًّا
  2. إعلان بعبدا الصادر عن هيئة الحوار"، موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية، 2012/6/11،
  3. الشرق الأوسط وماليًّا"،، 2014/7/29، على الرابط: http://www.aawsat.com/home/article/147631
  4. على الرابط: http://www.presidency.gov.lb/Arabic/News/Pages/Details.aspx?nid=14483 16  " الجيش اللبناني يحكم سيطرته على مجمع الشيخ أحمد الأسير بعد مقتل 16 من فرانس جنوده"، 24، 2013/6/25، على الرابط: http://goo.gl/bCRJ9b 17 انظر: "أخبار تفجيرات لبنان"، سكاي نيوز عربية، على الرابط: http://goo.gl/R6Fiz3

لقد أحدثت التفجيرات خللً أمنيًّا في لبنان عمومًا، وفي مناطق حزب الله خصوصًا، وبرزت انتقادات حمَّلت هذا الحزب مسؤولية استدراج الجهاديين وتفخيخ السيارات. وفي محاولة لوقف تلك التفجيرات، أعدَّ حزب الله، في مطلع آذار/ مارس 2014 لمعركة يبرود؛ ذلك أنّ تقييمه للأمر ينبني على أنّ المفخخات التي تستهدف مناطقه كانت تُصنع في يبرود السورية، ثمّ تُنقل عبر عرسال إلى الداخل اللبناني. فجّيش عناصره لحسمٍ سريع في يبرود من أجل القضاء على "التكفيريين"، عادًّا أنّ انتصاره فيها سيوقف التفجيرات. ولم تَخْلُ الحملة الإعلامية والدعائية أثناء معركة يبرود من إشارات إلى دور عرسال "التخريبي"؛ ومن ثمّة إلى ضرورة الحسم في أمرها.

إنّ استمرار التفجيرات في لبنان من جهة، وتدفق اللاجئين إليها من جهة أخرى، جعل من بلدة عرسال ملفًّا أمنيًّا طارئًا تقع معالجته على الحكومة الجديدة برئاسة تمام سلام. وقد شُكِّلت هذه الحكومة بعد انكشاف الحسابات السورية، وفشل مؤتمر جنيف 2 في صَوْغ حلّ للأزمة18. كما ساهمت عدّة أحداث في تسليط الضوء على عرسال وأزمتها المتفاقمة؛ كقيام طيران النظام السوري باستهداف البلدة في عدّة مناسبات، وأزمة راهبات معلولا اللَّ ئي جرى خطفهن من جبهة النصرة أثناء دخولها إلى البلدة، واللَّ ئي أ طلق سراحهن بموجب صفقة أشرف على تنفيذها عباس إبراهيم المدير العامّ للأمن اللبناني، تضمنت الإفراج عن بعض المعتقلات في السجون السورية، من بينهنّ سجى الدليمي زوجة أحد قادة الفصائل الجهادية في سورية التي جرى تسليمها إلى جبهة النصرة في أطراف بلدة عرسال، وذلك في مطلع شهر آذار/ مارس 2014 19، إضافةً إلى أحداث أمنية وعمليات انتقامية قامت بها فصائل جهادية؛ مثل اغتيال سورييْ، في 26 شباط/ فبراير 2014، في جرود عرسال، هما علي ومحمد الكوز، بتهمة العمالة للنظام السوري، واتهامها جبهة النصرة بالوقوف وراء عمليات الاغتيال20، ومثل مقتل مصطفى نجيب عز الدين وولده، في 8 تموز/ يوليو 2014، واتهام مجموعة من تنظيم الدولة الإسلامية بذلك إثر تسلّلها إلى عرسال21. يمكن القول إنّ تدخل حزب الله قد ساهم في جرِّ لبنان إلى الصراع السوري، وفتح ثغرةً مكَّنت الفصائل الجهادية من التغلغل إلى لبنان، وتفعيل خلايا نائمة فيه. وعلى الرغم من الانتقادات الموجَّهة إلى حزب الله والمطالبات الرسمية والشعبية بسحب قواته من سورية، فإنه رفض ذلك، واستمر على معاركه في القلمون، مستفيدًا من هشاشة الحكومة اللبنانية، وضبابية موقف الجيش، بل انحيازه إلى الحزب في كثير من المواقف والمواجهات، والقبول الضمني دوليًّا بتدخله العسكري؛ وهو ما قاد إلى تفجيرات كان آخرها ما جرى في عرسال.

ما الذي جرى في عرسال؟

منذ اندلاع أزمة عرسال، ظهرت روايتان متعلّقتان بها. فالأولى لبنانية، وقد اتفق فيها الجانبان الرسمي والشعبي (باستثناء شرائح في الشارع اللبناني السني) على أن ما جرى في عرسال هو بداية مخطط جهادي ينفِّذه تنظيم الدولة الإسلامية؛ للسيطرة على لبنان، وإلحاقه بالخلافة الإسلامية التي أعلنها التنظيم في 29 حزيران/ يونيو 2014. أمّا الرواية الثانية، فهي سورية (من المعارضة)، وقد ادعت أن ما جرى هو مخطط نفَّذه الجيش اللبناني بالتنسيق مع حزب الله؛ لاستدراج الفصائل السورية وإشغالها عن استنزاف هذا الحزب، ولا سيما بعد خسائره الكبيرة في القلمون. كما ادعى أصحاب هذه الرواية أنّ اتخاذ قرار الدخول إلى عرسال كان بعد نداءات استغاثة من أقاربهم، وذويهم، وعائلاتهم الموجودة في عرسال، بعد اشتداد القصف العشوائي على مخيماتهم. وتستند الروايتان إلى حقائق قائمة، لكنّ السياق الذي جرت فيه المواجهة مختلف تمامًا. فلا شكّ في أنّ الفصائل المسلحة في القلمون

  1. لبنان: حكومة تستبق الفراغ الرئاسي"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014/2/25، على الرابط:
  2. لمشاهدة عملية التبادل، انظر: "عملية تبادل راهبات معلولة"، مقطع فيديو، 19 يوتيوب،
  3. 2014/3/10، على الرابط: http://www.youtube.com/watch?v=zf9dZw0nC9s 20  " انسحاب مقاتلو داعش من بلدات في شمال سوريا وجبهة النصرة تعدم اثنين بجرود القدس العربي عرسال شرق لبنان"،، 2014/2/28، على الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=138457 " داعش تعدم شخصًا في منزله في عرسال"، 21 الجمهورية، 2014/7/8، على الرابط: http://www.aljoumhouria.com/pages/view/151856 سياقات المواجهة المسلحة وتداعياتها

فكّرت مؤخرًا في نقل المعركة إلى الجانب اللبناني، وتحديدًا إلى القرى المؤيّدة لحزب الله التي تُعدّ الخزان البشري لمقاتليه في سورية. لكنها، في ضوء نجاح تجربة حرب العصابات في استنزاف الحزب وازدياد خسائره البشرية، إضافةً إلى النتائج السلبية التي قد تترتب على دخولها إلى لبنان، غضَّ ت الطرف عن هذا المخطط، واستمرت على تكتيكها العسكري القائم على توجيه ضربات مباغتة وسريعة لنقاط تمركز الحزب في القلمون، واستهداف مواكبه وتحركات عناصره من سورية وإليها. وبناءً عليه، ونظرًا إلى الأسباب السابقة، وإلى خصوصية عرسال، لم تفكر الفصائل السورية في افتعال مواجهة مسلحة، أو السيطرة على البلدة التي هي في الأصل خارج سلطة الدولة اللبنانية من الناحية العملية22. وفي تفاصيل ما جرى أنّ الجيش اللبناني اعتقل، في 2 آب/ أغسطس 2014، قائد لواء فجر الإسلام عماد جمعة الذي كان قد بايع تنظيم الدولة الإسلامية مؤخرًا، في كمين نُصب له بالقرب من حاجز المصيدة في جرود عرسال23، ونقله إلى أحد مقارّه للتحقيق معه بتهمة التخطيط لشنّ هجوم عسكري على حواجز الجيش اللبناني ومراكزه24. كان انضمام جمعة إلى تنظيم الدولة الإسلامية، في ما يبدو، الدافع الظاهر لاعتقاله، ولا سيما بعد تهديدات التنظيم للجيش اللبناني ودعوته العسكريين (السنة) إلى الانشقاق عنه. لكنّ هذا الأمر لم يكن ذا أهمية بالنسبة إلى الفصائل السورية؛ نظرًا إلى أنّ المرجعية العسكرية والسياسية للكتائب والألوية الصغيرة تتغير باستمرار. فهي تنضوي إلى تنظيمات ومجالس عسكرية تكفيها الدعم المادي العسكري، بغضّ النظر عن قناعتها بأفكارها أو توجهاتها. وفي سيرة لواء فجر الإسلام وقائده ما يؤكِّد ذلك، فقد برز اسم عماد جمعة في منطقة القصير بريف حمص، أوائل عام 2012، عندما تحولت الثورة السورية إلى ثورة مسلحة، وأسَّس آنئذ كتيبةً سُمِّيت "أبي الخباب"، وقد ضمّت مجموعةً قليلةً من أهالي القصير والقرى المحيطة بها. ولكن توسع العمل المسلح، وخروج القصير عن سيطرة النظام، وانضمام مزيد من المقاتلين إلى هذه الكتيبة، جعلها تتحوّل إلى لواء سماه جمعة "فجر الإسلام." ثمّ إنّ هذا اللواء نفسه قد انضمّ إلى غرفة عمليات القصير التابعة للمجلس العسكري الثوري في حمص وريفها. وبعد معركة القصير، انتقل جمعة إلى القلمون، وانضمّ إلى غُرف عمليات عديدة، قبل أن يبايع تنظيم الدولة في منتصف تموز/ يوليو 2014 25. ولدى سماع عناصر اللواء باعتقال قائدهم المعروف ب "أبو أحمد" ذي الصيت الذائع في القصير والقلمون، بسبب ما يرون من "بسالته" في قتال حزب الله، نظرت إلى اعتقاله على أنه مخطط جديد ينفِّذه الجيش اللبناني نيابةً عن حزب الله، وعلى أنه مرتبط بمعارك القلمون الأخيرة وخسائر حزب الله فيها. فهدّدت تلك العناصر - بمعية كتائب أخرى - بإخراجه عنوةً، وبضرب حواجز الجيش إنْ لم يُفرج عنه في تمام الساعة الخامسة من عصر يوم الاعتقال26. ولم يُعرف حتى الآن الدافع الحقيقي لاعتقال جمعة، فرواية الجيش التي تناقلتها وسائل الإعلام اللبنانية بعد ساعات من الحادثة تقول إنّ جمعة اعترف بانتمائه إلى جبهة النصرة، وإنه ينفذ مخططًا لشنّ هجمات عسكرية. غير أنّ هذه الرواية لم تكن مقنعةً، بل دحضتها عدّة وقائع؛ منها أنّ جمعة قد بايع تنظيم الدولة وهو على خصومة وعداوة مع جبهة النصرة، كما أنّه كان يتردد - حتى بعد مبايعته للدولة - على عرسال أسبوعيًّا، وكان يمرّ على حواجز الجيش ويُفتَّش؛ فلا يحتاج اعتقاله، إذن، إلى كمين خاص. بعد انقضاء المهلة، شنّ عناصر فجر الإسلام ومسلحون آخرون، من ضمنهم مجموعة من جبهة النصرة، هجومًا استهدف حواجز الجيش اللبناني، واختطفوا عددًا من الجنود لمبادلتهم بجمعة وآخرين ممّن كان الجيش قد اعتقلهم27. ولم يكن أمام الجيش الذي أعلن قائده جان قهوجي في عيد الجيش الأوّل من آب/ أغسطس 2014، قبل يوم من اندلاع الأزمة في عرسال، أنه لن يسمح بإقامة "أيّ منطقة عازلة خارجة عن سلطة الدولة"، وأنّ ردَّه "سيكون حاسمً وفاعل عبر خطة محكمة ستظهر تباعًا على أرض الواقع وفقًا لمسار الأحداث

  1. شهادة من قائد ميداني في جبهة النصرة في القلمون لا يرغب في ذكر اسمه.
  2. بخلاف بعض الروايات الإعلامية اللبنانية، لم يكن عماد جمعة مسلحًا، فعندما كان
  3. انظر: "المخطط الإرهابي يسعى لزج لبنان في حرب المنطقة"، 24 إذاعة النور، 2014/8/5، على الرابط: http://www.alnour.com.lb/newsdetails.php?id=69504
  4. انظر: عبد الرحمن عرابي: "عماد جمعة... قائد 'فجر الإسلام' الذي أشعل عرسال "، العربي الجديد، 2014/8/3، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/politics/b861a8d0-880e-46cc-984a-3ba2befce8d6
  5. مقابلة أجراها حمزة المصطفى مع محمد أبو ياسر، أحد المقاتلين السابقين في القصير، المقيم في بلدة عرسال اللبنانية. 27 الجنود المخطوفون هم: ناهي بو خلفون، ومحمد حميش، ومحمد القادري، وإبراهيم شعبان، ووائل درويش، وأحمد غية، وريان سلام، والرقيب جورج خوري. انظر: "بالأسماء: الحدث نيوز 'أسرى الجيش اللبناني الذين اختطفوا من قبل العناصر الإرهابية"'،، 2014/8/4، على الرابط: http://www.alhadathnews.net/archives/131777
  6. ينقل أحد جرحى معارك القلمون إلى عرسال، اعتقل خلف حاجز الجيش في كمين، من دون أن يقاوم أو يطلق النار، ومن دون حصول أيّ اشتباك.

والتطورات28، سوى إعلان التعبئة العامة، والحشد المعنوي. ثمّ إن قيادته أصدرت بيانًا قالت فيه: "إنّ الجيش سيكون حاسمً وحازمًا في ردِّه، ولن يسكت عن محاولات الغرباء على أرضنا تحويلَ بلدنا ساحة للإجرام وعمليات الإرهاب والقتل والخطف"29. وبدأ الاشتباك مع وصول وحدات عسكريّة وتعزيزات إلى عرسال، وانتهى في يومه الأول بمقتل 11 من المسلحين السوريين في جرود عرسال، و 8 من جنود الجيش اللبناني30. وفي ظلّ الانقسام والاستقطاب السياسي، والشلل المؤسساتي الذي عاشه لبنان خلال أزماته الحكومية منذ انسحاب القوات السورية في 26 نيسان/ أبريل 2005، بقيَ الجيش اللبناني المؤسسة السيادية الوحيدة التي تحظى بإجماع أغلبيّة القوى السياسية عليها، والتي يُنظر إليها على أنها "ضمانة" لاستمرار الدولة اللبنانية واستقرارها. إنّ خصوصية الجيش وموقعه قد فرضَ ا على جميع القوى السياسية اللبنانية، ومن ضمنها تلك التي تعلن تأييدها للثورة السورية، تبنِّي موقفه وروايته، وإعلان الدعم الكامل لمواجهته المفتوحة في عرسال؛ وهو ما رفع سقف قيادته التي نظرت إلى الموضوع من زاوية أخرى. فقد كانت عينها، منذ بدء الفراغ الرئاسي، على منصب الرئاسة؛ يُ نح في أوقات إذ صار من المتعارف عليه لبنانيًا أنّ هذا المنصب الأزمات وغياب الإجماع لقائد الجيش التوافقي، بعد أن يسجل في رصيده "معركةً إنقاذيةً" للُبنان الكيان والدولة. وبناءً عليه، عدَّت قيادة الجيش مواجهة عرسال استكمالً لمسارٍ بدأه الجيش لمكافحة "الإرهاب" في مخيم نهر البارد عام 2007 ولمواجهات مع "التطرف والأصولية" (وقد حصرت ذلك في اللبنانيين السُّنة) كما جرى في صيدا وطرابلس31. ومع تقدم وحدات الجيش لاقتحام عرسال في 3 آب/ أغسطس 2014 وقصفه لها، دخل مسلحون من تنظيم الدولة الإسلامية إلى البلدة وانتشروا فيها، تبعهم في ذلك مقاتلو النصرة، ومقاتلون سوريون ينتسبون إلى فصائل إسلامية والجيش الحر، بعد نداءات استغاثة من أهاليهم في عرسال حينما وجودوا أنفسهم تحت وابل من القذائف التي لا يمكن تحديد مصدرها بدقة.

وعلى الرغم من إدراك الجيش اللبناني لصعوبة الحسم في عرسال، فإنه صعّد من قصفه العشوائي وغضّ النظر عن قصف مشابه انطلق من قرى مؤيِّدة لحزب الله؛ كبلدة اللبوة مثلً. وبخلاف طريقة تعامله مع قصف طيران النظام السوري المستمر منذ أكثر من عام على عرسال وجرودها، وقصفه لقرى لبنانية حدودية لها كما جرى في بلدة الطفيل في 26 حزيران/ يونيو 2014 32، لم يبادر الجيش اللبناني إلى احتواء الأزمة وحلّها بأدوات ناعمة، بل إنه جيّش في خطابه لمواجهة، وحرب مفتوحة ضدّ الإرهابيين والتكفيريين والغرباء. وفي محاولة لاحتواء الأزمة ومنْع تفاقمها، بدأت هيئة علماء المسلمين في لبنان منذ اليوم الثاني من اندلاعها 3( آب/ أغسطس 2014) بالوساطة بين الطرفين، وتوصلت في 5 آب/ أغسطس 2014، إلى هدنة إنسانية، سرعان ما خُرقت؛ فتجددت الاشتباكات33. ما هو مؤكد، أنّ الفصائل المسلحة - بما فيها الجهادية - لم تكن راغبة في استمرار المواجهة وتوسُّعها مع الجيش اللبناني، لقناعتها بأنّ قرار الدخول إلى عرسال كان خطأً، وأنه فُرض عليها لحماية "اللاجئين"؛ فاستجابت مبكرًا لمبادرة الشيخ سالم الرافعي رئيس هيئة علماء المسلمين، والأستاذ نبيل الحلبي ممثل مؤسسة لايف للديمقراطية

  1. العماد قهوجي، "لن نسمح بإقامة أيّ منطقة عازلة"، 28 إذاعة النور، 2012/7/30، على الرابط: http://www.alnour.com.lb/newsdetails.php?id=35332&searchstring=%C7%E 1%DA%E3%C7%CF
  2. النصرة تقتحم عرسال" العماد قهوجي، 29 الحياة، 2014/8/3، على الرابط: http://alhayat.com/Articles/3930629/-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8% B5%D8%B1%D8%A9--%D8%AA%D9%82%D8%AA%D8%AD%D9%85-
  3. ثائر غندور: "اشتعال جبهة عرسال اللبنانية: قتلى وجرحى ومخطوفون"، 30 العربي الجديد، 2014/8/2، على الرابط:
  4. انظر: حمزة المصطفى، "عرسال السورية، والفخ اللبناني"، 31 العربي الجديد، 2014/8/12، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/opinion/3230ddd7-e1f2-49e7-a13b-a795100493c9 32 للوقوف على ما جرى في بلدة الطفيل انظر: ثائر غندور، "احتلال سوري لأرض لبنانية"، العربي الجديد، 2014/6/26، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/opinion/891ad969-f6bb-4af9-b883-cf58e3f42de2 33  " انهيار الهدنة وعودة الاشتباكات في بلدة عرسال اللبنانية "، بي   بي   سي   عربي، 2014/8/5، على الرابط: http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/08/140805_lebanon_ersal_ truce.shtml سياقات المواجهة المسلحة وتداعياتها
  5. %D8%B9%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84
  6. http://www.alaraby.co.uk/politics/7f25f964-fd1a-4d4e-b990-dc61b518460c

وحقوق الإنسان. وقد نصّت المبادرة على انسحاب تلك الفصائل مقابل إيجاد ضمانات للاجئين السوريين في البلدة. وتأكيدًا لذلك، أطلقت جبهة النصرة التي تولى أميرها في القلمون "أبو مالك" التفاوض مع هيئة علماء المسلمين، ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلي ك "بادرة حسن نية"؛ لإنجاح وساطة الرافعي34. في المقابل، أصرّ الجيش اللبناني على اقتحام عرسال رافضًا "الهدنة مع المسلحين"35، لكنه ما لبث أن استجاب لمبادرة الوساطة التي نصت على ما يلي: تشكيل لجنة من أهالي عرسال وبعض الحقوقيين السوريين تُدير عرسال، وتستلم الوضع الأمني، وتضمن تنفيذ المبادرة بإشراف مؤسسة "لايف" لحقوق الإنسان، ورعاية هيئة علماء المسلمين. تلتزم الأطراف المتقاتلة كافَّةًالانسحاب من عرسال وتسليمها للَّجنة. • إطلاق سراح ثلاثة جنود لبنانيين ك "بادرة حسن نية" من المقاتلين، مقابل دخول الهيئات الإعلامية ومنظمات الإغاثة الإنسانية. يتمّ نقل الجرحى والسماح بخروج المدنيين، وخصوصًا النساء والأطفال، وإدخال الأطباء لمعالجة من لا  يُ كن نقلهم بإشراف لجنة عرسال. السماح بإيصال كلّ المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية لبلدة عرسال. وبموجب هذه المبادرة دخل الجيش اللبناني إلى عرسال، في 7 آب/ أغسطس 2014، بعد انسحاب المسلحين منها36. وكانت حصيلة المواجهات في عرسال مقتل 20 جنديًّا لبنانيًّا37، و 17 دركيًّا، وأكثر من 43 مسلحًا ومدنيًّا سوريًّا، و 15 مدنيًّا من أهالي عرسال.

ملاحظات واستنتاجات

يدلّ السياق الذي جرت فيه أزمة عرسال، على أنها لم تكن أزمة طارئةً تفاقمت فجأةً، بل إنها جاءت نتيجةً طبيعيةً لانخراط الأطراف اللبنانية عمومًا، وحزب الله خصوصًا، في الصراع السوري؛ ما أدَّى إلى لجوء عشرات آلاف السوريين، من ضمنهم عائلات المقاتلين في ريف حمص والقلمون، إلى عرسال، وخلق أزمة لم تفلح الإجراءات الإسعافية اللبنانية في منعها من الانفجار. فالسياق الذي جرى فيه اعتقال عماد جمعة، وتصريحات قائد الجيش قُبيل اندلاع الأزمة بيوم واحد، إضافةً إلى تصريح رئيس بلدة اللبوة لصحيفة الشرق الأوسط في 30 تموز/ يوليو 2014 بأنّ "ساعة الصفر ستدق اليوم الأربعاء للقضاء على المسلحين والإرهابيين الموجودين في جرود عرسال"38، كلّ ذلك يوحي بأنّ الأزمة تبدو، في بعض جزئياتها، مخططةً. والجدير بالذكر توقُّع أغلبيّة اللبنانيين معركة عرسال منذ أشهر، وقد تطرقت ورقة بحثية نشُرت في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في 15 يوليو/ تموز 2014، بعنوان "السلفيّة اللبنانية في تمظهراتها الجديدة" إلى ذلك بالقول: "غدت عرسال بفعل التعبئة الإعلامية ... تنتظر عمليةً عسكريةً تستهدفها بحجّة تطهيرها من الإرهابيين التكفيريين، خصوصًا بعد نجاح حزب الله والنظام

  1. 37  " قهوجي: عناصر الجيش اللبناني الذين فُقدوا أثناء تصديهم للإرهابيين في عرسال 20 سانا عنصرًا"،، 2014/8/14، على الرابط: http://x.co/5NgVp
  2. مقابلة أجراها حمزة المصطفى مع محمد أبو ياسر، المرجع نفسه، وانظر أيضًا: "وساطة 'العلماء' تثمر إطلاق 3 من قوى الأمن والرافعي يؤكد رغبة المسلحين في الانسحاب"، الحياة، 2014/8/6، على الرابط: http://goo.gl/24s1jm
  3. عرسال داعمة الثورة السورية.. والمواجهة بين الجيش اللبناني والنصرة، 35 التقرير، 2014/8/5، على الرابط: http://goo.gl/ky46SZ
  4. انسحاب المسلحين من عرسال وبدء إخلاء الجرحى"، 36 الجزيرة نت، 2014/8/7، على الرابط: http://x.co/5NgPj
  5. على الرابط: http://classic.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=13028&article=781 285&feature=#.U_HtyfmSy-0
  6. قال أمهز "المعطيات التي بحوزتنا تشير إلى أنّ عمليةً ستنفذ بالتعاون ما بين الجيشين اللبناني والسوري و(حزب الله) لوضع حد للإرهاب الكامن على الحدود"، وأشار إلى أن "الجيش السوري سيتصرف ضمن نطاق أراضيه، فيما يتولى الجيش اللبناني وعناصر المقاومة العمليات ضمن الأراضي اللبنانية." وأضاف: "دقت الساعة وحان وقت الحسم، فما يحصل في مناطقنا وعلى الحدود لم يعد مبررًا، وتعريض أمن أهلنا في كل لحظة للخطر من خلال صواريخ يطلقها مسلحون يسرحون ويمرحون، لم يعد مقبولً "، انظر: "اشتباكات وكمائن على الحدود اللبنانية - السورية ومقتل عنصرين من 'حزب الله"'، الشرق الأوسط، 2014/7/30،

السوري في السيطرة على كلّ المنطقة السورية المحاذية لحدود البقاع الشمالي من لبنان، ثمّ السيطرة على قرية الطفيل"39. تتفق جميع الفصائل المسلحة الموجودة في منطقة القلمون على أنّ عرسال اللبنانية (السورية) هي رئة الثورة ومتنفسها الوحيد الذي بقيَ، وتجمع أغلبيتها - بما فيها جبهة النصرة - على أن دخول عرسال خطأ أضرَّ بها40 وبالثورة السورية بوجهٍ عام،ّ وهذا يتنافى مع الرواية الإعلامية اللبنانية التي تحدثت عن مخطط مسبق لاستهداف لبنان وجرّه إلى الصراع السوري. لم تتخذ الفصائل السورية القرار بالدخول من أجل حسابات إستراتيجية، أو من أجل المطالبة بإطلاق جمعة، بل خوفًا على ذويها وأقاربها من اللاجئين. وقد أكد ذلك الشيخ سالم الرافعي عند سؤاله عن اش اررط المسلحين إطلاق جمعة للانسحاب قائلً: "الذي يطلب هذا الطلب غير موجود الآن، الموجودون الآن هم الخائفون على المدنيين ويريدون الانسحاب بأقرب فرصة ويطالبون بضمانة لأهلهم في عرسال وهذه المعركة ليست معركتهم، ولكن بعض الفصائل وعند اعتقال البعض من جماعتهم تورطت في هذه المعارك وفي أسر الجنود. أمّا سائر الفصائل فلم توافق على هذا، وتدخُّلها كان لحماية المدنيين"41. استغلت قيادة الجيش اللبناني الإجماع الرسمي والشعبي اللبناني لتصعيد موقفها العسكري. وبدا المشهد، في إحدى صوره، كما لو أنّ قائد الجيش جان قهوجي يريد مراكمة رصيد سياسي يؤهله لشغر منصب رئيس الجمهورية إذا ما استمر غياب الإجماع على مرشّح توافقي، حتى لو تطلّب ذلك الانحياز المعلن إلى أحد أطراف المعادلة السياسية اللبنانية. • وع بدا واضحًا أنّ أطرافا لبنانيةً عديدة -  ىى رأسها حزب الله - كانت ترغب في استمرار المواجهة، وأنها جيَّشت لها إعلاميًّا، سواء كان ذلك في تصريحات مسؤولي الحزب، أو في أغنية مُنشدِه علي بركات "اضربْ قاتلْ حطّمْ دمّر.ْ. سيطر على عرسالْ " التي جاءت مشابهةً لأغنيته السابقة "احسمْ نصرك في يبرود"؛ من حيث انطواؤها على دلالات طائفية، وتضمّنها تحريضًا واضحًا ومسبقًا على بلدة عرسال42. كما أنّ الحزب غَضّ الطرف عن سلوكيات مؤيِّديه في القرى المجاورة لعرسال، مثل اعتراض قوافل الإغاثة والمساعدات الطبية، ومنْع دخولها؛ لعرقلة مبادرة هيئة علماء المسلمين43، إضافةً إلى أنه قصف بقذائف الهاون مخيمات اللاجئين في عرسال؛ ما أدّى إلى احتراق بعضها وتشريد مئات اللاجئين. وفي السياق نفسه، قام مسلحون "مجهولون" بإلقاء قذيفة على سيارة الشيخ سالم الرافعي أثناء خروجه من عرسال، وقد نفى الرافعي ما جاءت به وسائل الإعلام اللبنانية بشأن استهدافه من المسلحين السوريين، وأكد ذلك بقوله: "إنّ المسلحين السوريين من هرعوا إلى السيارة، وسحبونا منها، وقُتل من بينهم شخص"44. من جهة أخرى، في الوقت الذي تبنَّت فيه وسائل إعلام الحزب رواية الجيش في بداية الأزمة، وجيَّشت ضدّ بلدة عرسال، تحدثت بعد نفاذ الوساطة عن "تسوية مذلة"، على نحو ما جاء في افتتاحية جريدة الأخبار بتاريخ 8 آب/ أغسطس45، بل إنها قالت: "تركت عملية التفاوض جرحًا عميقًا في صورة المؤسسة العسكرية، لا أمام الجمهور، بل أمام ضباط وجنود كانوا يعبّ ون، بوسائط مختلفة، عن تململهم ممّ جرى"46. أبرزت أزمة عرسال صعود حالة عنصرية ضدّ اللاجئين السوريين ظهرت في الإع ماا المرئي والمكتوب، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، عبر الحملات التي دعت إلى طردهم إلى بلادهم ووصفتهم بالغرباء، إلى حدّ مطالبة بعضهم بقتلهم. يُضاف إلى ذلك أنّ بعض القوى اللبنانية؛ كالتيار الوطني الحر، والقوى التي لديها موقف سلبي مسبق وعنصري من اللاجئين السوريين، استغلت الأزمة لتصعيد هجومها ضدهم.

  1. انظر: سعود المولى "السلفية اللبنانية، في تمظهراتها الجديدة"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014/7/15، على الرابط: http://www.dohainstitute.org/release/724d58d9-f37d-48e0-93ec-d9db12ca8abb
  2. أصدرت جبهة النصرة، بعد انتهاء الأزمة، بيانًا اعتذرت فيه عن تدخلها، ووضعته في إطار الرد على قصف الجيش وحزب الله، وقالت إنها خرجت سعيًا للحفاظ على حياة المدنيين
  3. 46 المرجع نفسه. سياقات المواجهة المسلحة وتداعياتها
  4. جاد شحرور "منشد حزب الله يدعوه إلى السيطرة على عرسال"، 42 العربي الجديد، 2014/8/4، على الرابط: http://www.alaraby.co.uk/miscellaneous/8d5b7088-19b8-4828-86a1-a5f16192f9ff
  5. اللبوة: 'غضب الأهالي' يمنع إغاثة عرسال"، 43 المدن، 2014/8/6، على الرابط: http://www.almodon.com/politics/40035408-e804-47b3-ba26-a291cd3afb8a 44  " وساطة 'العلماء' تثمر"..، المرجع نفسه. " عرسال خارج السيادة: التسوية المذلّة"، 45 الأخبار، 2014/8/8، على الرابط: http://www.al-akhbar.com/node/213139
  6. بعد ضمانات. انظر: "النصرة توضح ملابسات أحداث عرسال.. ما خذلناكم عند دخولنا
  7. ولا عند خروجنا"، زمان الوصل، 2014/8/7، على الرابط: https://zamanalwsl.net/news/52324.html
  8. 41  " وساطة 'العلماء' تثمر"..، المرجع نفسه.

كان حزب الله أحد أبرز المستفيدين، فقد جاءت الأزمة في عرسال لتشرعن، ولو على نحوٍ موقَّت، تدخله في الحرب السورية، ومنحته الفرصة لتأكيد روايته السابقة التي تقول إنّ تدخله "خطوة استباقية لحماية لبنان من الخطر التكفيري." وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة التغير في موقف النائب وليد جنبلاط الذي التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العامّ لحزب   الله حسن نصر الله، معلنًا عن تراجعه عن القول إنّ تدخل حزب الله في سورية هو الذي أتى بالإرهاب إلى لبنان. وبغضِّ النظر عن كون موقف جنبلاط تكتيكيًّا، وأنه كانت بمنزلة تقديم تنازلات للحزب من أجل "تبرئته" من تهمة توريط لبنان في الصراع السوري، مقابل قبول الحزب بمرشَّح توافقي للرئاسة يكون مقبولً من تيار المستقبل، وقطْع الطريق على ميشيل عون وقائد الجيش معًا، فإن هذا الموقف وموقف الحريري أيضًا يعني التسليم، ولو شكليًّا، بوجود الحزب في سورية، والتنازل عن المطالبة بانسحابه. برز ارتباك في موقف تيار المستقبل، بسبب حساسية وضع الشارع السني الذي يتحفّظ عن المواجهة إن لم يعارضها، وبسبب ضرورات ناجمة عن التزامه الموقف الأميركي السعودي المتمثّل بالوقوف مع الجيش في "مواجهة الإرهاب." وفي السياق نفسه، نظر تيار المستقبل بعين الريبة، إلى جهد هيئة علماء المسلمين في وساطة عرسال، وإلى احتمال إفضاء هذه الوساطة إلى ارتفاع شعبيتها المتصاعدة؛ وهو ما يخلق صعوبات لتيار المستقبل في معركته التي تهدف إلى السيطرة على المجال السني اللبناني، على غرار ما جرى في انتخابات دار الفتوى مؤخرًا. والجدير بالذكر أن مسؤولين في تيار المستقبل يتهمون الهيئة بتلقي الدعم من قطر، وبميلها إلى سياسة هذه الدولة، ويقولون إنّ المعركة مع هذه الهيئة بدأت ولن تنتهيَ إلا بكسرها47. استغل تيار المستقبل الأزمة العرسالية، ووظفها في مسعاه لإعادة تثبيت حضوره في الشارع اللبناني، ممثلً "معتدلً " للشارع السني، قادرًا على مواجهة التطرف والأصولية. وضمن هذا السياق، جاء الموقف السعودي الداعم للحكومة والجيش اللبناني، وخطوة الملك عبد   الله المتمثّلة بالتبرع بمليار دولار أميركي لدعم الجيش والمؤسسات الأمنية اللبنانية، بمنزلة فرصة لرئيس تيار المستقبل سعد الحريري، ليعود إلى لبنان بعد غياب دام ثلاث سنوات، في محاولة لإعادة نفوذ التيار وحضوره، مستفيدًا في ذلك من تفويض الملك السعودي له بالإشراف على صرف الهبة السعودية.

خاتمة

على الرغم من توقف الاشتباكات، وانسحاب المسلحين السوريين، فإنّ أزمة عرسال لم تنتهِ بعدُ ولا   سيما أنّ جبهة النصرة ما   تزال تحتفظ بجنود وعناصر في قوى الأمن اللبناني. وقد أقدمت في خطوة "تصعيدية" على إجبار العسكريين المختطفين على المطالبة (من خلال تصوير مسجل) بانسحاب حزب الله من سورية؛ ما يعني "تعثُّ " مبادرة هيئة علماء المسلمين التي كانت تنص على الإفراج عن هؤلاء العسكريين48. وبناءً عليه، فإنّ احتمالات اندلاع المواجهة في عرسال أو مناطق لبنانية أخرى ما تزال قائمةً. فالمعالجة الأمنية والسياسية التي تُجزِّئ هذه الأزمة ولا   تفحص عن الدوافع والأسباب الرئيسة لاندلاعها، وفي صدارتها الانخراط المتزايد لحزب الله في الحرب السورية، لن تنجح في تحييد لبنان.