معضلات الأمن الجماعي في مجلس التعاون الخليجي
الملخّص
تحاول هذه الورقة تفسير معضلات الأمن الجماعي في منطقة الخليج العربية، كما تتساءل لماذا يظل مجلس التعاون، الذي دخل عقده الرابع، مجرد منظمة دفاعية ضعيفة. وتشرح الورقة أول ا مفهوم الأمن الجماعي؛ لأنّه الإطار النظري لهذه الدراسة، ثم تعرض لمصادر التهديد الرئيسة لأمن الخليج. وتناقش الورقة أيض ا أبعاد التعاون الأمني والدفاعي بين دول الملخص التنفيذي مجلس التعاون، وتقدم تحليلا تفصيليا لمعضلات الأمن الجماعي في مجلس التعاون، إضافة إلى ملامح هيكل الدفاع الجماعي المقترح.
مقدمة
يظل الملف الأمني في منطقة الخليج العربي الأكثر أهميةً وتعقيدًا. يكفي أن نتذكر أنّ نشأة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في أيار/ مايو 1981، كانت لأسباب أمنية بحتة؛ وذلك في ضوء التهديدات التي مثّلتها الثورة الإيرانية، والحرب الإيرانية - العراقية لهذه الدول. وقد كانت هذه التهديدات جسيمةً إلى حدّ أنّ هذه الدول شعرت بأنّ بقاءها نفسه في خطر، وتحقّقت أنّ مواجهة هذه التهديدات، والحفاظ على أمنها واستقرارها يمكن أن يجريَا من خلال جهد مشترك في إطار تنظيم إقليمي1. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء مجلس التعاون، ظلّ الملف الأمني مهيمنًا على سياساته، وظلّت منطقة الخليج مضطربةً من الناحية الأمنية؛ بسبب وجود مهددات عديدة ومترابطة متعلّقة بالأمن القومي لدولها. فلا تزال مصادر التهديد التقليدية (إيران مثل) مستمرةً. تُضاف إليها مهددات أمنية جديدة؛ مثل الانتشار النووي، والقرصنة في بحر العرب والمحيط الهندي، والإرهاب الدولي، والطائفية السياسية. ويزيد من تعقيد الوضع أنّ الملف الأمني الخليجي مدوَّل؛ بسبب الأهمية الاقتصادية والجيوستراتيجية لمنطقة الخليج، وأنّ هذه المنطقة لم تختبر عملية تحول الأمن التي شهدتها مناطق أخرى من العالم؛ مثل أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية خلال تسعينيات القرن المنصرم2. ولكن ثمَّة أوضاع جديدة يختبرها مجلس التعاون، تُضفي على الملف الأمني تراكمً، أهمها تنامي الدور الإقليمي، بل العالمي، للمجلس وأعضائه3، وتبلور مبادرات لتوسيعه وتطويره ليغدوَ اتحادًا فيدراليًّا4.
مفهوم الأمن الجماعي
تتعامل نظرية الأمن الجماعي مباشرةً مع قضية كيفية تحقيق السلام، وإرساء نظامٍ يكون فيه الأمن الدولي/ الإقليمي مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بأمن الدول الأعضاء، وهو المفهوم الذي قامت على أساسه عصبة الأمم، وتبناه لاحقًا ميثاق الأمم المتحدة5. وتهتم هذه النظرية، على نحوٍ محدد، بالجهد المتعدّد الأطراف في التعامل مع مشكلة السلام والأمن الدوليين. ومن ثمَّة، يُعرّف الأمن الجماعي بأنه وسيلة لحفظ السلام تتضمن إجراءات جماعيةً للتعامل مع أيّ تهديد للسلام6. وبناءً على ذلك تتفق مجموعة من الدول في إطارٍ مؤسسي لردع أيّ اعتداء على أحدها، أو الرد على الدولة المعتدية إنْ فشل الردع7. ويُعدّ الإطار المؤسسي عنصرًا أساسيًّا في نظرية الأمن الجماعي؛ من أجل محاولة إدارة القوة بنجاح8.
لقد عرّف روبرت وكنجزبيري نظام الأمن الجماعي بأنه "ترتيب تقبل فيه كلّ دولة في النظام أنّ أمن أحدها يهمّ الجميع، وتوافق كلها على المشاركة في ردّ جماعي على العدوان"9. لذا، فإنّ أيّ دولة تتورط في العدوان لن تُواجه بمقاومةٍ من الضحية فحسب، بل من سائر الدول
الأعضاء في النظام أيضًا10. ويقوم مبدأ الأمن الجماعي، بحسب ناي ولش، على أنّ أيّ تهديد أو اعتداء على إحدى الدول المنضوية إلى نظام هذا الأمن يُعدّ تهديدًا أو اعتداءً عليها جميعًا. علاوةً على ذلك، إن طلبت أيّ دولة من هذه الدول المساعدة من الأخرى، فإنّ طلبها لا بدّ أن يُستجاب له مباشرة11. وعلى المنوال نفسه، يُعرّف آخرون مفهوم الأمن الجماعي بأنه "ترتيب بين الدول لالتزام بعض القواعد والمبادئ من أجل الحفاظ على الاستقرار والتضافر في حالة الضرورة لوقف العدوان"12، أو هو ترتيب بين بعض الدول لحماية مصالحها الحيوية، وسلامتها، وتكاملها ضدّ أيّ تهديد أو خطر محتمل، من خلال تجميع قواتهم13.
واستنادًا إلى التعريفات السابقة، يمكن القول إنّ مفهوم الأمن الجماعي يشير، في أوسع معانيه، إلى نظام مؤسسي (عالمي أو إقليمي)، تتفق فيه مجموعة من الدول في إطارٍ تعاهدي على مواجهة أيّ تهديدات داخلية لأمنها القومي (من داخل النظام)، أو خارجية (من خارج النظام)14. ويتضمن ذلك المفهوم الاستعداد لفرض عقوبات، وحتى خوض الحرب في حالة الضرورة. فكأنّ مبدأ الأمن الجماعي يستهدف إقامة منطقة سلام بين أعضائه من الدول، ومواجهة الأخطار الخارجية التي تتعرض لها. ومن الأفضل أن يُنظر إليه من منظور أنّ أمن الدولة الفرد يتحقّق من خلال اتخاذ إجراءات جماعية15. وقد أخذت اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون (كانون الأول/ ديسمبر 2000) بمبدأ الدفاع الجماعي ضدّ التهديدات الخارجية؛ بمعنى التزام الدفاع عن أيّ دولة عضو في المجلس تتعرض لتهديد أو خطر خارجي، انطلاقًا من أنّ أيّ اعتداء على أيّ منها هو اعتداء عليها مجتمعةً، وأنّ أيّ خطر يهدّد إحداها يهدّدها كلّها16. وعليه، يستند مفهوم الأمن الجماعي إلى فكرة مأسسة الاستخدام الم وررع للقوة؛ من أجل تقليل الركون إلى مبدأ الاعتماد على النفس، بالمفهوم الواقعي، لمصلحة العمل الجماعي، بوصف ذلك وسيلةً للحفاظ على الأمن القومي. كما أنه يقوم على أساس موافقة الدول الأعضاء على تزويد المنظمة المعنية بالمصادر المادية والبشرية الضرورية؛ لتشكيل قوة أمن أو هيكل أمني جماعي لردع العدوان، أو هزيمته، واستعادة السلام17. ويشير الهيكل الأمني إلى تنظيم العلاقات أو مأسستها بين عددٍ من الدول؛ ما يوجد على الأقل مستوى معقولً من التنبؤ بما سوف يتخذه الفاعلون من إجراءاتٍ تجاه مدى معقول ومحتمل من الأوضاع، إضافةً إلى إيجاد رافدٍ عكسينٍّ يُحاط م خلاله مختلف أعضاء هذا الهيكل بتأثير الإجراءات التي اتُّخذت18. ويلاحظ جوزيف ناي أنّ ثمَّة تشابهات بين مبدأ الأمن الجماعي ومبدأ توازن القوى، وهي متمثّلة بأنّ الدول المرتبطة بهيكلٍ للدفاع المشترك تحاول ردع العدوان بتطوير ائتلاف القوى. وفي الحالة التي يفشل فيها الردع، فإنّ هذه الدول تكون مستعدةً لاستخدام القوة. ومع ذلك، يركز مفهوم الأمن الجماعي على سياسات الدول المعتدية، لا على قدراتها على شنّ عدوان، كما هو الشأن في حالة الأحلاف العسكرية القائمة على توازن القوى19.
التهديدات
ما تزال الصراعات والأزمات هي القاعدة السائدة والحاكمة في منطقة الخليج، في حين أنّ الأمن والاستقرار هما الاستثناء. ويبدو أنها متأصلة في البنية السياسية ومتجذرة في الخلفية التاريخية لهذه المنطقة20. ويمكن تصنيف التهديدات الأساسية لأمن الخليج إلى
تهديدات داخلية نابعة من دول مجلس التعاون أو علاقاتها البينية، وأخرى إقليمية نابعة من النظام الإقليمي الخليجي، وثالثة خارجية نابعة من البيئة الدولية.
التهديدات الداخلية
تُعد مشكلة الخلل في التركيبة السكانية التي تُوصف بأنها قنبلة زمنية يمكن أن تنفجر في أيّ وقت، من أهمّ المهددات والتحديات لأمن دول مجلس التعاون. فنسبة الوافدين إلى إج املي السكان في هذه الدول تتزايد تزايدًا مطَّردًا ع ىل مدى السنوات الماضية؛ إذ بلغت نحو %38.5 عام 2002 21، لتصل إلى أك رث من %46، وفقًا لأحدث البيانات المتوافرة22. ومن المتوقع أن تبلغ هذه النسبة أك رث من %61 بحلول عام 2015. بعبارة أخرى، أصبح المواطنون أقليةً في معظم دول المجلس23 (قطر نحو %13، والإمارات أقل من %15، والكويت نحو %31، والبحرين نحو )%4624. ويزداد الوضع اخت للا، إذا حسبنا نسبة العمالة الوافدة إلى قوَّة العمل؛ إذ يكوّن الع امل الوافدون الأغلبيّة العظمى، بنسبة تفوق ال %90 في بعض الحالات. وهذا الوضع الديموغرافي فريد بالنسبة إلى كل المقاييس في العالم25. ويتمثّل التحدي الأمني للعمالة الوافدة أساسًا بالتداعيات المترتبة على لجوء بعض عناصر هذه العمالة إلى الاحتجاجات والإضرابات العمالية، والتورط في أعمال الشغب ومظاهر الجريمة المنظمة، وإقامة صلات بمافيا الخارج. والواقع أنّ العديد من الاحتجاجات والإضرابات التي قام بها هؤلاء العمال، في أنحاء متفرقة من دول الخليج، لم تؤثِّر سلبيًّا في مصالح الشركات فحسب، بل تعدت ذلك إلى الأمن العامّ، وتحولت إلى أحداث شغب شهدت تعديًا على الممتلكات العامة. ولعل المتابع لأحداث الاحتجاجات العمالية التي شهدتها بعض دول الخليج، وبخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يخرج بنتيجة مفادها أنّ هذه الاحتجاجات أخذت منحى تصاعديًّا سواء من حيث عددها مقارنةً بفترات سابقة، أو من حيث عدد المشاركين أنفسهم في كلّ احتجاج. ومن التحديات الأمنية الأخرى التي تشكّلها العمالة الوافدة، تورط بعض عناصرها في مظاهر الجريمة المنظمة؛ كالتهريب بأشكاله المختلفة، وغسيل الأموال، وتجارة المخدرات والبشر. ولا شك في أنّ استمرار تدفق هجرة هذه العمالة، سواء على نحوٍ شرعي أو غير شرعي من دون ضوابط واضحة، وانتشار البطالة بين عناصرها، قد يؤدِّي إلى تزايد انخراطها في أنشطة الجريمة؛ الأمر الذي يمثّل عبئًا على الأجهزة الأمنية في مواجهة مثل هذه الأعمال والتصدي لها، وما يستلزم ذلك من زيادة نفقات الأمن الداخلي26. ومن التحديات التي تواجه التقدم في مسار التكامل الأمني بين دول المجلس وجود منازعات حدودية بينها (يرجع بعضها إلى فترة الاستقلال) تخمد حينًا وتثور حينًا آخر؛ مثل النزاع بين السعودية والإمارات، وبين عمُان والإمارات، وبين قطر والسعودية، وبين السعودية والكويت27. وقد شهدت منطقة الخليج والعالم العربي موجةً من العنف السياسي والتوترات الطائفية والتحديات لسلطة الدولة في بين عامي 2005 و 2007. ومنذ عام 2011 حتى الآن، وفي هذا السياق، اكتسبت نظرية "الهلال الشيعي" الذي يمتد من إيران مارًّا بالعراق، ومملكة البحرين، والمنطقة الشرقية بالسعودية، إلى لبنان، شأنًا مهمًّ في الخطاب السياسي والشعبي. وربما تستند هذه النظرية إلى حقائق ديموغرافية وجيوبوليتيكية تتعلق بوجود أقليات شيعية في دول المجلس. بل إنّ الشيعة يشكلون أغلبيةً في البحرين، ويقطنون معظم المناطق الغنية بالنفط في هذه الدول. يُضاف إلى ذلك أنهم يشكلون أغلبيةً في إقليم الخليج كلِّه، بما في ذلك العراق وإيران28. وبصرف النظر عن
| إيران | مجلس التعاون | البيان |
|---|---|---|
| 12 | 68.2 | الميزانية العسكرية (بليون دولار) |
| 523 | 362.1 | القوات النظامية (بالألف) |
| 60 - 40 | 38.26 | القوات شبه العسكرية (بالألف) |
| 1663 | 1656 | دبابات رئيسة |
| 8798 + | 2107 + | مدفعية |
| 218 | 114 | قدرات الأسطول (سفن وزوارق حربية) |
| 336 | 651 | طائرات حربية |
| 175 | ؟)60 ( | صواريخ باليستية |
تقييمنا لهذه النظرية، تظلّ العدسات الطائفية مرشّحًا قويًّا ترى من خلاله النُّخب الحاكمة في إقليم الخليج - وخصوصًا في إيران والعراق والسعودية والبحرين - التطورات في المنطقة29. وتُستخدم الطائفية للتعبئة السياسية في بعض دول الخليج، وتوظفها السعودية لمقاومة النفوذ الإيراني، وتعتمد عليها إيران في التدخل في شؤون دول مجلس التعاون، وقد أصبحت الآن القوة الدافعة والمبدأ المنظم للسياسة العراقية30. ويُنتج ذلك كلُّه أثرًا سلبيًّا في أمن الخليج31. والأخطر من ذلك أنّ انتشار الطائفية السياسية يعدُّ بيئةً ملائمةً للراديكالية الإسلامية، وظهور حركات سُنيّة إرهابية جديدة (تنظيم الدولة الإسلامية) أو تعزيز القائم منها (تنظيم القاعدة.)
التهديدات الإقليمية
تتعلق هذه التهديدات باختلال التوازن العسكري والإستراتيجي في منطقة الخليج لمصلحة إيران، وعدم الاستقرار في كلّ من العراق واليمن، وأخطار التنظيمات الإرهابية. ويتضح من الجدول 1() أنّ التوازن العسكري في منطقة الخليج مختل لمصلحة إيران. ويتمثّل هذا الاختلال بعدد القوات، وبعض أبعاد التسلح البري، والقدرات العسكرية البحرية. إنّ بين دول مجلس التعاون وإيران، في ما يتعلق بنُظم التسلح الإستراتيجي، فجوةً متزايدةً32؛ إذ تمتلك إيران برنامجًا نوويًّا متطورًا نسبيًّا، قادرًا على إنتاج اليورانيوم المنخفض التخصيب. وفي الوقت
الذي يتزايد مخزونها من هذا الإنتاج، تتزايد شكوك دول المجلس في أنه يستهدف إنتاج السلاح النووي. كما أنّ الغموض المحيط بهذا البرنامج يعزِّز قدرة إيران على الردع والتخويف. في حين أنّ دول المجلس لا تمتلك أيّ قدرة نووية للأغراض السلمية، ولا توجد لديها أي مفاعلات قوى عاملة حاليًّا. ثمّ إنّ إيران تحوز قدرات تسلح كيماوية وبيولوجية. وأمّا دول المجلس، فإنه لا يوجد دليل على حيازتها لمثل هذه القدرات. وتمتلك إيران كذلك قدرات صاروخيةً باليستيةً كبيرة ومتناميةً (من أكبر القدرات في الشرق الأوسط.) وقد نجحت في الحصول على نُظم صاروخية باليستية كاملة من الخارج، وفي تطوير نُظم محلية ذات قدرات فاقت نظيراتها الكورية - الشمالية. ولكن إذا كانت النُّظم الصاروخية الإيرانية محدودة الدقة، فإنها قد تُستخدم لضرب أهداف حضرية33.
وتتمثّل أبعاد التهديد الإيراني أيضًا بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، من خلال شنّ حرب لا متناظرة (عمليات عسكرية منخفضة المستوى، أو هجمات إرهابية وتخريبية) لتخويف هذه الدول34. وفي هذا الشأن، يشير بعضهم إلى وجود شبكة إرهاب إيرانية في المنطقة، تتألف من ميليشيات، وفيالق القدس، وهي وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني، والخلايا المرتبطة بها، وإلى وجود شبكة تخابر وتجسس في الدول العربية التي توجد بها أقليات شيعية، أو جوَالٍ إيرانية، ورجال دين، وشركات مالية وغيرها من مؤسسات الأعمال35. وثمَّة مصدر آخر للتهديد الإيراني يتعلق بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه. وعلى الرغم من أنّ التهديدات الإيرانية المتكررة36 تدخل في باب الحرب النفسية والإعلامية، وحشد الرأي العامّ في مواجهة الخصم أكثر من كونها تهديدات مقصودةً، فإنّ احتمالات تنفيذها، وإن كانت محدودة جدًّا، تظلّ قائمةً. فقد تُقدم إيران على ذلك، إذا ما هاجمتها الولايات المتحدة الأميركية، أو إسرائيل، أو كلتاهما معًا، أو تعرَّض نظامها لخطر الانهيار، أو لتحويل انتباه الرأي العام الداخلي عن أزمتها الاقتصادية المتفاقمة، إضافةً إلى أنّ متطلبات الإغلاق الهائلة ربما تفوق عوائد امتلاك قنبلة نووية37. بيد أنّ إغلاق المضيق سوف تكون له آثار كارثية بالنسبة إلى اقتصاد دول المجلس كلّها38. وبعد انسحاب معظم القوات الأميركية، يظلّ العراق مصدرًا أساسيًّا لعدم الاستقرار في منطقة الخليج39. فثمَّة إرهاصات تزايدت، بعد سيطرت تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من الأراضي شماليّ العراق وسورية وإعلانه قيام "الخلافة" في حزيران/ يونيو 2014، تدلّ على احتمال تحوُّل العراق إلى قاعدة للإرهاب تهدّد دول المجلس، وخصوصًا منها السعودية والكويت. وثمَّة مخاوف في بلاد الرافدين من انفجار موجة عُنف واسع النطاق قد تطيح الحكومة، أو تفضي إلى حرب أهلية بين السنة والشيعة40، أو بين العرب والأكراد، من دون الحديث عن أنّ العراق ما بعد الانسحاب أصبح حديقة خلفية للنفوذ الإيراني؛ ما أتاح له عمقًا إستراتيجيًّا جعل دول المجلس تشعر بتهديد متمثّل بإنشاء إقليم فيدرالي "شيعي" جنوبيّ العراق. ويلاحظ أنّ مشكلة إدماج العراق في الإطار الإقليمي لا تزال من دون حل41 لأسباب عديدة، من أهمها السيطرة الشيعية السياسية على نظام الحكم في بغداد؛ فهي في نظر بعض الباحثين تجعل دول مجلس التعاون أكثر قلقًا. علاوةً على ذلك، يمثّل الوضع في اليمن تهديدًا جديًّا لأمن الخليج، وهو يفرز تحديات خطِرةً تمتد آثارها إلى دول الجوار الخليجي، وخصوصًا السعودية42 وسلطنة عُ ناا. ويأتي في صدارة هذه التحديات نشاط تنظيم القاعدة في أبين وزنجبار، ومشكلة الحوثيين في صعدة
وما حولها، والاقتتال الطائفي بين الحوثيين والقبائل في الشمال الشرقي، وصراعهم السياسي مع الحكومة المركزية في صنعاء، والقضية الجنوبية التي تهدّد بانفراط عقد دولة الوحدة.
ويبقى الإرهاب والتطرف المرتبط به، ونشاطات تنظيم القاعدة في، همًّ أمنيًّا رئيسًا لدول الخليج شبه الجزيرة العربية على نحوٍ خاصّ. ولا يقتصر التطرف الذي يُفضي إلى العنف السياسي في دول الخليج على الجماعات الراديكالية السُنيّة فحسب، بل يشمل أيضًا جماعات شيعيةً متطرفةً يُنسب إليها معظم أعمال العنف. وقد اختبرت دول الخليج عدّة محاولات لقلب نُظم الحكم، رُصدت منها 71 محاولة في الفترة 1979 - 2004. وعلى الرغم من أنّ قيادة تنظيم القاعدة مستقرة ونشطة في اليمن، فإنّ التنظيم يستهدف منطقة الخليج كلّها. ويكمن خطر هذا التنظيم في طبيعة الأهداف التي ينتقيها لشنّ هجماته، ومن أهمها القوات النظامية، والبنية التحتية لصناعة النفط، وناقلات النفط، والقواعد العسكرية الغربية في دول المجلس43.
التهديدات الخارجية
مثّل "الربيع العربي" تهديدًا جديًّا للوضع الإقليمي الراهن، وتوازنات القوى في المنطقة. وفي بدايته (عام 2011)، كان ثمَّة إدراك مشترك لطبيعة التهديد وجديته؛ ما دفع دول المجلس إلى العمل المشترك في اليمن، وليبيا، وسورية، وفي مصر أيضًا. وقد حمل قادة المجلس تصورًا سلبيًّا للربيع العربي، وعبّ وا عن خشيتهم من انتقال عدواه إلى دولهم بتركيبتها السكانية المختلة (وهو ما حدث في حالة البحرين على الأقل)؛ ما قد يفضي إلى تأثيرات خطِرة جدًّا متعلّقة بالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية44. فقد شهدت مملكة البحرين احتجاجات واسعةً، عام 2011، جرى قمعها من خلال التدخل العسكري لدول المجلس، على نحو ما سيتضح لاحقًا. غير أنّ هذه الاحتجاجات أدّت إلى توسيع الهُوة في العائلة الحاكمة بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، وإلى زيادة حدّة التوترات الطائفية بين السُّنة والشيعة في المملكة والمنطقة بأسرها45. علاوةً على ذلك، ساهم الربيع العربي في اختلال موازين القوة في الإقليم، وفي تغيير طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. فقد أدّت الاضطرابات العربية إلى زيادة اختلال ميزان القوة لمصلحة إيران، وتركيا، وإسرائيل، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية أكثر من مرة. وهكذا وجدت دول المجلس نفسها - ماعدا قطر - في معسكرٍ واحد مع مصر والأردن، ضدّ معسكر تتزعمه تركيا يضم دولً وحركات إسلاميةً، وفي مواجهة معسكر ثالث يضم إيران وحزب الله وسورية. وأمّا قطر، فقد استغلت الاضطرابات لتستمر في تثبيت نفسها مركزَ قوَّةٍ إقليميةٍ. ولا تزال الحرب الأهلية في سورية والاضطرابات السياسية والعسكرية في ليبيا واليمن تخلق تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي؛ من ناحية انتشار السلاح، وزيادة الاحتقان الطائفي، والسماح للمنظمات الإرهابية بإعادة الانتشار والتمركز في المنطقة، أو التخندق في مناطق معينة في هذه الدول خارج نطاق السيطرة الحكومية46. وهو ما حدث بالفعل في اليمن (تنظيم القاعدة)، وسورية، والعراق (جبهة النصرة والدولة الإسلامية.) ويُشكِّل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تهديدًا إقليميًّا متناميًا. فالتنظيم يسيطر على مساحات واسعة من سورية والعراق، بما في ذلك مدينة الموصل، وهي المدينة العراقية الثانية من حيث عدد السكان. وهذا التنظيم الذي أعلن عن قيام "الخلافة الإسلامية"، يحاول تمديد نفوذه في البلدين، ويهدّد باجتياح بغداد، ويشتبك في أعمال عدائية مع القوات العراقية، والبيشمركة الكردية، والميليشيات والمتطوعين من الشيعة. وترصد أجهزة الاستخبارات الدولية تدفق أعداد من مقاتلي تنظيم القاعدة والتنظيمات السلفية الراديكالية الأخرى، على نحوٍ متزايد، من اليمن، والأردن، وبلدان أخرى؛ للالتحاق ب "الدولة الإسلامية." وفضلً عن ذلك، ثمَّة خطر متمثّل بتمدد نفوذ التنظيم إلى دول مجلس التعاون، ولا سيما السعودية والكويت.
وهكذا، لم يعُد تنظيم الدولة الإسلامية مشكلةً إقليميةً فحسب، بل أصبح مشكلةً دوليةً أيضًا47. ولا يزال التهديد الإسرائيلي يمثّل أوّل التهديدات بالنسبة إلى الأمن الإقليمي كلِّه، لا بالنسبة إلى أمن دول مجلس التعاون وحدها. ويتمثّل هذا التهديد بترسانة أسلحة نووية متطورة (من 200 إلى 500 قنبلة نووية متنوعة الحجم)، ووسائل إيصالها (صواريخ متوسطة المدى أو بعيدة المدى)؛ ما يضع كلّ الدول العربية في مدى أيّ هجوم إسرائيلي. ويشير المحللون إلى أنّ هذه الأسلحة ليست من أجل الردع أو التخويف فحسب، بل إنها من أجل الاستخدام في حالة الضرورة أيضًا48. كما أنّ التهديد الإسرائيلي إنْ وجّه ضربةً عسكريةً لإجهاض البرنامج النووي الإيراني، ترتّبت على ذلك، بالنسبة إلى دول الخليج، آثار ذات خطِر شديد، ليس أقلها استهداف الصواريخ الباليستية الإيرانية، أو فيالق الحرس الثوري، القواعدَ والمصالحَ الغربيةَ في هذه الدول.
الترتيبات الأمنية الخليجية المشتركة
لمَّا كان الهاجس، أو التهديد الأمني، وراء تأسيس مجلس التعاون؛ كان من الطبيعي أن تنخرط دوله في ترتيبات أمنية لضمان أمنها الجماعي. وعلى الرغم من عدم تشكيل أيّ لجان في بداية تأسيس المجلس للتعامل مع ملف الأمن، فقد أكدت قمته الأولى، في أيار/ مايو 1981، عزم دول المجلس على الدفاع عن أمنها واستقلالها، وجعْل الإقليم خاليًا من الصراعات الدولية. وبعد أربعة أشهر، اجتمع رؤساء أركان القوات المسلحة لدول أعضاء المجلس الستة من أجل مناقشة التعاون العسكري. وبعد سنة من إنشائه، قرّر المجلس تأسيس قوات "درع الجزيرة"49. ووفقًا لعددٍ من الخبراء، كان هذا المجلس مهتم، خلال الفترة الأولى من تطوره 1993-1981()، بالأمن أساسًا؛ فتصرف كأنه تحالف أمني، ليعود إلى طبيعته وأهدافه التي تتصل معظمها بالتكامل الاقتصادي والسياسي50.
قوات "درع الجزيرة"
سِّست "درع الجزيرة" عام أ 1982، خلال الحرب الإيرانية - العراقية، من قوات برية تنتمي إلى دول مجلس التعاون؛ بهدف منْع انتقال ال اررع بين إيران والعراق إلى أيّ دولة من دول المجلس. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، جرى تحديد الموقع الملائم لتمركز هذه القوات، فكان في شماليّ السعودية على مسافة قريبة من الحدود السعودية - الكويتية، في منطقة حفر الباطن. بيد أنّ الهدف الأوسع من هذه الدرع قد تمثّل بتعزيز قدرات الردع والدفاع لدى الدول الأعضاء51. وقد بدأت هذه القوات عملها بتنفيذ تدريبات مشتركة في تشرين الأول/ أكتوبر 1983 في الإمارات. غير أنّها دخلت حالةً من الكمون النسبي بعد انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية52. لقد تطور عدد قوات "درع الجزيرة" التي تتكون من كتيبتين إحداهما سعودية والأخرى من سائر دول المجلس، والتي يقودها ج اررل سعودي، من خمسة آلاف جندي معظمهم من الجيش، إلى عشرة آلاف بعد عشرة أعوام. ثمّ أ السعودي، عام 1986 علن عن زيادة عدد هذه الدرع إلى 22 ألف مقاتل عام 2002، من دون أن تتوافر تفاصيل عن إمكانات هذه القوات وقدراتها العسكرية. ومم يلاحظ، في ما يتعلق بهذه الدرع، وجود خلافات بين دول المجلس بشأن تطويرها53.
وقد شاركت قوات "درع الجزيرة" في حرب الخليج الثانية عام .1991 وعام 2003 علن عن نشر وحدات عسكرية تابعة ل، أ "درع الجزيرة" في الكويت، بناء على طلبها، احتراسًا من أيّ تداعيات قد تترتب على شنّ هجوم أميركي محتمل على العراق. وبعد سقوط نظام صدام حسين، أعربت عمُان، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2005، عن انتفاء الحاجة إلى"درع الجزيرة"، وأنه لا يوجد دور للاتفاقات الدفاعية في القرن الحادي والعشرين، وأنّ على دول المجلس التركيز على التنمية الاقتصادية. وقد أثار الموقف العماني سلسلةً من التفاعلات داخل مجلس التعاون، انتهت بالاتفاق، في أيار/ مايو 2008، على تفكيك "درع الجزيرة" (وليس حلّها)، وتمركز وحداتها العسكرية في بلدانها الأصلية، مع تأكيد أنّ هذه الوحدات التي أُعيدت إلى أوطانها ستظل ملتزمةًالتجاوبَ مع المسؤوليات الأمنية والدفاعية الخاصة بدول مجلس التعاون، وأنّ الأهداف الإستراتيجية التي تتعلّق بالدفاع عن النفس، والتي كانت وراء تأسيس "درع الجزيرة"، لا تزال موجودة،ً غير أنها أصبحت تُوظف عند الحاجة54. وفي مارس 2011، استعانت البحرين بقوات "درع الجزيرة" لتأمين المنشآت الإستراتيجية ومواجهة الاضطرابات الداخلية، وذلك عقب احتجاجات شعبية واسعة لقوى المعارضة، وسلسلة من محاولات فاشلة لقمعها من خلال قوات الأمن البحرينية. وقد بلغ عدد قوَّات التدخل أكثر من 1700 فرد 1200(سعودي، و 500 إماراتي، إضافةً إلى قوات قطرية وبحرية كويتية غير محددة)، فبدا أنّ السعودية هيمنت على عملية التدخل بأكملها55. ويُعد هذا الأمر أوّل توظيف ل "درع الجزيرة" من أجل مساعدة إحدى الحكومات على مواجهة تهديد داخلي، على الرغم من تأكيد البحرين والسعودية أنّ غرض توظيف هذه القوات هو حماية المنشآت الحيوية أو مواجهة "الخطر الإيراني"56. وأشار بعض الخبراء إلى أنّ التدخل الخليجي في البحرين متوافقٌ مع حقّ الدفاع عن النفس الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة، وتطبيقٌ عملي لاتفاقية الدفاع المشترك بين دول المجلس (كانون الأول/ ديسمبر 2000)، وترجمةٌ للسبب الأساسي لإنشاء "درع الجزيرة"57. ومع ذلك، يمكن القول إنّ تدخل هذه القوات في البحرين لم يكن تطبيقًا لاتفاقية الدفاع المشترك؛ لأنه لم يكن ثمَّة خطر خارجي مهدّد لدولة البحرين، كما أثبتت في ما بعد اللجنة التي عينها العاهل البحريني لتقص الحقائق58، كما أنه لا يوجد في الاتفاقية، أو غيرها، ما يتيح لدول المجلس إمكانية التدخل لمساعدة دولة عضوٍ من أجل مواجهة اضطرابات داخلية59.
الخلاصة أنّ "درع الجزيرة" ذات قيمة محدودة من الناحية العسكرية؛ فهي ليست قادرةً على التصدي لعدوان واسع النطاق. بل إنّ مدار المنطق الذي حكم تأسيسها في المقام الأول على أنه في حالة حدوث هجوم على أيّ دولة من دول المجلس، سوف تعمد قوات الدرع إلى إشغال العدو حتى تأتي قوات كبيرة من الولايات المتحدة تحديدًا. وقد كشف الغزو العراقي للكويت عام 1990 مدى ضعف الترتيبات الأمنية لدول المجلس. فلم تكد تمرّ أيام حتى استعانت هذه الدول بالولايات المتحدة، ودول غربية أخرى؛ للدفاع عن السعودية ضدّ أيّ هجوم عراقي محتمل60. ولم تقم قوات دول مجلس التعاون، سواء كانت من "درع الجزيرة" أو الوحدات المنفصلة، إلّ بدور ثانوي، أو هامشي، في عملية "عاصفة الصحراء" لتحرير الكويت من الغزو العراقي61. ويستنتج بعضهم أنّ "درع الجزيرة" هي تحالف ظاهري من دون تكاملٍ حقيقي بين القوات المسلحة لدول المجلس، وأنّ لتوظيف جنود أجانب ضمن وحدات الدول المشاركة فيها أثرًا سلبيًّا في فعاليتها62.
اتفاقية الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون
أخذت هذه الاتفاقية بمبدأ الدفاع الجماعي ضدّ الأخطار الخارجية التي تتهدّد دول المجلس، وقد نصَّت على عزم الدول الأعضاء على تعزيز التعاون العسكري في ما بينها، ورفع قدراتها الذاتية والجماعية، وإقامة صناعة عسكرية، وتكثيف التدريبات المشتركة، واستكمال تشكيل "درع الجزيرة" وزيادة قدراتها. واشتملت هذه الاتفاقية كذلك على إنشاء مجلس للدفاع المشترك، ولجنة عسكرية عليا تنبثق منه، تضم رؤساء أركان القوات المسلحة في الدول الست63. وكان توقيع الاتفاقية خطوةً في الاتجاه الصحيح لتعزيز الخطط الدفاعية الخليجية المشتركة، على نحوٍ يساعد دول المجلس على خلق هيكل للدفاع الجماعي، والتخلي تدريجيًّا عن الحماية الخارجية. أنّ هذه الاتفاقية، ماعدا مجلس الدفاع المشترك بيد واللجنة العسكرية العليا اللذين يلتئمان دوريًّا في اجتماعاتٍ شكلية، لم تَب مؤسسات لترجمة بنودها على أرض الواقع. وإذا كان قادة المجلس قد أقروا، في كانون الأول/ ديسمبر 2012، تشكيلَ "قيادة عسكرية موحدة"64، وهو اقتراح موجود منذ انتهاء حرب تحرير الكويت، فإنّ هذه القيادة لم تَرَ النور بعد. أضِ ف إلى ذلك أنه لم يَجْرِ تعزيز قدرات "درع الجزيرة"، بل إن ما جرى هو تفكيكها، وعدم تنفيذ الخطط الخاصة بتطوير قدرتها في مجال إنتاج الأسلحة، على الرغم من محاولة إحياء ترتيب سابق مع مصر لإنشاء صناعة سلاح عربية65. وفضلً عن ذلك، لا توجد سياسة مشتركة في شراء السلاح من الخارج66. ومن ثمّ ة زادت الاتفاقات الأمنية مع الدول الغربية، وازداد معها الوجود العسكري الغربي، والأميركي بخاصة، من خلال قواعد وتسهيلات عسكرية وغيرها، في دول مجلس التعاون كلّها67. وبعد ما يقرب من ثمانية أعوام على توقيع الاتفاقية، وبالتحديد في، أُكانون الأول/ ديسمبر 2009 قرّت إستراتيجية دفاعية لدول مجلس التعاون تحدد رؤية هذه الدول بشأن تطوير إمكاناتها الدفاعية من خلال البناء الذاتي والعمل المشترك، وصولً إلى التكامل الدفاعي. وهي تتضمن تقييمً إستراتيجيًّا شاملً للبيئة الأمنية، بما في ذلك المهددات، والتحديات، والمخاطر، وتعريفًا بالأهداف الدفاعية الإستراتيجية ووسائل تحقيقها68. بيد أنّ هذه الإستراتيجية، وإن ظلت أساسيةً في اتجاه تكوين عقيدة عسكرية مشتركة مُفارقة للواقع، في ضوء تباين إدراك دول المجلس للتهديدات الأساسية التي تواجهها، فإنه ثمَّة مستويات مختلفة لإدراك التهديد بين هذه الدول، لذلك اختلفت سياساتها تجاه طبيعة هذه التهديدات، ولا سيما تلك المتعلّقة بإيران، أو اليمن؛ ما يجعل من المستحيل تبنِّي تقارب إقليمي لمواجهتها69، ذلك أنّ قطر وعمُان تفضلان استيعاب إيران، بدلً من تحديها، وإقامة علاقات مفتوحة وتعاون معها، والاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة والغرب70، في الوقت الذي تنأى فيه الكويت والإمارات عن المواجهة مع إيران. ومن ناحيةٍ أخرى، لا تزال السعودية - تساندها في ذلك البحرين - متمسِّكةً بالغرض الأساسي لإنشاء المجلس المتمثل بتكوين جبهة موحدة ضدّ إيران71. أضفْ إلى ذلك أنّه ثمَّة مستويات مختلفة لإدراك التهديد بين دول الخليج؛ فعندما يوجد إدراك مشترك لارتفاع وتيرة التهديد، يتغاضى أعضاء المجلس عن خلافاتهم البينية، وتتغاضى الدول الصغيرة عن حساسياتها إزاء مسألة السيادة؛ فيكون العمل المشترك. وقد حصل ذلك إبَّان الغزو العراقي للكويت، وفي بداية "الربيع العربي." ولكن عندما يكون مستوى التهديد منخفضًا، تظهر الخلافات بين دول المجلس وحساسية "السيادة"، ويصبح التعاون المشترك صعبًا72، وقد اتضح هذا الأمر في سياسات دول المجلس تجاه تطورات "الربيع العربي" بعد عامه الأول73.
التدريبات العسكرية والمشروعات الدفاعية المشتركة
وفقًا للأمانة العامة لمجلس التعاون74، تجري، كلّ سنتين، تدريبات برية بين دول المجلس بمشاركة قوَّة "درع الجزيرة"، وتدريبات بحرية وجوية مشتركة على نحوٍ ثنائي، أو ثلاثي، أو أكثر، سنويًّا أو دوريًّا. غير أنّ ما يلُاحظ بشأن هذه التدريبات كونها ذات أعداد قليلة75. وأمّا بالنسبة إلى المشاريع المشتركة، فهي تتعلق بربط مراكز عمليات القوات الجوية والدفاع الجوي بدول المجلس، وإنشاء مركز تنسيق للأمن البحري في البحرين76، ووضع مناهج عسكرية مشتركة.، أُفعام 1995 قِرَّ مشروعَا "حزام التعاون" و"الاتصالات المؤمّنة." فأمّا مشروع "حزام التعاون" الذي بدأ تشغيله في نهاية عام 2001، فهو يهدف إلى الربط الآلي بين مراكز عمليات القوات الجوية والدفاع الجوي في دول المجلس بشبكة تغطية رادارية وإنذار مبكر77. وأمّا مشروع "الاتصالات المؤمّنة" الذي بدأ تشغيله في منتصف عام 2000، فيهدف إلى ربط القوات المسلحة في دول المجلس بشبكة اتصالات مؤمّنة. غير أنه لا تتوافر معلومات دقيقة متعلقة بمدى التطور بشأن هذا المشروع منذ ذلك الحين. علاوةً على ذلك، وُحِّدت في دول المجلس مناهج دورات عسكرية عديدة لمدارس التدريب العسكري ومراكزها. وفي عام 2011، أقرّ مجلس الدفاع المشترك إنشاء مركز تنسيق للأمن البحري في البحرين، بيد أنه لم يُنفَّذ بعدُ. والأمر نفسه ينطبق على قرار إنشاء قوَّة بحرية مشتركة78. ويشمل التعاون العسكري بين دول المجلس مجالات عديدةً أخرى، أبرزها الاستخبارات العسكرية، والمساحة العسكرية، والخدمات الطبية، والاتصالات، والقوات الجوية، والقوات البحرية، والأمن البيئي، وغير ذلك79.
هيكل الدفاع الجماعي لمجلس التعاون: معضلات ومقترحات
أبانت خبرة مجلس التعاون عن نجاحه في احتواء الضغائن التاريخية والشكوك المتبادلة والصراعات القائمة بين أعضائه الست؛ فلقد كفل عدم قيام أيِّ عضوٍ من أعضائه بالاعتداء على أيِّ عضوٍ آخر، أو مشاركة طرف ثالث في الاعتداء. والأمر نفسه ينطبق على محاولة تغيير نُظم الحكم بالقوة. فكأنّ المجلس قد أدرك، إلى حدّ كبير، نجاحًا في إقامة منطقة سلام بين أعضائه، وهو نجاح يمثّل أحد أهمّ ركائز مفهوم الأمن الجماعي. وفي الحقيقة، كان المجلس الذي جاءت نشأته هادئةً وسلميةً، محاولةً ناجعةً للتكيف مع حقائق الحقبة ما بعد الاستعمارية80. على الرغم من ذلك، لم يتحقّق سوى تقدُّم محدود في ما يتعلق بالتهديدات المستمرة التي ظلَّت تواجه دول مجلس التعاون منذ إنشائه. فقد فهمت دول المجلس كثيرًا من هذه التهديدات على أنها موجهة إلى شرعيتها السياسية واستقرارها الداخلي أكثر من كونها تهديدات لأمنها المادي، وجرى صَوْغ سياسات المواجهة وفقًا لذلك81. ولهذا نفهم أنّ التعاون في مجال الأمن الداخلي بين دول المجلس أكثر تقدمًا من التعاون في مجال الدفاع الجماعي82. فلا تزال الترتيبات في مجال الأمن الجماعي غير متطورة، وغير قادرة على إقرار المعادلة الأمنية المناسبة التي تجلب الاستقرار، وتمنع تجدد الأزمات واندلاع الحروب في المنطقة. ويغلب على هذه الترتيبات الطابع الشكلي83؛ بمعنى أنّ الاتفاقيات، والسياسات، والإستراتيجيات، موجودة ومدبجة، ولكنها تحتاج إلى ترجمة على أرض الواقع. والخلاصة أنّ مجلس التعاون منظمة ضعيفة في ما يتعلق بالتعاون الدفاعي84، ويعود ذلك - إضافةً إلى ما سبق ذِكره - إلى تركيز دوله على أمنها الداخلي وحماية مكتسباتها الوطنية. ومن ثمَّة، تحوَّل نظام الأمن الجماعي المنشود إلى مجموعة نُظم أمنية ذاتية، تساهم
كلّ دولة من خلالها في العمل الجماعي، وفق منظورها وإمكاناتها، مساهمةً لا تتعارض مع مسؤولياتها في حماية أمنها واستقرارها. ويُلخص بعضهم ما يراه معضلةً أمنيةً تقليديةً لدول الخليج في أنها تجد نفسها، على نحوٍ أو آخر، في سباق تسلح مع جيرانها، وبخاصة إيران وإسرائيل. وقد بلغ الإنفاق العسكري لدول الخليج، عام 2012، مستوى غير مسبوق (نحو 79 بليون دولار.) وبصفة عامّة، فإن معضلة الأمن بالنسبة إلى هذه الدول مركبة من عدّة عوامل؛ إذ تشمل ضعف التنسيق البَينيِّ، وأحيانًا الشك في ما بينها، والسياسات المراوغة لمصدري السلاح من جهة الدول والشركات التي تحاول زيادة مبيعاتها الخاصة لهذه الدول، والانقسام بين الشيعة والسنة، وزيادة النزعة الطائفية في النظام الإقليمي الخليجي، ونقص الموارد البشرية والقدرات العسكرية المحدودة لدول مجلس التعاون85. وتظل الخلافات السياسية بين دول مجلس التعاون هي المعوقات الرئيسة التي تحول دون تطوير نظام الأمن الجماعي في ما بينها، حتى في ما يتعلق بتبادل المعلومات الدفاعية، والتعاون في التدريب، والإمداد اللوجستي، والبنية التحتية، فضلً عن تطوير المجلس في حدّ ذاته. وترتبط هذه الخلافات بقضايا عديدة؛ مثل قضايا الحدود، والموقف من إيران، وتطوير عمل مجلس التعاون في المجالين السياسي والاقتصادي86، ومعضلة السيادة والهيمنة (حساسية الدول الصغيرة تجاه مسألة السيادة، والخوف من الهيمنة السعودية87.) وحتى التدخل العسكري الخليجي في مملكة البحرين - من دون الدخول في الجدل المتعلق بتقييمه - وإن أثبت نجاعته، فهو لم يَجْرِ ضمن إطار جاهز وقائم للتعامل السريع والفعّال مع مثل هذه التهديدات. ويتصل أحدث فصول الخلافات بين دول المجلس بتباين وجهات نظر الأُسر الحاكمة والحكومات تجاه تطورات "الربيع العربي." وقد وصلت الخلافات البينية إلى درجة غير مسبوقة تمثّلت بسحب سفراء الإمارات والسعودية والبحرين من قطر، في آذار/ مارس 2014؛ بدعوى تدخلها في الشؤون الداخلية لتلك الدول، وعدم التزامها النظام الأساسي لمجلس التعاون والاتفاقات الأمنية الموقّعة بين دوله، وإعلان أبوظبي عن كشفها خلية تجسس قطرية في الإمارات88. إنّ تدويل قضية أمن الخليج العربي وأزماته بصفة عامة - بسبب الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية للمنطقة – قد ساهم في إرجاء تنفيذ الاتفاقيات الدفاعية بين دول مجلس التعاون أو تعطيله. فقد خلص رياض العصفور إلى وجود ضمانة غربية، أميركية على نحوٍ خاصّ، لأمن الخليج طالما ظلّ الغرب على إيمانه بأنّ ذلك من مصالحه القومية، أو على الأقل لا يتعارض مع مصالحه89. ومن الناحية التاريخية، تعتمد النُّظم الخليجية في حمايتها، منذ قرون من الزمن، على قوى خارجية، وهو الدور الذي قامت به الولايات المتحدة منذ رحيل البريطانيين عن المنطقة عام 1971. وقد نشأت النُّظم من هذه التبعية التاريخية90. وما يزال التعاون الأمني بين دول المجلس يعتمد، على نحوٍ كبير، على الولايات المتحدة التي ظلّت هي المحور الرئيس الذي تدور حوله عملية تنظيم البنية الأمنية داخل منطقة مجلس التعاون91. ولكن ثمَّة من يحاجّ في أنّ الوجود العسكري الأميركي في المنطقة عطّل مجلس التعاون من أداء أيّ دور في مسألة أمن المنطقة92؛ بالنظر إلى أنّ هذه الدول كلّها قد انخرطت في اتفاقات أمنية ثنائية مع الولايات المتحدة، وغيرها من القوى الغربية93. فعلى الرغم من أنّ مجلس التعاون أصبح لاعبًا إقليميًّا أكثر استقلاليةً وفاعليةً، فما تزال الولايات المتحدة تمثّل القوة الحاسمة لضمان استقرار المنطقة.
وتُثار بشأن الضمانات الأمنية للقوى الخارجية، واحتمال تغيير الدول الغربية سياساتها والتزاماتها الأمنية في المنطقة، تساؤلات تتعلق بأنّ الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لم تعُد موضع ثقة، أو أنّ قدراتها على التأثير الفعال فُقدت أو قلَّت، أو أنها تنحاز إلى مصالحها الذاتية التي قد تتعارض مع مصالح دول مجلس التعاون94. وثمَّة إمكان آخر متمثّل بأن يخلق الوجود العسكري الأجنبي رأيًا عامًّا خليجيًّا مضادًّا. بعبارة أخرى، يمكن أن يكون الوجود العسكري الأجنبي باعثًا على عدم الاستقرار؛ نتيجة تزايد موجة العداء والكراهية لكلّ ما هو أميركي بالنسبة إلى أغلبية شعوب المنطقة95. نخلص إلى ضرورة إقامة هيكل أمني جماعي بين دول مجلس التعاون، من أجل مواجهة التهديدات المتعدّدة والمتنوعة لأمنها؛ لأنّ الهياكل الأمنية الخليجية القائمة غير مفعَّلة، أو لأنها لا تكفي للتعامل مع هذه التهديدات. وتدرك دول المجلس عدم كفاية التنسيق والتعاون بينها لمواجهة التحديات القائمة والمقبلة التي تهدّد استقرارها وأمنها ومكتسباتها، وهي التي تمتلك قدرات سياسية، وشرعية واقتصادية، تُؤهلها لتطوير هيكل للأمن الجماعي96. كما أنّ تزايد دور المجلس، بوصفه منظمةً إقليميةً، وتزايد أدوار أعضائه على الساحتين الإقليمية والدولية، وتحوُّل مركز الثقل الإقليمي إلى منطقة الخليج، بمنزلة فرصة وضرورة، في آنٍ واحدٍ، لتطوير مثل هذا الهيكل97. ولكي ينجح أيّ هيكل لأمن الخليج، ينبغي أن يكفل حمايةً للأطراف المشاركة ضدّ مدى واسع من التهديدات والتحديات القائمة والمحتملة، سواء كانت داخليةً (من داخل النظام الأمني لمجلس التعاون)، أو إقليميةً (من منطقة الخليج)، أو خارجيةً (من خارج المنطقة.) ولا بدّ من أن يتضمن كذلك تبنيًا لسياسة مستقلة بشأن الردع الإستراتيجي، قد تكون أهمّ عناصره مذهب دفاعي واضح تجاه التهديدات الإقليمية يشتمل على اتفاق على طبيعة التهديدات ومستوياتها، وكيفية مواجهتها، وتبادل المعلومات الأمنية، وتنسيق القدرات العسكرية، وتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك عام 2000، وزيادة أعداد "درع الجزيرة"، وتحديث قدراتها، وتوسيع دورها في الأمن الجماعي لدول المجلس، لتصبح نواةً لجيش خليجي98. وكانت عمُان قد عرضت خطةً عُرفت ب "الجيش الخليجي الموحد" عام 1991، لتشكيل قوة دفاع مشتركة، قوامها 100 ألف جندي99. وعلى الرغم من أنّ هذه الخطة قد طُرحت جانبًا في ذلك الحين، فإن إعادة التفكير فيها غدت أمرًا بالغ الأهمية. ولا بدّ أن يُبنى هيكل الأمن الجماعي على القدرات الدفاعية لدول المجلس. فكما يتضح من الجدول 1()، تعادل ميزانية الدفاع لهذه الدول من خمسة إلى سبعة أضعاف ميزانية إيرانية العسكرية. بل إنّ ميزانية الدفاع السعودية (نحو 50 بليون دولار) وحدها، تبلغ أكثر من أربعة أضعاف نظيرتها الإيرانية. وبالنسبة إلى القوات النظامية، تمتلك دول المجلس نحو 360 ألف جندي نظامي، وهو عدد يحتاج إلى زيادة، ليصل إلى نصف مليون على الأقل. ومع تطبيق التجنيد الإجباري في دول المجلس، ربما يمكن تحقيق هذا الهدف. وتمتلك دول مجلس التعاون عددًا كبيرًا من دبابات القتال الرئيسة يعادل تقريبًا ما تمتلكه إيران، ولعلّ ما يميزها أنها أكثر تطورًا من نظيراتها الإيرانية. أمّا القدرات البحرية لدول هذا المجلس، فهي في حاجة إلى زيادة عددها وتحسين معداتها؛ بسبب امتداد شواطئ دول مجلس التعاون على كلّ الساحل الغربي للخليج، ومعظم الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وأجزاء من المحيط الهندي، وبسبب ضعف قدرتها التنافسية مقارنةً بالقدرات البحرية الإيرانية، والقدرات البحرية للدول الأجنبية التي لها وجود بحري في الخليج.
ووفقًا لتقرير التوازن العسكري 2012، تمتلك دول مجلس التعاون نحو 651 طائرةً حربيةً قادرة على القتال، مقابل امتلاك إيران 336 طائرةً. ويلُاحظ أنّ معظم المقاتلات الخليجية من طرازات حديثة، مقارنةً بنظيراتها الإيرانية العتيقة والمتدهورة التي جرى شراء
معظمها قبل الثورة، أو الاستيلاء عليها بعد لجوء طيارين عراقيين إلى إيران أثناء حرب الخليج الثانية، والتي تحيط الشكوك بجاهزية عدد كبير منها للخدمة (نحو نصفها تقريبًا)100. غير أنّ المشكلة الكبرى، بالنسبة إلى دول المجلس، تتمثّل بنُظم التسلح الإستراتيجي، وبخاصة القدرات الصاروخية الباليستية؛ ذلك أنّ هذه الدول لا تمتلك قدرةً باليستيةً يُعتدّ بها. فماعدا السعودية التي تمتلك 40 صاروخًا صينيًّا متوسط المدى من طراز CSS-2، لا تحوز أيّ دولة من دول المجلس قدرات باليستيةً. ومن ثمَّة، يجدر بهذه الدول أن تعمد إلى شراء نُظم صاروخية وتطويرها. كما يجدر بها تقوية دفاعاتها الجوية بشراء مزيد من بطاريات صواريخ باتريوت للدفاع ضدّ القدرات الصاروخية الباليستية المتنامية لإيران. وينبغي أن تكون ثمّة سياسة مشتركة لشراء الأسلحة بين دول المجلس. كما أنه ينبغي أن تبادر هذه الدول إلى تأسيس شبكة قيادة وتحكم واتصالات واستخبارات مشتركة؛ بهدف توحيد عملية الدفاع. ويمكن أن تتولى هيئة الأركان السعودية قيادة هذه الشبكة. فلا بدّ لهذه الدولة من الاضطلاع، في أيّ هيكل أمني مشترك، بمرتبة قيادية؛ بالنظر إلى قدراتها الاقتصادية والعسكرية ودورها الإقليمي. وقد توصَّل بعض الدارسين إلى أنه كلما زادت قدرات الدولة المركزية في عملية التكامل، زادت وتيرة عملية التكامل بين الدول الأعضاء101.
ويجدر بدول المجلس الشروع في تنفيذ عدّة خطط؛ وذلك بإقامة شبكة دفاع جوي لحماية حقول النفط، وإقامة درع صاروخية على طول الساحل الغربي للخليج من أجل تأمين الخط الملاحي لناقلات النفط والسفن التجارية، وحماية دول المنطقة من تهديدات إيران الصاروخية الباليستية102.
خاتمة
بوجه عامّ، عندما ينظر المرء إلى الفترة التي أُسِّس فيها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإنّ إنجازاته التي حقّقها تُعدُّ مميزةً نسبيًّا. فقد تنبأ مراقبون كثيرون بانهياره السريع، وهو الآن في عقده الرابع من التعاون والتكامل. ومن منظور الأمن الجماعي، نجح مجلس التعاون في عملية تحويل مجموعة من القبائل والشعوب المتحاربة إلى أحد أكثر التجمعات الإقليمية سلميةً في العالم. على الرغم من ذلك، يظلّ مجلس التعاون منظمةً ضعيفةً بالمعنى العسكري. ومن ثمَّة، فإنّ هذه الدول في حاجة، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى تطوير هيكلٍ فعَّال للأمن الجماعي يكون ذا مواصفات خاصة تؤهله للدفاع عنها ضدّ الأخطار والتهديدات الخارجية، وخصوصًا أنّ الاعتماد على الدول الغربية لم يضمن الأمن في منطقة الخليج. وقد يكون من المجدي، في هذا الشأن، تفعيل الاتفاقات والسياسات والإستراتيجيات القائمة بالفعل بين دول المجلس في المجال الدفاعي، ودمجها في إطار هيكل موحد. ومن منظور القدرات، يبدو أنّ مجلس التعاون الخليجي لديه من الموارد السياسية والاقتصادية لبناء هيكل للأمن الجماعي. أمّا من منظور الإنجاز وخبرة التكامل، فقد أثبتت دول المجلس قدرتها على تحقيق نموٍّ وتنميةٍ في المجال الاقتصادي، ومستوى معقولٍ من التكامل الاقتصادي. ويمكنها تحقيق ذلك في المجال الدفاعي. وأمّا من منظور الفُرص، فليس ثمَّة أفضل من البيئة الإقليمية الراهنة لتطوير الهيكل الأمني المنشود.