محددات السياسة الخارجية المغربية تجاه دول غرب أفريقيا وجنوب الصحراء

يحيي بولحية

الملخّص

تناقش هذه الورقة العلاقات المغربية الأفريقية في ضوء الزيارة الأخيرة التي قام بها ملك المغرب إلى كل من مالي، وساحل العاج، وغينيا الإستوائية، والغابون، وما تميزت به من سابقاتها بكثافة أجندتها، وأهمية الوفد المؤل ف من سياسيين ورجال أعمال، ما أسفر عن توقيع اتفاقيات إستراتيجية عديدة مع الدول المذكورة. وضمن هذا السياق ترصد هذه الدراسة الثوابت التاريخية التي تحكمت في العلاقة بين الطرفين، بالنظر إلى أنّ التاريخ مختبَر يكشف عن سيرورة التحول، ويوضح العمق الإستراتيجي لفهم الحاضر وتعقيداته المتشابكة. كما تتناول الورقة أيض ا المتغيرات السياسية، والاقتصادية، والدينية، بين الجانبين؛ بالاستقراء، والتحليل، والمقاربة، والتأويل. فما هي طبيعة العلاقة التاريخية بين المغرب ودول غرب أفريقيا؟ وما هي المتغيرات التي ساهمت في كثافة الحضور المغربي بالمنطقة؟ وما الجديد الذي تضيفه المبادرات المغربية السياسية، والاقتصادية، والأمنية؟ الملخص التنفيذي وما هي الصعوبات التي قد تعرقل الطموحات المغربية في القارة بوجهٍ عامّ؟ هذه هي المحاور التي تدور حولها هذه الدراسة.

الثوابت والمتغيرات

أهمية الدراسة

تعرف منطقة الساحل ودول غرب أفريقيا نِسب نمو اقتصادي مرتفعة؛ ما جعل منها مجالً خصبًا للاستثمارات الدولية، كما تعرف بلدانها تحدياتٍ سياسيةً وأمنيةًاستدعت حضورًا دوليًّا وإقليميًّا متزايدًا. وتتَّسم العلاقة بين المغرب ودول غرب أفريقيا وجنوب الصحراء بأهمية خاصة؛ بسبب التنافس الدولي المتعلق بالمنافع الاقتصادية للمنطقة (الصين، والولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وجنوب أفريقيا)، والدور الذي يمكن أن يؤدِّيه المغرب في تنمية القارة. وتمثّل المقاربة التنموية التي اضطلع بها المغرب تجاه المنطقة خطوةً جديدةً على مستوى المساهمات العربية الجادة في هذا المجال؛ ما يستدعي دراستها وتقييم نتائجها في أفق بناء تصور عربي جديد للتنمية داخل المحور جنوب - جنوب، وبخاصة إثر التراجع العربي في صون الأمن القومي وحلقاته القريبة والبعيدة في أفريقيا، وآسيا، وأميركا الجنوبية. ونحن إذ نحلل العلاقة بين المغرب ودول هذه المجموعة الأفريقية، نقوم في حقيقة الأمر برصد أحد أوجه التمثيل العربي في المنطقة للوقوف على نقاط ضعفه وقوته، والخروج باستنتاجات قد تفيد في رسم معالم ذهنية جديدة في التعامل مع الإقليم الأفريقي.

منهج البحث

يأخذ البحث بالمنهج الوصفي التحليلي للظواهر الاقتصادية والدينية والاجتماعية التي تربط المغرب بدول غرب أفريقيا وجنوب الصحراء، مع التركيز، أساسًا، على نماذج معينة؛ بغية السيطرة على محاور الدراسة والتوصّل إلى استنتاجات ملائمة. كما أننا اعتمدنا المنهج الاستقرائي التاريخي في رسْم أطياف العلاقة بين الطرفين على امتداد فترة زمنية معينة؛ وهو ما يساعدنا على تحديد معالم الصورة الراهنة وإدراك البدايات الأولى لتشكُّلها.

فرضيات البحث

أفضت العلاقة التاريخية بين المغرب ودول غرب أفريقيا وجنوب الصحراء بفعل الروابط الدينية والاجتماعية، وخصوصًا في بعدها الصوفي التاريخي، إلى دعم بناء علاقة إستراتيجية ما فتئت تتنامى بين المغرب ودول المجموعة الأفريقية في ضوء منافسة القوى العظمى؛ كالصين، وفرنسا، وأميركا، وغيرها. وضمن هذا السياق قد يواجه المغرب عقبات أمام مشاريعه السياسية والاقتصادية بأفريقيا في ضوء الخلاف المغربي الجزائري بشأن مشكلات الصحراء، وما يلحقه من تحالفات وتحالفات مضادة، قد تعصف بالمصالح التنموية للمشاريع المغربية بالمنطقة.

الأبعاد التاريخية والإستراتيجية في العلاقة بين المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء

نهج المغرب منذ بداية عهد الملك محمد السادس سياسة خارجيةً جديدةً، تمثّلت بالنأي بالنفس عن مشكلات الشرق الأوسط وإيلاء الملفات الداخلية عنايةً خاصةً، وتمتين العلاقة بدول الاتحاد الأوربي ودول الخليج العربي، ومحاولة الولوج في المحاور الإقليمية بأفريقيا الغربية. وفي السنوات الأخيرة بدأت تبرز، ضمن أجندة السياسة الخارجية المغربية، أهمية متزايدة نحو القارة السمراء، وبخاصة في عُقب الأزمة المالية، وما نتج منها من تدخل عسكري فرنسي مشفوع بدعم لوجستي ودبلوماسي من أطراف دولية وإقليمية. عبّ الملك الراحل الحسن الثاني عن علاقات المغرب الخارجية قائلً إن المغرب "يشبه شجرةً تمتد جذورها المغذية امتدادًا عميقًا في التراب الإفريقي وتتنفس بفضل أوراقها التي يقويها النسيم الأوروبي. بيد أن حياة المغرب ليست عمودية الامتداد فحسب، بل هي تمتد كذلك امتدادًا أفقيًّا نحو الشرق الذي نحن مرتبطون معه بالتالد والطارف من الصلات الثقافية"1. وهو قول يفسر أولويات السياسة الخارجية للمغرب وارتكازها على الأبعاد الجيوستراتيجية؛ ذلك أنّ الجنوب شكّل دومًا عنصرًا أساسيًّا في استقرار الأوضاع أمنيًّا، وسياسيًّا، واقتصاديًّا. وتعود العلاقة الوطيدة بين المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء   وغرب أفريقيا إلى فترة العصر الوسيط، وبالتحديد إلى عهد الدولة المرابطية التي انطلقت، أساسًا، من جوارٍ أبرز المحاور التجارية الصحراوية؛ إذ   كانت قبائل صنهاجة التي عانت من الفرقة والتشرذم السياسي

  1. نص الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في ندوة "العالم العربي وإفريقيا.. تحديات الحاضر والمستقبل"، 2003/10/15، المركز الوطني للتوثيق: قاعدة المعطيات حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية، على الرابط: http://doc.abhatoo.net.ma/spip.php?article371

مستقرةً في الصحراء إلى حين قدوم عبد الله بن ياسين؛ وهو الفقيه المالكي الذي نجح في توحيد عناصرها، وفي تكوين المرحلة الجنينية للدولة الجديدة التي اتجهت إلى تأسيس دولة مترامية الأطراف شمالً وجنوبًا ونحو المغرب الأوسط. كما ساهم المرابطون في ترسيخ المذهب المالكي بالمنطقة، بعد أن سار الأمير أبو بكر بن عمر إلى الصحراء وسكَّنَ أحوالَها2. ولا شك في أنّ ترسيخ الوجود السياسي وتحقيق الأمن الإستراتيجي شكَلّا مقدمةً ملائمةً للسيطرة الاقتصادية. وضمن هذا السياق وصف الإدريسي 560(ه/ 1165 م)، أهل مدينة أغمات، فقال إنهم "تُجار مياسير يدخلون إلى بلاد السودان بأعداد الجمِال الحاملة لقناطير الأموال من النُّحاس الأحمر الملون، والأكسية وثياب الصوف والعمائم والمآزر، وصنوف النظم من الزجاج والأصداف والأحجار، وضروب من الأفاويه والعطر وآلات الحديد المصنوع"3. وأسَّس الموحدون دولتهم في الجنوب، على ذلك النحو أيضًا، وأدَّوا دورًا رئيسًا في التجارة الصحراوية، بخاصة بعد سيطرتهم على منطقة الشمال الأفريقي وعلى بلاد الأندلس. مثّل الجنوب عمقًا إستراتيجيًّا للمغرب من النواحي الأمنية والاقتصادية، وبرز ذلك بوضوح في فترة حكم الدولة السعدية التي نأت بنفسها - على خلاف دول سابقة مثل المرابطية، والموحدية، والمرينية - عن المغامرة العسكرية والسياسية في اتجاه المغربين الأوسط والأدنى من جانب أفقيٍّ، وعن تركيز النفوذ في بلاد الأندلس من جانب رأسيٍّ. فبدلً من ذلك ركّزت جهدها في اتجاه "بلاد السودان الغربي"؛ لأسباب اقتصادية، وإستراتيجية، وأمنية. وإذا كان المؤرخون يتحدثون عن المنافع الاقتصادية الوافرة التي حصل عليها المغرب نتيجةً لتدخله في   ما   كان يسمى ببلاد السودان الغربي، فإنّ الأبعاد الإستراتيجية لم تكن غائبةً عن المنظور السعدي الذي حكم بدايةً من عام 1578، والذي رام من خلال تثبيت النفوذ المغربي بالجنوب قطْعَ الطريق عن الأطماع الإيبيرية، والبرتغالية، والإسبانية، وتأمين القاعدة الخلفية للحكم في المغرب. وضمن هذا الإطار اجتمعت، بانتظام في هذه الممالك كلمةُ الإسلام، وارتقى الأمرُ إلى الكمال الذي دلّ منه حسنُ الابتداء على حُسن الاختتام4. وخلال القرن الثامن عشر وجّه السلطان المغربي المولى سليمان رسائل إلى مناطق توات وكرارة، أكَّد في مجملها امتدادَ سلطة المخزن إلى هذه التخوم الوطنية البعيدة بقوله: "فاعلموا أنه لما اقتضى نظرنا السديد عزل قائدكم الذي بلغنا أنه يضر بالمساكين، ويقبض منهم غير ما أوجبه الله عليهم، ورفقًا منا بكم، ولم نرد أن نوليَ عليكم أحدًا إلا أنْ يأتيَ موفدًا على الوصف الذي قدمنا لكم لقبض ما حرم الله عليكم، جعلنا عليكم أمناء من خيار أهل بلادكم، وهم شهداء على من يظلمكم"5. استمرت العلاقات بين المغرب ودول السودان الغربي إلى فترة متأخرة. وتوجد بإحدى الخزائن الخاصة في تنبكتو سبعُ رسائل مختومة بطابع السلطان المغربي عبد الرحمان بن هشام 1849( - 1860) موجهة لعامله في الصحراء والسودان. وفي نهاية القرن التاسع عشر وصل مبعوث باشا تنبكتو إلى فاس يطلب من السلطان الحسن الأول 1873( - 1894) إرسال جيوشه لإنقاذ جزء من مملكته الشريفة. كما توجد رسائل تتضمّن أجوبة السلطان، وفيها يخبر أهل الحلّ والعقد بتنبكتو بأنه يفاوض الفرنسيين ليرفعوا أيديهم عن رعاياه6، وهو جانب لم يفلح فيه الجهد المغربي بفعل قوَّة الظاهرة الاستعمارية التي لم ينجُ منها المغرب أثناء توقيع معاهدة الحماية عام.1912

الاستعمار وبلقنة أفريقيا سياسيًّا وأمنيًّا

ساهمت الظاهرة الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر في تقطيع أوصال القارة الأفريقية، واستنزاف خيراتها الطبيعية والبشرية، ونشأة حركات تحررية نجحت في استرجاع سيادتها. ولكنْ ظلت أغلب بلدان القارة تعاني التأخر التنموي، والنزاعات الحدودية، وتواتر الانقلابات العسكرية. وبرزت داخلها سياسة المحاور والمحاور المضادة، أثناء فترة الحرب الباردة.

  1. علي بن أبي زرع الفاسي، 2 الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، ط  2 (الرباط: المطبعة الملكية،)1999، ص .33
  2. محمد بن محمد الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (ليدن، مطبعة بريل، 1968)، ص .66
  3. مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا عبد العزيز الفشتالي،  (الرباط: مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة، د. ت)، ص .146
  4. أحمد العماري، 5 توات في مشروع التوسع الفرنسي بالمغرب من حوالي   1850 إلى 1902، ط 1 (فاس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1988)، ص .41
  5. محمد الغربي، بداية الحكم المغربي في السودان الغربي، (الكويت: مؤسسة الخليج للطباعة والنشر، د. ت)، ص .15

وقد شكَّل المغرب أحد الأعمدة الرئيسة للوحدة الأفريقية. فقد احتضن عام 1961 مؤتمر الدار البيضاء الذي أسفرت نتائجه عن مجموعة من المواثيق المؤكِّدة لمبدأ تحرر أفريقيا وتحقيق وحدتها7. وخلال الحرب الباردة مثَّل كلّ من المغرب والجزائر قطبين أساسيين ضمن محور الصراع الدولي، وبرزت آنئذ مشكلات الصحراء، واجتهدت الدبلوماسية الجزائرية في الحؤول دون استكمال المغرب لوحدته الترابية، ودعمت بالسلاح والسياسة جبهة البوليزاريو، مستفيدةً في البداية من دعم ليبيا، وكوبا، والاتحاد السوفياتي سابقًا.

من جانب آخر أراد المغرب خلال عهد الحسن الثاني أداءَ دور الاستقرار بأفريقيا وقيادة محور الاعتدال بالقارة. ولتفعيل ذلك، قام بتدخلات عسكرية عديدة مع فرنسا أثناء أزمة شابا في نيسان/ أبريل 1977 وأيار/ مايو 1978، وفي ساحل العاج، والغابون، وأفريقيا الوسطى، والتوغو؛ وهي بمعيار السياسة الخارجية المغربية دول صديقة8. في مقابل ذلك، اعتمدت الدبلوماسية الجزائرية محور جنوب أفريقيا، للضغط على المغرب؛ الجزائر – نيجيريا - فأثمر قبول الجبهة ضمن ما كان يُسمى بمنظمة الوحدة الأفريقية. ففي عام 1981 اعترفت 26 دولةً أفريقيةً بجبهة البوليزاريو، فكان ذلك تمهيدًا لدخول هذه الجبهة إلى المحفل الأفريقي عام 1984، أثناء انعقاد القمة العشرين لمنظمة الوحدة الأفريقية بأديس   أبابا9. نهج المغرب سياسة القطيعة مع البلدان الأفريقية التي اعترف بجبهة البوليزاريو، وتبين له في ما بعد أنّ توجهه هذا عمّق عزلته الدبلوماسية، والاقتصادية؛ فدفعه ذلك إلى مراجعة سياسته، واضطر إلى إعادة العلاقات السياسية بأنجولا، والرأس الأخضر، والبنن، والتوغو، والموزامبيق10. ولا شك في أنّ الحسن الثاني كان يروم تفكيك الطوق والعزلة اللذين فرضهما على نفسه بانسحابه من منظمة الوحدة الأفريقية. وقد ركّز الحسن الثاني في علاقاته الأفريقية على الأبعاد الدينية، والأمنية، والعسكرية، والعلاقات الشخصية، مستفيدًا من الدعم الغربي ومساندة الأنظمة العربية المعتدلة؛ من قبيل دول مجلس التعاون الخليجي، ومثَّل هذا المحور الاقتصادي أبرز المحاور الغائبة في أجندة السياسة الخارجية المغربية، وهو ما جعل النظام الحالي يتنبَّه لأهمية الاقتصاد في كسب رهان التنمية بالقارة، وتوظيف ذلك في صراعه الجيوستراتيجي ضدّ خصومه السياسيين، وهذا الموضوع سنتناوله في محور لاحق. اكتسب المغرب تجربةً مريرةً، لكنها مفيدة في معرفة الدهاليز التي تُفضي إلى ممارسة أكثر نجاعةً في التعامل مع دول الجوار الأفريقي، ولا سيما بعد تراكم تجربة تاريخية فريدة في التعامل معها، كما أوضحنا ذلك سالفًا. كما حاول استغلال بعض المستجدات المهمّة؛ من قبيل غياب معمر القذافي عن الاتحاد الأفريقي، وأفول التحركات الدبلوماسية للرئيس بوتفليقة الذي يعاني وضعًا صحيًّا متدهورًا. وهكذا لم تعُد أمام المغرب سوى بعض العراقيل التي تحتضنها كلّ من جنوب أفريقيا ونيجيريا. وضمن هذا الإطار نحاول رصْد معالم خطة المغرب الجديدة في التعامل مع عمقه الأفريقي، مستأنسين بزيارة الملك محمد السادس لبعض بلدان أفريقيا الغربية. حرص الملك في مناسبات عديدة على الإشارة إلى متانة العلاقات المغربية الأفريقية، وضمن هذا الإطار يقول: "أمّا ﻼﻋﻗتنا مع عمقنا الإفريقي الذي يشكل مجالً لفرصٍ واعدة، فإننا حريصون على نهج مقاربة متجددة، قائمة على التضامن، ومبنية على تعزيز الأمن والاستقرار، خاصة في منطقة الساحل والصحراء - فضلً عن خلق شروط التنمية البشرية – تسهم في النهوض بالإنسان الإفريقي، طبقًا لأهداف الألفية للتنمية"11. ومنذ بداية عام 1999، خطّ الملك محددات سياسة أفريقية متجددة ترتكز على القرب، والالتزام، والتضامن. وقد أسفرت عن تطوير الإطار القانوني للتعاون المتكون حاليًّا من رصيد يُقدَّر بنحو 500 اتفاقية، مع أكثر من أربعين دولة في أفريقيا جنوب الصحراء. وهي

  1. Que cherche le Maroc en Afrique?," Jeune Afrique , 21/5/2013, at: http://www.jeuneafrique.com/Article/JA2731p022.xml0/algerie-afrique- diplomatie-maroc-maroc-afrique-que-cherche-le-maroc-en-afrique.html
  2. Ibid., p. 27.
  3. Alain Antil, "le royaume du Maroc et sa politique envers l'Afrique sub- saharienne," Institut français des relations internationales (novembre 2003), p. 24.
  4. Ibid., p. 34.
  5. مقتطف من خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لعيد العرش، طنجة،

اتفاقيات تشمل مجالات مختلفة في التنمية الاقتصادية، والتقنية، والاجتماعية، والثقافية، والبشرية؛ من قبيل محاربة الفقر، والتنمية الزراعية، والصيد البحري، والتعليم، والصحة، والتكوين، وتدبير المياه، وتكنولوجيا الإعلام، والتدبير المالي والبنكي.

ومن الناحية السياسية نجح محمد السادس، يوم 2 شباط/ فبراير 2002، في عقد لقاء مشترك بين رؤساء غينيا، وليبيريا، وسيراليون؛ وهم لانسانا كونتي، وشارل تايلور، وأحمد تجان كباح، نازعًا فتيل التوتر بينهم12. ولقد أبان ذلك نيَّةً واضحةً في الالتفاف على المحفل الأفريقي والعودة إلى أداء دور سياسي ينزع عن الجزائر بعض إنجازاتها الدبلوماسية السالفة. من جانب آخر قام الملك بزيارات مختلفة إلى دكار، كان آخرها عام 2008، كما دأب رؤساء السنغال الثلاثة الأوائل على القيام بزيارات منتظمة إلى الرباط، ولم يشذَّ الرئيس الحالي ماكي سال الذي قام بتمتين أسس العلاقة بين البلدين عن هذه القاعدة الدبلوماسية13. على عكس الحسن الثاني، تميز العهد السياسي الجديد في المغرب بدينامية خاصة في تدبير ملفات العلاقات الخارجية؛ فقد حافظ على ثوابت راسخة في رسم العلاقة بالسنغال. أمّا علاقته بموريتانيا، فقد تأرجحت بين الأوج الدبلوماسي والبرودة السياسية. وضمن هذا السياق، خضعت علاقات المغرب بموريتانيا لحوادث واصطداماتٍ بين الفينة والأخرى؛ فخلال عام 2009، كان الرئيس الموريتاني ولد عبد العزيز، المنتخب لتوّه، بصدد تحضير أوّل زيارة خارجية له، وقد أعلم السلطات المغربيةاَّ بذلك، ولكنها م إنْ تأخرت في الإجابة حتى؛َّ بادرَ إلى زيارة الجزائر وهو ما يفسر برودة العلاقات بين الجانبين، واستثناء موريتانيا من أجندة زيارة ملك المغرب الأخيرة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا يوجد توجُّه خارجيّ جديد لدى الرئيس الموريتانِ، وإنْ كانت الرغبة تحدوه في تحسين علاقة بلاده بالجزائر، لكن من دون أن يكون ذلك على حساب علاقاتها بالمغرب؛ فهذه ةَّالعلاقة تبقى استثنائي14. وفي مقابل ذلك هيمن الملفُّ المالي وما يشهده هذا البلد من مخاض سياسي وأمني على اهتمامات صنّاع القرار بالمغرب، بخاصة بعد نجاح الدور العسكري الذي قامت به القوات الفرنسية؛ وهو ما يحثنا على النظر في مقاربة المغرب الأمنية للمنطقة، بعد تزايد نشاط الحركات المسلحة والحركات الانفصالية.

حرب مالي بين الدور العسكري الفرنسي وخيار التنمية المغربي

عُقِد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 بالرباط مؤتمر دولي متعلقة بأمن الحدود، وقد خرج بتوصيات متعلقة بالأمن في منطقة الساحل؛ من بينها تحديد التحديات الأمنية، وإنشاء مركز إقليمي للمراقبة والتكوين وإعادة النظر في المنظومات الأمنية والجمركية. وخرج المؤتمر بتوصيات تعطي المغرب قسطًا مهمًّ لتنفيذها، وقد حضرت هذا المؤتمر، إلى جانب دول أفريقية، الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، ودول أوربية وآسيوية15. وعلى شاكلة إمارات الخوارج الصفرية والإباضية بالمغربين الأوسط والأقصى خلال القرن الثاني الهجري، اجتهدت حركات العنف السياسي في البحث عن المناطق الإستراتيجية الرخوة لتأسيس كياناتها وإماراتها المستقلة، بأفغانستان واليمن؛ وشكَّلت مناطق الساحل الأفريقي ملاذًا مثاليًّا لأجندتها، مستغلةً في ذلك ضعف الأنظمة السياسية (مالي والنيجر)، وشساعة المجال الجغرافي للحؤول دون مراقبته مراقبةً شاملةً. في الآن نفسه تريد حكومة باماكو إعادة الوحدة السياسية وهي تعلم أنّ الشمال تسكنه جماعات من الطوارق والعرب لا   تربطها علاقات

  1. Antil, Ibid., p. 2.
  2. Mohamed VI à Dakar aujourd'hui: Sénégal-Maroc, des relations séculaires, le Soleil, 15/3/2013, at: http://lesoleil.sn/index.php?option=com_content&view=article&id=2
  3. عبد الله مولود، "الموريتانيون يتفحصون أبعاد وانعكاسات زيارة ملك المغرب لباماكو وأبيدجان المغرب يفعّل محاور استقطاب إقليمية تتجاوز أدوار موريتانيا والجزائر"، القدس العربي، 2004/2/24، على الرابط: https://www.alquds.co.uk/?p=137107 15  http://www.alittihad.press.ma/def.asp?codelangue=29&id_ info=192141&date_ar=2014-3-2&wss=1Y09io000101
  4. 6873:mohamed-vi-a-dakar-aujourdhui-senegal-maroc-des-relations- seculaires&catid=78:a-la-une&Itemid=255

جيّدة بالحكومة المركزية؛ لذلك فهي تحتاج إلى أن تتحالف مع المغرب الذي يمكنه أن يؤدِّيَ هذا الدور بطلب من حكومة باماكو، أو بطلب من جماعات الطوارق16، وضمن هذا الإطار يمكن فهم استقبال ملك المغرب لأحد أبرز ممثلي الحركة الأزوادية. وقد عبّ ملك المغرب عن ذلك قائلً: "إنّ أيّ مبادرة دولية يتمّ التنسيق بشأنها دون إيلاء البعد الثقافي والعقائدي الأهمية التي يستحقها، سيكون مصيرها الفشل"17. ضمن هذا الإطار، تُعَدّ حالة اللاستقرار التي عاشتها منطقة مالي مسوِّغًا قرأت فيه الدبلوماسية المغربية ضعفَ دول المنطقة، وتزايد نشاط الحركات المسلحة؛ ما يحتّم في نظرها ضرورة معالجة مشكلات الصحراء بوصفها مفتاحًا لأزمات مجمل دول المنطقة18. وإنّ تمتين العلاقة بمالي، في ما نرى، هو بوابة رئيسة تهدف من ورائها الدبلوماسية المغربية إلى فتح آفاق جديدة مع دول المنطقة وإعادة ترتيب أوراقها الجيوستراتيجية، والاقتصادية، والأمنية، ومواجهة الهيمنة الجزائرية على الشأن الأفريقي. لم يتبنَّ المغرب الحلول الأمنية والعسكرية، بل اختار أسلوب التنمية قصد تجفيف منابع الإرهاب، وتصاعد موجة الصراع المسلح، وظهور بوادر البلقنة السياسية في المنطقة؛ وهو ما يمكن قراءته في أجندة الزيارة الأخيرة التي قام بها ملك المغرب إلى بعض دول غرب أفريقيا. وفي السياق نفسه، قالت إحدى اللجان الفرعية الثلاث التي أنشأها مجلس الأمن، والتي تعالج مسألة الإرهاب وما يتصل به من قضايا، إنّ العمليات العسكرية الفرنسية في شمال مالي لم توقف هجمات تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي." وقال رئيس لجنة متابعة القرار رقم 1267 التي يرأسها الأسترالي غاري كوينلان، إنه "على الرغم من العمليات العسكرية التي سُجِّلت باسم سيرفال في شمال مالي، والتي نفذتها القوات الفرنسية، فإنّ خطر الهجمات الإرهابية المرتبطة بالقاعدة مازال قائمًا"19. لقد قرأت الدبلوماسية المغربية الإشارات الأممية جيّدًا؛ ما دفعها إلى تعزيز علاقتها بعدد من بلدان أفريقيا، وكان للدور الذي أدته هذه الدبلوماسية في حسم التدخل العسكري في شمال مالي لتحريره من فلول تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، أثرٌ بارز في مواقف كثير من البلدان الأفريقية في منطقة الساحل والصحراء. ولقد أدَّت فرنسا دورًا محوريًّا في معالجة المسألة المالية بوسائل عسكرية ومباشرة، إثر الانتهاء من العمليات العسكرية، فنتيجةً لتلك المعالجة ظلّ الوضع معلقًا؛ إذ بقيَ الانفصال بين الشمال والجنوب قائمًا، وتعذر تحقيق الوحدة الوطنية. وفي الآن نفسه بقيَ المغرب يراقب الوضع ضمن أفق تحقيق وفاق داخ؛ يي ذلك أنّ نجاح الماليِيّن في تحقيق ذلك لم يكن يعني سوى قيمة مضافة لمشكلات الصحراء والحدّ من النزعة الانفصالية لجبهة البوليزاريو20. ويبدو من مجريات الأمور أنّ المغرب يقوم بإتمام الدور الفرنسي، وترجمة ذلك بمبادرات اقتصادية وتنموية من شأنها أن تجعل نفوذ الفئات الانفصالية يتضاءل. ألقى ملك المغرب بمالي عام 2013 خطابًا حدَّد فيه الخطوط العريضة للعلاقة بين الجانبين، ودعا من خلاله إلى تحقيق مصالحة هادئة منفتحة على كلّ الحساسيات بين جميع أبناء مالي؛ وذلك عبر إحداث "وزارة مكلفة بالمصالحة الوطنية وتنمية مناطق الشمال." كما ألح على توطيد المؤسسات السياسية والتمثيلية والأمنية، وتأهيل البنيات التحتية الكفيلة بتحقيق التقدم وإعادة هيكلة الحقل الديني21. ضمن هذا السياق ينبغي أل   تُقرأ المبادرة المغربية على أنّها محاولة لمزاحمة الدور الفرنسي في المنطقة، بل بوصفها عاملً مكملً للحملة العسكرية الفرنسية في مالي22، وخصوصًا أنّ أصواتًا عديدةً في واشنطن ودول غربية عديدة أثنت على المبادرة، ورأت فيها وسيلةً مثلى لاجتثاث مظاهر العنف من المنطقة. لكن ألم يكن هناك تنسيق مسبق بين البلدين في تحقيق هذا الهدف المشترك، ولا سيما أنّ دور العلاقات المغربية الفرنسية في تدبير الملفات الأفريقية معروف منذ عهد الحسن الثاني، كما ذكرنا من قبلُ؟

  1. Le Maroc, l'acteur miracle pour régler la crise malienne?," Jol Press,  25/2/2014, at: http://www.jolpress.com/maroc-mali-visite-mohammed-vi-touaregs- article-824618.html
  2. من نص الخطاب   الذي ألقاه الملك محمد السادس في حفل تنصيب رئيس مالي الجديد في باماكو،.2013/9/19
  3. Youssef Aït Akdim, "Que cherche le Maroc en Afrique?," 21/5/2013, at:
  4. لجنة القرار 1267 ميديا تنشر حقائق مثيرة عن ملف الإرهاب في الساحل"، المرابع،
  5. http://www.jeuneafrique.com/Article/JA2731p022.xml0/algerie-afrique- diplomatie-maroc-maroc-afrique-que-cherche-le-maroc-en-afrique.html
  6. 2014/1/19، على الرابط:
  7. http://www.al-maraabimedias.net/?p=11266 20 " Le Maroc, l'acteur miracle pour régler la crise malienne?," Jol Press, at: http://www.jolpress.com/maroc-mali-visite-mohammed-vi-touaregs- article-824618.html 21 من نص الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس في حفل تنصيب رئيس مالي، المرجع نفسه. 22  Antil, Ibid., p. 51.

لا شك في أنّ الخطوات المغربية أقلقت الفاعلين السياسيين والأمنيين بالجزائر كثيرًا، وقد كان من المنتظر التكافؤ في طبيعة التحدي الذي رفعه المغرب مستغلّ الوضع الصحي للرئيس الجزائري، وعدم قدرته على المناورة السياسية في ما يتعلّق بردّ الفعل.

الهجوم المغربي وردود الفعل الجزائرية

تُعدّ دول الساحل الأفريقي؛ ومنها مالي والنيجر، الخصر الرخو للعمق الإستراتيجي الجزائري. ويمكن قراءة التحرك المغربي ضمن أجندة الصراع الخفي والمعلن بين البلدين. فقد ردَّت الجزائر مباشرةً على إثر الزيارة المغربية للمنطقة بعقْد لقاء مع القادة الجدد في مالي، وتوقيع بعض الاتفاقيات الأمنية والعسكرية. كما أنّها تبنَّت رؤيةً تقوم على سياسة وقائية؛ وذلك بإيجاد البديل الاقتصادي والاجتماعي للطوارق الموجودين على أراضيها، من خلال جمْعهم في قرى ومدن جنوبَها، وترقية معيشتهم، ومحاولة إدماجهم في الحياة السياسية. غير أن هذه السياسة الجزائرية لم تكفِ لدرء تهديد الحركات الأزوادية والحد من نشاطهم المسلح؛ لأنّ مالي والنيجر لم تقوما، على نحوٍ موازٍ، بما قامت به الجزائر23. لقد تزامنت الزيارة الملكية مع رغبة الحكومة المالية في تحقيق وحدتها السياسية، بخاصة إذا علمنا أنّ الشمال المالي يستقر به الطوارق والعرب24، ومن المعلوم أنّ للطوارق طموحاتٍ استقلاليةً؛ ومن ثمّة استغلت الحركات الجهادية الوضع الرخو بالمنطقة بمحاولاتها تأسيس كيانات سياسية وعسكرية. وقد عُدّت منطقة انتشار الطوارق بُؤرًا ذات جغرافيا سياسية بالغة الحساسية من الناحية الأمنية، كما عُدّت أزمة الطوارق من أقدم التحديات التي تواجه الأمن القومي الجزائري وأشدّها تعقيدًا، بل إنّ لها حضورًا بارزًا ضمن الشواغل الأمنية الجزائرية منذ زمن قديم، مقارنةً بمشكلات دوائر إستراتيجية أخرى وتهديداتها25. ولا شك في أنّ التقارب المالي المغربي، واستقبال الملك أحدَ أبرز ممثلي الحركة الأزوادية يثير مشكلات حقيقيةً أمام المؤسسة العسكرية الحاكمة في الجزائر. فقد أثارت زيارة بلال آغ شريف أمين عامّ "حركة تحرير أزواد"، للمغرب من أجل لقاء الملك محمد السادس بمراكش، موجةً من ردود الفعل الإقليمية، وطلب الملك المغربي من وفد "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" أن تبقى حركتهم منفتحةً على الحوار السياسي، كما أكد وفد الحركة لملك المغرب "تمسكه بحلّ سياسي دائم للنزاع بين الحركة والحكومة المالية"26. وتميزت التصريحات المغربية بالتريث في ظلّ وجود ثلاث حركات أزوادية، هي: المجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة الوطنية لتحرير أزواد، والحركة العربية الأزوادية. وكان المسؤول الأزوادي قد حظيَ باستقبال ملكي في مسجد الكتبية بمراكش، وهي إشارة لها دلالات تاريخية عميقة. فباني المدينة والمسجد ليس سوى يوسف بن تاشفين؛ أشهر حكام المرابطين وأحد أجداد زعيم أزواد، وقد كان الاستقبال الملكي بمنزلة رسالة حضارية واضحة المعالم27. المغرب منطقة الساحل والصحراء مجالً إستراتيجيًّا ويَعدُّ، فكثيرًا   ما   نبّه المجتمع الدولي إلى تنامي الإرهاب في المنطقة28إلا   أن ذلك التنبيه لم يكن كافيًا؛ فالأمر يحتاج، في نطره، إلى وسائل مكملة وأكثر نجاعةً في تدبير الملفات الشائكة. لقد تنبه المغرب إلى أنّ الجهد السياسي والأمني ظلّ محدود الأثر من حيث الولوج في القارة الأفريقية، والمحفل الأفريقي، ممثل بمنظمة الاتحاد الأفريقي. ولا شك في أنّ الدراسات التي قامت بها المؤسسات العمومية أبانت ضرورة الاهتمام بالمسألة الاقتصادية، على غرار ما تقوم به دولة جنوب أفريقيا أو الصين؛ ما يستوجب

  1. 26  " ملك المغرب يطلب من 'الوطنية لتحرير أزواد' أن تبقى 'منفتحة على الحوار' مع الشرق الأوسط باماكو"،، 2014/2/3، على الرابط: http://www.aawsat.com/home/article/30111
  2. 27 حفيظ بوقرة، "درس عميق في السياسة الإستراتيجية ومكنوناتها من طرف محمد الجزائر تايمز السادس لحكام الجزائر"، 2014/2/5، على الرابط،: http://www.algeriatimes.net/algerianews27218.html 28 جريدة العرب، الأحد.2014/3/16
  3. قوي، المرجع نفسه.
  4. 23 بوحنيه قوي، "إستراتيجية الجزائر تجاه التطورات الأمنية في الساحل الأفريقي"، مركز الجزيرة للدراسات، 2012/6/3، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/reports/2012/06/20126310429208904.htm
  5. 24 " Le Maroc, l'acteur miracle pour régler la crise malienne?," Jol Press, 25/2/2014, at: http://www.jolpress.com/maroc-mali-visite-mohammed-vi-touaregs-
  6. article-824618.html

مقاربة المسألة الاقتصادية بوصفها مرتكزًا محوريًّا في مفاصل السياسة الخارجية للمغرب تجاه دول المنطقة.

الاقتصاد مفتاحًا أساسيًّا للفعل السياسي

تمثّل القارة الأفريقية مجالً خصبًا للاستثمار؛ بسبب نموّ ناتجها الداخلي الإجمالي الذي يفوق %5، وبسبب نموٍّ مطّرد في عدد سكانها29، إضافة إلى اشتمالها على %30 من الاحتياطات المعدنية على المستوى العالمي. وضمن هذه الرؤية يَعُدُّ المغرب تمتينَ علاقاته بالقارة من أولوياته الأساسية30، بخاصة بعد تزايد الحضور العالمي بالمنطقة، ممثلَّ بالصين، والولايات المتحدة، وفرنسا.. إلخ.

إنّ الفعل السياسي الناجع يحتاج إلى مقاربة تنموية ذات أثرٍ مباشر في السكان. وقد تنبه المغرب إلى أنّ غرب أفريقيا مازال منطقة بكرًا؛ فكثّف استثماراته الاقتصادية والتنموية في هذه المنطقة. وتنبهت الصين إلى هذا الجانب أيضًا، ونزلت بثقلها الاستثماري وحقّقت إشعاعًا أقلق كثيرًا من المنافسين الاقتصاديين. فهل يمتلك المغرب مؤهلات تمكنه من أداء دور اقتصادي واستثماري في إطار ما   يسمى محور جنوب - جنوب؟ ثمّ أثمَّةَ استقلالية في القرار الاقتصادي المغربي أم تنسيق مع القوى الغربية، وفي مقدمها فرنسا، والولايات المتحدة؟ تُعدّ الوكالة المغربية للتعاون الدولي المحدثة عام 1986 رافعةً حقيقيةً للتعاون جنوب – جنوب، وأداةً مرنةً سريعةً وفعالةً لتنفيذ السياسة الأفريقية للمغرب، وخصوصًا في مجال تكوين الموارد البشرية. ويلاحظ المتتبعون ضعف الحضور المغربي على المستوى الاقتصادي والتنموي إلى حدود اعتلاء محمد السادس سدّة الحكم؛ فقد شُغل الحسن الثاني والحكومات المتعاقبة بملف الصحراء وكُلفته المالية المرتفعة، واستطاعت الجزائر أن تشغل الجار الغربي بطريقة تحُول دون بروزه قطبًا سياسيًّا محوريًّا بأفريقيا. ومع وصول محمد السادس إلى الحكم تنبَّه الفاعلون السياسيون إلى أهمية الاقتصاد ودوره في حلّ الألغاز السياسية المستعصية من قبيل مشكلات الصحراء مثل. ضمن هذا السياق بلغت قيمة المبادلات التجارية بين المغرب ودول الساحل 11.7 مليار درهم عام 2010، مقابل 3.6 مليار دولار عام 2000، كما ارتفعت قيمة الصادرات المغربية من 5.8 مليارات درهم عام 2000 إلى 7.2 مليارات درهم عام 2010. وعلى النحو نفسه تزايدت الواردات المغربية من المنطقة من 2.4 مليار درهم إلى 4.5 مليارات درهم31؛ وهي قيمة لا يمكن أن تُقارن بقيمة المشاريع الصينية في المنطقة التي تجاوزت 9.5 مليارات دولار عام .2006 لقد توجه المستثمرون المغاربة نحو قطاع البنوك والمؤسسات المالية، وقطاع الاتصالات، وصناعة الإسمنت، وقطاع المناجم، والنقل، والإسكان32، وضمن هذا السياق سيطرت المؤسسة التجارية وفابانك من رأس Attijariwafabank على %66.67 لاا البنك السنغالي التونسي، واستحوذت على %51 من أسهم بنك مالي الدولي البالغة نحو 60 مليون أورو. ومن جانبه يُعَدّ البنك المغربي للتجارة الخارجية Bank BMCE مؤسسةً بنكيةً رائدةً في غرب أفريقيا؛ إذ بلغت مساهمته 35 % ضمن ما يسمى بنك أفريقيا UEMOA، وهو ثالث مجموعة بنكية ضمن الاتحاد الاقتصادي والمالي لغرب أفريقيا33. ويمكن رصد اهتمام المغرب الاقتصادي من خلال زيارة ملك المغرب الأخيرة للمنطقة؛ فقد دشن زيارته الأفريقية بدايةً من يوم الثامن عشر من فبراير، وحطّ رحاله في دولة مالي مع وفد رسمي رفيع المستوى، مكوَّنًا من وزراء الشؤون الخارجية، والاقتصاد، والفلاحة، والتجهيز، والنقل، والصناعة والتجارة والاستثمار، والاقتصاد الرقمي، والصحة، والطاقة والمعادن، والسياحة، والشؤون الإسلامية. كما ضمّ الوفد

  1. ربع سكان العالم سيكونون أفارقة في 2050 الاتحاد "،، 2014/8/14، على الرابط: http://www.alittihad.ae/details.php?id=70601&y=2014
  2. Regards, lettres d'information, Le Maroc à la conquête de l'Afrique,
  3. Performance commerciale du Maroc sur le marché de l'Afrique Subsaharienne, Ministère de l'économie et des finances, Direction des Etudes et des Prévisions Financières (avril 2012), p. 9.
  4. Point sur les relations du Maroc avec les pays de l'Afrique subsaharienne, Ministère de l'économie et des finances, Direction des Etudes et des Prévisions Financières (Octobre 2008), p. 8. 33  Ibid., p. 9 – 10. جدول (١)
  5. N° 3) Mai 2013(, p. 1.
الدولةعدد الاتفاقياتمجالاتها
مالي1 اما7
الاقتصاد والاستثماار والمالية، والفلاحة، والخدمات الجوية، والصناعة، وتشجيع الصادرات، والصحة، والتعاون
المعدني والنفطي والغازي، والبنوك، والاتصالات، والسكن، والتكوين المهني، والكهرباء.

اتفاقيات التعاون بين رجال الأعمال من الجانبين.

الاتفاق على ضرورة إقامة تعاون وثيق ومنتظم من أجل محاربة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء،
وانخراط جميع الدول والمنظمات الإقليمية الأفريقية المعنية، في إشكاليات منطقة الساحل والصحراء؛ من أجل
محاربة الإرهاب وتحقيق الأمن بالمنطقة.
ساحل العاج26
توطيد النموذج المتجدد للشراكة جنوب - جنوب.

التعليم والتكوين، والسكن، والفلاحة والصيد البحري، والاستثمار، والقطاع المالي والبنكي، والتجارة، والسياحة
والتكنولوجيات الحديثة، والموانئ، وغيرها.

إطلاق مشاريع عقارية تهمّ بناء 7500 وحدة سكنية اقتصاديّة و530 وحدةً سكنيةً بمقاطعة كوماسي.
غينيا الاستوائية.21
ميادين شتَّى.
• دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء، مع وصفها بأنها "جهد جِديٌّ ذو مصداقية."

تنويه رئيس جمهورية غينيا بسياسة الهجرة الجديدة التي اعتمدها المغرب.

مسؤولين وفاعلين اقتصاديين يمثّلون القطاعين العامّ والخاص، وعددًا من الشخصيات المدنية والعسكرية34. ويمكن رصد معالم الاتفاقيات التي عقدها المغرب مع بعض دول غرب أفريقيا في الجدول (١.) يركِّز المغرب في علاقاته الأفريقية، أيضًا، على تأهيل الموارد البشرية، وذلك من خلال قبول الجامعات والمعاهد العليا المغربية عددًا من الطلبة الأفارقة؛ إذ يتابع نحو ثمانية آلاف طالب أفريقي دراساتهم العليا بالجامعات والمعاهد المغربية. وقد استقبلت اﻟﻤؤسسات العمومية المغربية، برسم الموسم الأكاديمي، 2008 - 2009، 7046 طالبًا من أصل 41 دولةً أفريقيةً، منهم 6668 طالبًا ممنوحًا35. وفي قطاع الاتصالات، تسيطر اتصالات المغرب على معظم أسهم الشركة الموريتانية موريتيل Mauritel، وتستحوذ على %51 من أسهم أوناتيل البوركينابية، وتحتكر منذ شباط/ فبراير 2007، نحو %51 من أسهم شركة غابون تيلكوم Telecom Gabon، كما حظيَ المكتب الوطني للكهرباء ONE بمهمّة كهربة العالم القروي بالسنغال على امتداد 25 سنة.ً بدأت شركة ماناجم عملها بالغابون، Managem والكونغو الديمقراطية، والسودان، وإثيوبيا، وموريتانيا، في قطاع المعادن، ويأتي في صدارة ذلك الذهب والنحاس36، فتمكنت بذلك الأونا ONA، عبر ذراعها المنجمي، من استغلال عدّة وحدات بكلٍّ من غينيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر. وتمثّل القارة بالنسبة إلى شركة ماناجم المجال الطبيعي للامتداد والتطور37. ولتحقيق إنجازات اقتصادية واعدة بالمنطقة، اهتمّ المغرب، من خلال زيارة الملك الأخيرة، بإقامة البنيات التحتية، من طرق واتصالات؛ لتيسير عملية الاستغلال والاستثمار. أمّا في قطاع النقل، فقد استحوذت الخطوط الملكية المغربية RAM على %51 من رأسمال الشركة السنغالية International Sénégal Air، وهي النسبة نفسها التي تساهم بها شركة النقل البحري المغربية كوماناف Comanav ضمن الشركة السنغالية سومات Somat، والأمر نفسه يُقال بشأن قطاع الماء والزراعة وإقامة البنيات التحتية38.

  1. جريدة العرب، الأحد.2014/3/16
  2. المملكة المغربية، وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، مديرية الدبلوماسية العامة والفاعلين غير الحكوميين، ملف صحفي بعنوان ملتقى السفراء المغاربة المعتمدين في أفريقيا، "الدبلوماسية المغربية في أفريقيا: مقاربة مجددة لأولوية إستراتيجية"،.2012/8/10
  3. Regards, lettres d'information, Ibid., p. 6.
  4. Ibid., p. 6.
  5. Point sur les relations du Maroc avec les pays de l'Afrique subsaharienne, Ministère de l'économie et des finances, Direction des Etudes et des Prévisions Financières (Octobre 2008), p. 9 – 10.

وعلى صعيد التجارة الخارجية تضاعفت قيمة المبادلات بين المغرب وغينيا الاستوائية؛ إذ ازدادت الصادرات المغربية من 21 مليون درهم عام 2000 إلى 789 مليون درهم عام 2010؛ ما جعل من هذا البلد أوّل شريك تجاري للمغرب على صعيد دول جنوب الصحراء39.

وقد التزمت الدول الأفريقية إنجاز أهداف الألفية للتنمية، ومن جهتها التزمت الدول الثماني G 8 تطبيقها واقعيًّا عبر الاستثمار في إقامة البنيات التحتية بدول الساحل. وضمن هذا الإطار يمكن للمغرب أن يؤدِّيَ دور الوسيط التجاري؛ وهو ما يبدو جليًّا في التصريحات الرسمية الفرنسية والمغربية التي عبَّ ت عن رغبتها في تطوير شراكة مثلَّثية مع دول جنوب الصحراء، وخصوصًا في قطاع الفلاحة، والصحة، والماء40. وقَّع المغرب ومالي في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2000 بروتوكول يخص مبدأ التعاون في مجال الشغل والتكوين المهني. وفي 18 أيلول/ سبتمبر 2001، جرى توقيع اتفاق تعاون شمل ميادين الشباب والرياضة والطفولة، وقضايا المرأة، وتكوين الأطر. وفي 7  موز/ يوليو وُقِّع في مراكش اتفاق في قطاعات تحديث الإدارة وحماية البيئة والصناعة التقليدية41. وتواتر عقْد الاتفاقيات بين الطرفين حتى أضحت تمثّل بُعدًا إستراتيجيًّا من حيث العلاقة بين الجانبين في المجال البنكي والمالي، وفي قطاع النقل، وتوزيع المواد الهيدروكربونية، وكهربة العالم القروي42. ويسعى المغرب لتطوير علاقاته بجميع البلدان الأفريقية الوازنة على صعيد القارة؛ من قبيل جنوب أفريقيا مثلً. وضمن هذا الإطار يمكن إيراد بعض الاتفاقيات بين الجانبين، ونخصّ منها: تعديل اتفاق مراكش 2( كانون الأول/ ديسمبر 1994) وتعويضه باتفاق كاب تاون Town Cape في 11 - 12 أيار/ مايو.1998 اتفاق 8 شباط/ فبراير 1996 بالرباط الذي عمل على إحداث اللجنة المختلطة المغربية - الجنوب أفريقية. التوقيع في الرباط ع ىى اتفاق يخص النقل الجوي في 18 شباط/ فبراير .1994 عقد اتفاق بين وزارة خارجية البلدين في 12 أيار/ مايو 1998 بكاب تاون43. في عام 2004 قام الملك بزيارة خمسة بلدان أفريقية وهي البنن والكاميرون والغابون والنيجر والسنغال، وقَّع أثناءها اتفاقيات عديدةً ودشَّن عدة مشاريع. وقد ركزت الاتفاقيات على إلغاء الازدواج الضريبي وتشجيع الاستثمارات وحمايتها44. وإذا كان الاقتصاد مفتاحًا أساسيًّا لترسيخ النفوذ وخدمة القضايا التنموية الداخلية، فإنّ للدين والعلاقات الروحية التي تربط بين المغرب وأفريقيا مكانةً مهمّةً تساهم في دعم أواصر التعاون السياسي والدبلوماسي بين الطرفين.

الدين في خدمة السياسة

لم يكن البعد الديني غائبًا أثناء الجولة التي قام بها ملك المغرب في دول غرب أفريقيا؛ فللمغرب علاقات دينية وطيدة بالمنطقة، وبخاصة عبر الطرق الصوفية. دخل الإسلام إلى بلاد السودان الغربي، عبر الحبشة، ومصر، والشمال الأفريقي؛ إذ عبرت إليها قوافل تجارية لتبادل السلع والأفكار والمعتقدات. وقد تعاقبت على أرض هذه المنطقة تيارات ومذاهب فكرية عقدية متنوعة؛ من شيعة، وخوارج، وإباضية، إلى جانب التيار السني الأموي العامّ.

  1. Performance commerciale du Maroc sur le marché de l'Afrique Subsaharienne, Ministère de l'économie et des finances, Direction des Etudes et des Prévisions Financières (Avril 2012), p. 15.
  2. Point sur les relations du Maroc avec les pays, Ibid., p. 8.
  3. Maroc - Mali: Coopération solide aux perspectives prometteuses,
  4. Ibid. 43  Note Sur La coopération commerciale Maroco - Sud Africaine, Royaume du Maroc, Ministère du Commerce Extérieur.
  5. Lemag.ma , "17/2/2014, at: http://www.lemag.ma/Maroc-Mali-Cooperation-solide-aux-perspectives- prometteuses_a80657.html
  6. Point sur les relations du Maroc avec les pays, Ibid., p. 3.

وظلّ المغرب ملتقى لتفاعل الحضارات والثقافات؛ بفضل تشبُّثه بقيم الحرية، والتسامح، والانفتاح؛ ما أهَّله لأن يمدّ جسورًا لنشر الإسلام وقيمه المثلى بأسلوب حضاري متميز، وخصوصًا في غرب أفريقيا45. وقد امتدت الطرق الصوفية ذات المنشأ المغربي إلى غرب أفريقيا، وساهمت في دعم الروابط الدينية بين سكان المغرب والشعوب الأفريقية46. وتمثّل الزاوية التيجانية نموذجًا متميزًا في تمتين أواصر القرابة الدينية بين المغرب وبعض دول غرب أفريقيا. وتستخدم المملكة المغربية، تأثيرَها الكبير في الطرق الصوفية، وبخاصة الطريقة التيجانية التي تؤوي ضريح مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني بمدينة فاس، والطريقة القادرية. وهاتان الطريقتان منتشرتان كثيرًا في موريتانيا، ومالي، والسنغال47. في هذا السياق، يساهم المحدد الديني في تدعيم علاقة المغرب بكثير من الدول الأفريقية؛ ذلك أنه قد أعاد صَوْغ علاقته بالتيجانيين الذين ينتشرون في مختلف البلدان الأفريقية على امتداد منطقة الساحل والصحراء، ودفع هذه العلاقة في اتجاه بناء علاقة جديدة تقوم على تمكين أتباع الزاوية التيجانية من أدوار دبلوماسية تساهم في تقوية الروابط بين المغرب وبلدان أفريقية48. وقد ترأَّس الملك محمد السادس والرئيس المالي بوبكر كيتا عام 2008 حفل توقيع اتفاق يخص تكوين 500 إمام ماليٍّ لمدة سنتين على طريقة المذهب المالكي49، وهو جانب حقّق فيه المغرب بعض التميز؛ إذ سارعت دول أخرى إلى طلب المساعدة المغربية في مجال تكوين الأئمة، منها ليبيا، ونيجيريا، وغينيا الاستوائية التي طلب رئيسُها من الملك تكوين أئمتها بالمغرب50. ضمن هذا السياق لا   يمكن مواجهة التطرف الديني بأدوات عسكرية فحسب؛ فإذا كان للدبابات والطائرات دورٌ في القضاء على المعاقل والملاجئ، فإنها تعجز عن تغيير الأفكار والمعتقدات، وضمن هذا السياق، أيضًا، عالج المغرب المسألة داخليًّا بأدوات دينية من قبيل ترسيخ قيم الإسلام الوسطي، ودعم التيارات الصوفية المحافظة، والتعايش مع المكونات الإسلامية التي تعترف بإمارة المؤمنين ومستلزماتها السياسية والدستورية. ولا شك في أنّ نجاح التجربة المغربية ساهم في نقلها إلى دول مجاورة، مثل بعض البلدان الأفريقية جنوب الصحراء، وبعض بلدان أفريقيا الغربية. وقد شكّلت الطرق الصوفية الكبرى أحد أهمّ العوامل التي ساعدت على انتشار المالكية في المنطقة؛ إذ كان كثير من أقطاب الطرق الصوفية ومشايخها ومقدميها من كبار العلماء في المذهب، سواء كانوا من القادرية، أو الشاذلية، أو التيجانية، أو المريدية.

من جانب آخر قام المغرب بتشييد المساجد الكبرى ببعض عواصم غرب أفريقيا (نواكشوط، وداكار، وباماكو)51، وترسيخ قيم المذهب المالكي وقواعده الفقهية. وفي الحالة السنغالية، تساهم الطريقة التيجانية في توحيد رؤى البلدين52، بالنظر إلى تجانس فكرها وطقوسها الدينية، وإلى أنها كتلة ناخبة ومؤثِّرة. إنّ التطورات الأخيرة في منطقة الساحل والصحراء وانكفاء الجزائر، الدولة الجارة لمالي، على نفسها من جرّاء "الحروب السرية" المتعلقة بخلافة بوتفليقة، والاستعدادات الجارية أكثر من عام لعقد قمة لدول الساحل والصحراء في المغرب، وتراجع الدور البوركينابي في المصالحة المالية، كلّها عوامل تمنح المغرب الرسمي دورًا جديدًا في الحوار الوطني الداخلي المالي، وهو ما يفسر طلب الرئيس المالي إلى

  1. عبد الإلاه الشباكي، "دور المحدد الديني في دعم العلاقات المغربية الأفريقية، الطريقة الحوار المتمدن التجانية نموذجًا"،، 207/7/15، على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=102773
  2. عادل مساوي، علاقات المغرب مع إفريقيا جنوب الصحراء بعد انتهاء القطبية الثنائية (الرباط: كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، /2002 2003)، ص .78
  3. عبد الله مولود، "الموريتانيون يتفحصون أبعاد وانعكاسات زيارة ملك المغرب لباماكو وأبيدجان المغرب يفعّل محاور استقطاب إقليمية تتجاوز أدوار موريتانيا والجزائر"، القدس العربي، 2014/2/24، على الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=137107
  4. إحسان الحافظي، "المغرب وإفريقيا... روابط الدين والسياسة والأمن"، 48 الصباح،
  5. Maroc - Mali: Coopération solide," Ibid.
  6. Après le Mali Le Maroc va former des Imams guinéens, Le Matin, "13/2/2014, at:
  7. http://www.lematin.ma/express/2014/apres-le-mali_-le-maroc-va-former-
  8. des-imams-guineens/196715.html 51  Antil, Ibid., p. 52. 52  Ibid.

ملك المغرب أداء دور في هذه المرحلة التاريخية المهمّة، وفي هذا السياق كان استقبال الملك لوفد الحركة الوطنية لتحرير الأزواد53.

خاتمة

أردنا من هذا البحث رصد الثوابت التي تحكمت في العلاقة بين المغرب وعيِّنة من البلدان الأفريقية من غرب القارة وبعض دول الساحل، ومن خلاله نستنتج عمق العلاقة بين الطرفين التي تعود إلى بداية دخول الإسلام إلى المنطقة عبر القوافل التجارية، والتيارات والمذاهب الفقهية والسياسية؛ من قبيل المذهب المالكي، والاتجاهات الصوفية، والخارجية؛ كالحركات الإباضية مثل. لقد تعمقت العلاقة في عهد الدولة المرابطية التي نجحت في إخضاع المناطق المتاخمة لما كان يسمى غانا سياسيًّا وعسكريًّا. ولقد توغل السعديون في هذه المناطق، وسيطروا على مناجم الذهب فيها، وعلى محاور التجارة الصحراوية، وقضوا على الأطماع الإيبيرية في المنطقة. وقد نشأت علاقات متينة بين الطرفين، وبخاصة عبر الطرق الصوفية التي نجح روادها في تأسيس علاقة روحية عميقة بين الطرفين مازالت آثارها باديةً للعيان، من خلال كثافة المريدين الأفارقة من السنغال، وموريتانيا، وخصوصًا مالي، وهم يشكلون، إضافةً إلى عنصر الأمن الروحي، كتلةً ناخبةً مؤثِّرةً. تحكّمت مشكلة الصحراء في علاقة المغرب بعدد من البلدان الأفريقية مدةً طويلةً. وتسببت هذه المشكلة في قطع علاقته بعدد من البلدان التي اعترفت بجبهة البوليزاريو، وعمَّقت جراح الدبلوماسية المغربية التي صححت كثيرًا من أخطائها، واضطرت إلى إعادة ربط علاقاتها بدول صُنفت سابقًا ضمن خانة الأعداء. ومع بداية عهد محمد السادس، شهدت السياسة الخارجية تحولّاتٍ عميقةً مسَّت أساسًا الابتعاد عن مشكلات الشرق الأوسط، وإيلاء العلاقات الإقليمية أهميةً متزايدةً، وخصوصًا الإقليمين الأوربي والأفريقي. وعلى الرغم من أنّ المغرب يُعَدُّ عضوًا مؤسسًا لمنظمة الوحدة الأفريقية، فإنه لا يحظى بمقعد في الاتحاد الأفريقي. غير أنه ما فتئ يقوم بإطلاق عدّة مبادرات ملموسة وإنجاز مجموعة من المشاريع التنموية، والاقتصادية، والدينية، وهو يأمل أن يؤدِّيَ، بسبب موقعه الإستراتيجي، دور المحور الرابط بين الإقليمين المذكورين على المستوى الأمني والاقتصادي والتنموي؛ لذلك يراهن حاليًّا على المدخل الاقتصادي والتنمية الداخلية في بعض دول غرب أفريقيا، وعلى دخول الساحل الأفريقي، مستفيدًا من الإشارات الإيجابية من الأمم المتحدة وبعض القوى الغربية، وفي صدارتها فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية. من جهة أخرى، لا يمكننا إغفال أحد أبرز محددات الثوابت في الهجوم الدبلوماسي والاقتصادي للمغرب؛ وهذا المحدّد متمثّل بإيجاد حلول في ما يتعلّق بمشكلات الصحراء، وانتزاع بعض المزايا الأمنية والدبلوماسية التي احتكرت الجزائر منافعها مدةً طويلةً. وتُ ثِّل زيارة ملك المغرب الأخيرة لبعض دول غرب أفريقيا وجنوب الصحراء محطةً أساسية تلخص مجمل ما أشرنا إليه بخصوص التوجهات المغربية في المنطقة. ويمكن للمغرب، بفضل إرثه التاريخي، وبما حقّقه من علاقات روحية عميقة بدول غرب أفريقيا جنوب الصحراء، أن يؤدِّيَ دورًا اقتصاديًّا محوريًّا، كما يمكن لبلدان العالم العربي أن تمد جسور التواصل المؤسساتي لخدمة التنمية وتحقيق الأمن الإستراتيجي العربي. ويرتبط المغرب مع دول جواره الأفريقي بعلاقات تاريخية استثنائية يمتزج فيها الجانب السياسي بالعوامل الدينية، والاقتصادية، والإستراتيجية؛ وهي علاقات تضرب بعمق في التاريخ، ويمكنها أن تفسر التجاوب الكبير بين الجانبين على المستويات الرسمية والشعبية، وهو ما منح زيارة ملك المغرب لبعض دول الساحل وغرب أفريقيا تراكمً إعلاميًّا استثنائيًّا. وعلى الرغم من ذلك، تعترض سياسة المغرب تجاه المنطقة عدّة صعوبات وتحديات؛ من أبرزها حدّة المنافسة الخارجية ممثلةً بكثافة الاستثمارات التي تخصصها الصين للقارة، إضافةً إلى الحضور الوازن لدولة جنوب أفريقيا في هذا المجال. وإنّ ما يُخشى، بشأن المبادرات المغربية، أن تكون عنوانًا هامشيًّا ومستورًا للمصالح الفرنسية والأميركية في المنطقة. وبوجهٍ عامّ، لا يمكن للمغرب أن يؤسس شراكةً قويةً ومستمرةً مع دول الساحل، ودول غرب أفريقيا، والقارة الأفريقية إلا إذا وظف العلاقات التاريخية والدينية بينه وبينها. ولن يجريَ ذلك إلا في إطار مقاربة عربية شاملة تروم التنسيق والتكامل في رسم إستراتيجية واضحة المعالم تنتصر لسياسة تعاون جنوب - جنوب. لذا، فإن المبادرات المعزولة التي تفتقد الإمكانات الاقتصادية الذاتية القوية لا يمكنها تحقيق الاستمرارية الذاتية. غير أنّ إعادة بناء المغرب العربي وتفعيل مؤسساته يعدَّان صمام أمانٍ للدبلوماسية المغربية في رهانها الاقتصادي والتنموي مع دول الجوار الأفريقي.