الطريق إلى سقوط الموصل
الملخّص
لا يمكن فصل ما جرى في مدينة الموصل، وهي المدينة الثانية في العراق، وإحدى أكبر مااية، مساء يوم حواضر المشرق العربي، بل إحدى أكبر الحواضر الإس 9 حزيران/ يونيو 2014، من سيطرة تنظيم الدولة الإس مااية في العراق والشام الذي بات يُعرف إعلاميًّا باسم "داعش"، عن الأزمة السياسية الحادة التي يعيشها النظام السياسي العراقي الذي أنشئ ما بعد عام .2003 وعلى نحو عامّ، لا يمكن فصل التنظيمات الراديكالية عن البيئة السياسية التي تنمو فيها وخلالها. إنها نتاج لوضع سياسي يعاني اخت لًااات بنيوية. وقد يصبح نموّ مثل هذه التنظيمات في العراق، من القاعدة إلى داعش، مثال ا دراسيًّا مهمًّ ا لهذه الفكرة، فهي تعبير عن وضع سياسي مختل، حتى وإن تطورت وأصبح لها وضعٌ مستقل عن السياق السياسي الذي نشأت فيه. وهي تنمو، وتتطور، وتتنفس، في هذه الاختلالات، وفي خطوط الانقسام السياسي والمجتمعي الحادة. ومن ثمّ، لا يمكن الدفاع عن فكرة مؤدَّاها أن لهذه التنظيمات قوَّة ذاتية، بل إنّ قوتها تتأتى من قبول حاضنتها الاجتماعية بها، في سياق سياسي تسمح لها هذه الحاضنة بأن تؤدِّي دورًا لتصحيح توازنات القوى، بوصفها أداة انتقام، أو ضغط، أو تأثير، أو ما إلى ذلك.
أزمة نظام ما بعد 2003
هل يعاني النظام السياسي العراقي أزمةً؟ لقد كان إسقاط نظام صدام حسين على يد قوات الاحتلال العسكرية الأميركية، في نيسان/ أبريل 2003، نقطةً فاصلةً في تأريخ الدولة العراقية. فقد جرى إعادة تعريف هذه الدولة، من كونها "دولة - أمّة"، إلى كونها دولةً متعدّدة الهويات، على أن يعكس النظام السياسي شراكة هذه المكونات في مؤسسة القرار. وقد كان أول تصميم لهذا النظام التعدُّدي مُضمنًا في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي صدر في آذار/ مارس 2004، والذي كان بمنزلة دستور انتقالي. وكان هذا التصميم مقترحًا أميركيًّا؛ بمعنى أنه فكرة أجنبية، وليس فكرةً عراقيةً، لأنّ النخبة السياسية العراقية التي يتشكل عمادها من تنظيمات وعناصر المعارضة العراقية السابقة لنظام صدام لم يكن تصورها لدولة ما بعد صدام يتجاوز فكرة "الدولة - الأمة"، مع وضعٍ خاصٍّ لإقليم كردستان، بحسب ما أثبتت بعض الدراسات1. وفي المقابل، لم تكن تلك النخبة تفكِّر في دولة بهوية مركبة، أو متعدّدة الهوية. تضمّن ذلك التصميم المفاصل الرئيسة للنظام التعدُّدي (اللامركزية والاستقلال الذاتي القطاعي "الفيدرالية"، والتمثيل النسبي، والفيتو المتبادل) الذي يوصف بأنه النظام الأمثل للمجتمعات المنقسمة. وقد عُرِّف العراق بوصفه مجتمعًا منقسمً، غير أنّ الدستور الدائم لسنة 2005 الذي كتبته لجنة عراقية منتخبة، شهد صعود نزعة أغلبوية، حاولت القضاء - بطريقة منهجية - على مفاصل رئيسة في النظام التعدُّدي. وفي الحقيقة، يتضمن دستور 2005، سياسيًّا، تعارضًا بين نزعتين: نزعة تعدّدية، ناجمة عن إرث لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، ونزعة أغلبوية، لا تؤمن بالأنموذج التعدّدي. وقد قادت النزعة الأغلبوية النخبة السياسية الشيعية - التي يبدو أنها جاءت بسبب تكوين قومي تقليدي أو بسبب ما يتيحه وضع الأغلبية الديموغرافية من تصورات سياسية - إلى خلق نظام غير منسجم مع فكرة الدولة المتعدّدة الهويات.
وهكذا، جرى القضاء على عناصر أساسية في النظام التعدّدي (الفيتو المتبادل، والتشريع بالأغلبية المطلقة لضمان توافق وطني... إلخ) لمصلحة نزعة أغلبوية. وهذه النزعة لا تزال تخوض عمليةً طويلة لاحتواء النظام التعدّدي، بما في ذلك مبدأ الفيدرالية. وقد شهدت السنوات الأخيرة عمليةً لإعادة تعريف الفيدرالية العراقية بأنها ليست فيدراليةً تماثل ألمانيا أو الولايات المتحدة الأميركية، بل إنّ العراق دولة مركزية، تضم إقليمً له وضع خاص، على غرار إيطاليا أو إسبانيا. وقد كان موقف رئيس الوزراء (السابق)، نوري المالكي، من طلب مجلس محافظة صلاح الدين المتمثّل بتحويل المحافظة إلى إقليم، واضحًا في هذا المجال. وفي كلّ الأحوال، تشكل النزعة الأغلبوية التي تضمنها دستور 2005، العتبة التي ستتولد منها نزعة استئثارية، سيطورها المالكي لاحقًا، خلال سنوات حكمه الثماني 2006( - 2014) بالسيطرة على سائر مفاصل النظام السياسي والمؤسسات السياسية العامة: البرلمان (بالحد من دوره في التشريع والرقابة)، والقضاء، والهيئات المستقلة، والمؤسسة العسكرية، والإعلام. هذا فضلً عن أنه قدم حزمةً من مسودات القوانين التي تحد من حرية التعبير. أمّا بصدد شراكة المكونات الأخرى في مؤسسة الحكم، فإنّ المالكي، إضافةً إلى رفضه لأيّ ترتيبات لامركزية وسيطرته على القرار الأمني، رفض بناء المؤسسات السياسية التي تعزّز مبدأ الشراكة في الحكم أو تفعيلها؛ من قبيل مجلس الاتحاد؛ وهو الغرفة الثانية للبرلمان العراقي التي نص عليها الدستور ولم تتشكّل بعدُ، ويفترض أن يُ نح صلاحيات توافقيةً، وكذلك مجلس السياسات العليا الذي يفترض أن يكون هيئةً تضم الزعامات السياسية وكبار ممثلي المكونات، تتولى رسم السياسات العليا للبلاد.
وفي الحقيقة، تضمنت "اتفاقية أربيل" التي تشكّلت على أساسها حكومة المالكي الثانية، أواخر عام 2010، خريطة طريق للخروج نحو نظام أكثر انفتاحًا تجاه إشراك سائر المكونات العراقية في مؤسسة القرار. غير أنه لم يُنفَّذ من محاور الاتفاقية التسعة سوى الجزء المحدود الذي يتعلق بتشكيل الحكومة2. لقد كان ل "الربيع العربي" الذي تزامن مع تشكيل حكومة المالكي الثانية، دور سلبي في مسار التطورات السياسية في العراق. وعلى الرغم من أنّ الكثيرين توقَّعوا أنّ صعود الإسلام السياسي السنّي إلى الحكم في دول "الربيع العربي" سينتهي إلى حساسية عدائية مع العراق الذي يحكمه الإسلام السياسي الشيعي، كان لدخول إيران والسعودية على الخط، ومحاولتهما التأثير في مسار الأمور والتحكم فيه بالنسبة إلى أكثر من بلد من بلدان "الربيع العربي"، أثرٌ سلبيٌّ في العراق. فعلاوةً على أنّ الربيع العربي انتهى إلى تنافس وصراع محاور وخنادق طائفية بين محورٍ شيعيٍّ يجمع إيران، والعراق، وسورية، وحزب الله، ومحورٍ سنيٍّ يجمع دول الخليج وتركيا، فإنّ المالكي لم يستطع أن يبنيَ إستراتيجيةً خاصةً بالعراق تنطلق من فهْم وضعه الثقافي والجيوبولتيكي المميّز له من غيره من الدول، بل اختار أن يكون في أحد هذه المحاور، وأن يكون جزءًا من المحور الذي تقوده إيران، إلى حدّ تسليمها القيادة الإستراتيجية، فالعراق الرسمي لا يزال دولةً هشةً؛ ولذلك تعامل مع الربيع العربي بحساسية عالية. يُضاف إلى ذلك أنّ المالكي تعامل مع الفرقاء المحليين، وخصوصًا السياسيين السنّة، لا بوصفهم شركاء سياسيين، بل بوصفهم ممثلي خنادق ومحاور عابرة للحدود. وعلى نحوٍ عامّ، تعامل المالكي، بُعيْد الربيع العربي، مع الصراع الدائر في العراق بوصفه جزءًا من صراع أوسع من العراق، وكان اختياره للانضواء إلى المحور الإيراني جزءًا من الإستراتيجية التي اتبعها لمواجهة تحدي الصراع الإقليمي وتمفصلاته في العراق. وقد اعتمد المالكي، في ولايته الثانية 2010( - 2014) التي كانت - على نحو عام - ولايةَ أزمات مستمرة، سياسة تنكيل بالرموز السياسية السنّية، بدأت بمذكرة القبض على نائب رئيس الجمهورية، طارق الهاشمي، والحكم عليه بالإعدام، أواخر عام 2011، مرورًا بمداهمة مكتب وزير المالية، وأحد أبرز زع ءاا السنة السياسيين، رافع العيساوي، واعتقال عناصر من حمايته، أواخر عام 2012، ثمّ اعتقال النائب أحمد العلواني، بعد الهجوم على بيته، وقتْل أخيه، إثر إعلان الحكومة الحرب على داعش في صحراء الأنبار، فضلً عن عشرات مذكرات القبض في حقّ طيفٍ واسعٍ من النخبة السياسية السنية. وإذا كان من الباحثين من يفسرون هذه السياسة بأنها انتقام من قادة "العراقية"، القائمة التي جمعت كتلً وتنظيمات سنّيةً، وتفوقت على ائتلاف المالكي (دولة القانون) في انتخابات 2010، فإنه يبدو لنا أنّ سياسة التنكيل التي تبناها المالكي تجاه السياسيين السنّة جزء من إستراتيجية مواجهة الصراع الإقليمي، الأمر الذي قاده إلى إعادة تعريف الفرقاء المحليين بوصفهم جزءًا من مشروع أجنبي.
الاحتجاج السنّي
كان التنكيل الذي تعرّض له الزعماء السنّة هو السبب المباشر الذي أطلق حركة احتجاج واسعة في المحافظات السنّية. وقد بدأت إثر اعتقال عناصر من حماية رافع العيساوي (تراوح عددهم بين 150 و 200)، أواخر 2012. ولكنّ هذه الحركة - في الحقيقة - نتاج الشعور المتراكم في المجتمع السنّي في العراق؛ بالنظر إلى أنّ مؤسسة الحكم لا تعكس شراكةً متكافئةً. وقد أنتجت حادثة العيساوي شعورًا لدى هذا المجتمع بأنّ تمثيل السنة، في البرلمان والحكومة، شكليٌّ لا يعكس اسمها في صناعة القرار، ولا يحظى بأيّ حصانة. ولذلك، تحولت الحركة، فورًا، من قضية العيساوي إلى مجموعة من المطالب التي تخص المجتمع السنّي. وقد تبنَّت الحركة، مطلع كانون الثاني/ يناير 2013، أيْ بعد نحو أسبوعين من انطلاقها، وثيقة مطالب موحدة، من 13 فقرةً، قدمت إلى مجلس النواب، جُلّها يركز على ما يرى السنّة أنها "إجراءات تعسفية" تجاههم. تضمنت وثيقة المطالب إجراءات قضائيةً، وقانونيةً، وسياسيةً، أمنيةً، لعلّ أبرزها إط وعسكرية - قاا سراح جميع المعتقلات والمعتقلين المتهمين وفقًا للمادة 4() من قانون مكافحة الإرهاب، وإحالة المتهمات بقضايا جنائية إلى محافظاتهن، وتعليق العمل بهذه المادة السالفة، وإيقاف كلّ القضايا المتعلقة بهذا القانون إلى حين إلغائه من مجلس النواب؛ إذ يشتكي السنّة، استنادًا إلى هذه المادة، اعتقالات تعسفيةً وعشوائية. وتضمنت المطالب "إعادة التحقيق في
القضايا التي تخص الرموز الدينية والوطنية داخل العراق وخارجه أمام جهات قضائية محايدة بعيدة عن التأثير السياسي." لقد فُهم من هذه الفقرة أنها تخص الأحكام ومذكرات القبض الصادرة في حقّ السياسيين السنّة، من قبيل طارق الهاشمي وسواه. وطالبت الوثيقة بتجنب المداهمات الليلية العشوائية، وإلغاء قانون المخبر السري، وعدم الاستماع إليه؛ "لأن معظمهم يكيدون العداوة الشخصية أو الطائفية"، بحسب ما جاء في الوثيقة. وطالبت إحدى الفقرات مجلس النواب بالإسراع في إقرار قانون العفو العامّ، وإيقاف العمل ب "قانون المساءلة والعدالة" الذي يرى السنّة أنه يستهدفهم ويمارس عقابًا جماعيًّا بشأنهم، فضلً عن أنه تحوَّل إلى أداة ابتزاز مُسيّسة. وطالبت الوثيقة بتحقيق التوازن في كلّ مؤسسات الدولة، ولا سيما العسكرية والأمنية والقضائية، وتحريم استعمال العبارات والشعارات الطائفية في هذه المؤسسات وفي وسائل الإعلام. وطالبت كذلك بإلغاء قيادات العمليات في كلّ محافظات العراق وما وصفته ب "الأجهزة الأمنية غير الدستورية" التي تُدار عادةً من القائد العام للقوات المسلحة، نوري المالكي، وسحب الجيش من المدن والأحياء السكنية في بغداد والمحافظات، وتحميل الشرطة المحلية التي تتشكّل من أبناء المناطق مهمّة حفظ الأمن. ثمّ إنّ إحدى فقرات الوثيقة طالبت بإجراء تعداد سكاني شامل، مع ذكر تفاصيل الانتماء (المذهبية، والقومية، والدينية)؛ لأنّ السنّة العرب في العراق يشتكون من أنّ التقدير المطروح سياسيًّا عن نسبتهم الديموغرافية الذي يزعم أنهم يشكلون أقلّ من 20 في المئة من سكان العراق، غير صحيح. وأخيرًا، طالبت الوثيقة ب "إعادة جميع المساجد ودور العبادة وأملاك الوقف وأملاك المواطنين الخاصة المغتصبة." ويُفهم من هذه الفقرة أنها تخص ضريحيْ إماميِ الشيعة علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء السنّية، ونقلت إدارتهما من الوقف السنّي إلى الوقف الشيعي، بحسب قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية الشريفة، عام 2005 3. غير أنّ المالكي لم يتعامل مع حركة الاحتجاج السنّية إلا بوصفها حركة تمرد، تستهدف تهديد الحكومة الشرعية في بغداد التي يشكّل الشيعة عصبها، معززًا قراءته بأنها جزء من صراع المحاور الإقليمية، وأنّه يقف وراءها خندق إقليميّ وبعض القوى. في حين أنه لم يستطع أن يفهمها بوصفها أزمة نظام. ولذلك، لم يعمد إلى إطلاق مبادرة تفاوض جادة مع الحركة. ميز المالكي، في بداية الحركة، بين ما سماه "مطالب مشروعة" وأخرى "غير مشروعة وغير دستورية"، وذكر أنّ بعض هذه المطالب يتضمن إسقاط الدستور والعملية السياسية، وبعضها ذو طابع طائفي يتقاطع مع مطالب المكونات الأخرى، وبعضها الآخر يرتبط بأجندات حزبية داخلية أو خارجية؛ إذ يقول: إننا نصنّف المطالب إلى مطالب مشروعة نحن ملزمين [كذا] جميعًا بتنفيذها، ومطالب غير مشروعة لا يمكن تحقيقها4، ويضيف: "يجب أن تخضع مطالب المواطنين للدستور وأن تكون الاستجابة لها وفق الدستور ولا تتقاطع مع الدستور ولا مع مطالب أبناء الشعب في المحافظات الأخرى"5، فضلً عن "ضرورة العمل على الابتعاد عن الأجندات الخارجية والطروحات الطائفية"6. وعد المالكي بتلبية "المطالب المشروعة"، وقدّم بعض الأفكار، منها تشكيل "ديوان رد المظالم"7. وبعد أيام قليلة من إعلان وثيقة المطالب، شكّل مجلس الوزراء لجنةً وزاريةً، برئاسة نائب رئيس الوزراء، حسين الشهرستاني، وعضوية عدد من الوزراء المعنيين؛ ل "تسلم الطلبات المشروعة من المتظاهرين مباشرةً، من خلال وفود تمثّلهم وترفع توصياتها إلى مجلس الوزراء"8، وشكّلت اللجنة لجنة فرعيةً لمتابعة تنفيذ قراراتها9، وقد تخلل ذلك تفاوض محدود بين الحكومة وبعض ممثلي الحراك.
وأعلنت اللجنة أنها قدمت بعض التوصيات وأنجزت عدّة ملفات كانت متأخرةً بسبب الروتين والإجراءات المتبعة. ويدور ما أنجزته هذه اللجنة على أربعة محاور، هي: ملف المعتق تاا والمعتقل:نن أعلنت اللجنة، أواخر، إط قاا سراح حزيران/ يونيو 2013 نحو من 7500 السجناء والموقوفين، منهم نحو 300 امرأة10. قانون المساءلة والعدالة وإجراءاته: أوصت اللجنة بأن يُدمج في مؤسسات الدولة ما أمكن من المشمولين بإجراءات المساءلة والعدالة، من أعضاء الكيانات المنحلة التي تشمل الجيش السابق والأجهزة الأمنية والإعلامية11. ودعت الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة إلى قبول طلبات الإحالة على التقاعد12. وتقول اللجنة إنها سرّعت إجراءات التقاعد لنحو 23 ألف شخص من المشمولين بإجراءات المساءلة والعدالة13. وفضلً عن ذلك، أوصت دوائر التسجيل العقاري برفع الحجز عن عقارٍ واحدٍ لكلّ شخص محجوزة أمواله وفق القانون. وفي ذلك تقول اللجنة إنها أنجزت أكثر من 14 ألف معاملة حجز عن دور السكن، من أصل نحو 17 ألف قُدمت إليها14. وأوصت اللجنة بتفعيل المادة 12 من قانون المساءلة والعدالة، وترويج حالات الاستثناء بموجب هذه المادة التي تقول: "لمجلس الوزراء حقّ النظر في الحالات الاستثنائية للعودة إلى الوظيفة للمشمولين بهذا القانون، وبحسب مقتضيات المصلحة العامة، بناءً على طلب الوزير المختص وبالتنسيق مع الهيئة واتخاذ القرار المناسب بشأنها. ولا يكون القرار نافذًا إلا بمصادقة مجلس النواب عليه." وكذلك تفعيل المادة 6"/ تاسعًا" التي تنص على "إحالة جميع من لم يُشمل بقانون الخدمة والتقاعد للعمل في دوائر الدولة ماعدا الهيئات الرئاسية الثلاث، ومجلس القضاء، والوزارات، والأجهزة الأمنية، والخارجية، والمالية" من المشمولين بإجراءات المساءلة والعدالة، وكانت درجاتهم في حزب البعث أقلّ من "عضو شعبة." الإجراءات القضائية: أوصت اللجنة بإصلاح الإجراءات القضائية وتحسينها وتسريعها، ما يتعلق منها بالقبض، أو التحقيق، أو الإفراج، أو إطلاق السراح، وتعديل قانون المخبر السري. الخدمات في المحافظات السنّية: أوصت اللجنة بتكثيف الجهد لتنفيذ المشاريع الخدمية في المناطق التي حُرمت من تلك الخدمات بسبب تردي الأوضاع الأمنية15. وفي الحقيقة، وفي ماعدا إطلاق سراح عدد من السجناء والموقوفين سُ(لا يمكن التأكد من أعدادهم)، ونسبة من عّت إجراءات الإفراج عنهم بعد أن ظلوا معتقلين، مع وجود مذكرات إفراج أو انتهاء محكومية، أو الإسراع بإكمال معاملات التقاعد أو رفع الحجز عن دور بعض المشمولين ب "قانون المساءلة والعدالة." ويبدو أنّ هذا هو المطلب الوحيد الذي يمكن أن تنفِّذه الحكومة. أمّا سائر الأمور الأخرى، فقد بقيت في إطار الوعود. وعلى الرغم من أنّ المالكي ذكر أنّ مجلس الوزراء صادق على تعديل قانون المساءلة والعدالة، وعالج موضوع المخبر السري - وهو أمر لا قيمة له من دون تشريع مجلس النواب - وأبدى استعداده لتصديق القوانين الأخرى التي طالب المتظاهرون بتعديلها16، لم يَرَ النور أي شيء من هذا.
منعطف الحويجة
يبدو أنه كان ثمَّة قرار بأن تحافظ حركة الاحتجاج السنّي، على الأقل في مركزها في الأنبار، على طابعها السلمي المطلبي. وذلك على الرغم من التهديدات التي كانت توجّهها الحكومة إليها لفضّ الاعتصامات، وعلى الرغم من بعض الأحداث الأمنية التي عدَّها المعتصمون استفزازًا من القوات الحكومية. وقد قُتل في إحداها أحد عشر معتصمً في الفلوجة
على يد عناصر الجيش، أواخر كانون الثاني/ يناير 2013، وقتل الجيش اثنين من المعتصمين في الموصل، مطلع آذار/ مارس من السنة نفسها. في أواخر آذار/ مارس 2013، اجتمع ممثِّلو ساحات الاعتصام في ستّ محافظات، في مدينة الرمادي، وشكَّلوا وفدًا تفاوضيًّا مع الحكومة لتنفيذ ما يسمونه "حقوق أهل السنّة والجماعة." وقد أصدروا بيانًا، عقب الاجتماع، أكّدوا فيه "سلمية التظاهرات والاعتصامات"17. وعلى الرغم من أنّ الحركة كانت تحيط بها أطراف متطرفة، من قبيل تنظيم "دولة العراق الإسلامية" التي كانت تحاول أن تستغل ما يجري لإطلاق عمل عُنفيٍّ واسعٍ، حثّ التنظيم المحتجين على حمْل السلاح ضدّ المالكي، لأنّ "السلام والصبر" لا طائل من ورائهما في التعامل مع "الحكومة التي يقودها الشيعة"، بحسب تعبير "أبو محمد العدناني"، المتحدث باسم التنظيم الذي قال للمعتصمين، أواخر كانون الثاني/ يناير 2013؛ أي بعد شهر من انطلاق الحركة: "أمامكم خياران لا ثالث لهما، إمّا أن تركعوا للروافض وتعطوا الدنية، وهذا محال، وإمّا أن تحملوا السلاح، فتكونوا أنتم الأعلون. ولئن لم تأخذوا حذركم وأسلحتكم لتذوقنّ الويلات على أيدي الروافض الذين لا زالوا [كذا] يخادعونكم"18. على الرغم من ذلك، لم تكن دولة العراق الإسلامية، آنذاك، قد استعادت قوتها، بعد الهزيمة التي تعرضت لها إثر مشروع "الصحوة"، منذ خريف 2007، وهو الأمر الذي سيتحقّق لها خلال تجربتها في سورية، منذ أواخر عام 2011، وقد كان ذلك أوّل دور خارجي لها تنفِّذه. وبقدر ما ساهم هذا الدور في تعزيز مكانتها في الفضاء السنّي المسلح في المنطقة، مع اشتداد التوتر الطائفي، أرادت دولة العراق الإسلامية من هذا الدور، أن تستعيد تأثيرها الداخلي، مع استمرار الأزمة السياسية في البلاد، وميْل السنّة في العراق إلى دعم "الثورة" في سورية، في مقابل دعم الشيعة للنظام. وهكذا كانت الأزمة السورية هي العنصر الأكثر حيويةً في استعادة الثقة بدولة العراق الإسلامية، واستعادة المقاتلين الذين فقدتهم لمصلحة "الصحوة." بل إنّ دورها في سورية ستجني من ورائه موارد مالية، قد تكون في أمسّ الحاجة إليها؛ ولذلك تُعدّ هذه الأزمة نقطةً مفصليةً في وضعيتها19، حتى أنها أعلنت، أواسط تموز/ يوليو 2012، عن حملة جديدة، سمّتها "هدم الأسوار"، وهي تهدف إلى استعادة المناطق التي فقدت السيطرة عليها عام 2008. وفي كلّ الأحوال، لم يكن بإمكان دولة العراق الإسلامية أن تنشط من دون قبول الحاضنة الاجتماعية المحلية.
يبدو أنه كانت توجد تموّجات وطموحات مختلفة من حركة الاحتجاج في المناطق السنّية المختلفة. فإذا كان قرار الأنبار هو المحافظة على سلمية الحركة، فقد كانت توجد مناطق أخرى تسعى للانتقال بالحركة إلى مستوى آخر، هو المستوى العنفيّ، وربما كان ذلك بدافع الخروج من الجمود والإيقاع الثابت الذي وصلت إليه، أو بالنظر إلى أنّ المكونات السياسية للحركة، في تلك المناطق، تختلف عمّ هو حاصل في الأنبار، وخصوصًا أنّ لبعضها طموحًا انقلابيًّا؛ كحزب البعث وضباط الجيش السابق. في هذا السياق، حدثت مواجهة مسلحة، بين عدد من المعتصمين، في ساحة الاعتصام في الحويجة، وفي نقطة للجيش قرب الساحة، يوم 19 نيسان/ أبريل 2013، انتهت بمقتل جندي وأحد المعتصمين، الأمر الذي حدا بالجيش إلى أن يحاصر الساحة، بحثًا عمَّن أطلق النار على النقطة، ثم إلى أن يقتحمها ويفضّ الاعتصام بالقوة ويحرق خ يَم المعتصمين، يوم 23 نيسان/ أبريل؛ ما أدَّى إلى مقتل نحو 50 من المعتصمين، علاوةً على عشرات منهم بين معتقل وجريح. وبدءًا من هذه الحادثة، سيركز الخطاب الحكومي على اتهام الحركة بوقوف قوىًانقلابية وراءها واختراقها إيَّاها، ولا سيما منها القاعدة. ففي اليوم نفسه الذي وقعت فيه حادثة الحويجة، أصدرت وزارة الدفاع العراقية بيانًا قالت فيه إنّ من قتلوا في ساحة اعتصام الحويجة هم من القاعدة والبعثيين، وإنّ القائمين على ساحات الاعتصام يتحملون المسؤولية عن "إيواء العناصر الإرهابية والسماح لهم بتنفيذ مخططاتهم
الخبيثة"، بحسب ما جاء في البيان، وإنّ ساحات الاعتصام أصبحت "وكرًا للإرهابيين وتدار من قبل النقشبندية وحزب البعث"20. ومع عشية بدء ما سمته الحكومة "الحرب على داعش" في صحراء الأنبار، بدأ المالكي يكثف الحديث عن أنّ القاعدة بدأت تتسلل إلى ساحة الاعتصام في الأنبار؛ إذ قال في خطابه الأسبوعي أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2013: "إننا نتحمل مسؤولية ألاّ نعطي للقاعدة مقرًّا للقيادة تحت عناوين طيبة ومشروعة. وفرقٌ بين مطالب يتقدم بها الناس والظلامات [تظلمّات] يبحثون عن حلّ لها، وبين قاعدة تسلَّلت وسحبت الملف من الذين بدؤوه، ولم يعُد لهم تأثير في ملف ساحة الاعتصام في الأنبار"21. ويعود المالكي، بعد حادثة مقتل قائد الفرقة السابعة، اللواء الركن محمد الكروي، ونحو 25 ضابطًا كبيرًا وجنديًّا من الجيش العراقي، على يد داعش، في صحراء الأنبار يوم 21 كانون الأول/ ديسمبر 2013، إلى القول: "لو أعطينا كلّ شيء من المطالب ما تغير شيء لأنّ القاعدة باقية... انكشفت هذه الخدعة التي خدع بها الكثير على أنهم يطالبون بحقوق أبناء الأنبار ... ولا يحتاج الأمر إلى مزيد من التأكيد بأنّ هذه المنطقة وهذه الساحة أصبحت مقرًّا لقيادة القاعدة، لأنهم ظهروا على منصتها، وبكلمة واضحة صريحة قالوا نحن تنظيم اسمنا القاعدة نقطع الرؤوس، وعلى نحوٍ صريح رفعت أعلام القاعدة على المنصة"22. ثمّ يعود المالكي ليسمِّي ساحة الاعتصام في الرمادي "ساحة الفتنة"23، ولاحقًا، سماها "الملاذ الآمن للقاعدة"24. ثمّ يعود في 4 كانون الثاني/ يناير 2014، ليصف ساحات الاعتصام بأنها كذبة "يسعون فيها إلى شيء [وهو دولة العراق والشام] عندما رفعنا ساحات الفتنة في هذا الوقت، أخبرنا أحد المعتقلين، وقال: لو انتظرتم ثلاثة أسابيع لانفصلنا وأعلنّا دولتنا في الرمادي"25. كانت حادثة الحويجة نقطةً مفصليةً في حركة الاحتجاج السنّية، وفي وضعية دولة العراق الإسلامية، وفي مسار الأمور السياسية والأمنية في البلاد، على نحو عامّ. ولقد بدا للمجتمع السنّي أنّ الطريقة التي فضّ بها اعتصام الحويجة يشير إلى أنّ الحكومة لن تتعامل مع المطالب التي قدمتها الحركة على نحوٍ سلمي، وأنها ماضية إلى قتْل الحركة على نحوٍ عنيف؛ ومن ثمّ، خرجت الحركة كثيرًا عن سلميتها، فبدأت سلسلة مواجهات مع الجيش، واستُهدفت عناصره استهدافًا مباشرًا، وشهدت الأيام القليلة التي تلت الحادثة أعمال عنف واسعة، ذهب ضحيتها نحو 200 شخص. وكانت هذه اللحظة هي التي قادت إلى تمكين دولة العراق الإسلامية من المجتمع السنّي وتنشيط المساحات المتطرفة فيه، وأضعفت ممانعته لطموحات دولة العراق الإسلامية. وإنّ هذا الاستسلام المجتمعي للتطرف يرتبط - مرةً أخرى - بأزمة النظام السياسي. لقد تزامن هذا الحادث مع الإعلان عن ولادة الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، ليبدأ التنظيم، منذ ذلك التاريخ، باستعادة الأعمال التي كان ينفّذها في العراق من حيث عددها ونوعيتها، في الفترة 2004 - 2007، ما قبل مشروع "الصحوة." ولعل أحد أهمّ الأدلة على هذا تصاعد أعداد الضحايا المدنيين، بدءًا من حادثة الحويجة، في أيار/ مايو 2013. فمن يتابع الشؤون المتعلّقة بضحايا حرب العراق، منذ بدء الغزو الأميركي للعراق في آذار/ مارس 2003، يكتشف أنّ الأشهر التي تلت هذه الحادثة، وما بعده، سجَّلت منحنى تصاعديًّا وأرقامًا قياسيةً في أعداد الضحايا المدنيين العراقيين منذ أواسط 2008، حين بدأت أعداد الضحايا بالانخفاض التدريجي، بعد معارك "صولة الفرسان" على الميليشيات الشيعية في الجنوب، ومشروع الصحوة الذي كاد يقضي على تنظيم القاعدة، فبعد أن كان عدد القتلى المدنيين، في نيسان/ أبريل 2008،
قد بلغ 1309 أشخاص، أصبح في الشهر التالي 902 شخصًا، وفي حزيران/ يونيو وصل إلى 748 شخصًا. وهكذا تراوحت أعداد من تموز إلى الضحايا، / يوليو 2008 نيسان، / أبريل 2013 بين 218 و 682 شهريًّا. أمّ ا بعد حادثة الحويجة، فبلغ عدد الضحايا المدنيين، في أيار/ مايو 2013 (أي الشهر الأول الذي تلا الحادثة)، 888 ضحيةً، وهذا الرقم هو الأعلى منذ أيار/ مايو 2008. ثمّ سُجِّل في تموز/ يوليو 2013 رقم قياسي جديد؛ إذ بلغ عددهم 1145 ضحيةً. وفي أيلول/ سبتمبر من السنة نفسها سُجِّل رقم قياسي آخر؛ إذ بلغ عددهم فيه 1306 ا، سجل حزيران من الضحايا. وأخ/ يونيو 2014 (أي الشهر الذي شهد سقوط الموصل) الرقم الأعلى منذ آب/ أغسطس 2007، وهي الفترة التي شهدت ذروة الحرب الأهلية، وما قبل إطلاق مشروع الصحوة؛ إذ بلغ عدد الضحايا المدنيين فيه 1934 ضحيةً. وفي المجمل، عادت أعداد الضحايا عام 2013 إلى المستوى الذي كانت عليه عام 2008، بنحو 10 آلاف قتيل، بعد أن كانت الأعداد، في الفترة 2009 - 2012، تتراوح سنويًّا بين 4000 و 5000 قتيل26. ويُتوقع أن تتجاوز أعداد الضحايا عام 2014 ما كان عليه عامَا 2008 و 2013، لتقترب من أرقام عامي 2006 و.2007 وفضلً عن هذا، أخذت أعمال العنف في الفترة 2009 - 2013 إيقاعًا محددًا؛ ذلك أنّ دولة العراق الإسلامية لم تتمكن من تنفيذ أعمال نوعية إلا مرةً كلّ بضعة أشهر، في حين استطاعت منذ حادثة الحويجة تنفيذ سلسلة من العمليات النوعية التي كانت تستهدف مؤسسات رسميةً. ويلاحظ مايكل نايتس أنه "في عام 2010، في فترة انخفاض نشاط القاعدة في العراق، انخفضت أعداد الهجمات التي تحمل بصمة التنظيم كتلك التي تستخدم فيها السيارات المفخخة إلى معدل 10 في الشهر الواحد، وأنّ الهجمات المنسقة التي يشنها التنظيم في أكثر من مدينة في آنٍ واحدٍ لم تحدث إلا مرتين أو ثلاثًا في العام. في حين وقع عام 2013، ما معدّله شهريًّا 71 تفجيرًا بسيارات مفخخة،ٍ وأنّ ضربات في مواقع متعدّدة حدثت كل 11 يومًا، وأنّ العمليات التي تعتمد على الهجمات الانتحارية هي نفسها في ازدياد. ففي عام 2010 تناقصت هذه الهجمات لتصل إلى معدل 6 مرات شهريًّا، وظلّ هذا المعدل على نحو ما هو عليه طوال عام .2012 وفي عام 2013، وقعت نحو 22 عمليةً من هذه العمليات شهريًّا... وفي فترة انخفاض العنف في العراق، مطلع عام 2011، كانت البلاد تتعرض لنحو 300 حادثة أمنية كبيرة في الشهر الواحد. أمّا خلال عام 2013، فكان العدد الإجمالي الشهري لهذه الحوادث يصل على نحوٍ متكررٍ إلى 1200. لكنّ هذا العدد يظلّ أقل كثيرًا من الحوادث التي زاد عددها على 6000 شهريًّا، والتي نقلتها التقارير والأخبار خلال أكثر الأيام ظلامًا في ما كان يشبه الحرب الأهلية أواخر عام 2006، ومطلع عام "200727.
"هدم الأسوار"
في الحقيقة، يعود المنحنى التصاعدي للعمليات النوعية إلى حدث أسبق من حادثة الحويجة قليلً؛ إذ يعود تحديدًا إلى تموز/ يوليو 2012، حين أعلنت دولة العراق الإسلامية عن مشروع "هدم الأسوار" الذي شهد سلسةً من العمليات النوعية، وقد ركَّز الأساسي منها على اقتحام السجون التي تضم معتقلي التنظيم من أجل تحريرهم. في حين كان التنظيم قد أعلن، في وثيقته الإستراتيجية السابقة التي أطلقها، مطلعَ عام 2010، تحت عنوان "خطة إستراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية"، أي بعد مشروع الصحوة، أنه سيتبنى سياسة العمليات النوعية، بدلً من الحرب الشاملة التي اعترف بأنه أصبح غير قادر عليها. ولذلك، نفَّذ في الفترة 2009 - 2013، عددًا محدودًا من العمليات النوعية. وعلى أيّ حال، تكشف قراءة وثيقة "خطة إستراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية" ووثيقة "هدم الأسوار"، عن الخلفية التي تقف وراء التحول في طبيعة العمليات التي نفذها التنظيم. فالوثيقة الأولى تعيد تأكيد الموقف الأيديولوجي للدولة، من جهة أنها دولة إسلامية لا تعترف بالنظام العالمي القائم. وعلى الرغم من ذلك، تركّز على وضع الدولة وواقعها العملي. فقد اعترفت بأنها تعرضت مع مشروع الصحوة للتراجع والانحسار، وحاولت أن تفسِّ أسباب
هذا التراجع الذي لم توافق على أنه حدث بسبب أخطاء عناصرها، وقسوتهم، وجورهم على المجتمع المحلي ورموزه، بل بسبب الصورة التي رسمتها لها الدعاية المضادة، ومحاولة الأميركيين استمالة رموز المجتمع المحلي، ولا سيما القيادات العشائرية، من خلال هبات مالية ضخمة. واضحٌ من هذه الوثيقة أنّ دولة العراق الإسلامية قلقة من هذه الصورة، أيًّا كان مصدرها أو سببها، وهي تسعى لمكافحتها. ولعل هذا هو ما يُفسر محاولتها كسب ودّ المجتمع المحلي، في محافظتي الرقة والموصل اللتين سيطرت عليهما. وتُقدِّم الوثيقة حزمةً من الإستراتيجيات والسياسات لتجاوز هذا الانحسار؛ الجانب الأساسي منها عسكري. ولكنها تخصص جزءًا واضحًا من الخطة لما يمكن تسميته "حملة علاقات عامة"، لتجاوز آثار تلك الصورة السلبية. ومن هذه الإستراتيجيات أنها لن تستطيع خوض حرب شاملة، بالكيفية التي كانت عليها في الفترة 2004 - 2007، بل إنها ستلجأ إلى عمليات نوعية، عبر ما تسميه "سياسة الاستهداف وتكسير العظام." وهذه العمليات يجب أن تركِّز على العناصر المحلية التي تسميهم "المرتدين"، بدلً من الأميركيين التي تسميهم "الصليبيين." وتلخص الوثيقة هذه الإستراتيجية الجديدة بتعبير "تسع رصاصات للمرتدين ورصاصة للصليبيين"، وهو ما يعني استهدافًا واسعًا للجيش والشرطة، بما يخلق حالة رعب في الانتساب إلى هذين الجهازين، واستهدافًا للرموز السياسية، حتى وإن اقتضى الأمر إلى تجنيد "جهاديين" ضمن حماياتهم، واستهداف "كوادر" ذات كفاءة تدعم العملية السياسية القائمة. ولكنّ الهدف الأول للتنظيم الذي تطرحه الوثيقة، هو مجالس الصحوة وعناصرها. وفي هذا الإطار، دعت هذه الوثيقة إلى تأسيس ما سمته "مجالس الصحوة الجهادية"، بالتحالف مع رموز في المجتمع المحلي، ولا سيما القيادات العشائرية التي لم تنخرط في مجالس الصحوة التي أنشأها الأميركيون. وتشير الخطة إلى مجموعة أخرى من الإستراتيجيات، منها السعي لتوحيد ما تسميه "الفصائل الجهادية" التي نشبت بينها خلافات كبيرة، وطمأنة المخالفين الذين لا ينخرطون في مشروعها، ولكنهم ليسوا عدوًّا لها، وتثبيت ما تسميه "الرموز الجهادية" التي قدمتها الدولة خلال تجربتها في العراق28. ولعل من أهمّ ما تضمنته الوثيقة أنها تتحدث عن ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، وقد جاء فيها: "هذه الدراسة المختصرة ستتناول... كيفية تعزيز موقف دولة الإسلام في هذه الظروف الحالية، حتى تكون بعد انسحاب غالب قوات العدو [الأميركي]، بعد قرابة العامين، في ظرف أفضل وموقع أقوى سياسيًّا وعسكريًّا، بحيث يكون الم وررع الإسلامي هو الذي على أهبة الاستعداد لتولي زمام الأمور كاملةً على كلّ العراق. ومما لا يخفى على كلّ متابع للوضع العراقي أنّ الجميع يسعى لتعزيز موقفه السياسي في هذه الفترة، استعدادًا للموعد المزعوم من قبل العدو الصليبي بانسحاب غالبية قواته من العراق"29. أمّا وثيقة "هدم الأسوار" التي أطلقتها دولة العراق الإسلامية، أواسط 2012، فقدمت رؤيةً إستراتيجيةً جديدةً، تختلف عمّ طرحته مطلع عام 2010. وقد أعلن عن ذلك أبو بكر البغدادي (إبراهيم عوّاد البدري السامرائي)، في تموز/ يوليو 2012. وتزامنت الخطة مع انسحاب القوات الأميركية من العراق، أواخر عام 2011؛ إذ بدأت دولة العراق الإسلامية تُلملم شتاتها منذ أواسط 2012. وقد يكون هذا تنفيذًا لما أعلنت عنه في الخطة الإستراتيجية السابقة من ضرورة الاستعداد لمرحلة ما بعد انسحاب القوات الأميركية. وبخلاف ما تضمنته الخطة السابقة من التركيز على عمليات نوعية، أعلن البغدادي عن محاولة استعادة السيطرة والنفوذ في المناطق التي كانت تسيطر عليها الدولة أو أسلافها (ما قبل مشروع الصحوة)، في الفترة 2004 - 2008؛ وذلك في خطبة له. وإجمالً، ركّز مشروع "هدم الأسوار" على ثلاثة أمور، هي: استعادة المناطق التي انحازت منها. محاربة الحكم الشيعي الذي يسميه "الصفوي." وفي هذه الخطبة، أطلق البغدادي جملته التي جرى تداولها بعد سقوط الموصل والحديث عن قرب معركة بغداد، قائلً: "إنّ بغداد هي قلب معركة أهل السنّة مع الصفويين." ومما يلُاحظ، في هذا السياق، أنّ البغدادي كثيرًا ما يتحدث باسم أهل السنة، وأنه لا يتحدث بوصفه صاحب أيديولوجيا سلفية. وقد يكون هذا الأمر ناتجًا من طبيعة الصراع في العراق.
| نوع العملية | التاريخ | |
|---|---|---|
| مـــــا بــــعــــد اكــــتــــال مـــ وررع الـصـحـوة (مـن أواخـــــر عـــــام 2008 إلى مشروع "هدم الأسوار)" | تفجير انتحاري بحزام ناسف، استهدف مؤتمرًا عشائريًّا لـ "المصالحة الوطنية"، بـ "أبو غريب" في ضواحي بغداد، حضره عدد من ضباط الجيش والشرطة. وقد أسفر التفجير عن مقتل نحو 40 شخصًا، من بينهم عدد من الصحافيين الذين كانوا يغطون المؤتمر. | آذار/ مارس 2009 |
| تفجير 6 سيارات مفخخة، بينها شاحنتان استهدفت كلٌّ منهما مبنييْ وزارتي الخارجية والمالية في بغداد؛ ما أدَّى إلى مقتل نحو 100 شخص وجرح نحو 600 شخص آخر، وأضرار كبيرة في المبنيين. | آب/ أغسطس 2009 | |
| اقتحام مبنى البنك المركزي في بغداد، وتفجير عدد من طوابقه، نفَّذه انتحاريون، وقد نجم عنه مقتل نحو 20 شخصًا. | حزيران/ يونيو 2010 | |
| اقتحام انتحاريين كنيسة "سيدة النجاة" في بغداد، واحتجاز الأشخاص الموجودين فيها من المسيحيين (رجال دين ومصلين)، ثمّ قتْل بعضهم واتخاذ بعضهم الآخر رهائن. وعلى إثر تدخُّل قوات الأمن العراقية، أسفر الحادث عن مقتل 45 شخصًا من الرهائن، و7 من قوات الأمن. | تشرين الثاني/ نوفمبر 2010 | |
| تفجير سيارة مفخخة يقودها انتحاري عند بوابة مقر ديوان الوقف الشيعي، أسفر عن مقتل أكثر من.20 شخصًا | حزيران/ يونيو 2012 | |
| مـــا بــعــد الإعـــــ ناا عن مـ"، وررع "هـدم الأســوار ر تموز / يوليو 2012 | تفجير سيارتين مفخختين يقودهما انتحاريان، عند بوابة مقر مديرية مكافحة الجرائم الكبرى في بغداد، ثمّ محاولة مجموعة من الانتحاريين اقتحام مبنى المديرية وتفجير أجزاء منها، وتهريب أعداد من عناصر دولة العراق الإسلامية. وقد أسفرت العملية عن مقتل أكثر من.20 شخصًا | تموز/ يوليو 2012 |
| محاولة عدد من عناصر دولة العراق الإسلامية اقتحام سجن التاجي لتهريب عدد من عناصر التنظيم؛ ما أسفر عن مقتل عدد من حراس السجن. | آب/ أغسطس 2012 | |
| تفجير سيارتين مفخختين عند بوابة سجن التسفيرات في تكريت، أعقبه اقتحام انتحاريين للسجن بهدف تهريب عناصر من دولة العراق الإسلامية، فاستدعى ذلك تدخل القوات العراقية، ودارت مواجهات واسعة، انتهت بمقتل أكثر من 60 شخصًا (جلُّهم من عناصر الأمن)، وهروب نحو 120 سجينًا (جلُّهم من المحكوم عليهم بالإعدام.) | أيلول/ سبتمبر 2012 | |
| كمين أسفر عن مقتل 48 جنديًّا سوريًّا، كانوا برفقة وحدة من الجيش العراقي، كانت تسعى لإعادتهم إلى الأراضي السورية، بعد أن دخلوا إلى الأراضي العراقية، إثر مواجهات مع مجموعات مسلحة داخل الأراضي السورية. وقد أسفر الحادث كذلك عن مقتل 9 جنود عراقيين. | مطلع آذار/ مارس 2013 | |
| اقتحام انتحاريين يرتدون أحزمةً ناسفةً مبنى وزارة العدل وسط بغداد، وتفجير بعض طوابق المبنى، وعلى إثره، تدخّلت قوات الأمن العراقية، وأسفر الحادث عن مقتل نحو .30 شخصًا | أواسط آذار/ مارس 2013 |
| نوع العملية | التاريخ | |
|---|---|---|
| ما بعد حادثة الحويجة، نيسان / أبريل 2013 | سيطرة مسلحين من داعش و"جيش الطريقة النقشبندية"، يوم 24 نيسان/ أبريل 2013، بعد مرور يوم واحد على حادثة الحويجة، على بلدة سليمان بيك 150(كم شماليّ بغداد) في محافظة صلاح الدين، سيطرةً تامةً، بما في ذلك الأبنية الحكومية، بعد أن خاضوا معارك مع وحدات الجيش العراقي في المنطقة، أوقعت عشرات القتلى من عناصر الجيش والمسلحين، وقد اضطرت وحدات الجيش إلى الانسحاب، وأ غلق الطريق الإستراتيجي بين بغداد وإقليم ُ كردستان، واستولى المسلحون على معدات الجيش. وبعد أقل من 48 ساعةً، بدأت قوات الأمن بالعودة إلى البلدة، بعد أن قبل المسلحون بالانسحاب، إثر اتفاق ساعد على التوصل إليه شيوخ من العشائر وبعض المسؤولين الحكوميين. | أواخر نيسان/ أبريل 2013 |
| اقتحام نفَّذه انتحاريون، بسيارات مفخخة وعشرات قذائف الهاون، لسجنيْ "أبو غريب" و"التاجي" اللذين يُؤويان سجناء من داعش. وقد أدت العملية إلى فرار نحو 500 من عناصر داعش وتهريبهم، بعضهم قادة كبار محكوم عليهم بالإعدام. وشهدت العملية مواجهات استمرت لساعات مع قوات الأمن العراقية، أسفرت عن مقتل أكثر من 60 شخصًا، من عناصر الأمن، والمسلحين، والسجناء، والمارة. | تموز/ يوليو 2013 | |
| هجوم نفذه 8 انتحاريين على مبنى قائمقامية قضاء راوة، أدَّى إلى مقتل 8 من المسؤولين الإداريين وعناصر الأمن. | تشرين الأول/ أكتوبر 2013 | |
| اقتحام انتحاريين بأحزمة ناسفة مبنى دائرة الرعاية الاجتماعية في تكريت، واحتجازهم نحو 40 رهينةً، واقتحام قوى الأمن العراقية للمبنى، ثمّ تفجير الانتحاريين أنفسهم. وقد نجم عن هذا الحادث مقتل نحو 40 شخصًا. | 2 كانون الأول/ ديسمبر 2013 | |
| انفجار سيارة مفخخة يقودها انتحاري، استهدف مديرية الاستخبارات والمعلومات الوطنية، في مدينة كركوك. وأعقب ذلك اندلاع اشتباكات مسلحة بين الشرطة وعناصر داعش حاولت اقتحام المبنى، ثمّ التحصّن في "جواهر مول" (وهو أكبر مجمع تسويقي في كركوك)، واحتجاز أعداد من زبائن المجمع، وتفجير بعض طوابق المجمع وإحراق بعضها الآخر، وإثر اقتحام قوَّة من جهاز مكافحة الإرهاب للمجمع، فجّرت تلك العناصر نفسها. وقد أسفرت العملية عن مقتل أكثر من 50 شخصًا من الرهائن، وقوى الأمن، والمارة. | 4 كانون الأول/ ديسمبر 2013 | |
| اقتحام عدد من الانتحاريين مبنى مجلس محافظة صلاح الدين، وتفجير أنفسهم، ثمّ تدخُّل قوى الأمن العراقية؛ ما أدى إلى مقتل 3 أشخاص، أحدهم عضو في المجلس. | 16 كانون الأول/ ديسمبر 2013 | |
| اقتحام عدد من الانتحاريين مبنى قناة صلاح الدين الفضائية في مدينة تكريت، وقتْل صحافيين عاملين فيها، ثمّ تفجير أنفسهم، قبل أن تتدخل قوى الأمن العراقية. وقد أسفر الحادث عن مقتل 5 أشخاص، كلّهم من "الكادر" الصحفي العامل في القناة. | 23 كانون الأول/ ديسمبر 2013 | |
| اقتحام انتحاريين مبنى تابعًا لوزارة النقل في بغداد، واحتجازهم عددًا من الرهائن، وقتل بعضهم، ثمّ تفجير الانتحاريين أنفسهم، قبل أن تتدخل قوى الأمن العراقية، لتسيطر على الأوضاع. وقد أدَّى هذا الحادث إلى مقتل نحو.20 شخصًا | كانون الثاني/ يناير 2014 | |
| انفجار سيارتين مفخختين أمام بوابة وزارة الخارجية في بغداد، أسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصًا، جلُّهم من موظفي الوزارة. | شباط/ فبراير 2014 |
تحرير أسرى المسلمين30، وهو ما فُهم لاحقًا من خلال عملية سجنيْ "أبو غريب" و"التاجي" التي عدّتها داعش خاتمة حملة "هدم الأسوار"31. إنّ قراءة خريطة العمليات النوعية التي نفذتها دولة العراق الإسلامية، منذ مطلع عام 2009، أي بعد أن اكتمل مشروع الصحوة وبدأت أعداد الضحايا تنخفض انخفاضًا بيِّنًا، مقارنةً بما كانت عليه في السنوات السابقة (وصل العدد عام 2008 إلى 10203 من الضحايا المدنيين، في حين وصل في عام 2009 إلى 5185 ضحيةً مدنيةً)، تكشف عن هذه التحولات والنقاط المفصلية خلال السنوات الماضية. يكشف الجدول (١) أنّ المنحنى التصاعدي في العمليات النوعية التي نفّذتها دولة العراق الإسلامية ثمّ داعش، يبدأ مع الإعلان عن مشروع "هدم الأسوار"، في تموز/ يوليو 2012، وأنّ جُلّ هذه العمليات تركِّز على الهجوم على السجون ومراكز التوقيف واقتحامها؛ من أجل تهريب سجناء التنظيم ومعتقليه. وهذا المعنى – في ما يبدو - أحد المعاني الأساسية لفكرة "هدم الأسوار"، إضافةً إلى استعادة المناطق التي كانت تسيطر عليها دولة العراق الإسلامية وأسلافها في الفترة 2004 - .2008 من أجل ذلك، استهدفت العمليات النوعية الكبرى، في هذه المدة، مديرية مكافحة الجرائم الكبرى في بغداد، وسجنيْ التاجي والتسفيرات في تكريت، ووزارة العدل. وقد فشلت أوّل عمليتين في بلوغ هدفهما، ثمّ نجحت في عملية سجن التسفيرات في تكريت؛ إذ استطاعت تهريب نحو 120 سجينًا، جُلُّهم من قادة التنظيم المحكوم عليهم بالإعدام، وبعد ذلك تُوِّجت هذه العمليات بعملية كبرى على سجنيْ "أبو غريب" و"التاجي" التي أسفرت عن تهريب أكثر من 500 من عناصر التنظيم. أمّا العمليات التي نفّذتها داعش ما بعد حادثة الحويجة، فقد اختلفت عمّ قبلها نوعيًّا وعدديًّا. وقد كانت أولاها سيطرتها على ناحية سليمان بيك، أيامًا قليلةً بعد حادثة الحويجة. وعلى الرغم من أنّ سليمان بيك بلدة صغيرة، وأنّ السيطرة عليها لم تدم أكثر من 48 ساعةً، بسبب انسحاب داعش منها، ودخول الجيش العراقي إليها، فإنّ لسيطرة داعش عليها دلالةً رمزيةً عاليةً، بالنظر إلى أنّها أوّل مدينة تسيطر عليها بالكامل منذ مشروع الصحوة. وتلا ذلك الهجوم على سجنيْ "أبو غريب" و"التاجي"، أواسط تموز/ يوليو. وقد ذكرت داعش أنّ هذه العملية هي ختام حملة "هدم الأسوار"، لتبدأ بعدها حملة "حصاد الأجناد" التي يبدو أن العمليات التي نُفِّذت في إطارها نتاج التمهيدات التي شهدتها السنوات الماضية، فضلً عمّ قدَّمته تطورات الأوضاع السياسية في البلاد من تمكين استثنائي لداعش. وقد ذكرت تقارير كثيرة أنّ عناصر داعش وقادتهم الذين هربوا خلال عملية سجنيْ "أبو غريب" و"التاجي" نُقلوا إلى سورية للانضمام إلى صفوف داعش، وقد أدَّوا لاحقًا دورًا أساسيًّا في تغوُّلها، في سورية والعراق. وبوجهٍ عامٍّ، تختلف عمليات ما بعد الحويجة عمّ سبقها في أنها: • أكثر كثافة، وهو ما يشير إلى استعادة داعش لشيء من قوتها التي فقدتها مع مشروع الصحوة. تستهدف المؤسسات الرسمية، والمدنية، والعسكرية. قد تكون امتدادًا للمشروع الذي أعلن عنه البغدادي في "هدم الأسوار" من جهة أنهم ماضون إلى استعادة المناطق التي خسروها مع مشروع الصحوة؛ ولذلك، تركزت هذه العمليات في المحافظات السنّية، لتدمير هياكل الدولة في تلك المناطق. وهذا ما يكشف عنه استقراء خريطة عمليات داعش ما بعد الحويجة، وإلى بدء ما عُرف ب "أزمة الأنبار" أواخر عام 2013 ومطلع عام 2014، على نحو ما يوضحه الجدول السابق.
"عودة القاعدة"
منذ ذلك التاريخ، بدأت الأدبيات الغربية بالحديث عن عودة القاعدة. و"القاعدة"، في هذا السياق، تعبير استعملته الأدبيات الغربية من دون أن تميز بين "القاعدة" و"دولة العراق الإسلامية"؛ ذلك أنّ "الدولة الإسلامية في العراق والشام" أو "داعش" لم يكُونا تعبيرين رائجين بعدُ. وكان مدار تلك الأدبيات على أنّ العراق أصبح تجاه معطى جديد متمثّل بعودة القاعدة، وأنّ الأمر لم يعُد مقتصرًا على حركة الاحتجاج السنّية. وتحديدًا، بدأ هذا التعبير يروج في الكتابات الغربية، ولا سيما الأميركية، ما بعد حادثة سجنيْ "أبو غريب" و"التاجي"، تموز/ يوليو
201332، قبل أن يتكرس، أكثر فأكثر، بعد أزمة الأنبار وسيطرة داعش على المدينتين الكبيرتين (الرمادي والفلوجة)، كما أنه امتد إلى الخطاب الرسمي الأميركي. فلقد صرّح الرئيس باراك أوباما، خلال لقائه بالمالكي في واشنطن، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، ب "أنّ القاعدة في العراق، الآن، أكثر نشاطًا من قبل "33، وعقد الكونغرس، مطلع شباط/ فبراير 2014، جلسات استماع، تحت عنوان "عودة القاعدة"34. يُضاف إلى ذلك انهماك مراكز البحوث الأميركية في أعمال واسعة سمَّتها "عودة القاعدة"، وفي المدة المتراوحة بين أيلول/ سبتمبر 2013 وآذار/ مارس 2014، أصدرت كبرى مراكز البحوث الأميركية تقارير تحليلية موسَّ عة عن هذا الموضوع35. لقد كانت مقاربة الحكومة العراقية لتحدي عودة القاعدة مقاربة صِأمنية فًا، انتهت بإعلان الحكومة الحرب على داعش، في منطقة وادي حوران في صحراء الأنبار، أواخر عام 2013، وقد تلت ذلك تداعيات كثيرة؛ من قبيل اعتقال النائب أحمد العلواني، وهو أحد أبرز البرلمانيين السنّة، ثمّ دخول داعش إلى مدينتي الرمادي والفلوجة، واحتلال داعش للفلوجة، وخوضها معارك كرٍّ وفرٍّ مع الجيش العراقي. وخلال هذه الأزمة، دعا المالكي إلى تفعيل مجالس الصحوة التي كانت الحكومة هي المسؤولة الأولى عن إضعافها، بعد أن أنشأها الأميركيون، لتتولى خوض الحرب على القاعدة. فالحكومة تعاملت معها بوصفها جزءًا من التركة الأميركية، وخشيت تحوّلها إلى ميليشيا سنّية يصعب السيطرة عليها. وهكذا، فشل مشروع دمج عناصر الصحوة في المؤسسة الأمنية العراقية، وأخذ هذا الفشل والتلكؤ عدّة أشكال؛ منها التأخر والامتناع عن دفع رواتب عناصر الصحوة، حين أصبحت هذه المسؤولية على عاتق الحكومة العراقية، بعد أن كان يتولاها الأميركيون. ومع عودة القاعدة، ما بعد حادثة الحويجة، حذَّر كثير من الخبراء من إمكانية أن يعود عدد كثير من عناصر الصحوة إلى القاعدة، بعد تعثُّ دمجهم في المؤسسة الأمنية، إضافةً إلى أنّ جزءًا منهم انتقل، بسبب المشروع الأميركي، من صفوف القاعدة إلى الخندق المقابل. ثمّ إنّ المالكي مثلما لم يستطع أن يفهم أنّ الطريق التي مهدت لعودة القاعدة هي احتقان المجتمع السنّي، وأنّ الأوضاع التي أنتجت مشروع الصحوة؛ من قبيل تعارض المصالح بين القاعدة والمجتمع السنّي، والتخطيط والإشراف الأميركيين، فضلً عن أنّ الأموال الأميركية الضخمة والوعد الأميركي بإصلاح مؤسسة الحكم في بغداد لم يعودا قائمين، فقد تعامل مع الصحوة بوصفها أداةً عسكريةً فقط؛ أي بوصفها ميليشيا يمكنها أن تقاتل القاعدة، لا بوصفها مشروعًا مدنيًّا سياسيًّا - عسكريًّا، على نحو ما وصفها الجنرال ديفيد بترايوس، مهندس مشروع الصحوة الذي يُعدّ من أكبر المآثر في التاريخ العسكري الأميركي. ولقد كتب بترايوس، في تشرين الأول/ أكتوبر 2013؛ أي في ذروة الأزمة، نصًّا بعنوان "كيف انتصرنا في العراق؟"، استعاد فيه مشروع الصحوة والعوامل التي أدت إلى نجاحه. ويبدو أنه أراد بهذا النصّ أن يكون رسالةً موجهةً إلى القادة العراقيين، تُبيِّ كيفية تجاوز عودة القاعدة أو احتوائها؛ ولذلك، ركز على نقطتين رئيستين منهما أنه لا يمكن فصل نمو القاعدة عن شكاوى المجتمع السنّي ومطالبه، وأنه لا يمكن اختزال الصحوة في أنها مشروع عسكري، ذلك أنها مشروع
سياسي مدني، استند إلى مجموعة من الأسس، منها مشروع مصالحة وطنية شاملة36. وفي هذا السياق نفسه يقول بترايوس أيضًا: "المستقبل المختلف عم يعيشه العراق اليوم لم يكن ممكن الحدوث لو أنّ القادة السياسيين العراقيين استثمروا الفرص التي كانت متاحةً لهم. وللأسف، يبدو أنّ عددًا من تلك الفرص بُدِّد، مع رجوع مخاوف المكون السنّي في العراق في ظلّ الاحتراب الداخلي السياسي والممارسات الإثنية والطائفية، وهي التي أدت، أيضًا، إلى فترةٍ متأخرةٍ، إلى إلحاق مصاعب بالغة بالعلاقة القائمة بين الحكومة في بغداد وزعماء حكومة إقليم كردستان"37. ويضيف قائلً: "عملت الممارسات المختلفة للحكومة العراقية على تقويض مبادرات المصالحة المرتبطة بزيادة عدد القوات الأميركية التي مكّنت من تعزيز شعور السنّة العرب بالاحتواء، وساهمت في نجاح العملية. علاوةً على ذلك، دفعت تلك الممارسات الحكومة العراقية أطرافًا بارزةً من السنّة إلى الانسحاب من الحكومة، ودفعت المكون السنّي إلى الخروج إلى الشارع محتجًّا. نتيجةً لذلك، أصبح الواقع السياسي العراقي غائرًا في مستنقع من غياب الثقة والفشل. إنه ليس الطريق التي كانت مفروضةً على العراقيين أن يسيروا فيها"38. ويخلص بترايوس إلى القول: "كُنَّا نسعى فعليًّا للوصول إلى "كتلة حرجة" من حركات الصحوات، كان من شأنها أن تطلق "تفاعلً متسلسلً " بأسرع ما يمكن، بدءًا بأعالي وادي نهر الفرات في محافظة الأنبار ونزولً، وصولً إلى مناطق العرب السنّة العراقية المجاورة... وقد اشتمل هذا، أيضًا، على بناء المنشَآت القضائية، وتدريب عناصر الأمن القضائي، ودعم عملية إعادة بناء النظم القضائية وهياكلها"39، ويضيف قائلً: "تطلَّب تحقيق التقدم الدائم في العراق تحقيق اتفاقات سياسية في عدد من القضايا الرئيسة التي كانت تثير الانقسام بين الفصائل المختلفة. ونتيجةً لذلك أيضًا، كان السعي لرعاية اتفاقات على هذه القضايا عنصرًا آخر مهمًّ من عناصر المقاربة كلّها؛ وقد تطوَّر العنصر إلى عمل قمت أنا والسفير رايان كروكر [السفير الأميركي في العراق آنذاك]، بتكريس الكثير من التركيز والجهد عليه. فخلال سير عملية التحول، كانت توجد قوانين مهمّة عت ومبادرات جرى الاتفاق عليها؛ منها، على سبيل المثال شُ، قانون لسلطات المحافظات، وقانون للانتخابات، وتعديل لقانون اجتثاث البعث، وقانون للعفو العامّ، وسوى ذلك. ولكن، ظلّ هذا الجانب بالتحديد هو الجانب الأكثر حاجةً إلى إحراز المزيد من التقدم ... كان التحوُّل عبارةً عن جميع ما تقدم ذِكره، حملةً شاملةً مدنيةً عسكرية،ً ولم يكن جلبًا لعدد ضخم من القوات الإضافية فحسب"40.
المظلومية السنّية وداعش والتطورات الإقليمية
مثلما كان للتطورات الإقليمية ما بعد الربيع العربي، ولا سيما الثورة السورية، دور كبير في إعادة تعريف الصراع في العراق، كان لها دور حاسم في نمو داعش التي استطاعت أن تستعيد قوتها في سورية، من خلال ثورتها التي شهدت التجربة الجهادية الكبرى، وهي تجربة أكبر من التجربتين الجهاديتين لأفغانستان والعراق مجتمعتين، ولا سيما في أعداد المقاتلين، والفصائل، والتسليح41. وقبل ذلك، كانت دولة العراق الإسلامية، قبيل الربيع العربي، قد وصلت إلى أضعف مستوى بلغته، إذ يقول نايتس: "مع منتصف عام 2010، كان تنظيم القاعدة في العراق ميتًا تمامًا، إذ تعرّض التنظيم لانتكاساتٍ كبيرةٍ أواخر عام 2006 ومطلع عام 2007، مع انقلاب المليشيات العشائرية العربية السُنّية (قوات الصحوة) على القاعدة. وبموازاة لذلك، أثمر الجهد العسكري الذي قادته الولايات المتحدة، حمايةً للصحوة، وجرى تنفيذ عملياتٍ عالية المستوى تكافح الإرهاب بلا هوادة، فكانت نتيجتها تمزيق القاعدة في العراق إلى أشلاء. وبدأت مصادر المتطوعين الأجانب والتمويل الأجنبي تنضب. وأخذت خلايا القاعدة تدخل في عملية انقسام وتشظٍّ إلى مجاميع إجراميةٍ محليةٍ، تحولت إلى ممارسة الاختطاف والابتزاز لدفع رواتب أعضائها بدلً من تمويل التمرد. وفقدَ تنظيمُ القاعدة في العراق في نيسان/ أبريل 2010، أهم قائدين فيه، هما زعيمه أبو عمر البغدادي، ووزير الحرب أبو أيوب المصري، ووصل إلى حافة التحلل، بحسب القائد الأميركي في العراق آنذاك، الجنرال راي أوديرنو الذي قال في مؤتمرٍ صحفيٍ عُقد في 4
حزيران/ يونيو 2010: "خلال التسعين يومًا الماضية تقريبًا، تمكّنا من اعتقال أو قتل 34 من كبار قادة القاعدة ال 42 في العراق"42. ومع قيام الثورة السورية، اتجهت دولة العراق الإسلامية إلى المساهمة فيها، منذ اللحظة التي اتجهت فيها الثورة إلى التسلح. فقد كان هذا أول دور عابر للحدود تنفذه، لتسعى من خلاله لأداء دور حاسم في الفضاء السنّي المسلح في المنطقة، على نحو ما حصل الآن. أنشأت دولةُ العراق الإسلامية، أواخر 2011، جبهة النصرة، بقيادة "أبو محمد الجولاني." وقد أعلنت هذه الجبهة عن أول عملية تتبناها في كانون الثاني/ يناير 2012. وظلت دولةُ العراق الإسلامية تشرف عليها وتديرها إلى إعلان البغدادي، في نيسان/ أبريل 2013، دمج جبهة النصرة ودولة العراق الإسلامية في كيان واحد يحمل اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام. عند ذاك، أعلن الجولاني التزامه بخط أيمن الظواهري. وفي الحقيقة، يمكن إعادة رواية سقوط الموصل بيد داعش، لا من جهة المظلومية السنية فحسب، بل من جهة خطين آخرين متوازيين معها، هما نمو داعش، من جهة، والتطورات الإقليمية، ولا سيما الثورة السورية وتفاعلاتها، من جهة أخرى. ثمة ثلاثة خطوط متوازية، هي: المظلومية السنية، ونمو داعش، والتطورات الإقليمية، ويتشكل سقوط الموصل في نقاط التقاطع بين هذه الخطوط الثلاثة، أو في التزامن بين عناصر في هذه الخطوط. فعلى نحو غريب، أو من باب المفاجأة الخالصة، أو التفاعل المعقد بين هذه الخطوط، تزامنت بشكل حاسم أحداث في هذه الخطوط الثلاثة، لتصل إلى الذروة متمثلةً بسقوط الموصل. يحاول الجدول (٢) أن يوضح التزامنات الحاسمة التي قادت إلى تمكّن داعش من إسقاط المدينة الثانية في العراق، بدءًا من التزامن بين تشكيل حكومة المالكي الثانية وانطلاق "الربيع العربي" الذي قاد المالكي إلى نزعة أكثر استئثارًا، ومحاربة السياسيين السنّة، وإعادة تعريف الصراع في العراق بأنه جزء من صراع عابر للحدود بين محاور طائفية. ثم التزامن بين انسحاب القوات الأميركية من العراق، وأزمة اتهام نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بدعم الإرهاب، ومباشرة دولة العراق الإسلامية بأول مهمّة لها عابرة للحدود بإشرافها على تشكيل جبهة النصرة في سورية، وكذلك التزامن بين حادثة الحويجة وولادة داعش، وما تلا ذلك من ارتفاع نشاط داعش، على نحوٍ غير مسبوق منذ عام 2008، بعد اكتمال مشروع الصحوة. وأخيرًا إلى التزامن بين أزمة الأنبار وضرب داعش في سورية. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن نفصل سقوط الموصل عن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت أواخر نيسان/ أبريل ٤١٠٢. فسقوط الموصل وقع بعد ثلاثة أسابيع فقط من إعلان نتائج هذه الانتخابات في 19 أيار/ مايو، وهو - إلى حد ما - ردّ فعلٍ على هذه النتائج التي أشّت إلى فوز ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي بنحو 29 % من مقاعد المجلس، لتكون الكتلة الفائزة الأولى، ولتتفوق على أقرب كتلة منافسة بنحو ضعفين، فضلً عن أنها صاحبة الصوت الأعلى في الوسط السياسي الشيعي. ومع التوازي بين الخطوط السالفة الذِّكر، وبدء تمدّد داعش في فترة ما بعد حادثة الحويجة وأزمة الأنبار، يبدو أنّ البراغماتية السنّية ظلت صامدةً، ووضعت حدودًا لحركة داعش، وأنها كانت تأمل تعديل مؤسسة الحكم سلميًّا من خلال الانتخابات. ولكن نتائج الانتخابات سحقت آخر أمل للبراغماتية السنّية، لتسلم نفسها للتطرف. وهذا، بكل تأكيد أحد عناصر السياق التي أدّت إلى سقوط الموصل.
دمج السنّية السياسية في الأيديولوجيا السلفية
على الرغم من تنفيذ داعش عملية السيطرة على الموصل مساء 9 حزيران/ يونيو 2014، وتبنيها43، وانطلاق مقاتليها من محافظة الرقة السورية التي تسيطر عليها تمامًا، وعبورهم الحدود العراقية - السورية في الشمال حيث تضعف السيطرة العسكرية العراقية، حتى وصلوا الموصل44، فإنه كان يمكن الحديث في الأيام اللاحقة (بين سقوط الموصل 9 حزيران/ يونيو وإعلان دولة الخلافة في 29 من الشهر نفسه) عن أكثر من تنظيم مسلح إلى جانب داعش في المناطق التي سيطرت عليها. فقد كانت توجد فصائل المقاومة العراقية السابقة، علاوةً على البعثيين، وجيش الطريقة النقشبندية، وضباط الجيش
| القضية السنية في العراق | نمو داعش | التطورات الإقليمية | |
|---|---|---|---|
| حزيران/ يونيو 2014 | سقوط الموصل بيد داعش وإعلان دولة الخلافة. | ||
| أواخر 2013 | أزمة الأنبار وسيطرة داعش على المدينتين الكبيرتين فيها. | ضرب داعش في سورية. | |
| تموز/ يوليو 2013 | اقتحام داعش لسجنيْ "أبو غريب" و"التاجي." | ||
| حزيران/ يونيو 2013 | الظواهري يعلن إلغاء الدمج الذي أعلن عنه البغدادي بين فرعي القاعدة في العراق (دولة العراق الإسلامية) وسورية (جبهة النصرة)، ويقول إنّ البغدادي أخطأ بإعلانه الاندماج من دون استشارة قيادة القاعدة وإخطارها. وبعد أيام، يردّ البغدادي، برسالة صوتية، يرفض فيها إعلان الظواهري، ويقول: "إنّ الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية." | ||
| ما بعد أيار/ مايو 2013 | الحديث عن عودة القاعدة. | ||
| ا نيسان/ أبريل 2013 | حادثة الحويجة: اقتحام الجيش ساحة الاعتصام في الحويجة وفضها بالقوة وحرق خيم المعتصمين، ما أدَّى إلى مقتل نحو 50 من المعتصمين، وإلى عإشرات الجرحى والمعتقلين منهم. | إعلان البغدادي دمج تنظيمي جبهة النصرة ودولة العراق الإسلامية في تنظيم واحد يحمل اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام. وفي اليوم التالي لهذا الإعلان، أعلن المسؤول العامّ لجبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، تنصله منه، ومبايعة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة. | |
| أ أواخر 2012 | اندلاع حركة الاحتجاج في محافظة الأنبار وسائر المحافظات السنّية. | ||
| تموز/ يوليو 2012 | البغدادي يعلن عن مشروع "هدم الأسوار." | ||
| مطلع 2012 | جبهة النصرة تعلن، للمرة الأولى، عن تنفيذ عملية انتحارية في سورية. | ||
| ا أواخر 2011 | إكمال انسحاب القوات الأميركية من العراق وأزمة اتهام نائب رئيس الجمهورية، طارق الهاشمي، بدعم الإرهاب. | دولة العراق الإسلامية تعلن عن أول مهمّة لها عابرة للحدود، وتشرف على تشكيل جبهة النصرة في سورية. | |
| آذار/ مارس 2011 | انطلاق الثورة السورية. | ||
| كانون الأول/ ديسمبر 2010 | تشكيل حكومة المالكي الثانية. | انطلاق "الربيع العربي" من تونس. | |
| أيار/ مايو 2010 | إعلان "أبو بكر البغدادي" أميرًا لدولة العراق الإسلامية. | ||
| نيسان/ أبريل 2010 | مقتل "أبو عمر البغدادي، أمير دولة العراق الإسلامية، ووزيره الأول، "أبو حمزة المهاجر"، في غارة عراقية – أميركية. | ||
| مطلع 2010 | دولة العراق الإسلامية تطلق وثيقتها الإستراتيجية التي تحمل عنوان "خطة إستراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية"، والتي تعترف فيها بتراجعها وانحسارها بعد مشروع الصحوة. | ||
العراقي ما قبل عام 2003، ممّن يعملون بشكل منفرد أو ضمن التنظيمات السابقة، والمتطوعين الذين نظموا أنفسهم في الأجواء التي سادت ما بعد حركة الاحتجاج في المحافظات السنية وعودة القاعدة وأزمة الأنبار. وجد جميع هؤلاء الذين يمكن توصيف بعضهم بأنهم "خلايا نائمة"، أو تنظيمات جمّدت عملها لظروف شتى، في سقوط الموصل فرصةً لاستئناف نشاطهم من جديد. وقد جمعهم الهدفُ الآني المتمثل بواجهة النظام القائم في بغداد، على الرغم من أنّ لكلٍّ منهم طموحات مختلفةً.
كان الطرف الأكثر حرجًا مما جرى في الموصل هو النخب السنية عمومًا؛ إذ أصبحت داعش أداةَ الانتقام مما يصفونه ب "تسلط الحكومة الشيعية." ومن ثمّ، أصبحت داعش – عمليًّا - هي الممثِّل السياسي والعسكري لسنّة العراق. ولذلك، توقعت مبكرًا أن تتجه الرواية السنّية إلى القول إنّ داعش ليست الطرف الرئيس في ما جرى، بل هي طرف محدود، وإنّ من نفّذوا، ما يجري، أو ينفّذونه، هم ثائرون من رجال العشائر، وضباط الجيش السابق، وفصائل المقاومة السابقة، وأنّ ما يجري هو انتفاضة أو ثورة سنية شاملة على الحكومة المركزية في بغداد. هذا التحول في الرواية هو بالضبط ما جرى في الأنبار منذ مطلع عام 2014، وقد أطلق هذا - آنذاك - آمالً واسعةً متعلّقة بتحول ما يجري في الأنبار إلى انتفاضة سنية واسعة، تشمل سائر المحافظات والمناطق السنية. غير أنّ هذا لم يحدث، لسببين أحدها فني والآخر سياسي. أمّا السبب الفني، فهو متمثّل بأنّ داعش لم تكن تملك الدعم التقني واللوجستي لنقل المعركة إلى خارج الأنبار، حتى في الفترات التي أحسّت فيها بجمود معركة الأنبار. كان الحل يتمثل بنقلها إلى خارج الأنبار، ولا سيما إلى الموصل. لكنها لم تتمكن إلا من فتح جبهات صغيرة في جيوب صغيرة، سرعان ما انسحبت منها، على نحو ما حدث في سليمان بيك وبهرز وسامراء. وقد كان بعضهم يتوقع أنّ دخول داعش للموصل هو غارة صغيرة، كتلك الغارات، سرعان ما ستنسحب منها (سنناقش هذا الأمرَ لاحقًا.) وأمّا السبب السياسي، فهو يرجع إلى أنّ البراغماتية السنّية، حتى تلك اللحظة، لم تكن تسمح بأن تخرج داعش عن الحدود التي رسمتها لها. وفي كل الأحوال، وبالعودة إلى ما بعد يوم 9 حزيران/ يونيو، جرت تعبئة الآلاف من المقاتلين، تحت رواية "الانتفاضة السنية." وحتى في حال انخراط هؤلاء في القتال في الفكرة السائدة في المجتمع السنّي (مواجهة الحكومة المتسلطة في بغداد)، فإنهم يمكن أن يخدموا تحت راية داعش التي يمكن أن تعمل من أجل الهدف السنّي. وفي الحقيقة، ثمة تداخل بين داعش والقضية السنّية، جزء من مظاهره أنّ زعماء داعش، ومنهم أبو بكر البغدادي عراقيون سنة، غير منفصلين عن المشاعر العامة للسنّة العراقيين. ومن مظاهره كذلك أن داعش تكاد تصبح المنظمة السياسية الأكثر قربًا من الوجدان السنّي العامّ في الشرق العربي، لما يرى فيها السنّة من مواجهة لخطر التمدّد الشيعي، في سياق صراع الخنادق الطائفية في المنطقة. ومما يلُاحظ في هذا الشأن، مثلً، أنّ تعبير "الصفويين" الذي يشير إلى الشيعة، هو تعبير مركزي في معجم "أبو بكر البغدادي"، ولعله لم يظهر بهذه الكثافة في خطاب داعش أو أسلافها، إلا مع البغدادي؛ فأبو مصعب الزرقاوي الذي يتخذ موقفًا متشددًا من الشيعة، ولا يعدُّهم مسلمين، ويدعو إلى قتلهم، يستعمل تعبير "الرافضة"، وهو التعبير الذي تبناه أبو عمر البغدادي، مع أنه كان يستعمل، أحيانًا، تعبير "الرافضة المجوس"، في الإشارة إلى الشيعة الإيرانيين. وفي الوقت الذي كان أبو عمر البغدادي يستعمل تعبير "الشرطة العراقية العميلة"، توّسع أبو بكر البغدادي، فقال: "الجيش الصفوي"، و"الشرطة الصفوية"، وما إلى ذلك. ويتعدى تعبيرُ "الصفويين" الإشارةَ المذهبية، فهو يتضمن حمولةً إثنيةً؛ إذ يشير إلى الدولة الصفوية، وهي الدولة الإيرانية التي حوّلت إيران من المذاهب السنّية (كالشافعية والحنفية) إلى المذهب الجعفري. ويبدو أنّ استعمال "أبو بكر البغدادي" لتعبير "الصفويين" مرتبط بعاملين أحدهما عراقي، وهو يرتبط بالتوسع في استعمال هذا التعبير بخلفيته العراقية؛ إذ استُعمِل هذا التعبير في السجالات السياسية والثقافية في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ليشير إلى تهمة متداولة جدًّا في السجال الطائفي، وهي أنّ الشيعة في العراق من
أصول إيرانية، أو أنّ ولاءهم السياسي لإيران أكبر من ولائهم للعراق. ويُستمد هذا التعبير من أدبيات الصراع على العراق بين الإيرانيين (الصفويين ثم القاجاريين) والعثمانيين. ولذلك، يستلّ البغدادي هذا التعبير من أدبيات السجال الطائفي في العراق. أما العامل الآخر، فهو متمثّل بأنّ هذا التعبير مرتبط بصعود المحاور الطائفية في المنطقة ما بعد "الربيع العربي." ومرةً أخرى، يشير هذا التعبير إلى أنّ البغدادي موسوم بسلوك من حيث هو سنِّي، أكثر مما هو أيديولوجي سلفي.
بنية داعش
قمعَت داعش بشدة طموحات كل الفصائل التي لم تندمج فيها اندماجًا عضويًّا، وعملت على أن تُخضِ ع الجميع تحت رايتها، ورفضت أن ترفعَ في الموصل إلا رايتها، وتشدّدت في إجراءاتها مع الفصائل المسلحة الأخرى. ويبدو أنّ أحد الأهداف الأساسية من وراء إعلان "دولة الخلافة الإسلامية"، يوم 29 حزيران/ يونيو 2014، هو مرْكزة الأمور بيد داعش وتحديد حركة الفصائل المسلحة الأخرى. بل إنّ المستهدف الأول بهذا الإعلان هو الأطراف السنّية السياسية والعسكرية. من ثمّ، فإنّ هذا الإعلان قد جاء مع تزايد الحديث عن دور "ثوار العشائر" وطمس دور داعش، على الرغم من أنّه قد يكون مرتبطًا بديناميات داخلية، كان يجب أن توصلها إلى هذا الإعلان، إلى جانب القاعدة الأيديولوجية. ومن هذه الديناميات: الطموح الكوني، ومنافسة تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أيمن الظواهري، وتضخّم التنظيم؛ فقد أصبح بعد السيطرة على الموصل وفرع البنك المركزي العراقي فيها، يحوز أكثر من مليار دولار، فضلً عمّ غنمه من أسلحة الجيش العراقي، والأعداد الكبيرة من المقاتلين الذين انضموا إلى القتال في صفوفه. ولذلك، رفضت سائر الأطراف الدينية والسياسية السنية في المنطقة إعلان الخلافة ذاك، ومنها الأطراف السياسية والعسكرية السنية في العراق، بما فيها هيئة علماء المسلمين، وحزب البعث، والأزهر، ويوسف القرضاوي، وتنظيمات الإخوان المسلمين، وتنظيمات السلفية الجهادية في المنطقة ومنظروها، بما في ذلك أبو محمد المقدسي. في حين لاقت الفكرة ترحيبًا لدى الأطراف المقاتلة، ولا سيما في سورية؛ إذ انضمت فصائل من داخل "جبهة النصرة"، وفصائل سلفية أخرى، فضلً عن فصائل من الجيش السوري الحر، إلى دولة الخلافة، ولا سيما بعد أن دعا أبو بكر البغدادي، في تسجيل صوتي بُثّ يوم 1 تموز/ يوليو 2014، مَن يستطيع من المسلمين إلى الهجرة، والنفير إلى الدولة الإسلامية، وعدّ هذه الهجرةَ "واجبًا عينيًّا"45. علاوةً على ذلك، نظّمت داعش حملات واسعةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي للحثّ على الهجرة، بدءًا بما سمّته "جمعة الهجرة لدولة الخلافة الإسلامية"، يوم 11 تموز/ يوليو 2014. وبالفعل، التحق بالتنظيم، بعد أقل من أسبوعين من إعلان دولة الخلافة، نحو 400 مهاجر. أمّا في سورية، وخلال تموز/ يوليو، فقد التحق به نحو 6000 مقاتل، منهم نحو 800 من عناصر جبهة النصرة، ونحو 1300 مهاجر؛ ليبلغ عدد مقاتلي التنظيم، في أواخر آب/ أغسطس، نحو 50 ألفًا في سورية ونحو 30 ألفًا في العراق، بعد أن كان عددهم في العراق وسورية نحو 10 آلاف فقط في الأيام القليلة التي أعقبت سقوط الموصل. وقد أنهى تفجير مقام النبي يونس في الموصل، يوم 24 تموز/ يوليو 2014، وتفجير مراقد الأنبياء والأولياء وشيوخ الصوفية ومقاماتهم، في الأيام القليلة التي سبقته وأعقبته، على نحوٍ شبه تامٍّ، أيّ حديث عن فصائل مسلحة أخرى، غير داعش، ليس لأنّه لا يوجد أحد مستعد للتورط في ما عدّه أبناء المدينة اعتداءً على هويتها، نفّذه مشروع أيديولوجي سلفي لا تعتنقه سائر الفصائل بالضرورة، وليس لأنّ داعش أيضًا أنهت بالتوازي سائر مظاهر التسلح في المناطق التي تسيطر عليها، بل لأنّ تفجير المقامات والمراقد حمل عنفًا رمزيًّا، إلى جانب عنفه العياني الفعلي، لإخضاع المدينة، وتصفية أيّ طموح للتحرك خارج إطار داعش. وأمّا مقاتلو داعش فهُم على ثلاثة أنواع من المقاتلين: الكتلة الأيديولوجية القيادية التي تمثّل استمرارًا لخط "أبو مصعب الزرقاوي" وأسلاف داعش، فضلً عمّن جرى تجنيده من الجهاديين العرب. وليست لدينا أرقام أو إحصاءات واضحة عن أعداد هؤلاء ونسبتهم. عناصر من الجيش السابق وكبار ضباطه. وهؤلاء صنفان: الأول اعتنق الأيديولوجيا السلفية خلال تجربته في السجون الأميركية في العراق ما بعد عام 2003، والآخر يمثله الذين فشلت الدولة العراقية ما بعد 2003 في احتوائهم، فأصبحوا يقدمون خبراتهم للكثير من الفصائل المسلحة التي تعارض النظام القائم. ويرى بعض الملاحظين أنّ هؤلاء هم، في الحقيقة، مَن أداروا المعارك العسكرية وأشرفوا
عليها، منذ بدء أزمة الأنبار، وصولً إلى سقوط الموصل وتكريت، مستندين في ذلك إلى التحليل العسكري للمعارك الذي يكشف عن إدارة عسكرية محترفة، وإلى أنّ مسار الأمور سيحدده هؤلاء، لا الكتلة الأيديولوجية القيادية لداعش. وهؤلاء لا يرتبطون، بالضرورة، ارتباطًا أيديولوجيًّا بداعش، بل هم جزء من الفضاء السنّي الذي يشعر بالتهميش والتنكيل. ولذلك، يمكن أن يكون هؤلاء عتبةَ فهمٍ لكيفية إدارة السنّة للمعركة سياسيًّا، ولأيّ هدف. في حين يستبعد آخرون هذا الاحتمال ويرونه عسيرًا؛ بسبب التربية السلفية التكفيرية التي تلقاها قسم من هؤلاء في السجون. المقاتلون الذين جرى تجنيدهم ما بعد عودة تنظيم القاعدة، إثر حادثة الحويجة. وهؤلاء الذين تُقدّر أعدادهم بالآلاف أو أكثر وهم من الشباب، وجرى تجنيدهم بوسائل مختلفة، من أهمّها الإغراءات المالية التي بدأت تمارسها داعش والتي أصبحت تزداد ثراء، والوسائل الأيديولوجية أو السياسية كاستغلال "المظلومية السنّية"، أو ال "طائفية" مثل توظيف "فوبيا" الشيعة والتخندقات الطائفية القائمة. ويرى بعضهم أنّ داعش التي احتلت الفلوجة، مطلع 2014، بعشرات المقاتلين، تسيطر عليها الآن بآلاف المقاتلين الذين جرى تجنيدهم أو تعبئتهم بهذه الطريقة.
أبعد مدى من الإرهاب التقليدي
يرى عدد من الباحثين أنّ هجوم داعش على الموصل كان انتقامًا لمقتل مسؤول المجلس العسكري في داعش "أبي عبد الرحمن البيلاوي"، وهو الاسم الحركي لعدنان إسماعيل نجم الدليمي، الضابط السابق في الحرس الجمهوري العراقي، والقائد العسكري الفعلي لداعش سابقًا، والمخطط والمشرف على سلسلة من العمليات النوعية التي نفّذها التنظيم. وقد قُتل البيلاوي، قرب الموصل، يوم 4 حزيران/ يونيو 2014؛ أي قبل سقوط الموصل بخمسة أيام، على يد القوات الأمنية العراقية. ولذلك، سمّت داعش عملية الموصل "غزوة أسد الله البيلاوي أبي عبد الرحمن." ويرى عدد آخر من الباحثين أنّ داعش لم تكن تخطط لسيطرة طويلة الأمد على سائر مدينة الموصل، بل لعملية نوعية وسريعة، تناظر "غزواتها" لبلدات سليمان بيك، وبهرز، وسامراء، وتستهدف أساسًا تهريب سجناء التنظيم ومعتقليه من سجن بادوش في الموصل، على نحو ما حصل في سجنيْ "أبو غريب" و"التاجي"، في تموز/ يوليو 2014، وما قبل ذلك. فلقد أطلقت دولة العراق الإسلامية إستراتيجية واضحةً في الهجوم على السجون لتحرير معتقليها، إلا أنّ الانسحاب الكامل لوحدات الجيش العراقي والقوات الأمنية هو الذي غي خطط داعش، وجعلها تتبنى إستراتيجيةً جديدةً، ليدخل مقاتلوها إلى الموصل، ويسيطروا على المدينة سيطرةً كاملةً، وليمسك التنظيمُ الأرضَ. كل ذلك حدث من دون معارك، وقد أصبحت المدينة خاليةً من أيّ قوة عسكرية أو أمنية عراقية. ويستند هؤلاء في تحليلهم إلى أنّ الصفحات القريبة من داعش في مواقع التواصل الاجتماعي، ركّزت على عملية سجن بادوش، قبل أن تستدرك على ما جرى في الموصل. وفي كل الأحوال، طوّرت سيطرة داعش على الموصل، وعلى محافظة الرقة في سورية، ثم إعلان دولة الخلافة، مفهومَ الإرهاب، تطويرًا جذريًّا، بحسب ما يرى ماريو أبو زيد. وغيّ ت الأنموذج التقليدي الذي جسّدته القاعدة وهجمات 11 سبتمبر 2001. فالإرهاب الذي ترسمه داعش الآن، يقوم على إحكام السيطرة على الأراضي وضمِّها وإعلان السيادة عليها46.
وفي الحقيقة، تعتبر إدامة السيطرة من أكبر التحديات التي تواجه داعش؛ ذلك أنّ التوافق الآني بين داعش والمجتمع المحلي، كان بسبب شعور المجتمع المحلي السنّي بالتنكيل المنهجي الذي مارسته الحكومة المركزية عليه وحاجته إلى مواجهتها. ولا يعني ذلك أنّ هذا التوافق سيطول مداه؛ فهو محكوم بتناقضات عميقة في رؤية الهدف النهائي، وبعدم قابلية هذا المجتمع للاستسلام للأيديولوجيا السلفية التي تعتنقها داعش. وإلى حد كبير، يتعامل هذا المجتمع مع داعش بوصفها أداة انتقام مرحلية، لا بوصفها إستراتيجيةً طويلة الأمد ومشروعًا أيديولوجيًا راسخًا. وكما أسفلنا، يبدو أنّ بعض قيادات داعش، ولا سيما بعض ضباط الجيش العراقي السابق، لا تفكر في
أن تستغرق طويلً في مشروعها الأيديولوجي؛ فمن الممكن أن تُحوّل ولاءها، مع أيّ تحوّل سياسي جدي في بغداد. ولعل داعش تدرك هذه الدينامية؛ ولذلك نرى أنّ الإستراتيجية الأساسية التي تسعى لها هي السيطرة على المجتمع والفصائل المسلحة معًا. وهي تعتمد في ذلك حزمةً من الوسائل؛ منها أنّها تحاول تدارك أخطاء أسلافها من "جماعة التوحيد والجهاد"، و"قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، و"دولة العراق الإسلامية" التي وقعوا فيها أثناء سيطرتهم على محافظة الأنبار، أو في بعضها خلال الفترة 2004 - 2008. ومن تلك الأخطاء الأسلمة القسرية للحياة والتنكيل بالرموز المحلية، وهي من العوامل التي قادت إلى تعارض المصالح، في تلك الأعوام، بين دولة العراق الإسلامية والمجتمع المحلي، ومن ثمّ، الصدام المسلح بينهما. ولعل دراسة تجربة داعش في محافظة الرقة، تكشف أنّها حاولت أن تحافظ على توازن صعب بين كسب ودّ المجتمع المحلي وتنفيذ المشروع الأيديولوجي. فمن جهة، دخلت داعش قطاع الخدمات العامة، ومن جهة أخرى، عملت على ضبط منْع اختلاط الجنسين، ومنع النساء من العمل، وإدخال أفراد المجتمع في دورات تحفيظ القرآن، وما إلى ذلك47. باختصار، تحاول داعش أن تبدوَ في مظهر الطرف السياسي البراغماتي، لا التنظيم الأيديولوجي المغلق؛ لتتمكن من كسب المجتمع وحاضنته المحلية، ولئلَّ تخسره في أسوأ الأحوال. وقد حاولت داعش أن تنقل تجربتها في الرقة إلى الموصل، كإحدى وسائل الضبط والإخضاع الاجتماعيين، إلاّ إنّها لم تضبط هذا التوازن الدقيق الذي أربكته رغبتُها العارمة في تنفيذ مشروعها الأيديولوجي. وبقدر ما كان يبدو، في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط الموصل، أنّ قسوة داعش لا تتجه إلى السنّة، بل إلى أتباع الأديان والطوائف من المسيحيين، والشيعة، والأيزيديين، والشبك الأخرى... إلخ، بوصفهم الفضاءَ الذي تمارس فيها عقيدتها الأيديولوجية كالجزية، وأحكام المرتدين... إلخ، أسفرت داعش على الأقل منذ تفجير مقامات الأنبياء ومراقدهم، في أواخر تموز/ يوليو 2014 عن وجه أيديولوجي أكثر فأكثر؛ إذ أطلقت عمليةَ أسلمةٍ قسريةٍ، عبر فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والفصل بين الجنسين، وإغلاق النوادي ومحال الموسيقى، وما إلى ذلك. وقد حاولت داعش أن تتقبل بعض خيارات المجتمع المحلي في بناء الإدارات المحلية في لحظات فراغ السلطة وانهيار الإدارات القائمة، على نحو ما حدث في الموصل؛ من ذلك، أنها رشّحت، في الأيام الأولى بعد سقوط الموصل، شخصيةً من داخل المجتمع الموصلي، لتتولى منصب المحافظ، وهو ضابط سابق بعثي، غير أنه مقبول في الأوساط العامة.
أزمة النخب السنّية
لا يزال سنّة العراق يعيشون، بعد سقوط الموصل، وضعًا انفعاليًّا غ ري عق الني إلى حد كبير، ولا تزال علاقتهم بداعش يشوبها الكثير من الالتباس. فمن جهة، تشعر الأغلبية الساحقة منهم بأن داعش أداة الانتقام التي وقفت في وجه سنوات من تهميش الحكومة المركزية في بغداد، وتنكيلها بهم، وعدم استماعها لمطالبهم. ومن جهة أخرى، كما أشرنا سابقًا، فإنّه بسبب الحرج الذي استشعره سنّة العراق من أنّ مبادرتهم وصوتهم السياسي اختطفته داعش، تحوّلت الرواية السنّية إلى إنكار داعش، وإلى اختزال ما يجري في أنه ثورة شعبية من تنفيذ ثوار العشائر وقيادتهم48. وع ىل الرغم من أنّ هذه الرواية ارتبكت قلي الً مع إع الن دولة الخلافة في 29 حزيران/ يونيو، قبل أن تندثر، أو تكاد، مع تفجير مقامات الأنبياء ومراقدهم في أواخر تموز/ يوليو، وع ىل الرغم من أنّ الوضع العسكري تعقّد فعلً مع انخراط الآلاف من أبناء المناطق السنية تحت رواية الثورة أو الانتفاضة، وع ىل الرغم من الدور الحاسم لعناصر الجيش السابق، فإنّ هذه الرواية تلخّص مدى الالتباس الذي يعيشه سنّة العراق. وك ام قدّمنا، ثمّة تداخل ب ني داعش والقضية السنّية، وينبغي لسائر الفاعل ني السياسيين الداخلي ني والخارجي ني، فكّ هذا التداخل. وينبغي كذلك ألَّ ننكر وجودها وأعداد المنضوين إليها، بل ينبغي الإيمان بأنّها وسنّة العراق بمنزلة طريق ني مختلفت ني؛ ذلك أنّ داعش تتبنى مشروعًا أيديولوجيًّا، يتمثل بتأسيس دولة
خلافة لا تقف عند حدود العراق. أمّا سنّة العراق، فيطالبون بوضع سياسي يتمثل بمؤسسة حكم في بغداد أك رث توازنًا. وهكذا، غَيّب الاستغراقُ الانفعالي في تداعيات ما جرى في الموصل يوم 9 حزيران/ يونيو عن السنّة العراقي ني، خطابًا عقلانيًّا يباشر التفك ري في المرحلة اللاحقة. أضف إلى ذلك احت امل أن تتطور علاقة داعش بالمجتمع السنّي في العراق ع ىل غرار ما حدث في سورية؛ فإمّا أن تدخل في صراع مسلح مع الفصائل السنّية على النفوذ والسيطرة، وإن كانت هذه الفصائل لا تبدو قادرةً ع ىل خوض مثل هذا ال رصاع؛ لأنّ داعش تسيطر سيطرةً شبه كاملة ع ىل الفضاء السنّي المسلح في العراق، وإمّا أن تزداد الوطأة الأيديولوجية لداعش ع ىل المجتمع المحلي. ونظن أنّ قيام داعش بتفجير مراقد الأنبياء ومقاماتهم في مدينة الموصل، لحظةٌ مفصليةٌ في علاقتها بالمجتمع المحلي؛ إذ لم تستطع أن تحافظ ع ىل التوازن الصعب ب ني كسب ودّ هذا المجتمع وتنفيذ الم رشوع الأيديولوجي السلفي. إثر ذلك، أعلن أسامة النجيفي، الرئيس السابق لمجلس النواب، وأحد أبرز الزع امء السنة، فض الً عن أصوله الموصلية، عن تشكيل فصائل محلية مسلحة لمواجهة داعش، إلاّ أنّ الأمر يبدو عس ريًا جدًّا، بسبب مصادرة الأخيرة للجزء الأكبر من الس الح الذي بحوزة المدني ني، وانقطاع خطّ الإمدادات العسكرية مع الموصل، الأمر الذي يجعل هذه الفصائل - إن ثبت وجودها - من دون دعم عسكري ولوجستي. ولا يبدو الأمر ممكنًا من دون عملية شاملة، سياسية وعسكرية، تشارك فيها سائر الأطراف الفاعلة، ولا سيما السنّة والكرد، إضافةً إلى الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة. وفي كل الأحوال، إنّ أحد أهم تداعيات سقوط الموصل، هو إعادة إشكالية النخبة السياسية السنية ما بعد عام 2003 إلى الواجهة، وهو أمر شديد التعقيد، ولم تجرِ مناقشته بوضوح. فلقد بدا سقوط الموصل كأنه قدّم ورقة التقاعد لكل النخبة السياسية السنّية التي نمَت ما بعد عام 2003، ودخلت العملية السياسية، وبدت داعش قادرةً ع ىل أن تحقق ما لم تستطع أن تحققه هذه النخبة العريضة، بما في ذلك مطالب أساسية تضمنتها وثيقة المطالب التي تبنتها حركة الاحتجاج في المحافظات السنية، في كانون الثاني/ يناير 2013؛ من قبيل الإفراج عن المعتقل ني والمعتق الت، والسيطرة ع ىل القرار الأمني، وتوسيع الصلاحيات اللامركزية. ومن ثمّ، بدت هذه النخبة عديمة الجدوى، بإزاء داعش، فض الً ع ام يتهمها به المجتمع السني، من فساد، ومحاباة للمال يك، وما إلى ذلك من تُهم. وفي كل الأحوال، فإنّ هذه النخبة حديثة التشكُّل، ومعظم عناصرها لا يملكون تاريخًا سياسيًّا قبل عام 2003، وذلك بسبب سيطرة البعث ع ىل المجال السياسي السنّي. ولعلّ هذا ما يفس محافظة البعث ع ىل هذه الاستمرارية والحضور في المجتمع السني، بعد مرور 11 عامًا ع ىل سقوط نظامه. ولا يرتبط الأمر ببنيته المؤسسية فحسب، بل بعمق نفوذه في هذه المناطق. ولذلك، تختلف النخبة السياسية السنّية عن النخب الشيعية والكردية ذات التاريخ العريق التي ترتبط بأحزاب يرجع تاريخها إلى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. وهذه النخبة هي نخبة اضطرار، لا تملك علاقةً طبيعيةً بالجمهور والقاعدة الشعبية. فقد قررت خوض انتخابات الجمعية الوطنية التي جرت في كانون الثاني/ يناير 2005، والانتخابات النيابية الأولى التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 2005. في ح ني كانت أغلبية المجتمع السنّي مقاطعةً أو رافضة نشئت ما بعد عام للعملية السياسية التي أ 2003؛ إذ أحس المجتمع السنّي بأنّ تغي ري عام 2003 أربك توازنات القوى التي كانت مؤسسةً من قيام الدولة العراقية الحديثة، لغ ري مصلحة السنة، فقررت أن تكون براغماتيةً، في ح ني كان الجمهور أقرب إلى روح الأيديولوجيا. وقد ظلت هذه العلاقة غ ري الطبيعية قائمةً ب ني النخبة السنية والجمهور السني. وفي ما نرى، فإنها من أك رث العوامل التي جعلت الوضع السياسي يبقى مضطربًا، ك ام أنّها من المعطيات التي لم تستطع النخبةُ الشيعية الحاكمة فهمها فه امً دقيقًا. وقد أنتج عدم فهم هذه العلاقة أخطاءً جسيمةً في فهم المجتمع السني، ولا سيما المال يك الذي كان يظن أنّ التركيبة السياسية السنّية وميولها السياسية تعكسان توجهات الرأي العامّ والميول السياسية في المجتمع السني، ك ام هي العلاقة ب ني النخب الشيعية والكردية وجمهورها، وهو أمر غ ري صحيح بالمرة.
وهكذا، مث الً، تعامل المال يك مع نسبة 10.8 في المئة، والتي فاز بها في الانتخابات النيابية الأخ رية عن محافظة الأنبار من يميلون إلى التحالف معه وبقائه رئيسً ا للوزراء لولاية ثالثة، بوصفها تش ري إلى أنّ ثلثي الجمهور الناخب في الأنبار مع هذا التوجه. وبما أنّ النخبة الشيعية الحاكمة لم تفهم هذه العلاقة المعقّدة، فهي لم تسعَ لإيجاد أوضاعٍ تهدف إلى تطبيع العلاقة ب ني النخبة السنية وجمهورها، الأمر الذي كان ممكنًا في الف رتة التي كان المال يك فيها قريبًا من بناء م رشوع وطني يتمثّل بائت الفٍ مع القوى السنّية الرئيسة، وهو ما كان سيمنح النخبة السنية صدقيةً في قدرتها ع ىل تعديل مؤسسة الحكم في بغداد، وإنفاذ المصالح السنية. ولذلك، كان من الحتمي أن تنفجر هذه العلاقة غ ري الطبيعية ب ني النخب السنّية وجمهورها ع ىل ذلك النحو العنيف. وفي كل الأحوال، من المتوقَّع أن يفرز الحراك السنّي الأخ ري، مع تذكّر تحدي مصادرة داعش للقرار السنّي دائمًا، إلى تسوية، أو تطبيع تاريخي نخبةً سياسيةً جديدةً، وأن يفض، للعلاقة ب ني النخبة السنية وجمهورها. ومن المؤَكد أن يشهد هذا المخاض تنازعًا ب ني النخبة الجديدة التي لا تزال حتى الآن احت ملا من دون ملامح، وب ني النخبة القديمة، ولا سيما أنّ سقوط الموصل جرى بعد أقل من شهر ونصف الشهر من الانتخابات النيابية الأخيرة التي أفرزت النخبة القائمة التي تملك الآن الشرعية الانتخابية. ولعل أحد مظاهر هذا التنازع، قيام داعش بتدم ري عدد من بيوت النخبة السنّية القديمة ومقارها وحرقها، وفي صدارتها بيت أسامة النجيفي. ومن جهة أخرى، ستعمل الأزمة الراهنة ع ىل بلورة أك رث وضوحًا للأفكار السياسية السنّية، عن شكل الدولة والعلاقة بالمركز. والمرجح أنّ السنّة لن يقبلوا بأن يعودوا إلى ما قبل 9 حزيران/ يونيو، أي أن يعدُّوا ما يروونه انتفاضةً من دون ثمن. وسيتعلق الأمر في الأغلب بإنشاء إقليم أو المطالبة بصلاحيات لامركزية أوسع. وهذا يدلّ ع ىل أنّ الأزمة الراهنة التي يقرؤها السنّة بوصفها أزمةً مع المركز، ستعزّز أفكارًا تتداولها النخب السنّية منذ سنوات ب رضورة العمل ع ىل إنشاء إقليم مناظر لإقليم كردستان. وقد خضعت هذه الأفكار لشدٍّ وجذبٍّ كبيرين، ب ني الإيمان بالمركزية الذي يشكّل أحد ثوابت الثقافة السياسية السنّية، وضغط توازنات القوى القائمة، وارتباك العلاقة بالمركز، وضغط أنموذج إقليم كردستان.
الوضع العسكري
لا تقتصر العوامل الرئيسة التي قادت إلى سقوط الموصل على ازدواج أزمة النظام السياسي واختلال العلاقة بين مكوناته بتغوّل داعش وتمدّدها، بل إنّ الجيش العراقي نفسه هو أحد هذه العوامل. فالطريقة التي بُنيَ بها هذا الجيش، ما بعد عام 2003، لم تجعل منه جيشًا قادرًا على مواجهة مثل هذا التحدي. فمن جهة، بُنيَ جيش ما بعد عام 2003 على عقيدة مغايرة للعقيدة التي بُني بها قبل هذا التاريخ، فبعد عام 2003، قاد الأميركيون تصورًا مفاده ألّ يكون في العراق جيش هجومي، كالذي كان من قبل؛ في محاولة لإغلاق صفحة توريط الجيش واستعماله سياسيًّا من لدن الحكومة في اعتداءات خارجية، فضلً عن التخوّف من أنّ العراق، مهما حاول أن يتبنى نسخةً نقيضةً لنظام حكم صدام حسين ومغامراته الخارجية، فمن الممكن أن تنشأ فيه حكومة ذات طموح عسكري تدخلي، يهدد التوازنات الإقليمية، وفي صدارتها الأمن القومي لإسرائيل. ولذلك، اتخذ بناء الجيش وسياسات التسليح منظورًا دفاعيًّا، فضلً عن أنّه انشغل بمهمات الأمن الداخلي، بعيدًا من المهمات المعتادة للجيش في الدفاع عن البلاد من التهديدات الخارجية. وقد كان التصور القائم، آنذاك، هو أنّ أمن البلاد يمكن أن يُحفَظ من خلال أحلاف عسكرية، على نحو ما تجسّ د في الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة التي وقعها البلدان أواخر عام 2008. وقد بُنيَ الجيشُ العراقي، ما بعد عام 2003، على عنصرين: الجنود الذين فُتح أمامهم باب التطوع، ليتجاوز عددهم مليون جندي، في سياق الرؤية القائلة بمنع الجيش من خوض مهمات قتالية كسابقه. وهكذا، وفي ظل الدولة الريعية وتوسّع القطاع العامّ، تطوع كل هؤلاء ولا تزال أضعافُهم ترغب في التطوع، طمعًا في ما يقدّمه الجيشُ من رواتب، في ظل انعدام نشاط اقتصادي حر يحتضنهم. ومن ثمّ، تحوّل وضع هؤلاء إلى وضع شبيه بالبطالة
المقنعة، وهي الظاهرة الرائجة في البلدان الريعية؛ فلا مهارة، ولا خبرة، ولا تدريب جيد. القادة، ومعظمهم من قادة الجيش السابق من البعثيين، وبعضهم يبدو أنّه متورط في قمع انتفاضة عام 1991. وقد عمل هذا على بناء علاقة مصلحية، ابتزازية، بينهم وبين القائد العام للقوات المسلحة المالكي الذي استغل سجلَّهم السابق ليُخضعهم ويستعملهم في تنفيذ سياساته.
وهكذا، لم تخلق هذه التركيبة جيشًا عقائديًّا محترفًا، بل مجاميع قتالية، تجمعها المنفعة، فانهار الجيش أمام أوّل تحددٍّ جانٍّ، بعد أ كان يبدو أنّ المعركة التي كانت ضد تنظيم القاعدة والميليشيات الشيعية 2009-2007()، والتي جرت فيها مساعدة أميركية، هي آخر معركة سيخوضها الجيش العراقي ما بعد عام 2003، ولم يكن أحد ينتظر تحديًّا كالذي نعيشه اليوم. فلقد انسحب الجيش من الموصل، من دون أن يخوض مواجهةً حقيقيةً مع داعش. وكان انسحابه ذاك هو العامل الأهم في تحديد مسار المعركة، وهو الذي أطلق طموحات عسكريةً لداعش. كنَّا ذكرنا، آنفًا، أنّ بعض الباحثين يرون أنّ داعش لم تكن تخطط لسيطرة طويلة الأمد على الموصل، بل لسيطرة نوعية وسريعة، إلاّ أنّ انسحاب الجيش العراقي هو الذي غيّ خطط داعش، ليدخل مقاتلوها إلى المدينة، ويسيطروا عليها بالكامل، ويمسكوا الأرض. كما أنّ الانسحابات المتتالية للجيش، من تكريت وأجزاء واسعة من محافظة صلاح الدين، وأجزاء من محافظتي ديالى وكركوك، ومن مدن أعالي الفرات في محافظة الأنبار، هو الذي جعل داعش تتبنى إستراتيجيةَ معركةِ بغداد؛ فقد أوحت هذه الانسحابات بأنّ الإستراتيجية العسكرية للحكومة ستنحصر في حماية العاصمة بغداد، وحماية مناطق مثل مدينة سامراء التي تضم مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري اللذين سبق أن فُجِّرا في شباط/ فبراير 2006، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية طاحنة. لقد جعل هذا الوضع المبادرة العسكرية بيد داعش التي بنت إستراتيجية الهجمات المتتالية على مناطق بحوزة الجيش، وخلقت جيوبًا للمعارك بعيدة عن الموصل مثل تكريت، ومصفى بيجي، وشمال سامراء وجنوبها، والأنبار، وجرف الصخر، وقرى ديالى وتلعفر... إلخ. فوضع هذا الأمر الجيش في موضع الدفاع، بدل من المبادرة باسترداد الموصل التي لم تشهد أيّ تعرّض عسكري، بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على سقوطها، سوى الغارات الجوية التي نفذتها المقاتلات العراقية. وفضلً عن هذا، ساهمت هذه الإستراتيجية بطريقة منهجية في عرقلة خطوط الإمدادات العسكرية للجيش العراقي. ولقد بدا أنّ المعارك ستأخذ إيقاعًا محدّدًا، وهو ما جعل الكثيرين بينٍّيخشون من أنّ الوضع العسكري ماضٍ إلى إيقاع كرٍّ وفر الطرفين، على غرار ما حدث في الأنبار طوال ستة أشهر. ويتمثل التحوّل الأساسي في وضعية المواجهة العسكرية، في بدء الطائرات الأميركية غارات على مواقع داعش، في 8 آب/ أغسطس 2014، بعد أن سيطرت داعش، مطلعَ الشهر، على مناطق زمار، وعين زالة، وسنجار، ومخمور، وتلكيف، في منطقة سهل نينوى، وكذلك على سد الموصل وهو أكبر سد في العراق، ثم اقتربت من مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، وقامت بعملية تهجير واسعة للمسيحيين والأيزيديين من هذه المناطق. وفي هذه اللحظة، فقدَت المبادرةَ العسكرية، وتحوّلت إلى موقع الدفاع.
وبقدر ما كان قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما المتمثّل بالتدخل العسكري في العراق تلبيةً لحاجة داخلية أميركية، بعد النقد الواسع لبطء الاستجابة الأميركية في سورية، وفي العراق ما بعد
عودة القاعدة، أفسح هذا التدخل المجال لبناء حلف إقليمي دولي لمواجهة داعش. ولقد كان ذاك القرار الذي اتخذه أوباما هو ثاني قرار عسكري بعد قرار التدخل في ليبيا عام 2011 الذي جاء بعد قرار لمجلس الأمن وفي إطار حلف الناتو. إنّ التدخل في ش امل العراق لم ينتظر قرارًا أمميوًّا أو تنسيقًا مع النات. وبوجهٍ عامٍّ، قدَّم التدخل الجوي الأم ريكي، وما ساهم فيه من وقف لتمدّد داعش واس رتداد بعض الأراضي التي سيطرت عليها، ث الث نقاط أساسية لمواجهتها: ف ال مناص من الدعم الأم ريكي في هذه المواجهة، ولا مناص من حلف إقليمي دولي في هذا المجال، ولا مناص من المشاركة الكردية في هذا المواجهة؛ لأنّ كردستان هي خط المواجهة الأقرب مع المناطق التي سيطرت عليها داعش، ولأنّ خط الإمدادات العسكرية ب ني بغداد وهذه المناطق منقطع. إنّ العن رص الذي لا يزال غائبًا عن هذه المواجهة هو المجتمع السنّي الذي علّمتنا خبرتُنا، في ما يخص مواجهة القاعدة ع رب م رشوع الصحوات عامي 2007 و 2008، أنّه العن رص الحاسم في هذه المواجهة. ويأتي ذلك ع رب خلْق سياق مصالح متعارضة، بين التنظي امت الأيديولوجية الراديكالية، وب ني المجتمع المح يل، ثم دعْم هذا المجتمع في هذه المواجهة. غ ري أنّ المجتمع السنّي لن يخوض هذه المعركة، ما لم يكن لها ثمن متعلّق بالنظام السياسي وتعديله؛ ما يفسح مجال مشاركة للسنّة في مؤسسة القرار، ع ىل نحوٍ أكثر كفاءةً. وقد يشمل هذا التعديل منْح المناطق السنية صلاحيات لامركزيةً أوسع، بما في ذلك القرار الأمني. وفي كل الأحوال، تبدأ الخطوة الأولى من إيمان الأطراف الفاعلة، داخليًّا وخارجيًّا، بالحاجة إلى إطلاق مسار سياسي جذري، يصحّح الاخت اللات في مؤسسة الحكم طوال السنوات الماضية. وينبغي أن يتبنى هذا المسار الذي عليه أن يزامن قرار المواجهة مع داعش، أو دعم تنظي امت محلية لمواجهتها، إط القَ مبادرة سياسية جادة تجاه المجتمع السنّي في العراق، وخصوصًا أن أجزاءً منه قد استسلمت للتطرف، في سياق المظلومية السياسية. ويُعدّ الارتباط ب ني المسار السياسي الإصلاحي والإيمان بأن مواجهة داعش لا يمكن أن تأتيَ إلا من المجتمع المح يل، وحده الكفيل بخلق سياق مصالح متعارضة ب ني داعش وهذا المجتمع. ومن ثمّ، يمكن دعم تنظي امت مسلحة ع ىل غرار الصحوات، لوجستيًّا وعسكريًّا وماليًّا واستخباريًّا؛ وذلك في سياق تفاهم أم ريكي. ويتع ني أن يُرسم عراقي – إيراني – عربي – برنامج واضح لمستقبل هذه التنظي امت؛ لئ الَّ تتكرر أخطاء التعامل مع الصحوات التي ارتكبتها حكومة المال يك. فلقد أدَّت تلك الأخطاء إلى إضعافها، وتفكيكها، وعودة عناصر كبيرة منها إلى التنظيمات الراديكالية. ويمثّل مسار الحل هذا الفرصة الأخ رية للعراق لكي يبقى موحدًا، إذا تمكّن من معالجة إرث قرن كامل من نظام سياسي مأزوم. وقبل هذا وذاك، يُعدُّ هذا المسار، أيضً ا، اختبارًا أخ ريًا لقدرة هذه المنطقة ع ىل بناء إدارة جديدة للمجتمعات التعددية والمنقسمة، تكون أك رث عدلً وكفاءةً ومرونة.ً