الانتخابات التشريعية التونسية: الخصائص والنتائج والدلالات
الملخّص
ترصد هذه الورقة مجريات الانتخابات التونسية الأخيرة وتحلل نتائجها وتستكشف بناء على تلك النتائج مسار الديمقراطية التونسية في الفترة المقبلة. تضع الورقة أربعة سيناريوهات محتملة لصورة التحالفات التي يمكن أن تنشأ نتيجة لعدم تمكن الحزب الفائز من إحراز أغلبية مريحة. كما تستعرض الورقة دلالات هذه الانتخابات كونها وضعت أسسا مهمّ ة لبناء نظام سياسي تعددي، يتمّ فيه تداول السلطة سلميًّا، يقوم على الاعتراف بالآخر وليس إقصاءَه، ما يقدم نموذجً ا للدول العربية. وأبرزت الورقة أيض ا قابلية الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية المنفتحة للاندماج في النظام الديمقراطي والمساهمة في تدعيمه وتطويره.
مقدمة
جرت الانتخابات التشريعية التونسية بعد إقرار الدستور التونسي الجديد ومختلف المؤسسات الدستورية، في ظروف اقتصادية واجتماعية وأمنيّة صعبة وحرجة أثّرت بتفاوت في إقبال المواطنين تسجيلً ثمّ مشاركة1. كما جرت هذه الانتخابات في محيطٍ إقليمي مضطرب، كانت تأثيراته متفاوتة، في الوقت الذي سعت فيه بعض دول المحيط العربي إلى إجهاض التجربة الديمقراطية التونسية. وعلى الرغم من التناقض الذي يحكم إستراتيجية كلّ واحد منها تجاه الديمقراطية التونسية الناشئة، فإنّ إرادة التونسيين، مواطنين ونخبة سياسية وأجهزة (أمنية، وعسكرية) حالت دون ذلك؛ إذ تخطّى المواطنون الخوف والإحباط وهبّوا لممارسة حقّهم بكلّ حرية. ومع بلوغ التجربة هذه المرحلة يصبح من الضروري دراسة خصائص الجسم الانتخابي للفاعلين في هذه العملية ومميزاته، وتحليل نتائجها واتجاهاتها، وتناول أبرز التحدّيات الراهنة والمستقبلية التي تواجهها.
الخصائص العامة للجسم الانتخابي2
بلغ عدد المترشحين لعضوية مجلس نواب الشعب نحو 15 ألف و 652 مترشّحًا بين ذكورٍ وإناث مراعاةً لمبدأ التناصف في القوائم بين النساء والرّجال3 تنافسوا على 217 مقعدًا، أي أنّ كلّ مقعد في المجلس تنافَس من أجل الفوز به قرابة 70 مترشّحًا. ويعكس هذا العدد الضخم رغبة التونسيين في المشاركة في الشأن العامّ بعد عقودٍ طويلة من الانغلاق والاستبداد والتغييب والتزييف. وبلغ عدد القوائم المترشحة أكثر من 1327 قائمة موزّعة على ثلاثٍ وثلاثين دائرة انتخابية 27 منها في الداخل و 6 دوائر في الخارج تهمّ التونسيين المقيمين في بلدان المهجر. وتوزّعت القوائم المترشحة بين حزبية ومستقلة وائتلافية (انظر الجدول)14.
القوائم الحزبية
أفرزت التحولات السياسية التي عاشتها تونس عقب ثورة 14 كانون الثاني / يناير 2011، طفرةً حزبية عبّ ت عن رغبة التونسيين في ممارسة النشاط السياسي التعددي في إطار وضعٍ ديمقراطي انتقالي؛ وذلك بعد عقودٍ من القمع والكبت السياسي، الأمر الذي أدّى إلى ما يوصف ب"الانفلات الحزبي" بعد أن وصل عدد الأحزاب إلى نحو 197 حزبًا. وهي ظاهرة تكاد تكون نادرة في البلاد العربية. أمّا الأحزاب المشاركة في هذه الانتخابات، فبلغ عددها 121 حزبًا وقائمة ائتلافية، 5 أحزاب منها فقط قدّمت في الدوائر ال 33، في حين لم يقدّم نحو 75 حزبًا ولو في دائرة واحدة5. وإجمالً يمكن تصنيف الأحزاب التي شاركت في انتخابات مجلس نوّاب الشعب وتقدّمت بقوائم إلى ثلاثة أصناف، وهي: أحزاب "افتراضية" لا وجود لقاعدة اجتماعية لها، وتستند في الغالب إلى أفرادٍ من العائلة الواحدة أو مجموعة عوائل، أو إلى علاقات شخصية، أو إلى عدد ضيّق من أفراد النخبة المثقفة أو الاقتصادية. أحزاب ذات "شرعية نضالية وتاريخية"؛ من ذلك حركة "النهضة"، و"التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات"، و"الحزب الجمهوري"، و"حزب المؤتمر من أجل الجمهورية"، إضافةً إلى الأحزاب اليسارية والقومية "(الجبهة الشعبية"، و"الاتحاد من أجل تونس"، و"حركة الشعب.)..."
أحزاب جديدة منها الأحزاب التي تكوّنت من بقايا الدستوريين (الذين ينسبون أنفسهم إلى تراث بورقيبة) والتجمّعيين (نسبة للتجمّع الدستوري بقيادة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي) مثل "حزب المبادرة" برئاسة وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان، وحزب "الحركة الدستورية" بقيادة رئيس الوزراء الأسبق حامد القروي، ومجموعة أخرى من الأحزاب التي سجّلت حضورها بواسطة إمكانياتها المالية الواسعة والضخمة مثل حزب "الاتحاد الوطني الحر"ّ6 وأحزاب برزت نتيجة الانشقاق عن أحزاب أخرى؛ مثل حزب
| عدد الناخبين المحتملين | .8289.924 |
|---|---|
| العدد الإجمالي للناخبين الذين أدلوا بأصواتهم | 5792563 ناخبًا |
| العدد الإجمالي للأصوات المحسوبة صحيحة لكلّ القوائم | 4081703 صوتًا |
| العدد النهائي للأوراق الملغاة في تونس وخارجها | 060101 ورقة |
| العدد الإجمالي للأوراق البيضاء | 65069 ورقة |
"التيار الديمقراطي" و"حركة وفاء" (انشقّا عن حزب المؤتمر)، وحزب "التحالف الديمقراطي" (منشقّ عن "الحزب الجمهوري.)" ومن الظواهر التي برزت خلال الاستعداد لانتخابات مجلس نوّاب الشعب وبخاصة عند فتح باب الترشّح، ظاهرة الخلافات الحادّة داخل بعض الأحزاب، والتي وصلت إلى حدّ استقالة عددٍ مهمّ من القيادات بعد عدم ترشيحها لرئاسة قائمة من القوائم، أو بسبب التحفّظات على بعض الأسماء، أو اختلافات في آليات الترشّح7.
القوائم المستقلة
ضمّت هذه القوائم عددًا مهمًّ من الكفاءات القانونية والسياسية والعلمية. وانتشرت بخاصة في بعض المدن الداخلية. وقد بلغ عدد المترشحين 334 مترشحًا8.
القوائم الائتلافية
بلغ عددها 152 قائمة. وتعود أساسًا ل "الاتحاد من أجل تونس"، و"تيار المحبة"، و"الجبهة الوطنية للإنقاذ." وانتشرت في جميع المحافظات، لكن عددها كان محدودًا مقارنةً بالقوائم الحزبية.
المشاركة التصويتية: حجمها ومميزاتها
بلغت نسبة المشاركين نحو 69 في المئة من الناخبين المرسّمين. وبذلك لم تتجاوز نسبتهم ثلث الناخبين المفترضين، وهم في حدود 8.289.924 (انظر الجدول 2.) ويبدو عدد المقترعين في الانتخابات التشريعية محدودًا مقارنةً بعدد الناخبين لسنة 2011؛ إذ لم يُضَ ف إلى القائمة القديمة سوى قرابة 964 ألف ناخب جديد أغلبهم من النساء، فقد بلغت نسبتهن 50.5 في المئة مقابل 49.5 في المئة من الذكور9.
التوزيع الجغرافي للأصوات
تمكّن "نداء تونس" من حصاد أصواتٍ ومقاعدَ على حساب الأحزاب "النضالية"، كحزب "التكتل"، وحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، و"الحزب الجمهوري"، و"المسار"، وحركة النهضة." وإن فقدت تلك الأحزاب مواقعها السابقة وتقلّص حجمها، فإنّ حزب النهضة ظل يحافظ على نفوذه على الرغم من فقدانه أكثر من 20 مقعدًا مقارنة بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي فاز فيها ب 89 مقعدًا من أصل 217. وسجّلت النهضة تراجعًا ملحوظًا في أهمّ المدن والمحافظات التي تتميّز بارتفاع الكثافة السكانية وتنوّع نشاطها الاقتصادي؛ من ذلك محافظات الساحل الثلاث (سوسة، والمنستير، والمهدية) حيث وقع التنافس على 27 مقعدًا، ونابل التي وقع التنافس فيها على 13 مقعدًا، وتونس الكبرى التي تضمّ خمس دوائر انتخابية ووقع التنافس فيها على 42 مقعدًا. وتراجع حجمها أيضًا في مناطق الشمال الشرقي والشمال الغربي، وكذا الأمر بالنسبة إلى دوائر القيروان وقفصة والقصرين. وعكس ذلك حافظت النهضة على دوائر الجنوب الشرقي مثل مدنين، وقابس، وتطاوين وبعض مدن الجنوب الغربي. من جهةٍ أخرى، تقاسم الحزبان (النهضة، ونداء تونس) المقاعد في دائرتَ صفاقس، وفي قفصة، وسيدي بوزيد، بواقع مقعدين لكلٍّ منهما. أمّا في باقي الدوائر في الشمال الغربي (الكاف، وباجة،
وجندوبة، وسليانة)، والساحل (سوسة، والمنستير، والمهدية)، وتونس الكبرى، وبنزرت، ونابل فقد تصدّر نداء تونس المجموعة وفاز بأغلب المقاعد فيها، ونافس حركة النهضة بشدّة. في حين تمكّن حزب "الاتحاد الوطني الحرّ" من الحصول على 16 مقعدًا، بخاصة في دائرتَ تونس 1
| النسبة المئوية)%( | عدد المقاعد | الحزب |
|---|---|---|
| 39.17 | 85 | نداء تونس |
| 31.79 | 69 | حركة النهضة |
| 7.37 | 16 | الاتحاد الوطني الحر ّ |
| 6.91 | 15 | الجبهة الشعبية |
| 3.68 | 08 | حزب آفاق |
| 1.84 | 04 | المؤتمر من أجل الجمهورية |
| 1.38 | 03 | حزب المبادرة |
| 1.38 | 03 | التيار الديمقراطي |
| 1.38 | 03 | حركة الشعب |
| 0.92 | 02 | تيار المحبة |
| 0.46 | 01 | الحزب الجمهوري |
| 0.46 | 01 | مجد الجريد |
| 0.46 | 01 | حركة الديمقراطيين الاشتراكيين |
| 0.46 | 01 | التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات |
| 0.46 | 01 | ردّ الاعتبار |
| 0.46 | 01 | صوت الفلاحين |
| 0.46 | 01 | التحالف الديمقراطي |
| 0.46 | 01 | الجبهة الوطنية للإنقاذ |
| 0.46 | 01 | نداء المهاجرين بالخارج |
| 100 | 217 | المجموع |
وتونس 2. وحافظ حزب "المبادرة" على وجوده في منطقة الساحل (مقعدَين) التي تُعدّ معقله التقليدي، إلى جانب حصوله على مقعدين في دائرتَ قفصة وزغوان.
ضعف مشاركة فئة الشباب
لوحظ في هذه الانتخابات ضعف مشاركة الفئة الشبابية؛ فبقدر ما وُجدت هذه الفئة في أغلب هياكل المراقبة والتنظيم والمتابعة في المكاتب الانتخابية في مختلف مناطق الجمهورية، فقد ابتعدت عن أداء واجبها الانتخابي. غير أنّ وجود هذه الفئة كان بارزًا أكثر ضمن ناخبي "الجبهة الشعبية"، و"الاتحاد الوطني الحرّ"، و"آفاق تونس"، ما يعطي لهذه الأحزاب الصاعدة أملً أقوى في المستقبل. ويبدو أن اختفاء تمثيل فئة الشباب في أغلب قوائم الأحزاب السياسية، عزّز روح الاستقالة الجماعية لهذه الفئة من المشاركة، وترويج ثقافة اليأس بين عناصرها10. لذلك يمكن القول إنّ الأحزاب السياسية تتحمّل مسؤولية التقصير وليس فئة الشباب، علمً وأنّ جلّ قيادات الأحزاب هم من الشيوخ.
نتائج الانتخابات
عرض النتائج كميًّا
في الوقت الذي حصل فيه حزب نداء تونس على 85 مقعدًا بنسبة 39.17 في المئة وحزب "حركة النهضة" على 69 مقعدًا بنسبة 31.79 في المئة، نجد أن 15 تشكيلً حزبيًّا (مستقلّ وائتلاف)، قد حصلت على 63 مقعدًا بنسبة 30.04 في المئة، ما يؤكّد الاستقطاب الثنائي بين الحزبين الأساسيين: حزب "نداء تونس"، و"حركة النهضة."
تحليل النتائج
تتحكّم في السلوك الانتخابي عدة عوامل وظروف خاصة وعامّة، ذاتية وموضوعية، نفسية واجتماعية وتاريخية. وتقوم وسائل الإعلام
والتواصل الاجتماعي الحديثة والشبكة العنقودية أيضًا بدورٍ محدّد في تلك العملية. غير أنّ دور الولاءات التحتية (القبيلة، والعائلة، والصداقات، والانتماء الجغرافي)... يظلّ حاضرًا، وإن كان بتفاوت، في تحديد سلوك الناخب وتوجّهاته بالنسبة إلى المجتمعات العربية ومنها تونس التي عرفت بعد الثورة بروز مثل تلك الولاءات واتّساع نطاقها. لذلك يبدو من الصعب تحليل نتائج الانتخابات على ضوء هذا المعطى إلّ جزئيًّا. إضافةً إلى أنّه لا يمكن عزل دور المال "الفاسد" في تحديد سلوك الناخب وتوجيهه على الرغم من صعوبة ضبطه؛ نظرًا للطرق الملتوية التي يعمد إليها الراشون للتحايل على القانون وعلى المراقبة11.
المنتصرون (بحسب عدد المقاعد مقارنة بتاريخ تأسيس الحزب)
نداء تونس: تمكّن حزب "نداء تونس "12 من الفوز بالأغلبية النسبية 39.17(في المئة) في أوّل انتخابات يشارك فيها بعد أقل من سنتين ونصف من تأسيسه؛ وذلك على الرغم من كلّ العراقيل والأزمات الخارجية والداخلية التي تعرّض لها13. وقد جرى تقديم تفسيرات مختلفة لهذه النتيجة؛ منها أنّ نداء تونس قد أحكم استغلال أخطاء "الترويكا" وزعيمتها "حركة النهضة"، وهناك من رأى أنّه استند إلى "الماكينة الانتخابية" لحزب التجمّع المنحلّ. ومن المؤكّد أنّ الحزب قد تمكّن من ترسيخ صورةٍ لدى قطاعٍ واسع من التونسيين مفادها قدرته على حماية تونس من "تغوّل النهضة." ولقد تعمّقت هذه الفكرة بخاصة بعد فوز الإسلاميين وحلفائهم سنة 2011، فأضحت ممهّدة لنجاح الحزب حتى قبل تأسيسه14. إضافة إلى أنّه "سوّق" حملته الانتخابية على أساسٍ أيديولوجي بوصفه حزبًا يمثّل الحداثة التي تناقضها أيديولوجية "حركة النهضة." وبذلك وضع حزب "نداء تونس" المواطنين بين خيارين: "من لا يصوِّت لحزب نداء تونس، فقد صوّت لحركة النهضة"15. ووضع بذلك التونسيين أمام اختيارين أحلاهما مرّ. لذلك يرى البعض أنّ أغلب التونسيين اعتمدوا "التصويت الناجع أو المفيد" وبما يشبه "التصويت الملاذ" vote le 16refuge لفائدة حزب "نداء تونس." ولا شكّ في أنّ هذا الحزب ما كان ليحقّق هذا الفوز الكبير في هذه الانتخابات لولا وجود زعيمه الباجي قائد السبسي، السياسي المخضرم الذي يحظى بتقدير شرائح واسعة من التونسيين قبل الثورة ومن بعدها، بخاصة بعد أن قاد البلاد إلى انتخابات المجلس التأسيسي17.
الاتحاد الوطني الحر: أمّا الحزب الثاني الذي صعد في الانتخابات التشريعية التونسية بطريقةٍ لافتة، فهو "الاتحاد الوطني الحر " برئاسة سليم الرياحي الشخصية الطارئة على الحياة السياسية والمثيرة للجدل18. شارك هذا الحزب في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011 وصرف رئيسه مالً وفيرًا في حملته، غير أنّه لم يحرز إل مقعدًا وحيدًا في دائرة داخلية (سليانة.) أمّا خلال هذه الانتخابات،
فتقدّم في كلّ الدوائر داخل البلاد وخارجها، وتحصّل على ستّة عشر مقعدًا (بنسبة 7.37 في المئة)، واحتلّ بذلك المرتبة الثالثة متجاوزًا أغلب الأحزاب التاريخية والمناضلة. يتّهمه خصومه باستخدام المال السياسي لاستقطاب جماهير الأحياء الشعبية والمناطق المهمّشة التي أغرقها بالوعود خلال السنوات الأخيرة19. إضافةً إلى توظيفه الإعلام (يملك قناة فضائية) للتسويق لشخصه (مترشّح لمنصب رئاسة الجمهورية) ولحزبه السياسي. ويُتّهم أيضًا بتوظيف أنصار الجمعية الرياضية التي يديرها في السياسة، وربّ ا استفاد الحزب أكثر من غيره من انفراط عقد قوائم "العريضة الشعبية"20. الجبهة الشعبية21: عرفت الجبهة مشاكلَ عاصفة؛ بعضها داخلي وبعضها خارجي. لكنّها تمكّنت من تجاوزها22. وتقدّمت في 32 دائرة انتخابية. وعلى الرغم من إمكانياتها المادية المتواضعة، تمكّنت من الحصول على 15 مقعدًا (بنسبة 6.91 في المئة) واحتلّت بذلك المرتبة الرابعة، الأمر الذي سيسمح لها بالتموقع في قلب المشهد السياسي طوال السنوات الخمس المقبلة. وستمثّل أهمّ ائتلافٍ حزبي في البرلمان التونسي الجديد، ورقمً صعبًا في الحياة السياسية والبرلمانية23. وقد أثبتت النتائج التي حقّقتها الجبهة الشعبية أهمّية الائتلافات بالنسبة إلى الأحزاب الصغرى حجمً والكبرى من حيث المشاريع والقدرة على النضال الميداني، على الرغم من محدودية قاعدتها البشرية. حزب آفاق تونس: تأسّس هذا الحزب بعد الثورة 28(آذار / مارس 2011) برئاسة ياسين إبراهيم24. وهو حزب ليبرالي يبدو واعدًا بوصفه يضمّ عددًا من الكفاءات الشبابية في قطاع الأعمال الحرة والجامعيين والأطباء والمهندسين، أغلبهم درس خارج تونس، إضافة إلى برنامجه المتميّز25. اندمج الحزب في فترةٍ ما مع "الحزب الديمقراطي التقدمي" في إطار حزب جديد تحت اسم "الحزب الجمهوري." غير أنّه سرعان ما انفصل عنه26. تحصّل "آفاق تونس" على 8 مقاعد (بنسبة 3.68 في المئة.) وحقّق بذلك تقدّمًا بأربعة مقاعد مقارنةً بما تحصّل عليه في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. التيّار الديمقراطي: على الرغم من حداثة تكوينه، تمكّن هذا الحزب (منشقّ عن حزب المؤتمر) من الحصول على 3 مقاعد. حزب المبادرة: تحصّل على 3 مقاعد. وخسر مقعدًا مقارنة بانتخابات المجلس التأسيسي. وهو من الأحزاب الدستورية والتجمعية القليلة التي تمكّنت من "الاندماج" في الوسط السياسي بعد الثورة بعد أن اعتذر علَنًا للشعب التونسي. أمّا حزب حركة النهضة، فقد تراجع مركزه مقارنةً بالانتخابات السابقة؛ فتحوّل من المرتبة الأولى 89(مقعدًا، بنسبة 41 في المئة) إلى المرتبة الثانية. وتحصّل على 69 مقعدًا (بنسبة 31.79 في المئة) فاقدًا بذلك 20 مقعدًا. ويظهر أنّ "حركة النهضة" دفعت ثمن تولّيها الحكم خلال الفترة الانتقالية بارتكابها أخطاء عاقبها الناخب عليها27. لكن ما يثير الدهشة، كما عبّ عن ذلك أحد قياديّي النهضة، أنّ الشعب عاقب الحركة على عامين ليعيد من استبدّ به لسنوات (مشيرًا لعودة التجمّعيين)28. ومع ذلك يمكن القول إنّ حركة النهضة قد تمكّنت من تقليص كلفة الحكم الذي تحمّلته في فترةٍ صعبة شهدت خلالها اغتياليْ سياسيَيّن. ويبدو أنّها خرجت بأقلّ الأضرار، وحافظت على ثقة قرابة مليون ناخب 947014()؛ وذلك بفضل نواتها الصلبة المحافظة، وقوّتها التنظيمية، وقيامها بحملة انتخابية هي الأنجح والأكثر إبهارًا
من خلال الاجتماعات الجماهيرية الضخمة التي نظّمتها في الساحات العامّة والملاعب الرياضية والمسارح29.
ويعتقد البعض أنّ الجمهور الانتخابي لحركة النهضة لم يعاقبها، بل "الأصحّ أنّ الجزء المتذمّر... أرسل إشارات إلى الحركة بما يشبه تصويت التحذير le vote avertissement بخاصة أنّ حركة النهضة حافظت مبدئيًّا على نواتها الانتخابية الصلبة بما قد يسمح لها بتكوين كتلة الثلث المعطّل30. في حين يرى نائب رئيس الحركة أنّ هذه النتيجة هي نتاج طبيعي لما أفرزته الفترة الفارطة، وما حصل هو عقاب ل"الترويكا" ول"حركة النهضة" التي أخطأت العنوان في انتخابات التأسيسي؛ إذ "رغبت في الحكم فسقطت في فخّه، ولو اكتفت حينها بالإعداد للدستور ولم تحكم لكانت لها فرصة للفوز بهذه الانتخابات." فهي في تقديره فشلت في الحكم وفي تنفيذ وعودها لذلك لم تحقّق الأغلبية هذه المرّة31. التحالف الديمقراطي: أسّسه المنشقّون عن "الحزب الديمقراطي التقدّمي" بعد رفضهم اندماج حزبهم مع حزب "آفاق تونس"، واحتجاجًا على ممارسات أمينه العامّ غير الديمقراطية32. وعلى الرغم ممّ بذلته القيادة من مجهودات ودعاية وحضور إعلامي مكثّف في الفضائيات والصحف، لم يتمكّن الحزب إلّ من الحصول على مقعد واحد فقط.
الخاسرون
تيار المحبة: حزب "تيّار المحبّة" (العريضة الشعبية سابقًا) لم يحصل في هذه الانتخابات إلّ على مقعدين مقابل 26 مقعدًا في الانتخابات الفارطة لحزب "العريضة الشعبية" لم يبق منها في المجلس التأسيسي غير عددٍ قليل تحت الاسم نفسه، ما أدّى إلى انهيار كتلتها النيابية صلب المجلس وتفرّق أعضائها بين كتلٍ أخرى من المستقلين والأحزاب. والأرجح أنّ الرصيد الانتخابي ل "العريضة الشعبية" قد انقسم بين "نداء تونس" و"الاتحاد الوطني الحرّ" مع بقاء أعداد قليلة موزّعة في مختلف الجهات لم تسمح لتيار المحبّة بتحقيق أي اختراق جدّي في الخريطة النيابية المقبلة، باستثناء مقعدٍ وحيد في معقلها الأوّل سيدي بوزيد، ومقعد آخرَ في القيروان. "المؤتمر" و"التكتّل": قد يصحّ القول إنّ مؤشرات هزيمة حزب "المؤتمر" و"التكتل" انطلقت منذ استقالة "طيفٍ كبير من مناضليهما، وهما في سدّة الحكم؛ بمعنى أنّ شرعيتهما اهترأت داخليًّا وهما في السلطة"33. وقد يكون ارتباطهما بحزب النهضة أحد العوامل المحدّدة لفشلهما هذا. وإذا تمكّنت النهضة من الصمود، فذلك بفضل ما لها من قاعدة انتخابية صلبة ومتّسعة ومنتشرة عكس الحزبين اللذين يفتقدان مثل تلك القاعدة وذاك الانتشار، فكان الانهيار سريعًا وحادًّا. فلم يحرز حزب "المؤتمر" إلا على 4 مقاعد (بنسبة 1.84 في المئة.) بينما لم يتحصّل "التكتل" إلّ على مقعدٍ وحيد. وإذا كان كلٌّ منهما قد تضرّر من اتّهامه بالتبعية لحركة النهضة التي شاركتهما حكم "الترويكا" الائتلافي لمدة سنتين، فقد كان "التكتل" أكثر تضررًا لاتّهامه أيضًا بخيانة ناخبيه سنة 2011 بعد أن صرّحت قيادته قبل الانتخابات حينها باستحالة التحالف مع النهضة. والأرجح أنّ أغلب ناخبي "التكتل" لسنة 2011 قد مالوا هذه المرة إلى حركة "نداء تونس" التي اعتمدت خطابًا لا يختلف كثيرًا في هذا السياق عن الخطاب الانتخابي للتكتّل في الانتخابات الفارطة. أمّا حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، فيبدو أنّه تضرّر بالخصوص من انقسامه وخروج أمينه العامّ السابق محمد عبو وأحد أبرز مؤسّسيه عبد الرؤوف العيادي الذي أسّس "حركة وفاء" التي لم تحصل على أيّ مقعد. كلّف هذا الانقسام حزب المؤتمر كثيرًا؛ إذ قلّص حظوظه في الفوز بعدد ذي بال من المقاعد.
الحزب الجمهوري: لم يتحصّل بدوره إلّ على مقعدٍ واحد بعد أن تحصّل في انتخابات 2011 على 19 مقعدًا. وكان هذا الحزب قد عرف بدوره انشقاقَ عددٍ كبير من نوّابه في المجلس التأسيسي إضافةً إلى العديد من الاستقالات على مستوى القيادات الوسطى داخل البلاد. وهي ظاهرة رافقت هذا الحزب منذ تأسيسه سنة 1983 إلى فترة ما قبيل إجراء الانتخابات التشريعية 2014 34. ويبدو أنّ أداءه السياسي المتقلّب وطبيعة تحالفاته غير الثابتة كانا من أسباب هزيمته35.
الاتحاد من أجل تونس: انهار ائتلاف "الاتحاد من أجل تونس "36 الذي كان ضحيّة حزب "نداء تونس" الذي رفض أن يستمرّ معه في الائتلاف نفسه بعد أن سحب منه جزءًا مهمًّ من نخبته، الأمر الذي ساهم بصورة كبيرة في شطب جلّ أسماء الزعماء السياسيين في ذهن المواطن. وكان أيضًا ضحيّة "التصويت المفيد أو الناجع" الذي دعا إليه زعيم "نداء تونس" زعيمه لمصلحة حزبه (نداء تونس)، من أجل إلحاق الهزيمة ب"حركة النهضة." وقد لقيت هذه الدعوة قبولً واسعًا حتّى في صفوف المنخرطين في أحزابٍ أخرى، ومنها "الاتحاد من أجل تونس"37. غير أنّ تلك النتيجة لم تؤثّر في بعض قيادات هذا الحزب الذي يرى أنّ "نتيجة التشريعية تعدّ مطمئنة بالنسبة إلى العائلة الديمقراطية"؛ ففوز "نداء تونس" هو فوز للحداثة والأفكار النيّة، وهو انتصار لقيم الجمهورية ولمبادئ الدولة المدنيّة38.
خصائص المجلس المنتخب
يتميّز "مجتمع" مجلس نوّاب الشعب الأوّل بعد الثورة بالتنوّع الوظيفي وارتفاع المستوى التعليمي لأعضائه، ولا يقلّ عن ذلك التنوّع الفكري والأيديولوجي والسياسي لأفراده؛ إذ نجد الماركسيين بعددٍ مهمّ إلى جانب القوميين وبعددٍ مهمّ أيضًا (مقارنةً بوجودهم في المجلس التأسيسي)، إلى جانب الإسلاميين بعددهم الوافر والليبراليين الذين ينتمون إلى مدارسَ متعددة، ومنهم (قدماء التجمعيين أو الدستوريين السرييّن أو العلنيين.) ويتميز مجتمع المجلس أيضًا بالالتزام الحزبي لنحو 214 عضوًا (بوجود 3 أعضاء مستقليّن فقط) الأمر الذي يدفعهم لأن يكونوا أكثر انضباطًا واحترامًا لبعضهم البعض ولمجتمعهم. إضافةً إلى أنّ أغلب الأعضاء لهم ثقافة سياسية معتبرة بوصفهم مرّوا بتجاربَ سياسية أو نقابية أو الاثنين معًا (طالبية، أو مهنية)، أو جمعوية. ومن شأن كلّ ذلك أن يضفي على هذا المجلس نكهة خاصة ستكون مختلفة بالتأكيد عمّ ساد المجلس التأسيسي. وستحتدم النقاشات وتحتدّ حتمً بخصوص قضايا سياسية أساسًا؛ فالقضايا ذات الطابع الأيديولوجي والثقافي الأكثر إثارةً للاختلاف حُسمت أو هكذا يبدو الأمر في فضاء المجلس التأسيسي. لكن سيحتد النقاش حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية. وسيكون ذلك على الأرجح مصدر ثراء نظرًا لمستوى النوّاب الثقافي والتعليمي ودرجة وعيهم السياسي "ونضاليّتهم." وهي أمور يرجّح أنّها ستدفع الجميع إلى الارتقاء بمستوى النقاش في إطار احترام بعضهم البعض خدمةً لمصالح الوطن. وبإمكاننا أن نلاحظ هيمنة رجال القانون وبخاصة المحامين على مجلس الشعب؛ إذ بلغت نسبتهم 16.5 في المئة، بينما حافظ رجال التعليم على مكانة معتبرة (جامعيون 13 في المئة، وأساتذة تعليم ثانوي 16.2 في المئة، ومعلّمو الابتدائي 2.76 في المئة؛ أي أنّ نسبة رجال التعليم بمختلف أصنافهم في المجلس هي 31.96 في المئة.) وتميّز مجتمع مجلس نوّاب الشعب أيضًا بحضورٍ لافت لرجال الأعمال؛ إذ بلغت نسبة حضورهم 12.44 في المئة (نصفهم من السيدات)، وهناك حضور لافت للأطبّاء مقارنة بمجالس ما قبل الثورة وبالمجلس التشريعي؛ إذ بلغت نسبة حضورهم 5 في المئة (مع العلم أنّ رئيس المجلس التأسيسي الأوّل كان طبيبًا ورئيس الجمهورية المنتخب من قبل المجلس التأسيسي بعد الثورة هو طبيب، وكذا الأمر بالنسبة إلى رئيس المجلس التأسيسي)، بينهم جرّاح قلب عالمي. إضافةً إلى تميّز هذا المجلس بوجود 4 متقاعدين وبعض المعطّلين عن العمل (انظر الجدول 4.) ويضمّ مجلس نوّاب الشعب 69 نائبة بنسبة.31.79
| النسبة% | العدد | المهنة |
|---|---|---|
| 16.5 | 36 | محامٍ |
| 13.00 | 30 | جامعي |
| 12.00 | 26 | إطار عال |
| 12.00 | 27 | رجل أعمال |
| 07.37 | 16 | مهندس ا |
| 02.76 | 06 | متقاعد |
| 0276 | 06 | معلّم |
| 13.20 | 35 | أستاذ تعليم ثانوي |
| 00.92 | 02 | خبير محاسب |
| 00.46 | 01 | صيدلي |
| 05.52 | 12 | موظف |
| 00.46 | 01 | عدل منفّذ |
| 05.00 | 11 | طبيب |
| 01.38 | 03 | عاطل عن العمل |
| 00.46 | 01 | صحفي |
| 00.92 | 02 | طالب |
| 00.46 | 01 | قاضٍ |
| 00.46 | 01 | ممثّل |
| 100 | 217 | المجموع |
التأثيرات والتحدّيات الآنيّة والدلالات
يبدو أنّ تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات الرئاسية سيواجه عدّة صعوبات؛ فنداء تونس الذي سيشكّل الحكومة بوصفه صاحب الأغلبية، غير أنّه يفتقد الأغلبية المريحة 85(مقعدًا.) ومن هنا يبدو مضطرًّا لنسج تحالفات مع كتلٍ نيابية تبدو متباينة من حيث الحجم ومتنافرة سياسيًّا وأيديولوجيًّا. إضافةً إلى أنّ تشكيل الحكومة سيرتبط بالضرورة بالانتخابات الرئاسية، خصوصًا وأنّ رئيس "نداء تونس" مترشّح لهذا المنصب في الوقت الذي لم تحسم حركة النهضة إلى حد الآن موقفها لمصلحة أحد المترشحين39. وبذلك تبقى كلّ الاحتمالات والفرضيات مطروحة بعد إعلان حزب "نداء تونس" تأجيله الخوض في تحالفاته الحكومية إلى ما بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية. ويمكن في هذا الإطار طرح بعض السيناريوهات التي تبدو ممكنة.
السيناريوهات الممكنة
السيناريو الأوّل: تؤكّد القيادات الفاعلة لحزب "نداء تونس" على أولوية التحالف مع القوى الديمقراطية التي تتمثّل ب"الجبهة الشعبية" 15(مقعدًا)، و"الاتحاد الوطني الحر" 16(مقعدًا)، و"آفاق تونس" 8(مقاعد.) غير أنّ هذه الأطراف قد لا تسعفها ظروفها الداخلية للتحالف مع بعضها البعض، بخاصة "الجبهة الشعبية" التي يتناقض برنامجها الاقتصادي والاجتماعي في العمق مع الأطراف الثلاثة الأخرى، على الرغم من عمل بعض من تلك الأطراف مع بعضها البعض في إطار "جبهة الإنقاذ الوطني" التي أطاحت حكومة "الترويكا"، أضف إلى ذلك توتّر العلاقة بين زعيم "نداء تونس" ورئيس حزب "الاتحاد الوطني الحرّ." ولا يمكن لنداء تونس أن يتخلّ عن طرفٍ من تلك الأطراف. وحتى إن حصل التوافق بين أحزابٍ ثلاثة (نداء تونس، والاتحاد الوطني الحرّ، وآفاق تونس)، فهو سيحصل بصعوبة على أغلبيةٍ لن تكون مريحة (ما يتطلبه القانون 109 أصوات فقط.) ولن يجد "نداء تونس" مبتغاه في القوائم الصغرى التي تحصّلت على عددٍ من المقاعد يتراوح بين 4 مقاعد ومقعد واحد،
في حين تتطلّب المرحلة حكومةً قويّة تحظى بثقةٍ كبيرة ودعم واسع من قبل الأطراف الفاعلة. فهل سيضطرّ "نداء تونس" إلى اللجوء إلى "حركة النهضة"؟ السيناريو الثاني: قيام حزب "نداء تونس" بتشكيل الحكومة المقبلة بتحالفٍ مع حزب "حركة النهضة" للحصول على أغلبية تعتمد على ثنائية حزبية 154(مقعدًا.) قد يبدو الأمر صعبًا حتى لا نقول مستحيلً؛ إذ يرفض الباجي قائد السبسي ذلك رفضًا باتًّا40. أمّا "حركة النهضة"، فيرى راشد الغنوشي رئيس الحزب وبعض القياديين أنّ "نداء تونس" الذي خاض حملته رافعًا شعاراتٍ "أيديولوجية" معادية للنهضة ودفع باتّجاه اعتماد "التصويت النافع أو المفيد"، ونجح في ذلك أيّ ا نجاح، ليس باستطاعته "خيانة" قاعدته الانتخابية. ويصعب على "النهضة" إقناع قاعدتها بالتحالف مع "نداء تونس" الذي صنّفته من "قوى الثورة المضادّة"، وعدّته "جزءًا من النظام القديم"، وكالَتْ له أقذع الأوصاف. ومقابل ذلك أعلن حزب "نداء تونس" تأجيله الخوض في تحالفاته الحكومية إلى ما بعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية، لربطه الوثيق بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، بوصف الباجي قائد السبسي أحد أبرز المترشّحين لمنصب الرئاسة41. في حين أنّ "حركة النهضة" لم تقدّم مترشّحًا، ولم تعلن إلى حدّ الآن مساندة مترشّح بعينه، في الوقت الذي لا ترفض فيه التحالف مع "نداء تونس"42. لتبقى بذلك كل الاحتمالات والفرضيات واضحة المعالم. السيناريو الثالث: تشكيل حكومة تضمّ "نداء تونس" 85(مقعدًا)، و"الاتحاد الوطني الحر"ّ16(مقعدًا)، وحزب "آفاق تونس" 8(مقاعد)، إضافةً إلى مجموعة من المستقلين تضمن الحدّ المطلوب لتشكيل حكومة شبه مستقرّة، بخاصة إذا تمكّن حزب "نداء تونس" من تحييد "الجبهة الشعبية" باتّجاه أن لا تثير المشاكل في وجه حكومته. السيناريو الرابع: وهو ما يمكن أن تنساق إليه النخبة السياسية، بخاصة الطرفين الرئيسين "النهضة" و"نداء تونس"، والتوافق على أمرين متلازمين هما تشكيل حكومة كفاءات وطنية قد تكون مطعّمة ببعض الوزارات الحزبية (عدد محدود للأحزاب الخمسة المتحصلة على أكثر عددٍ من المقاعد)، على أن تضمن مساندة الفاعليَن الاجتماعيَيّن المحدّدَين ودعمهما؛ وهما "الاتحاد العام التونسي للشغل" و"اتحاد الصناعة والتجارة." أمّا الأمر الثاني، فيتمثّل بدعم الأحزاب الأربعة أو حزب النهضة تحديدًا ترشّح الباجي قائد السبسي للرئاسة. نعتقد أنّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ستعيشها البلاد بدايةً من السنة المقبلة ستكون صعبة جدًّا، وتكلفتها ستكون مرتفعة على المجتمع، بخاصة الفئات الدنيا وحتّى المتوسطة. ونعتقد أنّ النخبة السياسية على إدراكٍ ووعي بهذا الوضع. ولا نعتقد أنّها مقتنعة بقدرتها على معالجة تلك المشاكل والتصدّي لتداعياتها الاجتماعية بمفردها أو في إطار حكومة ائتلافية ضيّقة؛ فقبولها بذلك يعني انتحارها سياسيًّا. لذلك يبدو سيناريو تشكيل حكومة كفاءات وطنية قد تكون مطعّمة ببعض الوزارات الحزبية من أكثر الحلول نجاعة وعقلانية بل وطنية. وعلى الرغم من موقف "النهضة" التي ترى أنّ..." البلاد مازالت تعيش على وقع مرحلة انتقالية تتطلّب توفر توازن في السلطة وعدم نزوع نحو الاستفراد بالحكم من خلال الهيمنة على مؤسسات الدولة"، في إشارةٍ مبطنة إلى حزب "نداء تونس" وزعيمه الباجي قائد السبسي المرشّح بقوّة للفوز في السباق الرئاسي43.
الدلالات
يجسّد تقبّل الإسلاميين نتيجة الانتخابات، على الرغم من أو هزيمتهم، وتهنئتهم خصمهم "نداء تونس تراجعهم " بالانتصار، قبول هؤلاء بمبدأ التداول على السلطة والتعددية
السياسية الأمر الذي قد يساعد على إزالة بعض المخاوف تجاه تشبّثهم بالسلطة وتنكّرهم للمبادئ والقيم الديمقراطية. وضعت الانتخابات التشريعية أسسًا مهمّة لبناء نظام سياسي تعددي، يتمّ فيه تداول السلطة سلميًّا، يقوم على الاعتراف بالآخر وليس إقصاءَه. ويمكن أن يكون ذلك نموذجًا للدول العربية.
أبرزت نتائج الانتخابات قابلية الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية المنفتحة للاندماج في النظام الديمقراطي والمساهمة في تدعيمه وتطويره.
أبرزت الانتخابات قدرة المجتمع التونسي (بنخبه ومنظماته وأحزابه ومؤسساته) على التصدّي للاختراقات والتأثيرات الخارجية السلبية التي كانت ترغب في الانحراف بالمسار الديمقراطي إلى مواقع أخرى غير سلمية. أثبتت نتائج الانتخابات أنّ تونس لا تزال نموذجًا لكلّ دول الضفّة الجنوبية للمتوسط التي دشّنت مرحلةً جديدة من النظام الديمقراطي "النوعي." أظهرت الانتخابات مدى صلابة التونسيين وإرادتهم وعزمهم على السير في الطريق الديمقراطي، وإن كان عبر معاناةٍ عميقة. أهمّية التحالف بين مجموعة من المكوّنات السياسية في إطار أرضية سياسية ذات أبعاد إستراتيجية، الأمر الذي يمكّنها من تحقيق موقعٍ محترم (رقم صعب) في مجلس الشعب. وهذا ما تمكّنت "الجبهة الشعبية" من تحقيقه. عدم قدرة الأحزاب السلفية القانونية 3(أحزاب)، وكلّ الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية (باستثناء حركة النهضة) على الحصول على أيّ مقعد في البرلمان. استمرار ضعف الأحزاب والمجموعات ذات المرجعية القومية العربية 3(مقاعد بنسبة 1.38 في المئة دون احتساب من نجحوا في إطار "الجبهة الشعبية)"، وعدم قدرتها على الاندماج الفعلي في المشهد السياسي. وقد يكون ذلك نتيجة تشتّتها وتشرذمها.