الأُصلاء والدخلاء في ليبيا الجديدة
الملخّص
تحاول هذه الدراسة أن تثبت أنّ إطاحة نظام القذافي خلقت حدودًا رمزية وسياسية جديدة في ليبيا تتجاوز الانقسام البسيط بين من كانوا مع الثورة ومن كانوا ضدها. وقد لبست هذه الحدود عباءة الطهارة وعدم الطهارة، والشرف والعار. كما وُظ فت هذه الحدود بإتقان في الصراع المعق د على السلطة الذي نشأ عقب الانتقال إلى دولة ما بعد القذافي. يرى مؤلف الورقة أن طبيعة نظام القذافي بالغة الش خصَنة. ولذلك، فقد انهارت الدولة أيض ا عندما انهار المركز. خل ف هذا الأمر وراءه مجموعة من سماسرة السلطة المحليين؛ من إلى المجالس المحلية والقبائل والشخصيات المحلية الميليشيات والألوية الثورية وصولا، بما في ذلك أصحاب الميول الإسلامية، وجميعهم يتنافسون على السلطة والنفوذ. فخلق هذه الحدود الرمزية وتجسّ دها الموضوعي في الواقع، من شأنه أن يعوق جهد ليبيا لتحويل نفسها إلى دولة قائمة بوظائفها وقابلة للحياة.
مقدمة
في 28 تموز/ يوليو 2011، كانت ليبيا لا تزال في خضم الصراع من أجل إطاحة العقيد معمر القذافي. لقد عثُر في هذا اليوم على جثة قائد قوات الثوار في ليبيا، العقيد عبد الفتاح يونس العبيدي، متفحّمة وملقاة على مشارف بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية. وعلى الرغم من أنّ الظروف الدقيقة المحيطة بموته لا تزال مجهولة، فإنه يُعتقد على نطاق واسع أنه قُتل على يد فصائل إسلامية لديها صلات بالمجلس الوطني الانتقالي، وهو الهيئة الحاكمة المؤقتة التي أ نشئت في شرق البلاد قُبيل تحريرها من نظام القذافي. ونظرًا للمشهد الدرامي الأوسع الذي كان يتكشّف في البلاد آنذاك، فإنّ أهمية قتل العبيدي على يد زملائه المقاتلين الثوار لم تُقدَّر تمامًا. ومع ذلك، كانت وفاتُه لحظةً حاسمةً ضبطت إيقاع معظم الحوادث اللاحقة في مرحلة ما بعد التحرير. وعلى نحو جوهري، كانت وفاته أوّل مؤشّ على الحدود الجديدة التي بدأت ترتسم مع سعي البلاد الحثيث وكفاحها للخروج من المرحلة الانتقالية. ربما كان العبيدي قائدًا ثوريًا أساسيًا وملتزمًا إسقاط نظام القذافي، لكن ماضيه سرعان ما تعرّض للفحص والتشكيك. فقبل انشقاقه في بداية الاحتجاجات، كان العبيدي شخصية محورية في نظام القذافي، ومن الثقات المقرّبين من القذافي نفسه1. لذلك، على الرغم من أنّ انشقاقه جلب للثوار الكثير من القوة العسكرية والخبرة وهم بأمسّ الحاجة إليها، فإن ذلك لم يكن كافيًا ليشكِّل حصانة له من ارتباطاته السابقة. وعلى هذا النحو - وحتى قبل أن يُقتل القذافي وتتحرر البلاد بأكملها - رُسمت خطوط تماسٍ جديدةٍ بين "الثوار الحقيقيين" وبين من عُدّوا ذوي ماضٍ مشوبٍ بالريبة. ومع تصاعد الثورة، فإنّ أعدادًا كبيرةً من الآخرين الذين يحبون العبيدي وانشقوا ووقفوا إلى جانب الثوار وجدوا أنفسهم فجأةً موسومين بأنهم "دُخلاء"، ونُبِذوا بوصفهم "غير نظيفين." وفي هذا الوقت، أصبح من بين هؤلاء "الدخلاء" شخصيات كانت جزءًا مما كان يعرف باسم التيار الإصلاحي الذي كان يدفع خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام ويضغط من أجل التغيير من الداخل، وإن كان ذلك عبر نجل القذافي سيف الإسلام. وعلى الرغم من أنّ كثيرين من هؤلاء الأشخاص أنفسهم أعدّوا المؤسسات السياسية الجديدة الأولى في البلاد وقادوها، فإنهم اعتبروا، في الوقت المناسب، عناصر ملوّثة يلطخون "ثورة 17 فبراير"، ويجب تطهيرها منهم. وهكذا، تبدّل "الحدّ الرمزي" الذي يحدِّد الخطوط التي تُعرِّف بعض الناس والجماعات وتضمهم، وتستبعد أخرى2. وفي الحالة الليبية، ابتعد هذا الحدّ عن كونه تمييزًا بين الذين قاتلوا لمصلحة نظام القذافي والذين قاتلوا ضده ليصبح حدًا يفصل بين "النظيفين" أو "الأنقياء"3، وأولئك الذين تلوّث تاريخهم الشخصي. وفي واقع الأمر، أصبحت اللامساواة في السياق السياسي "تقاس بمستوى النقاء وعدم النقاء"، أو بحسب التعبير المحليّ في ليبيا، بين الثوار، والأزلام (رجال القذافي)4. ومع استمرار العملية الانتقالية، صار هذا الحدّ الرمزي يجري صوغه عبر سلسلة من الإجراءات القانونية الهادفة إلى استئصال أزلام القذافي من هياكل السلطة الجديدة في البلاد. وشملت هذه الإجراءات قانون الانتخابات، وهيئة النزاهة والوطنية، وكان الأبرز فيها قانون العزل السياسي شديد القسوة الذي أطّر بشدة التمييز الجديد بين الأصيل في الجماعة (الأصلاء) والدّخيل على الجماعة (الدخلاء.) وأقرّ المؤتمر الوطني العام هذا القانون في أيار/ مايو 2013، والذي لا يَحْرم أولئك الذين لديهم أدنى صلة بالنظام السابق من تولي المناصب السياسية لمدة عشر سنوات فحسب، بل يمنعهم أيضًا من تولي أيّ منصب رفيعٍ في الجهاز الحكومي البيروقراطي على اتساعه. وبذلك، كان هذا القانون محاولةً عنيدةً من طرف الثوار وحلفائهم السياسيين – وبخاصة التيار الإسلامي الحالي - لمأسسة الحدّ الرمزي الجديد وإدخاله في النظام السياسي الناشئ. وهكذا، تجسَّد عبر هذا التشريع هذا الحدّ الرمزي وتحوّل إلى حدٍّ سياسي رسمي5. سوف تثبت هذه الدراسة أنّ إطاحة نظام القذافي خلقت حدودًا رمزية وسياسية جديدة في ليبيا تتجاوز الانقسام البسيط بين من كانوا مع الثورة ومن كانوا ضدها. وقد لبست هذه الحدود عباءة الطهارة وعدم الطهارة، والشرف والعار. كما وُظّفت هذه الحدود بإتقان
في الصراع المعقّد على السلطة الذي نشأ عقب الانتقال إلى دولة ما بعد القذافي. ولأنّ طبيعة نظام القذافي بالغة الشّخصَنة، فقد انهارت الدولة أيضًا عندما انهار المركز. خلّف هذا الأمر وراءه مجموعةً من سماسرة السلطة المحليين؛ من الميليشيات والألوية الثورية وصولً إلى المجالس المحلية والقبائل والشخصيات المحلية، بما في ذلك أصحاب الميول الإسلامية، وجميعهم يتنافسون على السلطة والنفوذ. ففي هذا السياق تحديدًا، سعت هذه القوى لتعريف هذه الحدود الرمزية الجديدة ومأسستها كوسيلة تهدف بدرجة كبيرة إلى توسيع قاعدة السلطة الخاصة بكل منها. وكما جادل لامونت ومولنار، أصبحت الحدود الرمزية وسيلةً أساسيةً تحاول مختلف جماعات المصالح من خلالها اكتساب المكانة واحتكار الموارد6. كما ستثبت هذه الدراسة أيضًا أنّ مأسسة هذه الحدود تعزِّز مشاعر التهميش في مناطق معينة ولدى قبائل معينة؛ بحيث تبدو، على حد تعبير أحد الليبيين، "كما لو أن ليس لهم أيّ دور يؤدونه في ليبيا الجديدة"7. وباختصار، إنّ خلق هذه الحدود الرمزية وتجسّدها الموضوعي في الواقع، من شأنه أن يعوق جهد ليبيا لتحويل نفسها إلى دولة قائمة بوظائفها وقابلة للحياة.
الثورة: إنشاء حدود رمزية جديدة
اندلعت الاحتجاجات في بنغازي في شباط/ فبراير 2011، وكانت إلى حدٍ كبيرٍ تدفقًا عفويًا منشؤه الإحباط والاستياء من نظام القذافي الذي ظلّ في السلطة طوال أكثر من أربعة عقود. لم تكن الاحتجاجات الشعبية مدفوعة من طرف أي حركة أيديولوجية أو ثورية أو تيار محدّد. وفعليًا، يمكن القول بأنّ الثورة لم تكن ثورةً على الإطلاق، بل كانت تعبيرًا جمعيًا عن الرغبة في رؤيةِ نهايةٍ لنظام القذافي. ولكن، سرعان ما بدا واضحًا أنّ الحوادث في ليبيا لا تسير وفق الطريقة ذاتها التي حصلت في الدول المجاورة؛ فخلافًا لما حدث في تونس ومصر، دافع نظام القذافي بشدة عن نفسه وانتقل على الفور تقريبًا إلى استخدام القوة سعيًا لإخماد الاحتجاجات8. كما وظّف النظام جميع الأدوات التي بحوزته لتأمين معقله في طرابلس وإحكام قبضته عليه. ونتيجة لذلك، تحوّلت الاحتجاجات الشعبية إلى صراعٍ مسلحٍ ضد النظام. ولم يجر هذا الأمر إلى حد كبير وفق عملية منظّمة، بل كان قوامه سكان محليون تسلحوا بأسلحة قديمة وبدائية وشكّلوا كتائبهم وألويتهم العسكرية الخاصة. بدأت في غضون هذه الأيام الأولى بوادر الانشقاق عن أجهزة النظام، وشمل الانشقاق شخصيات مثل أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل (وزير العدل السابق) مصطفى عبد الجليل، ومحمود جبريل وزير التخطيط السابق، وعلي العيساوي الوزير السابق للاقتصاد والتجارة والاستثمار، والذين انضموا إلى الثوار. وعلى الرغم من أنهم بلا شك من "الأصلاء" في نظام القذافي، فإنهم لم يكونوا جزءًا من الدائرة الداخلية للقذافي نفسه، بل اعتبروا جزءًا من المعسكر الإصلاحي، وكانت لهم مشاكلهم الخاصة مع النظام. ففي اجتماع المؤتمر الشعبي العام (البرلمان) في كانون الثاني/ يناير 2010، احتجّ مصطفى عبد الجليل علانيةً على استمرار الأجهزة الأمنية باعتقال نحو 300 سجين سياسي، معظمهم من الإسلاميين الذين نبذوا العنف، على الرغم من صدور حكمٍ قضائي بالإفراج عنهم. وفي الوقت نفسه، اصطدم محمود جبريل بكثير من شخصيات النظام ومنهم سيف الإسلام نفسه الذي وجد أنّ أفكار جبريل الإصلاحية جذريةٌ جدًا. ولهذا السبب، أ بعد جبريل في عام 2010 عن منصبه كرئيس لمجلس التخطيط الوطني. وكذلك اصطدم العيساوي بالأمين العام السابق (رئيس الوزراء) البغدادي المحمودي بخصوص وتيرة التغير الاقتصادي ومداه. وعند أخذ الخبرة السابقة في المجال السياسي في الاعتبار، تقدّمت هذه الشخصيات على غيرها وقامت بالخطوات الأولى لتأسيس أولى المؤسسات السياسية وقيادتها، فيما الثورة لا تزال في طور الانتشار. شمل ذلك المجلس الوطني الانتقالي الذي تشكّل في 5 آذار/ مارس 2011، ومكتبه التنفيذي الذي تأسس في أيار/ مايو 2011. وفي حين أنّ هذه المؤسسات قد لا تكون الخيار الأكثر وضوحًا لتزعّم الواجهة السياسية للثورة، وأخذًا في الاعتبار أنّ الاحتجاجات لم تكن وراءها حركة ثورية وأنّ دولة القذافي كانت متطرفة جدًا في طبيعتها بحيث أوهنت البلاد وأفرغتها من أي ثقافة أو تجربة سياسية، فقد أدى هذا كله إلى توافر عددٍ ضئيل جدًا من الشخصيات الأخرى المؤهلة بما يكفي للقيام بهذا الدور. وقد فسّ ناشط ليبي الأمر بأنّ ندرة الموظفين المؤهلين، أدت إلى اختيار أعضاء المجلس الوطني الانتقالي على أساس عاملي الخبرة والقدرة9.
وهكذا تولى مصطفى عبد الجليل رئاسة المجلس الوطني الانتقالي، وعُيِّ المحامي عبد الحفيظ غوقة نائبًا له، وهو أحد الشخصيات الأخرى من المعسكر الإصلاحي، وتولى محمود جبريل رئاسة المكتب التنفيذي، وعلي العيساوي نائبًا له، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. لكن هذا لا يعني أنّ هذه المؤسسات السياسية الجديدة تكونت بأكملها من رجال النظام السابقين؛ فقد ضمّت أيضًا من كانوا جزءًا من المعارضة في المنفى، مثل علي الترهوني الذي تسلّم حقيبة النفط في المكتب لتنفيذي، ومحمود شمام الذي تسلّم حقيبة الإعلام. وضمّت هذه المؤسسات أيضًا حصة منصفة للشخصيات الإسلامية؛ فذهبت حقيبة الاقتصاد في المكتب التنفيذي إلى عبد الله شامية، وهو عضو في جماعة الإخوان المسلمين الذين قضوا سنوات عديدة في سجون القذافي، وعُيّ الأمين بلحاج، العضو في جماعة الإخوان المسلمين أيضًا، ناطقًا باسم المجلس الوطني الانتقالي. ولكنْ، منذ البدء سيطر على الواجهة السياسية للثورة أولئك الذين كانت لهم صلات بالتيار الإصلاحي في النظام السابق. وفي السياق نفسه، شملت الانشقاقات العسكرية المبكرة إضافة إلى عبد الفتاح يونس العبيدي أفرادًا آخرين رفيعي المستوى؛ مثل سليمان محمود العبيدي قائد منطقة طبرق العسكرية. حملت هذه الانشقاقات أخبارًا سارة للثوار. ولم تجلب هذه الشخصيات معها المزيد من النفوذ العسكري التي كانت الثورة بأمس الحاجة إليه فحسب، بل جلبت معها أيضًا وحدات الجيش كلها إلى صف المعارضة. فعلى سبيل المثال، عندما انشق سليمان محمود العبيدي، سحب معه الحامية العسكرية في طبرق. والأمر الحاسم هنا أنّ أفراد الجيش هؤلاء جلبوا معهم الخبرات العسكرية التي كانت الحاجة ماسة إليها، وسرعان ما بدأ تدريب خليط متنافر من مجموعات المتطوعين10. ولعلّه لم يكن مستغرَبًا أن يُعيَّ عبد الفتاح العبيدي، وهو أبرز القادة العسكريين المنشقين، رئيسًا لأركان جيش التحرير الوطني الليبي.11 وفي حين دعم تعيين العبيدي أولئك الذين يديرون المؤسسات السياسية، فإنّ الآخرين الفاعلين على الأرض كانوا أقل ترحيبًا بهذا التعيين. كانت نسبة كبيرة من الألوية التي تشكلت على الأرض في الشرق تضم مقاتلين إسلاميين، وكان كثير منهم أعضاء في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة والجماعات المسلحة الأخرى التي تحدّت نظام القذافي في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين12. وكان كثير من هؤلاء يعادون أحقية العبيدي تحديدًا في منصبه منذ تعيينه، وذلك بسبب دوره في النظام السابق؛ إذ شنّ حملات وحشية لتصفية العناصر الإسلامية في شرق البلاد. وأوضح مصطفى عبد الجليل الأمر بقوله: "إنّ الإسلاميين المتطرفين - الذين حاولوا اغتياله يوم انشقاقه وقتل من كان بجانبه - يقولون إن كتيبة الصاعقة التابعة لعبد الفتاح يونس هي التي قمعتهم في درنة وفي أودية رأس الهلال أيام كان وزيرا للداخلية في عهد القذافي"13. وعلى هذه الشاكلة، كانت كراهية الإسلاميين للعبيدي، حتى إنّ المجلس الوطني الانتقالي اضطر لإنشاء غرفتين أمنيتين متوازيتين، واحدة للجيش الذي كان يقوده العبيدي، والأخرى للثوار. وبذلك تمأسس منذ البداية الانقسام بين القوى الرسمية من الجيش والثوار، وهو الأمر الذي عرقل المرحلة الانتقالية للبلاد. ومع ذلك، لم يكن الإسلاميون الطرف الوحيد الذي اعترض على قيادة العبيدي؛ فقوات الثوار في مصراتة - المدينة التي كانت على علاقة عدائية تاريخيًا مع بنغازي وانخرطت في معركة مريرة ودامية مع قوات القذافي - رفضت أيضًا رئاسة العبيدي للجيش. وقد ذكر أحد الصحفيين في تقريره "أنّ الثوار في مدينة مصراتة المحاصرة رفضوا بشكل واضح قبول أوامره، ووصل الأمر حدّ الإصرار على أنّ مقاتلي المدينة لم يكونوا جزءًا من الجيش الوطني المسيطر على بنغازي"14. ولذلك، كان ثمة شعور قوي بين هؤلاء المقاتلين مفاده أنهم لا يريدون شخصيات ملوثة كالعبيدي وأمثاله بل يريدون قطيعة مع الماضي ومتحررة منه. كان لهذا الإصرار تداعياته على كيفية تطور ليبيا خلال المرحلة الانتقالية. وبرفضهم العبيدي بهذه الطريقة، عرقل الثوار أي إمكانية لاستمرارية المؤسسات بين ليبيا القديمة وليبيا الجديدة. وأدى إصرارهم على عدم خرق الحد بين القديم والجديد إلى وصول الفاعلين السياسيين الجدد في ليبيا إلى اقتناع باستحالة بناء جيش.
وواظب أغلبية الثوار على مقاومة الانضمام إلى الجيش الذي ظل بنظرهم ملوثًا بارتباطاته بالنظام السابق. وفي حين رفض الثوار على الأرض شخصيات مثل العبيدي، سرعان ما بدأ العداءُ يسفر عن نفسه تجاه أولئك الذين يقودون المؤسسات السياسية الجديدة للبلاد. نشأ هذا العداء جزئيًا لأنّ الذين قاتلوا في الخطوط الأمامية بدأت تتسرب إليهم الخشية من أن يخطف ثورتهم أولئك الذين لهم صلات بالنظام السابق. وحتى قبل أن يُقتل القذافي وتتحرر البلاد بأكملها، بدأ القادة العسكريون يعبّ ون عن رفضهم لهذه الهيئات السياسية الجديدة ومن يديرها. فمثلً، أعلن إسماعيل الصلابي - قائد الثوار ذو التوجه الإسلامي الذي ترأس كتائب شهداء 17 فبراير القوية التي تضم 3000 عنصر - في أيلول/ سبتمبر 2011 أنّ "دور اللجنة التنفيذية [المكتب التنفيذي] لم يعد مطلوبًا لأنهم فلول النظام القديم. يجب عليهم أن يستقيلوا جميعهم بدءًا من رأس الهرم ونزول "15. وبدأ ليبيون آخرون أيضًا التعبير عن آراء مماثلة. فمثلً، أعلن السياسي فرج أبو العشة أنّ عددًا من المنشقين وأتباع سيف الإسلام القذافي، من بينهم عبد الرحمن شلقم (وزير الخارجية السابق الذي انشق أيضًا في وقت مبكر وظلّ يعمل سفيرًا للمجلس الوطني الانتقالي في الأمم المتحدة) ومحمود جبريل، يقودون ثورة مضادة تهدف إلى سرقة ثورة شباب 17 فبراير16. هكذا، وفي ما يتعلق بالثوار الذين قاتلوا وخاطروا بحياتهم في الجبهات الأمامية، أصبحت الاندفاعة نحو التحرر اندفاعةً نحو التطهير. اشتدّ الاعتراض على هؤلاء القادة السياسيين الجدد في أعين الثوريين الإسلاميين لأنّ كثيرين منهم ذوو توجه ليبرالي. وكما أعلن إسماعيل الصلابي فإنهم "علمانيون لديهم أجندة خاصة بهم ومن شأن ذلك أن يجعلهم يصفوننا بالمتطرفين مما يُنفّر المجتمع الدولي منّا... أحيانًا يستغرب المرء ويتساءل: لمصلحة من يعملون؟"17 وأثار معسكر الإسلاميين الأوسع اعتراضات مماثلة على التوجه الليبرالي لهذه الشخصيات. كذلك، فإنّ شقيق إسماعيل الصلابي؛ أي علي الصلابي وهو باحث إسلامي معروف له روابط وثيقة بكل من جماعة الإخوان المسلمين الليبية وأعضاء سابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، احتجّ هو أيضًا على الطبيعة العلمانية لقادة البلاد الجدد. ففي أيلول/ سبتمبر 2011، اتهم الصلابي محمود جبريل وحلفاءه على قناة الجزيرة بأنهم "علمانيون متطرفون" يتجهون بالأمة إلى "عهد جديد من الطغيان والدكتاتورية"18. وأعلن أيضًا أنّ "على رئيس المكتب التنفيذي... محمود جبريل أن يقدم استقالته ويترك الليبيين والقوى الوطنية الحقيقية يبنون مستقبل بلادهم... هناك حرب منظمة من بعض أعضاء المكتب التنفيذي مثل محمود شمام ومحمود جبريل وعلي الترهوني وناجي بركات، الذين يسعون لتغييب الوطنيين والثوار الحقيقيين"19. وفعليًا، وفي هذا الوقت بالذات، بدأ ترسيخ التمييز المفهومي بين "الثوار الحقيقيين" وغيرهم. ولكن، لم يكن الثوار الإسلاميون في الشرق وحدهم من اعتبروا أنفسهم ثوارًا حقيقيين. فالألوية الثورية التي ظهرت في المناطق الأخرى اعتقدت أيضًا أنها الوريثة الشرعية للثورة فقد نهضت مدينة إثر مدينة ضد النظام. وكانت هذه هي الحالة على وجه الخصوص في مدينتي مصراتة والزنتان اللتين أصبحتا مركزين جديدين للسلطة. وكان ادعاؤهما لمثل هذه الشرعية الثورية مستندًا جزئيًا إلى معاركهما ضد النظام السابق. فقد خاضت مصراتة بخاصة معركةً دمويةً للغاية وحوصر ميناؤها طوال ثلاثة أشهر، وانتهت بتحرير المدينة في أيار/ مايو 2011. ولكنّ كثيرًا من السلطة والنفوذ الجديدين اللذين تمتعت بهما المدينتان مردهما إلى الواقعة المتعلقة بأنّ ثوار مصراتة هم الذين ألقوا القبض على القذافي، وفيما ألقى ثوار الزنتان القبض على ابنه سيف الإسلام. كانت هذه الانتصارات في ساحة المعركة ورقة مساومة رئيسة لكلتا المدينتين في التزاحم على السلطة عقب التحرير20. وهكذا، تهشّمت ليبيا ما بعد القذافي، وأصبحت تضم مراكز قوى تتنافس جميعها لتسيطر على المرحلة الانتقالية وليصبح أعضاؤها هم الأصلاء الجدد.
التحرير: الحدود والصراع على السلطة
بعد مقتل القذافي في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، ثم تحرير آخر مناطق البلاد من نظامه، بدأ القادة المؤقتون لليبيا إدارة المرحلة الانتقالية. وفي 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، عيّ المجلس الوطني الانتقالي حكومةً مؤقتةً وشرع في التخطيط لإجراء الانتخابات الوطنية في العام التالي. كانت التعيينات في هذه الحكومة الانتقالية الجديدة مؤشرًا أوليًا على صراعات السلطة التي انتهت إليها الساحة السياسية في المرحلة الانتقالية. وكان يتعين على الحكومة الجديدة أن تكون خليطًا يمثل بعناية مختلف مناطق ليبيا، وكان عليها، أكثر من ذلك، ضمان أن يحصل الذين قاتلوا بشراسة في ساحة المعركة على مناصب تتناسب مع إنجازاتهم العسكرية. وبالنسبة إلى الكتائب الثورية، أصبح النجاح في ميدان المعركة هو المقياس الرئيس لمقدار السلطة الذي يجب أن تمارسه كل منطقة21. وفي مواجهة هذا الضغط، لم يكن من قبيل المصادفة أنه عندما أعلن المجلس الوطني الانتقالي حكومته المؤقتة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، أسند وزارة الدفاع إلى أسامة الجويلي، وهو قائد من الزنتان، في حين منح وزارة الداخلية إلى فوزي عبد العال من مصراتة. وعلى الرغم من الضجة التي أثارتها هذه التشكيلة الوزارية في بنغازي التي اعتبرت أنها لم تُ ثَّل على نحو كافٍ على الرغم من حصولها على خمس وزارات (غير سيادية)، فقد تحمّلت هذه التشكيلة العبء حتى انتخابات تموز/ يوليو 2012 عندما بدأ الصراع الحقيقي على السلطة يظهر على الساحة. كانت الانتخابات التي ستفرز 200 عضو للمؤتمر الوطني العام - وهو الهيئة التي ستشرف على كتابة دستورٍ جديدٍ وتجري استفتاءً شعبيًا عليه - لحظةً حاسمةً في انتقال ليبيا. فهي لم تكن الانتخابات الوطنية الأولى التي ستجري في البلاد بعد أكثر من أربعة عقود فحسب، بل كانت أيضًا، بالنسبة إلى كثير من الليبيين، أول فرصة حقيقية لتنظيف لوائح المرشحين وانتخاب قادة جدد لم يتلوث ماضيهم. اكتسبت الدعوات إلى إحداث مثل هذه القطيعة الجذرية زخم منذ وقت التحرير. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2011، صُدم المجلس الوطني الانتقالي عندما اندلعت احتجاجات شعبية على نطاق واسع في بنغازي مطالبة بتصحيح مسار الثورة. وفي حين أنّ بعضًا من هذا الغضب له علاقة بما اعتبُر في بنغازي فشل المجلس الوطني الانتقالي في إحداث قطيعة مع سياسة تهميش الشرق التي اتبعها النظام السابق، كان ثمة دافع آخر وراءها وهو الاعتقاد بأنّ أزلام القذافي لا يزالون في مواقع المسؤولية. وقد شكا أحد المحامين في بنغازي من أنّ "النظام لم يتغير. إنه نفسه الذي يضطهد المدن ويهمشها"22. وفي الوقت نفسه، أثارت النداءات التي أطلقها رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2011 من أجل الشروع في عملية المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي، غضبًا شعبيًا واسع النطاق. في مواجهة هذا الغضب، لم يكن أمام المجلس الوطني الانتقالي سوى خيار محاولة ضمان ألا يحظى الذين كانوا مرتبطين بالنظام السابق بفرصة الترشّح للمناصب العامة في الانتخابات المقبلة. هكذا، وفي 2 كانون الثاني/ يناير 2012، أصدر المجلس الوطني الانتقالي مشروع قانون الانتخابات. تضمن هذا القانون، والذي مثّل أول محاولة لمأسسة الانقسام بين الذين خدموا النظام السابق وبين الذين اعتبروا "نظيفين"، عشرين فئة من الناس الذين سوف يحظر عليهم الترشّح للمناصب. وكما حرم مشروع القانون أعضاء الأجهزة الأمنية للنظام السابق من تلك المناصب، فقد حظر أيضًا على أي شخص استلم موقعًا قياديًا في المؤسسات الرسمية للحكومة، بما في ذلك السلك الدبلوماسي، من الترشّح للانتخابات إلا إذا ثبت أنهم قدّموا "في وقت مبكر دعمً واضحًا لثورة 17 فبراير." وبشكل أكثر تحديدًا، استبعد المشروع أيضًا كل من كان له علاقة مهنية أو تجارية مع أي فرد من عائلة القذافي أو مع كبار رجال النظام السابق من حق الترشّح. وشمل الحظر أيضًا أي شخص حصل على مؤهل أكاديمي في موضوع النظرية العالمية الثالثة الخاصة بالقذافي أو في كتابه الأخضر، وأي شخص معارض دخل في محادثات أو مفاوضات مع النظام السابق. وأبعد من ذلك، اقترح المشروع أيضًا أن يُ نع من التصويت أي شخص ثبت بحكم قضائي أنه كان "متورطًا في فساد الحياة السياسية" في ظل النظام السابق. ومن ثمّ، كان مشروع قانون الانتخابات وسيلةً لتلبية مطالب كل من الثوار والشارع، وبخاصة في الشرق، ومثّل الرغبة أيضًا في رؤية ليبيا نظيفة من جميع المتعاونين مع النظام السابق. ولذلك دعم التيارُ الإسلامي المشروعَ بقوة داخل المجلس الوطني
الانتقالي الذي أصبح أكثر جرأة على نحو متزايد، وسعى للالتفاف على معارضيه الليبراليين في داخل الجسم الحاكم بغية إخراجهم من الساحة السياسية في المستقبل. وليس من المستغرب أن يثير مشروع هذا القانون عند صدوره الجدل والنقاشَ الذي تركّز كثيرٌ منه على أنّ القانون خصّص 80 مقعدًا فقط في المؤتمر الوطني العام للأحزاب السياسية، وترك 120 مقعدًا لمرشحين أفراد. ورأى الإخوان المسلمون في ذلك محاولةً متعمدةً من أكثر العناصر علمانيةً لمنعهم من الوصول للسلطة. ومع ذلك، كان ثمة أيضًا مقاومة ما للحظر الذي شمل المرتبطين بالنظام السابق. تمحوّرت هذه الاعتراضات بشكل رئيس حول الطابع الموسّع لقائمة الفئات المحظورة. وقد أعلن المحامي الدستوري الليبي مسعود القانوني أن "المعايير يمكن استخدامها ضد ثلاثة أرباع سكان البلاد ... فكيف نذهب في مسار المصالحة الوطنية إذا استبعدنا الكثير من الناس من المساهمة في مستقبل [البلاد]؟"23. ولكن، تم تجاهل هذه الحجج تمامًا؛ ففي نهاية كانون الثاني/ يناير 2012 صدر أخيرًا قانون الانتخابات (القانون رقم 2012/4.) وعلى الرغم من أنّ القائمة الطويلة من فئات الممنوعين من الترشّح للمناصب قد اختُزلت بشكلٍ كبيرٍ، فقد أ ضيف بند جديد إلى القانون سسها أيّد إنشاء الحدود بين السياسيين الجدد الأصلاء والدخلاء ومَأ. فالمادة 10 من القانون لم تنص فقط على أنّ أعضاء المجلس الوطني الانتقالي ومكتبه التنفيذي والحكومة المؤقتة (وكذلك رؤساء المجالس المحلية) لا يمكنهم الترشّح للانتخابات، بل قضت أيضًا بأن يلبي جميع المرشحين "معايير وأنظمة النزاهة الوطنية التي أقرها المجلس الوطني الانتقالي." وقضت أيضًا بأنّ جميع المرشحين يجب الموافقة عليهم من قِبل الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية، أو ما أصبح يعرف باسم هيئة النزاهة. لقد صاغ المجلسُ الوطني الانتقالي معاييرَ النزاهة الوطنية المطلوبة من أجل شغل الوظائف العامة بعد تحرير البلاد من نظام القذافي مباشرة تقريبًا، وصدرت بموجب القرار رقم 177 في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، ثم عدّلت بموجب القرار رقم 15 في 29 كانون الثاني/ يناير 2012. وبحسب هذه المعايير، فإنّ فئات الممنوعين من شغل المناصب العامة كانت إلى حد كبير هي الفئات نفسها الصادرة في المسودة الأولى لقانون الانتخابات24. ونصّ هذا القرار أيضًا على إقامة هيئة رسمية لتقييم مدى تلبية المرشحين لهذه المعايير الوطنية. هذه الهيئة - هيئة النزاهة – المنصوص عليها في القانون الصادر في 4 نيسان/ أبريل 2012 بموجب القانون رقم 26 لعام 2012، كان معظم أعضائها، والذين عيّنهم المجلس الوطني الانتقالي، من ذوي الميول الإسلامية وأصبحوا الحَكَم الجديد الذي يفصل في تصنيف الأصلاء والدخلاء في الساحة السياسية الناشئة. بعد ذلك بفترة وجيزة، بدأت الهيئة تمارس سلطتها. وفي نهاية نيسان/ أبريل 2012، قضت الهيئة بأنّ نائب وزير الصحة عادل أبو شوفة وسفير ليبيا في روما عبد الحفيظ قدور غير مؤهلين، وطردتهما من منصبيهما. وفي الوقت نفسه، أعلنت إقالة المهدي صالح الجربي، العضو في البعثة الليبية إلى الأمم المتحدة، ورفضت تسمية عبد السلام المحجوب للعمل في بعثة دبلوماسية ليبية في الخارج. ولم تستغرق الهيئة وقتًا طويلً لتحويل اهتماماتها نحو المجلس الوطني الانتقالي وتطرد عددًا من ممثليه25. ولكن بعد انتخابات المؤتمر الوطني العام في تموز/ يوليو 2012، بدأت هيئة النزاهة فعليًا "استعراض عضلاتها." ولم يقتصر الأمر فقط على أنّ هذه الهيئة غير المنتخبة التي عينتها هيئة غير منتخبة أخرى قد بدأت تعمل بطريقتها من خلال المؤتمر، وتحظر أعضاء فيه على الرغم من أنهم انتخبوا عبر عملية ديمقراطية، بل كان لها أيضًا القول الفصل إلى حد كبير في تحديد تركيبة الحكومة الجديدة. وعندما انتخب رئيس الوزراء الجديد علي زيدان في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2012 واقترح حكومته الأولى، جعلت هيئة النزاهة من الصعب جدًا إنجاز أي شيء. ووصل الأمر إلى درجة أنه عندما أدت الحكومة الجديدة
اليمين الدستورية في يوم 14 تشرين الثاني/ نوفمبر غاب ثمانية من أعضائها بسبب الهيئة، أربعة منهم بعد أن مُنعوا من تولي مناصبهم، وكان الأربعة الآخرون رهن التحقيق26. ومع أنّ بعض هؤلاء الوزراء تمت تبرئتهم في نهاية المطاف، وبعضهم الآخر أ لغي الحظر المفروض عليهم عند الاستئناف، فإنّ هيئة النزاهة كانت تضع الأجندة بخصوص تحديد من يُسمح له أن يكون جزءًا من النظام السياسي الجديد ومن لا يُسمح له بذلك.
ولم تكن هيئة النزاهة المجموعة الوحيدة التي ترغب في الحظر على هؤلاء الوزراء؛ فقد كان ثمة قوة أشد نفوذًا بكثير على أرض الواقع تدفع أيضًا باتجاه تعيين هذه الحدود نفسها لكنها كانت تفعل ذلك خارج القانون. فعندما أ علن في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر عن القائمة المقترحة لأول مرة بأسماء الوزراء من قبل زيدان، اقتحم الثوار الغاضبون المؤتمر واتهموا زيدان بضمّ أزلام القذافي إلى حكومته. كان الضغط الذي بإمكان هذه العناصر الثورية حشده يمثل انعكاسًا لحقيقة أنّ السلطات المركزية الجديدة قد فشلت في احتواء آلاف العناصر من الميليشيات والألوية المسلحة التي انتشرت على الأرض أثناء الثورة وبعدها على حد سواء. استغلت هذه القوى ضعف الدولة لترسيخ نفسها بعد التحرير، خصوصًا في طرابلس؛ إذ تحصنت الألوية الثورية القادمة من مصراتة والزنتان محاولة السيطرة على المركز. وقد رفضت هذه القوى بحزم مناشدات السلطات لها بتسليم أسلحتها وحلِّ نفسها أو الانضمام إلى قوات الأمن التابعة للدولة. استمدّ هؤلاء العناصر الثوريون سلطتهم أيضًا من استمرار الاستفادة من مكانتهم شبه المقدسة؛ لأنهم - على عكس القادة السياسيين للبلاد - خاطروا بحياتهم في الخطوط الأمامية ما منحهم مكانة بطولية وشرعية ثورية في أعين الكثير من الليبيين وجعلهم بعيدين عن أي مساءلة. والدليل على ذلك إقرار القانون رقم 38 في أيار/ مايو 2012 "حول بعض إجراءات المرحلة الانتقالية" الذي تضمن مادة تقضي بأنه لا ينبغي وجود عقوبة على "الأعمال العسكرية والأمنية والمدنية التي أملتها ثورة 17 فبراير وقام بها الثوار بهدف تعزيز أو حماية الثورة." جاء هذا القانون بمنزلة عفو عام عن الثوار الذين كانوا يواجهون انتقادات من منظمات حقوق الإنسان الدولية وبعض هيئات المجتمع المدني المحلية بشأن سلوكهم في أثناء الثورة وبعدها. وفي غياب أي قوات حكومية حقيقية، نفذت ألوية الثوار حملة تطهير من تلقاء نفسها على الأرض، فخطفت أولئك المشتبه بوجود صلات لهم بالنظام السابق واحتجزتهم في سجون غير رسمية، وعانى كثير منهم التعذيب وسوء المعاملة. وفي مواجهة ضعف الدولة، كانت هذه العناصر الثورية قادرة على إجبار السلطات على الموافقة على تصرفاتها في مناسبات متكررة. فعلى سبيل المثال، أجبر ثوار مصراتة السلطات على الموافقة على الهجوم الدامي الذي قاموا به ضد معقل النظام السابق في بني وليد في تشرين الأول/ أكتوبر 2012. فقامت ألوية الثوار من مصراتة بمهاجمة المدينة ووضعتها تحت الحصار بذريعة أنّ بعض رجال القذافي كانوا لا يزالون ينشطون هناك. وعلى الرغم من قلق المؤتمر العميق بشأن الهجوم الدامي، فإنه لم يكن قادرًا على منعه. واضطر وفد الحكماء الذي أرسله المؤتمر للتوسط في القضية الى العودة بعد أن أجبره المقاتلون الثوريون على ذلك، ولم يكن أمام السلطات في نهاية المطاف سوى خيار تمرير القانون رقم 7 الذي شرعن الهجوم27. وعلى نحو مماثل، كانت الألوية الإسلامية في الشرق تبرهن على صعوبة السيطرة عليها وضبط تصرفاتها، وكذلك كان حال بعض الجماعات المسلحة المتشددة مثل أنصار الشريعة الذين استغلوا غياب سلطة الدولة لترسيخ وضعهم. وبادرت بعض هذه الجماعات أيضًا إلى تنفيذ اغتيالات وهجمات استهدفت بشكل رئيس أفرادًا من جهاز الأمن كانت للعديد منهم ارتباطات بالنظام السابق. وفي الواقع، أصبحت الاغتيالات التي تستهدف مثل هذه الشخصيات مألوفة في بنغازي، وبدأت تصدر تقارير عن عمليات القتل الكثيرة كل أسبوع تقريبًا خلال عام 2013، وحتى في عام 2014 28. هكذا، وفي حين كان الإسلاميون وعناصر أخرى في الساحة السياسية يستخدمون الآليات
القانونية سعيًا لإبعاد أزلام القذافي عن الساحة السياسية، كان الثوار يستخدمون قوتهم وشرعيتهم الثورية للقضاء عليهم على الأرض. ولكنّ كلتا القوتين عملتا معًا في السعي لتعيين الحدود في ليبيا الجديدة عبر قانون العزل السياسي، وهو القانون الذي من المتوقع أن يصبح كلمة الفصل النهائية بشأن من سيتم قبولهم بوصفهم من الأصلاء في الساحة السياسية الليبية الجديدة. والواقع أنّ القانون كان في طريقه ليصبح أهم وسيلة للفصل بشأن من سيكون جزءًا من "حدود النظام السياسي" الجديد في عهد ما بعد القذافي.
مأسسة الحدود: قانون العزل السياسي
لم يمض وقت طويل بعد تشكيل الحكومة الليبية الأولى حتى بدأت شخصيات في الساحة السياسية تدفع باتجاه إدخال قانون من شأنه استبعاد كل الذين تورطوا مع النظام السابق من تولي مناصب في الحكومة وفي النطاق الأوسع للإدارة. صحيح أنّ هيئة النزاهة كانت فعالة على نحو مؤكد، لكنها لم تثبت قوتها الكافية بنظر بعض الذين أرادوا تطهيرًا عامًا للمؤسسة الرسمية. وعلاوة على ذلك، ظلت هيئة النزاهة تواجه القضاء الذي عزم على إنهاء العديد من قرارات الهيئة في ما أصبح نوعًا من معركة ممتدة بين قوى ليبيا القديمة والجديدة. ولهذا السبب، أصدرت مجموعة من أعضاء المؤتمر في كانون الأول/ ديسمبر 2012 بيانًا وضع مقترحاتٍ لقانون العزل الذي من شأنه حرمان أيٍّ من "بقايا النظام السابق" من القدرة على اختراق أجهزة الدولة ومؤسساتها29. وبذلك يمتد هذا القانون خارج نطاق المؤتمر ويستهدف تطهير جميع المؤسسات والشركات العامة في البلاد بما في ذلك القضاء. بعد يومين، وتحديدًا في 26 كانون الأول/ ديسمبر، صوت المؤتمر بشأن وجوب إقرار قانون العزل السياسي وتعيين لجنة خاصة تضم خبراء قانونيين وممثلين عن المؤتمر لصوغ مسودة لهذا القانون. وعلى الرغم من إقرار الاقتراح بأغلبية 125 صوتًا، كان لا يزال هناك مقاومة كبيرة داخل المؤتمر لمثل هذا القانون. أتت أغلبية هذه المقاومة من قبل تحالف القوى الوطنية، وهو الائتلاف ذو التوجه الليبرالي بقيادة محمود جبريل وزير التخطيط في عهد القذافي، وكان قد حصد النصيب الأكبر من المقاعد المخصصة للأحزاب السياسية في المؤتمر. ولم تتمحور اعتراضات التحالف على القانون حول حقيقة أنه سيؤدي إلى تجريد مؤسسات البلد من كثير من الخبرات التي تشتد الحاجة إليها فحسب، وإنما أيضًا أنّ مثل هذا القانون من شأنه أن يؤدي حتمً إلى إقصاء العديد من أعضائه، بمن فيهم زعيمه، من المناصب السياسية. ولكن، في مواجهة هؤلاء المعترضين، كانت ثمة قوى نافذة مصممة على تمرير هذا القانون، ومن هذه القوى المصراتيون الذين لهم تمثيل في المؤتمر عبر زعيمهم الثوري القوي عبد الرحمن السويحلي، والذي أصبح شخصية مؤثرة داخله. دفع السويحلي وأنصاره داخل المؤتمر باتجاه إقرار القانون، وانضم إليهم التيار الإسلامي، وتحديدًا حزب العدالة والبناء، وهو الحزب السياسي الذي أسّسه الفرع الليبي من جماعة الإخوان المسلمين. لم يكن أداء حزب العدالة والبناء منسجم مع التوقعات في الانتخابات الوطنية، لكنه ظل في المرتبة الثانية بحصيلة 17 مقعدًا مقابل 39 مقعدًا حصدها تحالف القوى الوطنية، وذلك من مجمل 80 مقعدًا مخصصًا للأحزاب السياسية. وعزّز الحزب وجوده في المؤتمر بفوز عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ممن ترشحوا لمقاعد الأفراد المستقلين. ومن ثم، أصبح حزب العدالة والبناء الكتلة الثانية في المؤتمر. كان حزب العدالة والبناء من أقوى المؤيدين لقانون العزل السياسي، وفي حين أنّ ذلك تعلق جزئيًا برغبته الحقيقية في رؤية النظام مطهّرًا من العناصر "غير النظيفة"، فإنه تعلق أيضًا باستهداف قانون العزل السياسي منافسيه السياسيين الرئيسين في تحالف القوى الوطنية في المقام الأول. لم تأتِ نتائج انتخابات تموز/ يوليو 2012 بفوز كاسح لأي طرف، وهذا يعني عدم وجود كتلة قوية بما يكفي للهيمنة على المؤتمر. وأصبح تحالف القوى الوطنية وحزب العدالة والبناء الكتلتين الرئيسيتين المتواجهتين في المؤتمر، ودخلا في صراع متواصل. بالنسبة إلى حزب العدالة والبناء، مثّل قانون العزل السياسي وسيلةً ملائمة وممكنةً لإضعاف تحالف القوى الوطنية، على الرغم من أنه لم يعترف بهذا الأمر. وبدلً من ذلك، بدأ حزب العدالة والبناء في الإشارة إلى أن القانون هو "امتداد للثورة" وأنه يمثل "مطلبًا لدماء الشهداء"، وبذلك صوّر الحزب نفسه مدافعًا عن الشعب والثورة. وكان حزب العدالة والبناء أيضًا يستخدم عن وعي هذا القانون كوسيلة لإضفاء صبغة الشرعية الثورية عليه، وتعريف نفسه بوصفه أحد الأصلاء. ولذلك لم يكن مستغربًا أن ينضم حزب العدالة والبناء إلى الثوار والكتل الأخرى في المؤتمر، مثل كتلة الوفاء للشهداء ذات التوجه
الإسلامي، في دعم م وررع القانون. كان الم وررع متصلبًا جدًا في طابعه وكانت لائحة الإبعاد واسعة، وشملت طيفًا عريضًا من الفئات ضمّ أولئك الذين تولوا مناصب سياسية أو دبلوماسية مهمة في النظام السابق، وكذلك أولئك الذين شغلوا مواقع عليا في وسائل الإعلام الحكومية والجامعات والمنظمات الخيرية التي كان يديرها سيف الإسلام القذافي والشركات والمنظمات العامة30. وهؤلاء الذين اعتبروا ضمن فئات هذه اللائحة الواسعة كان من المتوقع أن يمنعوا من تولي أي منصب سياسي أو أي وظيفة في جميع القطاعات الإدارية والشركات الحكومية والمنظمات المدنية والأجهزة الأمنية لمدة عشر سنوات، وكذلك من تأسيس الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والجمعيات لعشر سنوات أيضًا. عندما صدر المشروع شعر حتى بعض الذين كانوا جزءًا من لجنة صوغه بالإحباط بسبب طبيعته الصارمة. وقد اعترف محمد التومي رئيس اللجنة بوجود مظالم أساسية في المشروع وعلّق على ذلك قائل "ليس من الإنصاف وضع الناس الذين عملوا مع القذافي لمدة أربعين عامًا ولم يتخلوا عن النظام الشرير أبدًا في الفئة نفسها مع الذين عملوا لعام واحد فقط أو اثنين أو حتى عشرة ثم ساعدوا في تفكيك النظام"31. فضلً عن ذلك، فإنّ هذا التشريع في صيغته المقترحة لن يقلب المؤسسة السياسية الهشة أصلً رأسًا على عقب فحسب، بل من شأنه أيضًا أن يؤثر في قطاعات البيروقراطية والإدارة وصفوفهما بأكملهما، بحيث يعمل فقط على إضافة المزيد إلى حالة الفوضى وانعدام الأمن التي كانت تجتاح البلاد بشكل مطّرد، عدا عن إطلاق العنان لمزيد من أعمال الانتقام. ومن المرجح أيضًا أن يستبعد ذلك قطاعات بأكملها في البلاد من الحياة العامة. وعند الأخذ في الاعتبار الطريقة التي بُني بها نظام القذافي من حيث اعتماده بشكل كبير على قبائل ومناطق محددة خاصة في جهازه الأمني، فإنّ بعض المدن شعرت بأنّ الثورة همّشتها. فقد بدأت مناطق مثل بني وليد وسِْت التي اعتبرت معاقل رئيسة للقذافي، تشعر بأنها أصبحت كبش فداء بسبب ماضيها. لقد حمل مشروع قانون العزل السياسي معه خطر إبراز هذه المشاعر وتصاعدها عند أعداد كبيرة من أهالي هذه المناطق ومن بعض القبائل المقيمة فيها، مثل قبيلة ورفلة، ومن ثم كان من المحتمل جدًا أن تتأثر بهذا التشريع. وفي الواقع، خاطر القانون بإشعال المزيد من التوترات، وأخذ البلاد بعيدًا عن قضية المصالحة الوطنية الشائكة. ولذلك، لم يكن مفاجئًا كثيرًا أن توفيق الشهيبي - وهو عضو لجنة صوغ المشروع وينتمي إلى تحالف القوى الوطنية - لاحظ في ذلك الوقت أنّه "حتى الأعضاء المؤمنون بالعزل متخوفون منه"32. في الواقع، كان المشروع متطرفًا جدًا حتى بلغ حدّ السخرية. وفي مسعاه لجعل القانون بالغ التطرف بحيث تثبت عدم قابليته للتطبيق، دفع تحالف القوى الوطنية باتجاه التوسع في الفئات التي يشملها القانون ليرجع إلى بداية ثورة القذافي في عام 1969. ويعني ذلك أنّ شخصيات معارضة رئيسة مثل محمد المقريف، أول رئيس للمؤتمر الوطني العام وهو أحد أبرز المنفيين الليبيين في زمن النظام السابق، سيتم عزله سياسيًا بموجب القانون لأنه أمضى بضع سنوات سفيرًا لليبيا لدى الهند قبل أن ينشق في الثمانينيات. ومع ذلك، ما إن نشُر المشروع حتى تلقى إطراء فصائل محدّدة داخل المؤتمر وخارجه ممن كانوا يدفعون باتجاه التطهير الكامل، ومن هؤلاء عبد الرحمن السويحلي الذي رحّب بمشروع القانون في مؤتمر صحفي في 7 آذار/ مارس؛ إذ حذّر من أنّ "الثورة والثوار يتخلفون عن الركب في حين أنّ معارضي الثورة يتقدمون الصفوف. شرعيتنا مصدرها الثورة وأي عمل يُعاكس مسار الثورة من واجبنا أن نعارضه... نريد وجوهًا جديدة تمثل ثورة 17 فبراير ونريد التخلص من الحرس القديم"33. والجدير بالذكر أنّ مفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني أشاد
بالمشروع ووصفه بأنه "أكثر من ممتاز"34. وذهب إلى التأكيد على أنه إذا قُبل القانون وطُبِّق بصيغته المقترحة سيمثّل "بدايةً حقيقية لإنجاز أهداف الثورة"35. ووصل الأمر بالغرياني في نيسان/ إبريل إلى حدّ إصدار فتوى تنصّ على أنه فرض كفاية على الليبيين الخروج بالآلاف لمطالبة المؤتمر بإصدار القانون، لأنّه ضروري من أجل طرد جميع الموالين للنظام السابق الذين "يخترقون الدولة"36. لقي المشروع أيضًا ترحيبًا من الثوار على الأرض، على الرغم من أن بعضهم أعلنوا أنّ المشروع لم يذهب بعيدًا إلى الحد المطلوب. ومن المؤكد أنّه لم يكن للثوار أن يطالبوا بتخفيف صيغة المشروع بأي شكل من الأشكال. وكما أكد المجلس الأعلى لثوار ليبيا، فإنّ "هذا القانون أمر لا مفر منه، ولا مجال لحلٍّ وسط. وأي عضو في المؤتمر يعارض أو يصوت ضد أي مادة من مواد هذا القانون التاريخي فإنه يحنث باليمين التي أقسمها عندما تولى منصبه. ذلك سيكون خيانة عظمى للثورة وأهدافها النبيلة"37. ولتوضيح وجهة نظرهم، نظّم نحو 200 عنصر من الثوار مظاهرة خارج فندق ريكسوس في طرابلس حيث اضطر المؤتمر عقد جلسته فيه، مطالبين أن يكون القانون أقوى ما يمكن38. وبذلك بدأ دعم هذا المشروع الصارم يكتسب زخمً خارج المؤتمر. لكنّ هذا الزخم لم يتطابق مع ما يجري داخل المؤتمر الوطني العام؛ إذ وجدت الكتل المعارضة أنه من المستحيل التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن. فما بدأ بوصفه استجابة لمطالب الشارع والثوار تحوّل إلى صراعٍ على السلطة والسيطرة تحاول فيه كل كتلة هزيمة الكتل الأخرى وخداعها. وفي حين ظل حزب العدالة والبناء يضغط باتجاه إقرار القانون، فإنّ تحالف القوى الوطنية، الذي كان أكبر الخاسرين منه، وقف بحزم ضده محتجًا بأنّ القانون ينبغي أن يقتصر على استبعاد أولئك الذين ارتكبوا أعمالً إجرامية فحسب، وأنه لا ينبغي أن يشمل أي شخص انشق عن النظام السابق وانضم إلى الثورة. لكنّ تحالف القوى الوطنية الذي لم يتمكن من إقناع الآخرين بدعم وجهة النظر هذه، مارس تكتيك العرقلة للحيلولة دون قبول المشروع؛ فتغيّب عن جلسات المؤتمر لضمان عدم اكتمال النصاب الكافي للتصويت عليه. لكن سرعان ما بدأت الهزائم تلحق بالهيئات الرسمية للدولة الليبية الجديدة؛ ففي 5 آذار/ مارس اقتحم 500 عنصر من الثوار اجتماعًا للمؤتمر كان يُعقد في مقرٍ بديلٍ مؤقتٍ – في معهد الأرصاد الجوية في ضاحية كريميا جنوب طرابلس - بسبب احتجاجٍ داخل مبنى المؤتمر قام به جرحى الثوار الذين يطالبون بالعلاج الطبي. ومع أنه لم يكن هناك سوى 26 من أعضاء المؤتمر حاضرين في الاجتماع، فقد احتجزهم الثوار كرهائن لمدة يوم كامل وطالبوا بإقرار قانون العزل السياسي المثير للجدل. ورفض الثوار السماح بإدخال الطعام أو الشراب إلى المقرّ، ووصل الأمر بهم إلى استخدام العنف ضد بعض أعضاء المؤتمر، بما في ذلك رئيس المؤتمر محمد المقريف الذي تعرضت سيارته لوابل من الرصاص في أثناء مغادرته المقر في نهاية الحصار. وفي الوقت نفسه، بدأ الثوار مهاجمة رئيس الوزراء علي زيدان واتهموه بتعيين شخصيات من النظام السابق في مناصب في الوزارات وهيئات الدولة. كان هذا الهجوم انعكاسًا لاعتقاد العناصر الثورية بأنّ الثورة كانت تنحرف عن المسار الصحيح. وعلى الرغم من الانتخابات وتعيين هيئات جديدة مكلفة بالإشراف على المسار الانتقالي، اعتقد الثوار بأنّ أزلام القذافي كانوا لا يزالون مسيطرين على المشهد ومتغلغلين في جميع قطاعات الإدارة الحكومية. ولذلك رأوا في قانون العزل السياسي قضية ملحة وأصبح إقراره السبيل الوحيد "لإنقاذ الثورة" والحفاظ على نقائها. ونتيجة لذلك، قام نحو 200 عنصر من الثوار المسلحين ومعظمهم من مصراتة في 28 نيسان/ إبريل بمحاصرة وزارة الخارجية بشاحنات صغيرة ورفعوا لافتات تدعو إلى طرد رجال القذافي من الوزارة. وأعلنوا أيضًا أنّ الوزارة ستبقى مغلقة حتى إقرار قانون العزل السياسي ودخوله حيز التنفيذ. وفي اليوم التالي، تعرّضت وزارة المالية لهجوم. وفي 30 نيسان/ إبريل، حاصر الثوار وزارة العدل. وحاولت مجموعة أيضًا القيام بالأمر نفسه في وزارة الداخلية لكنهم لم يستطيعوا دخول المبنى. وفي مواجهة استعراض القوة هذا وقيام الثوار بكل ما من شأنه إيصال الإدارة الحكومية إلى طريق مسدود، لم يكن أمام أعضاء المؤتمر من
خيار واقعي سوى إقرار القانون المثير للجدل في صيغته الأشد صرامة. وأخيرًا، صوّت المؤتمر في 5 أيار/ مايو لمصلحة القانون ب 164 صوتًا (مقابل أربعة أصوات فقط ضده)، على الرغم من أنّ القانون يحمل إمكانية طرد بعضهم من مناصبهم. وبحسب ملاحظة أحد المحللين الليبيين، كان حجم الضغط كبيرًا، بحيث إن أعضاء المؤتمر "صوتوا ضد أنفسهم" بسبب الخوف39. وهكذا، فإنّ الحدّ الرمزي الذي رُسم في الأيام الأولى للثورة وامتدّ إلى المرحلة الانتقالية، تحوّل أخيرًا إلى قانون، ومثّل هذا الأمر انتصارًا للثوار والإسلاميين الذين انتصروا بوصفهم الأصلاء السياسيين الجدد.
خلاصة
على الرغم من القضايا الخطيرة التي أحاطت بتنفيذ القانون، فإن الحدود الرمزية المنصوص عليها فيه ظلت موضع تأييد. والجدير بالذكر أنّ الثوار والتيارات الإسلامية انتقلوا لتعزيز سيطرتهم على الساحة السياسية وأخرجوا منها عنوة خصومهم الليبراليين وانتقدوهم بوصفهم دخلاء. ومن هؤلاء العناصر رئيس الوزراء السابق علي زيدان. وكما أعلن أسامة كعبار نائب رئيس المجلس الأعلى للثوار بعد صدور قانون العزل السياسي مباشرة: "نحن مصممون على مواصلة تحركنا حتى رحيل علي زيدان"40. لاحقًا، وجد زيدان نفسه تحت ضغط متزايد ووصل الأمر حدّ قيام عناصر ثورية مرتبطة بغرفة عمليات ثوار ليبيا باختطافه في تشرين الأول/ أكتوبر 2013. واضطر أخيرًا إلى ترك منصبه بعد تصويتٍ على حجب الثقة عنه في آذار/ مارس 2014 بتدبير من الكتل الإسلامية في المؤتمر مدعومة من العناصر الثورية. واستمر هؤلاء الثوار أيضًا في تبرير جهدهم الرامي إلى فرض إرادتهم على الساحة السياسية تحت ستار حماية الثورة من أزلام القذافي. ففي نيسان/ إبريل 2014 زحفت الألوية الثورية من بنغازي ومصراتة ومدن أخرى باتجاه العاصمة معلنة نيتها حماية ثورة 17 فبراير. وأعلن محمد العريبي، آمر القوة الثانية في لواء درع ليبيا المشارك في هذا الزحف، أنّ هدفهم هو "قيام حكومة ثورية وشريفة بدل الحكومة الحالية"41. واتهم العريبي أيضًا القائمَ بأعمال رئيس الوزراء عبد الله الثني بأنه كان جزءًا من حركة اللجان الثورية المخيفة في عهد القذافي42. وفي أثناء ذلك، قال محمد التمتام قائد الجزيرة لواء درع ليبيا الغربي لقناة: نحن قادمون إلى طرابلس بسبب انعدام الأمن، ولأنّ الهيئات التنفيذية التشريعية والعسكرية مخترقة، نحن نتحرك لجلب الأمن والأمان للعاصمة43. كانت هذه القوى، على هذا النحو، تستخدم تبريرًا مفاده مكافحة أولئك المرتبطين بالماضي لتحقق المزيد من ترسيخ مواقعها ونفوذها. وكانت نتائج ذلك حالة مماثلة لما كان سائدًا في أيام القذافي؛ أي تركّز السلطة الحقيقية خارج المؤسسات الرسمية للدولة. وكما لاحظ جمعة السائح عضو لجنة الدفاع في المؤتمر الوطني العام في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، "من يمتلك السلاح هو الأقوى، وأن هذه الحكومة البائسة والمؤتمر الوطني العام ليس لهما أي دور على الأرض"44. ومع ذلك، حتى هذه القوى الثورية الفاعلة على الأرض لم تكن تمثل قوة متحدة أو متماسكة، بل كانت جزءًا من مشهد التشظي الذي أصبح يميز مرحلة ليبيا ما بعد القذافي؛ إذ تدور معركة حول تحديد من سيكونون الأصلاء الجدد. وفي غياب أيّ سلطة قوية بما يكفي للسيطرة والضبط، يبدو أنّ هذه المعركة مرشّحة للاستمرار في المستقبل المنظور حاملة معها عواقب وخيمة على ليبيا وانعكاسًا على سعيها لتحويل نفسها إلى دولة ديمقراطية حديثة فاعلة. وأمّا التحرك الأخير في أيار/ مايو 2014 الذي قام به الجنرال المتقاعد خليفة حفتر للإمساك بزمام المبادرة وشنّ هجومًا على القوى الإسلامية على الأرض في بنغازي وعلى الساحة السياسية أيضًا، فإنها زادت الأوضاع سوءًا. ومع تزايد عدد القوى - ومنها تلك المرتبطة بالمؤسسات العسكرية الرسمية - والمصطفين وراء حفتر، أصبحت البلاد أكثر استقطابًا من أي وقت مضى؛ إذ يُخيّم الحديث عن حرب أهلية ويلقي بثقله في البلاد. وفي الواقع، يصل الليبيون على نحوٍ متزايدٍ إلى استنتاجٍ مفاده أنّ بلادهم تتجه أكثر من أي وقتٍ مضى إلى أن تصبح دولة فاشلة.