الانتخابات الرئاسيّة الجزائرية عام 2014 وعسر المرحلة الانتقالية
الملخّص
تسعى هذه الورقة البحثية إلى تحليل السياق السياسي الداخليّ والإقليمي الذي تمّ ت فيه الانتخابات الرئاسيّة الجزائرية الخامسة في عهد التعدّدية الحزبية، ومحاولة رصد الظواهر السياسية التي شهدتها الانتخابات بتفسير دلالاتها السياسية وانعكاساتها على عملية الانتقال الديمقراطي، ثم تقف عند نتائج الانتخابات بالتحليل والمقارنة وتفسير العوامل مة في سلوك الناخب الجزائري الذي فض ل الاستمرارية على التغيير المتحك.
مقدمة
تعدّ الانتخابات الرئاسية الجزائرية الخامسة عام 2014 علامة فارقة في تاريخ الانتخابات وفي الحياة السياسية الوطنية، منذ تبنّي التعدّدية السياسية في بداية تسعينيات القرن العشرين؛ لإجرائها في سياق سياسي داخليّ وإقليمي ودولي صعب وغير مستقر، ولتداعياتها وآثارها المستقبلية على عملية الانتقال الديمقراطي في الجزائر، وهذا تأسيسًا على أنّ الانتخابات هي إحدى الآليات الرئيسة في عملية الانتقال الديمقراطي، والمحكّ الأساسي لاختبار مدى قوة التغيير وحقيقته؛ وذلك بتوفير مبدأ التداول على السلطة وتجديد النخبة، وبها تقاس درجة ولاء الشعب وقبوله لجهة أو لبرنامج معيّ لاختبار مستويات المشاركة السياسية. تحظى الانتخابات الرئاسية الحاليّة في الجزائر، وفي الأنظمة السياسية العربية التي شهدت ثورات وانتفاضات شعبية وحركات احتجاجية، بأهمّية استثنائية خاصّة، لأنها المحطة الأبرز والأهمّ في المرحلة الانتقالية؛ فرئيس الجمهوريّة في النظام السياسي يهيمن على معظم السلطات والصلاحيات في الحياة السياسية والدستورية ومنها وضع الدستور وتعديل موادّه بما يتماشى واستمرارية النظام القائم وديمومته، من خلال فتح أو تمديد الولايات الرئاسية أو محاصرة المعارضة أو إشراكها في الحكم، كلّ ذلك مع استبعاد فكرة تداول السلطة بطريقة سلسة؛ الأمر الذي يطرح إشكالية تداول السلطة في الدول العربية التي نجحت أنظمتها السياسية في تفادي الثورات الشعبية بإجراء إصلاحات سياسية وانتخابات تعددية، لتتكيف مع الأوضاع الراهنة.
وانطلاقًا مما سبق، تسعى هذه الورقة البحثية إلى دراسة السياق الذي تمّت فيه الانتخابات الرئاسية الخامسة التي ظهرت محسومة النتائج مسبقًا في عهد التعدّدية السياسية، وسط مقاطعة المعارضة الإسلامية لها، ثمّ تحاول الورقة رصد أهمّ الظواهر السياسية التي شهدتها الانتخابات الرئاسية وتحليل دلالاتها السياسية، كما ستقوم الدراسة بتحليل نتائج الانتخابات وتفسيرها، مع استشراف انعكاساتها على مستقبل الانتقال الديمقراطي في الجزائر. وفي ضوء ذلك تحاول الورقة البحثية الإجابة عن التساؤلات التالية:
الإشكالية
• هل ستنجح الانتخابات في الجزائر في تجاوز المرحلة الانتقالية؟ ما الأثر الذي ستحدثه نتائج الانتخابات الرئاسية في المشهد السياسي؟ • ما مدى تأثير المتغيّ الإقليمي في العملية الانتخابية في الجزائر؟ • كيف يمكن تفسير نتائج الانتخابات وسلوك الناخب الجزائري؟
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة التحليلية إلى مقاربة السياق الداخلي والإقليمي الذي تمّت فيه الانتخابات الرئاسية، ثم تفكيك نتائجها، وقراءة معطياتها؛ لتعرّف مدلولاتها وتداعياتها في عملية الإصلاح السياسي وتجاوز المرحلة الانتقالية في الجزائر.
منهجية الدراسة
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي والمقترب القانوني المؤسسي والبيئي، لتحليل السياق الذي تمّت فيه الانتخابات، وتأثير ذلك في النتائج؛ كما تمّ توظيف المقاربة السوسيولوجية لتفسير العوامل المتحكّمة في السلوك الانتخابي.
محاور الدراسة
أهمّية الانتخابات الرئاسية في تجاوز المرحلة الانتقالية في الجزائر. بيئة الانتخابات الرئاسية الخامسة. الظواهر السياسية في الانتخابات الرئاسية. تحليل الانتخابات من الناحية العملية وتفسير النتائج ودلالاتها.
مستقبل الانتقال الديمقراطي بعد الانتخابات الرئاسية التعدّدية الخامسة.
أهمية الانتخابات الرئاسية
في تجاوز المرحلة الانتقالية في الجزائر
يحظى منصب رئاسة الجمهوريّة في النظام السياسي الجزائري بمكانة بارزة ومتميزة، استمدها من طريقة اختياره من جهة، ومن السلطات المخوّلة له من جهة أخرى، وكذلك الوسائل السياسية والقانونية التي عزّزت موقعه؛ فأصبح قبّة النظام وقمّة الهرم التنفيذي، وبناء عليه، فإنّ انتخابات اختيار الرئيس تُعدّ من أكثر الحوادث إثارة للحوار والتنافس السياسي، وكذلك صراع العصب في السلطة، إضافة إلى تدخّل المؤسّسة العسكرية منذ الاستقلال إلى مرحلة التعدّدية السياسية؛ إذ ارتبطت الانتخابات في الجزائر بالأزمة السياسية (أزمة الدولة، وأزمة النظام، وأزمة الأحزاب) وبالانتقال الديمقراطي، والبناء المؤسسي، والاستقرار السياسي. إنّ المتتبع لتاريخ الجزائر السياسي والدستوري لا يجد صعوبة في كشف تركّز السلطة في يد رئيس الجمهوريّة، وشخصنتها عن طريق الاستحواذ عليها، بموجب موادّ دستورية تمكّنه من التمتّع بسلطات واسعة على مستوى الدولة، وتحافظ على بقائه واستمراره. فبدءًا من الرئيس أحمد بن بلة الذي استطاع إبعاد معارضيه لتكريس مشروعه السياسي، إذ نصّب نفسه زعيمً للشعب، وأقام نظام حكم دستوري بواسطة الحزب الواحد كما جاء في المادة 39() من دستور عام 1963 "تُسند السلطة التنفيذية إلى رئيس الدولة الذي خوّله الدستور صلاحيات واسعة منها مشاركة البرلمان في التشريع"...1، ثم جاءت مرحلة الرئيس هواري بومدين الذي تفرّد بالسلطة والزعامة وتعدّت سلطته كثيرًا سلطات الرئيس بن بلة بعد الانقلاب عليه عام 1965، فأصبح يشغل مكانة بارزة ومركزًا مهيمنًا في النظام السياسي الجزائري؛ وهو ما سمح له بتدعيم سلطته الشخصية لقيادة الدولة والنظام، بإجراءات منها اتخاذ قرارات وإصدار توجيهات من دون الرجوع إلى البرلمان؛ الأمر جعل منه مفتاح "قبّة النظام" نتيجة تركيز أهمّ وظائف الحزب الواحد والدولة بيده (انظر دستور عام)19762. في هذه الفترة (من حزيران/ يونيو 1965 إلى كانون الأوّل/ ديسمبر 1978) ارتبطت مؤسّسة الرئاسة والمؤسّسة العسكرية ارتباطًا كليًّا، ضمن تبعيّة مطلقة لرئيس الجمهوريّة بوصفه القائد الأعلى للقوّات المسلّحة. في ضوء ما تقدّم، يتبيّ لنا أنّ ظاهرة احتكار السلطة وحصرها بيد الرئيس، أصبحت من السمات البارزة في النظام السياسي الجزائري في ذلك الوقت؛ ذلك أنّ التقاليد السياسية في الحكم لم تكن تسمح بوجود قيادة ثنائية شخصية أو مؤسساتية. ولكن بعد وفاة الرئيس هواري بومدين ومجيء الرئيس الشاذلي بن جديد الذي واكب ظهوره جيلٌ جديد من الشباب، وفي ظل متغيّ ات دولية جديدة "الموجة الثالثة للتحوّل الديمقراطي"، والتمهيد للتعددية، وبعدما تبيّ أنّ شخصنة السلطة لم تعد تتماشى مع روح العصر ومتغيّ اته السياسية والدولية، كانت حوادث 5 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1988 التي غيّ ت مجرى الحوادث السياسية في الجزائر؛ فأصبحت مسألة التغيير في طبيعة النظام السياسي من شخصنة السلطة والأحادية الحزبية إلى التعدّدية السياسية، هي المسألة الأكثر ضرورةً من أجل الإبقاء على النظام واستمراريته3؛ وعليه، جاءت بوادر التغيير في طبيعة النظام السياسي في دستور عام 1989 الذي ألغى القاعدة التي تقضي بأنّ رئيس الجمهوريّة يجسّد وحدة القيادة السياسية للحزب والدولة؛ وأقرّ ثنائية السلطة التنفيذية (اقتسام السلطة بين الرئيس والحكومة والبرلمان)، وفصْل الدولة عن الحزب، ومبدأ الفصل بين السلطات، وتكريس التعدّدية الحزبية والسياسية.
واستنادًا إلى ما سبق، شاركت الأحزاب السياسية في الانتخابات التعدّدية، ولكن نتيجةً لعدم الاستقرار الذي ميّز النظام السياسي الجزائري، والذي أثّر سلبيًا في أداء مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة وفي عملية الانتقال الديمقراطي؛ فشل الرئيس الشاذلي بن جديد في إنهاء
عهدته الثالثة بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية عام 1991؛ لتدشّن الجزائر بعد ذلك مرحلة الرئاسة الجماعية بقيادة محمد بوضياف الذي اغتيل ستة أشهر فقط بعد تعيينه، ليخلفه الرئيس علي كافي في تموز/ يوليو.1992 انتُخ وفي عام 1995 ب الرئيس لمين زروال رئيسًا للجمهورية في منافسة تعدّدية؛ وفي عهده تمّت الموافقة على الدستور الجزائري عام 1996 الذي حدّد عهدة الرئيس بواحدة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. ولم يكمل الرئيس زروال عهدته الأولى، مفضّ لًالاستقالة وتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، فاز بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي عبّ أكثر من مرّة عن عدم رضاه عن دستور عام 1996؛ فأظهر نيّته على تغييره للحصول على صلاحيات أكبر لرئيس الجمهوريّة على حساب رئيس الحكومة والبرلمان، وكذا إلغاء تقييد عدد العهدات الرئاسية. وجاء التعديل الأخير عام 2008 ليعبّ عن تلك الرغبة وليكون الضربة القاضية الموجّهة ضد الديمقراطية وضد مفهوم النظام الجمهوري بفتح العهدات الرئاسية، وتمركز جميع الصلاحيات بيد رئيس الجمهوريّة؛ إذ أصبح رئيس الحكومة مجرّد وزير أوّل، يتول رئيس الجمهوريّة تعيينه وإنهاء مهماته؛ وهو منصب كان موجودًا في دستور عام 1976. لقد أصبحت مهمة الوزير الأوّل هي تطبيق برنامج رئيس الجمهوريّة وتنسيق عمل الحكومة، وبذلك يكون هذا التعديل الجديد قد وضع حدًا للتساؤل الذي كان مطروحًا سابقًا والمتمثّل بأيّ البرنامجين أولى بالتطبيق، إذ تمّ التنصيص صراحة على أنّ الأمر يتعلّق ببرنامج رئيس الجمهوريّة، وما دور الوزير الأوّل سوى تنسيق عمل الحكومة، وعليه، تتبيّ لنا العودة إلى وحدة السلطة التنفيذية4، لتكون بذلك الأحزاب غير مطالَبة ببرامج سياسية، بل بقبول برنامج الرئيس، ثم التنافس على كيفية تطبيقه. من خلال ما سبق، يمكن القول إنّ ظاهرة تركّز السلطة في يد رئيس الجمهوريّة وشخصنتها بطريق الاستحواذ عليها بموجب مواد دستورية، تمكّنه من التمتع بسلطات واسعة على مستوى الدولة، وتحافظ على بقاء النظام واستمراريته، قد ظلّت قائمة في ظلِّ الحزب الواحد؛ لتتراجع في ظلِّ إرهاصات التحول الديمقراطي في التسعينيات؛ ثم تختفي في المرحلة الانتقالية والأزمة الأمنيّة؛ لتعود مجددًا عبر التعديل الدستوري عام 2008 (شخصنة السلطة)، وتصبح محاطة بشبكة من القوى الرسميّة وغير الرسميّة، وجماعات المصالح المبنية هرميًّا من المركزية إلى المجتمع المحلي في إطار غير رسمي؛ إذ عمد الرئيس منذ مجيئه للسّلطة إلى إنتاج قوى جديدة داخل النظام السياسي لتعزيز نفوذه.
بيئة الانتخابات الرئاسية الخامسة عام 2014
جرت الانتخابات الرئاسية الخامسة في عهد التعدّدية في سياق سياسي داخليّ ودوليّ صعب وغير مستقرّ؛ إذ مثّلت التحدّيات الداخليّة والمتغيّ ات الإقليمية نسقًا تفاعليًا في ما بينها لتؤثّر في العملية الانتخابية. ويمكن تحديد هذه المتغيّ ات في ما يلي:
البيئة الداخلية
انطلقت الانتخابات في وقت يمرّ فيه المجتمع الجزائري بتحدّيات داخليّة معقدة ومتداخلة، فمن الناحية الاجتماعية تفاقمت البطالة في صفوف خرّيجيّ الجامعات خاصّة الشباب منهم، علاوة على ذلك أزمة السكن، ومشكلات قطاع الصحة والتربية والتعليم؛ أمّا من الناحية الاقتصادية فتمثّلت بفشل السياسات العامة (التشغيلية والاقتصادية... إلخ) وبرامج التنمية المحلية، وتفشي الفساد الإداري والمالي وتوسّعه إلى المؤسسات الاقتصادية الكبرى (مجمع البترول الجزائري "سوناطراك"، ومشروع الطريق السيار شرق- غرب... إلخ)، إضافةً إلى انتشار الرشوة وتبذير المال العامّ؛ أوصلت هذه الظواهر الجزائر إلى مراتب متدنّية في التقارير الدُولية الصادرة عن عديد المؤسسات المهتمّة بقياس الفساد على المستوى الدولي. لقد أدّى تفاقم الأزمات المجتمعية وسوء إدارة الحكومة لها إلى الفعل الجماعي الاحتجاجي؛ فظهرت حركات احتجاجية شملت معظم القطاعات (التعليم، والصحة، والأمن - الحرس البلدي -... إلخ)، ومسّت كامل مناطق البلاد، خاصّة الولايات الشرقية والجنوبية، حيث حاولت السلطة احتواء هذه الحركات الاحتجاجية والاعتصامات اليومية بوسائل أمنيّة سلميّة (سياسة الأمن الناعم)5، وبوعود سياسية وإجراءات اقتصادية (شراء السلم الاجتماعي)، وخصوصًا أنّ المطالب يغلب عليها الطابع الاجتماعي. ومع انطلاق الحملة الانتخابية تجدّدت هذه الحركات الاحتجاجية والاعتصامات،
مستغِلّةًالظرف الانتخابي لإسماع صوتها إلى كل المؤسسات السياسية الوصية6. فبدأت تأخذ بعدًا سياسيًا واضحًا، من خلال الشعارات التي رفعها المحتجّون، والتي تندّد بالفساد والظلم الاجتماعي وتنادي بالتّغيير السياسي.
أ. الانتقال من الاحتجاجات الاجتماعية إلى السياسية
بدأت الاحتجاجات تأخذ بعدًا سياسيًا واضحًا من خلال هتافات، رفعت شعارات ومطالب سياسية، أثناء إعلان رئيس الجمهوريّة عبد العزيز بوتفليقة الترشّح لعهدة رابعة. وعليه، تحرّكت الساحة السياسية بعد أشهر من الترقّب، فأصبحت العديد من الأحزاب من مختلف التيارات والتوجّهات السياسية رافضة لهذا الترشح، وداعية لمقاطعة الانتخابات؛ فانسحبت بعض الشخصيات الوطنية من السباق الرئاسي، وظهر الرئيس المترشّح أوّل مرّة منذ 15 عامًا من دون حليف "إسلامي." وفي ظلِّ حراك شبابي لافت نشأت حركة تسمّى "بركات" تضمّ مثقفين وإعلاميين وجامعيين وشبابًا، تستند بحسب مؤسّسيها إلى مبادئ الثورة التحريرية، وتأخذ الطابع الجزائري7. كشفت الحركة في بيان أرضيّتها السياسية عن هويّتها، وقالت إنّها "حركة مواطنة وطنية سلمية مستقلة غير حزبية، تسعى لإرساء الديمقراطية وبناء دولة الحقّ والقانون في الجزائر"، وبرّرت أساس نشأتها بسعي أبنائها للحفاظ على مستقبل بلادهم. كما نفت الحركة الناشئة الاتهامات الموجّهة إليها، بأنّها تتحرك بإيعاز من أطراف أجنبية تسعى لاستنساخ الرّبيع العربيّ في الجزائر. ودعت حركة بركات إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، وإلى مرحلة انتقالية لإقامة جمهورية ثانية؛ ونظّمت عدة احتجاجات واعتصامات، أثناء الحملة الانتخابية وقبيل الانتخابات بيوم واحد.
لكن ما يمكن ملاحظته أنه من ناحية الانتشار والاستقطاب، ظهرت هذه الحركة عاجزة عن تعبئة الشارع الجزائري حولها، وإقناع الشعب بأهدافها؛ فهو متردّد إزاء مسألة الرّبيع العربي، ذلك أنّ ترسّبات العشريّة السوداء مازالت راسخة في الضمير المجتمعيّ الجزائري من جهة، كما أنّ الجمهور يجهل هويّة أعضاء الحركة من جهة أخرى. أثبتت حركة "بركات" أنها عاجزة عن تعبئة الشارع الجزائري حولها، بسبب تردد الشعب إزاء مسألة الرّبيع العربي، بسبب ترسّبات العشريّة السوداء التي مازالت راسخة في الضمير المجتمعيّ الجزائري.
ب. تأسيس تحالف للمعارضة
تمّ في سياق الانتخابات الرئاسية الإعان عن تشكيل تحالف للمعارضة متمثّل بالتنسيقية الوطنية للأحزاب والشخصيات المقاطعة للرئاسيات؛ ضمّت حركة مجتمع السلم، وحزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية "الأرسيدي"، وجبهة العدالة والتنمية، وحركة النهضة، وحزب جيل جديد، ورئيس الحكومة الأسبق المترشّح المنسحب أحمد بن بيتور. دعت التنسيقية الشعب الجزائري والمترشّحين إلى مقاطعة الانتخابات، ورأت أنّ الأزمة السياسية التي تشهدها الجزائر تستدعي جميع الفاعلين السياسيين بغضّ النظر عن أيديولوجياتهم لإيجاد منفذ سلمي، كما نظّمت وقفات ميدانية مشتركة وتجمّعًا شعبيًا، وسخّرت يوم الاقتراع فريقًا من الملاحظين عبر مكاتب التصويت في جميع الولايات لمتابعة عملية التصويت، وتقديم أرقام موازية لأرقام السلطة. وعدّها العديد من المراقبين لهذا الحراك السياسي الحزبي والاجتماعي في سياق الانتخابات الرئاسية، تطوّرًا ملحوظًا في المشهد
السياسي الجزائري، بسبب حجمها وبداية انتشارها في عدّة ولايات ومحاولة تأطيرها.
ج. البيئة السياسية الداخلية
تميّزت بعدم الاتفاق على موقف موحّد، وبحالة ارتباك وانقسام في المشهد السياسي غير مسبوق، فتوزّع المشاركون في الانتخابات إلى عدّة أقطاب: القطب الأوّل والمؤيّد للمترشّح عبد العزيز بوتفليقة يضمّ قوى رسمية وغير رسمية مؤيّدة للحفاظ على الوضع القائم، ومنها الأحزاب التقليدية مثل حزب جبهة التحرير الوطني، والتجمّع الوطني الديمقراطي؛ ومجموعة أخرى من الأحزاب الصغيرة التي أصبحت تُسمّى "أحزاب الموالاة" وقد بلغ عددها 26 حزبًا، أعلنت دعمها ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومن بينها حزب تاج لوزير النقل عمار غول، والحركة الشعبية الجزائرية لوزير الصناعة عمارة بن يونس، إضافةً إلى منظمات المجتمع المدني وتنظيماته، ووسائل إعلام خاصّة. القطب الثاني المشارك في الانتخابات يمثّله المترشّح الحّر علي بن فليس، ويضم 21 تنظيمً من بينها 18 حزبًا سياسيًا، ومنظمات للمجتمع المدني، وشخصيات وطنية، ونخبة سياسية وعلميّة، وفاعلين بالمجتمع المدني أعلنوا مساندتهم ودعمهم للمترشّح وبرنامجه. فقد جاء في بيانهم المشترك ما يلي: "نحن بصفتنا أحزابًا سياسية وهيئات وشخصيات وطنية، نلتفّ حول المشروع الوطني للمترشّح الحرّ علي بن فليس، الهادف إلى إحداث تغيير سياسي شامل، يعيد السيادة والسلطة إلى الشعب عبر الاختيار الحرّ لممثليه، ويمكّنه من بناء مؤسّسات شرعية وقوية"...8. القطب الثالث يرفض المشاركة، وينادي بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، يضمّ التنسيقية الوطنية للأحزاب، والشخصيات المقاطعة للرئاسيات، وتنظيمات الحركة الاجتماعية مثل بركات وحركة رفض، إضافةً إلى بعض وسائل الإعلام الخاصّة والجرائد، وشخصيات سياسية مستقلة، وجماعات من المجتمع المدني. القطب الرابع تبنّى خيارًا وسطًا بين المشاركة في العملية الانتخابية ومقاطعتها (التصويت يوم الانتخاب بورقة بيضاء)، وتمثّله أحزاب إسلامية هي جبهة التغيير وحزب العدالة والحريّة، وبناءً عليه، تُراهن هذه الأحزاب على الأوراق الملغاة التي عادة ما تصل إلى مليون صوت في كل استحقاق انتخابي. القطب الخامس يمثّله أقدم حزب معارض في الجزائر، جبهة القوى الاشتراكية التي تمتلك وعاءًانتخابيًا محترمًا في ولايات القبائل، والتي تبنّت موقفًا محايدًا، فقد أ علن أنّ الموقف الذي اتخذه الحزب بعدم المشاركة، وعدم مقاطعة استحقاقات 17 نيسان/ أبريل 2014 هو موقف "حكيم"، إذ هو يرى أنّ نتائج الاقتراع محسومة مسبقًا9. يلُاحظ أنّ الطبقة السياسية انقسمت في التعامل مع العملية الانتخابية بوصفها آليّة للتغيير وتجاوز المرحلة الانتقالية؛ ويظهر هذا من خلال التموقع والاصطفاف السياسي، والتحالفات البعيدة عن الأيديولوجيات المختلفة للأقطاب.
د. البيئة القانونية
تميزت بالإصلاح الانتخابي الذي يُعدّ مدخلً أساسيًا للإصلاح السياسي، دخلت تعديلات جوهرية على القانون الانتخابي الجزائري فقد أ، جعلته يرتقي إلى الأنظمة الديمقراطية. وشهدت هذه الانتخابات اختلافًا عن الانتخابات السابقة تمثَّل بالإشراف القضائي عليها، وهو من أهمّ المطالب التي كثيرًا ما نادت بها أحزاب المعارضة، لضمان حرية الانتخابات ونزاهتها، من خلال تشكيل لجنة وطنية للإشراف على العملية الانتخابية مكوَّنة من قضاة، تنظر في كل تجاوز أو خرق يمسّ من صدقيّة العملية الانتخابية ونزاهتها أو القانون الانتخابي. وتتعاون هذه اللجنة مع اللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات، وتتكوّن من ممثِلّي الأحزاب والقائمات الحرّة المشاركة، وتنتخب رئيسها بطريقة ديمقراطية. وتمّ تدعيم هذه الرقابة المحليّة برقابة دُولية (ملاحظين دُوليين)، كما خوّل القانونُ الأحزابَ إمكان الطعن أمام القضاء الإداري في المنازعات الانتخابية، وحضور ممثِّليها في مكاتب التصويت وتسليمهم محاضر الفرز10.
ه. البيئة الأمنية
سادها التوتر، وغذّتها خطابات تخويفيّة، روّجت لها وسائل إعلام خاصّة، وتصريحات بعض المترشّحين في الحملة الانتخابية، محذِّرة من وجود تهديدات إقليمية في حالة فشل الانتخابات، وأعمال
عنف وصدامات داخليّة في حالة فوز مرشّح معيَّ؛ إضافةً إلى بروز احتجاجات وحالات عنف غير مسبوقة عبر ولايات الوطن. أثارت هذه المحطة تخوّفات جهازيْ الشرطة والدرك الوطنيين، باحتمال وقوع صدامات أو احتجاجات يوم الاقتراع؛ الأمر الذي وضعهما في حالة طوارئ لتعزيز الجانب الأمني وضمان نجاح العملية السياسية؛ إذ قامت أجهزة الأمن الجزائرية بحشد 186 ألف رجل أمن، وضاعفت من عدد الحواجز الأمنيّة ب 10 آلاف حاجز تحسّبًا لأيّ حوادث؛ وذلك لما شهدته الحملة الانتخابية من حوادث عنف واحتجاجات غير مسبوقة.
البيئة الخارجية
جرت الانتخابات الرئاسية الجزائرية في سياق دولي وإقليمي صعب ومتوتّر، أثّر في السلطة الحاكمة، والقوى السياسية، وتوجُّهِ الناخبين في العملية الانتخابية.
أ. الناحية السياسية
شهدت دول الجوار (تونس - ليبيا) تحولّات سياسية عميقة، فقد سقطت أنظمة كانت حليفة للنظام الجزائري؛ فتعرّضت البيئة الإستراتيجية للنظام السياسي الجزائري إلى الارتباك بعد وصول نُخب جديدة إلى الحكم بفعل ثورات الرّبيع العربي، تفاعلت معها السلطة الجزائرية الحاكمة بإجراء حوار وطني وإصلاحات سياسية قبل الانتخابات الرئاسية؛ لإبعاد الحراك الثّوري عن الجزائر. إضافةً إلى ذلك، تأثّر الرأي العام الجزائري بالنتائج غير المتوقَّعة لهذه الثورات خاصّة في مصر، وتدمير الدولة في ليبيا وسورية؛ ما دفع الناخب الجزائري للتصويت ضد القوى السياسية الإسلامية في جريَت عام الانتخابات التشريعية التي أ 2012، وأضحى كثير من الناخبين يميلون إلى تصعيد القادة الذين جلبوا لهم الأمن والاستقرار أو الحفاظ عليهم؛ خاصّة في ظلِّ تأكّل الثّقة في النُّخَب السياسية التي أنتجتها الأحزاب، وإخفاق التيارات الإسلامية في مواجهة تحدّيات السلطة.
ب. المستوى الأمني
المجال المغاربي
تشهد المنطقة المغاربية وضعًا أمنيًا غير مستقرّ، أفرز جملة من التهديدات والأخطار الأمنيّة نتاجًا للمرحلة الانتقالية؛ بعضها مرتبط بالدولة ككيان مثلما هو الحال بالنسبة إلى ليبيا، والحالة الهشة التي تمرّ بها، بعد أن غابت فيها المؤسسات القادرة على القيام بمهماتها، وتزايدت داخلها حدّة الصراعات السياسية والحزبية والأيديولوجية، وانتشرت فيها المليشيات المسلّحة، وتمّ تهريب الأسلحة وتسريبها إلى دول الجوار؛ ومن ثمَّ خطر تحوّلها إلى دولة فاشلة، وما سينجر عنها من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة وتداعيات متنوّعة، على البلدان المجاورة ومنها الجزائر.
المجال الأفريقي
تشهد البيئة الإقليمية للجزائر على مستوى دول السّاحل الأفريقية، مجموعة من التحدّيات والأزمات ذات الطابع الأمني والسياسي؛ كان لها تأثير في الوضع الداخليّ، ويمكن إبراز أهمّ مظاهرها في ما يلي: أزمة مالي: وجدت الدولة الجزائرية نفسها أمام دولة فاشلة تجسدها "الحالة المالية"، وذلك بعد انقلاب نيسان/ أبريل 2012 - والذي أدى لاحقًا إلى إعلان "كيان أزوادي" - أشبه بالحالة الأزمويّة الفاشلة التي تجمع في خصائصها "الفشل الدَولي" الصومالي والأفغاني؛ وما ستجرّه لاحقًا من أزمات ترتبط مفصليًا بنشر رقعة التهديدات الأمنيّة الصلبة والناعمة وتوسّعها متمثّلة بانتشار تجارة السلاح، والجريمة المنظّمة، والهجرة غير الشرعية. وتأخذ السلط الجزائرية هذه التهديدات في الحسبان وتتعامل معها بحذر ودقّة؛ لما لها من آثار ستكون تداعياتها واضحة على صعيد الوحدة الترابية، بحكم الروابط الإثنية والتاريخية بين المكوّن الأمازيغي الطارقي الموجود في مالي والدول المغاربية. وتعدّ أزمة الطوارق في مالي من البؤر ذات الجغرافيا السياسية البالغة الحساسية أمنيًا، كما عُدّت من أقدم التحديات التي تواجه الأمن القومي الجزائري وأعقدها، بل إنّها حاضرة ضمن الشواغل الأمنيّة الجزائرية منذ زمن قديم، مقارنةً بمشكلات دوائر إستراتيجية أخرى وتهديداتها.
تنظيم القاعدة: إنّ دخول القاعدة على الخط في بلاد المغرب الإسلامي، ومن حولها شبكات التهريب والجريمة المنظمة ومعسكرات الاكتتاب والتدريب والمتاجرة بالسلاح والمخدرات والسيارات والسجائر والاتّجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية من دول الساحل، وتفاقم الأوضاع الإنسانية للاجئين... إلخ؛ كلّ ذلك حوّل شريط الساحل المأزوم أصلً من منطقة رمادية خارجة عن السيطرة، إلى برميل بارود آخذ في الانفجار.
المجال الدولي
حظيت الانتخابات الرئاسة في الجزائر باهتمام دُولي استثنائي، تَ ثَّل بزيارة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، ثم جون كيري وزير الخارجية الأميركي، ووزير خارجية إسبانيا للجزائر، قبل فترة من إجراء الانتخابات (أثناء الحملة الانتخابية)؛ ذلك أنّ انتخابات الرئاسة أصبحت تمثّل على المستوى الدولي منعطفًا مهمًّ على طريق توفير المزيد من الاستقرار للجزائر الدولة الكبرى في منطقة الاتحاد المغاربي؛ وهذا الأمر سينعكس بدوره على الإقليم وعلى أوروبا التي أصبحت تعاني من تداعيات ثورات الرّبيع العربي بفعل تنامي الهجرة غير الشرعية إليها. وتكتسي هذه الزيارات أهمّية على خلفية التوتر القائم بين الدول الغربية وروسيا التي ضمّت إليها شبه جزيرة القرم في إطار الصراع الجيوسياسي على أوكرانيا بين روسيا والغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. وقد قام كيري قبل هذه الزيارة، بعقد لقاء جمعه بوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، لعقد مجلس للطاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وركّز اللقاء على قضية إيجاد مصادر جديدة للطاقة من أجل تجنّب الأزمات، كما حدث في أوكرانيا وتلويح روسيا باستعمال سلاح الطاقة. وأشار إلى الجزائر والنرويج بوصفهما أهمّ البدائل للرفع من الكميات المصدرة. وتعدّ الجزائر من أهم مزوِّدي بلدان جنوب أوروبا بالغاز، كما أنّ هناك أنابيب للغاز تربط الجزائر بأوروبا، الأوّل مع إيطاليا والثاني مع إسبانيا، وآخرها الأنبوب الثالث "أنبوب ميدغاز" الذي يربط نهاية ميناء بني صاف في أقصى غرب الجزائر بميناء ألميريا الإسباني. في ضوء هذه المتغيّ ات الإقليمية والدولية التي تمّت فيها الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يتّضح جليًّا أثر المتغيّ الإقليمي في تحقيق الاستقرار الداخليّ في الجزائر.
الظواهر السياسية التي ميزت الانتخابات الرئاسية الخامسة
يمكن رصد عدد من الظواهر السياسية التي شهدتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتحليل دلالتها على النحو التالي:
العنف الانتخابي
ما يلُاحظ في هذه الانتخابات هو تصاعد أعمال العنف والاعتداءات على ممثلّي المترشّحين للرئاسيات، خاصّة ممثِلّي حملة عبد العزيز بوتفليقة الانتخابية الذين اضطُرّوا إلى إلغاء تجمّعات انتخابية وسط إجراءات أمنيّة. وقد تركّزت هذه الأعمال في ولاية بجاية وتيزي وزو وباتنة ومنطقة غرداية، وانتقلت حتى إلى المهجر (فرنسا)، إذ تدخلت الجهات الأمنيّة على المستوى الوطني في 29 حالة. وتكررت أعمال العنف يوم الانتخاب بتخريب مراكز انتخابية في الولايات المذكورة سابقًا، والواقع أنه لا يمكن فهم العنف الانتخابي الذي هو عبارة عن ردة فعل على عنف آخر، بمعزل عن العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ فمن العوامل السياسية نذكر خطابات المرشّحين الاستفزازية والمغذية للعنف، والتي تثير النعرات الجهويّة والطائفية، أمّا العوامل الاجتماعية فيمكن إجمالها في العديد من الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع كتصاعد الإجرام والمخدرات والظلم الاجتماعي في تلك الفترة.
مقاطعة الإسلاميين الانتخابات
ما يمكن تسجيله في هذه الانتخابات الرئاسية الخامسة بعد إقرار التعدّدية السياسية في الجزائر، أنّ الإسلاميين قد قاطعوها أوّل مرة، خاصّة الاتجاه الإخواني التشاركي الذي انخرط في الحكم منذ منتصف التسعينيات ويتمثّل بحركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحركة الإصلاح التي تحصلت على الاعتماد القانوني قبل التعديلات الدستورية عام 2008. ولقد تحالفت الأحزاب الثلاثة تحت اسم
"الجزائر الخضراء"، وشاركت في الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2012 بقائمة موحّدة، إضافةً إلى أربعة أحزاب جديدة، تمّ اعتمادها لممارسة العمل السياسي بموجب قانون الأحزاب الأخير عام 2012؛ لتتمكن من المشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة، وتتمثّل هذه الأحزاب بحزب الحرية والعدالة الذي يتزعمه محمد السعيد، المرشّح للانتخابات الرئاسية عام 2009، وهو إسلامي معتدل، والحزب الإسلامي الثاني هو جبهة الجزائر الجديدة ومؤسّسه رئيس حركة الإصلاح الوطني سابقًا جمال عبد السلام، والثالث هو جبهة العدالة والتنمية المنبثق عن حركتي النهضة والإصلاح، مؤسّسهما عبد الله جاب الله، أمّا الحزب الرابع فهو جبهة التغيير، ورئيسها وزير الصناعة الأسبق عبد المجيد مناصرة المنشقّ عن حركة مجتمع السلم. ويضمّ هذا الاتجاه الإسلامي سبعة أحزاب لم تقدّم أي مرشّح، بعدما شكّلت القوّة السياسية الأولى المنافسة لمرشّح السلطة في المواعيد السابقة. فغابت حركة مجتمع السلم، وحركة النهضة، وحركة الإصلاح، وجبهة العدالة والتنمية عن هذه الانتخابات؛ ودعت جبهة التغيير إلى التصويت بالورقة البيضاء، في حين فضّ لت جبهة الجزائر الجديدة مساندة المرشّح علي بن فليس. وقد شاركت الأحزاب الإسلامية في حملة مقاطعة الانتخابات، إلى جانب الحزب العلماني التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي كان يدعو إلى منع الأحزاب الإسلامية من ممارسة نشاطاتها. أمّا الاتجاه السلفي فينقسم إلى جناحين: أحدهما يرفض العمل السياسي، وهو في تنامٍ مستمر، ويحاول الاستفادة من تناقضات الاتجاه الإخواني وأخطاء السلطة الحاكمة، والثاني متشدّد ينبذ العمل السياسي. ويمكن تفسير مقاطعة الأحزاب الإسلامية الانتخابات الرئاسية بدوافع داخليّة مرتبطة بالأزمات الداخليّة والتنظيمية والانشقاقات التي عرفتها هذه الأحزاب، والتي أثّرت سلبًا في الناخب الجزائري الذي يحمل صورة معيّنة عن سلوك الإسلاميين في المؤسسات وخارجها. ولقد كانت المفاجأة صادمة في النتائج التي حصل عليها التيار الإسلامي في الانتخابات التشريعية والمحلية الماضية؛ الأمر الذي دفع هذه الأحزاب إلى مراجعة خياراتها ومواقفها وخطاباتها. فحركة مجتمع السلم التي تبنّت مبدأ المشاركة في الحكم، ولم تحكم، وانضمّت إلى تركيبة الحكومة، وانخرطت في تحالف رئاسي، واكتسبت خبرة وتجربة في علاقاتها بالسلطة، خرجت من التحالف الرئاسي والحكومة ودخلت في تحالف إسلامي، وقررت مقاطعة الانتخابات الرئاسية والتخندق في جبهة المعارضة. إلى جانب الدوافع الداخليّة، ساهمت دوافع خارجية إقليمية في تبنّي خيار المقاطعة بالنسبة إلى الأحزاب الإسلامية، ولها علاقة بما يجري في المنطقة العربية، وخاصّة في بلدان الرّبيع العربي كمصر وتونس حيث تعرّض أداء الإسلاميين إلى انتقادات واسعة.
توظيف شبكات التواصل الاجتماعي في الانتخابات
تمثِّل الحملات الإلكترونية تحوّلً في مجال الدعاية الانتخابية، عبر قدرة الفاعلين السياسيين على التعبئة، والحشد، والتأثير في توجهات الناخبين، وتغطية عملية التصويت والرقابة، وإعلان النتائج، وإتاحة الفرصة لمشاركة المتطوعين في تنظيم الفعاليات الانتخابية؛ وعليه، فقد فرضت شبكات التواصل الاجتماعي نفسها على المترشّحين للرئاسيات، بما في ذلك المقاطعين وقطاعًا كبيرًا من الشباب الذي انخرط في التنافس الافتراضي للحملة الانتخابية؛ فدفع إدارات الحملات الانتخابية للمترشّحين الستة إلى فتح حسابات على فيس بوك ويوتيوب، وإنشاء مواقع إلكترونية، لتُعرّف جمهور الشبكات الاجتماعية بالمترشّح وبرنامجه وأفكاره، بل وتشُرك هذا الجمهور في نقاشات. دخلت هذه الشبكات معترك التنافس أوّل مرّة إلى جانب القنوات الخاصّة، بعد أن كان التلفزيون الحكومي المنبر الوحيد الذي يبث لقاءات المترشّحين. ومن بين المترشّحين المبادرين، عبد العزيز بلعيد أصغر مرشّح للرئاسيات، والذي أطلق موقعًا رسميًا على الانترنيت، تضمّن معلومات عن المترشّح ونشاطاته وبرنامجه الانتخابي باللغتين العربية والفرنسية، وبرامج التجمّعات في مختلف الولايات؛ كذلك فعل علي بن فليس، وعبد العزيز بوتفليقة، والمرشّح موسى تواتي، والمرشّحة لويزة حنّون، فأطلقوا مواقع إلكترونية وصفحة فيس بوك ويوتيوب. وفي المقابل، انخرطت الأحزاب والقوى المقاطعة في التنافس الافتراضي؛ فظهرت صفحة رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، لتنشر أفكاره وجديده، وكذلك صفحة رئيس حركة حمس مقري عبد الرزاق. ويمكن تقييم أداء شبكات التواصل الاجتماعي، بأنّ تأثيرها كان محدودًا لعدّة أسباب منها محدودية عدد الكتلة الناخبة في الشبكات الاجتماعية.
قراءة الانتخابات الرئاسية وتحليلها
المترشحون
لقد وصل عدد الذين سحبوا استمارة الترشح لمنصب رئيس الجمهوريّة بحسب إحصاء مديرية الحريّات العامة بوزارة الداخليّة مئة وستة 106() مواطنين، وهو الرقم الذي يُعدّ سابقة في تاريخ الانتخابات الرئاسية الجزائرية، لكن الذين قدّموا ملفاتهم إلى المجلس الدستوري بعد جمع نصاب التوقيع 60(الفًا في 25 ولاية)، كان اثني عشر مترشّحًا، وبعد دراسة الملفات، تمّ قبول ستة مرشّحين لخوض خامس استحقاق رئاسي جزائري بعد إقرار التعدّدية السياسية، وضمّت القائمة الأسماء التالية: عبد العزير بالعيد: يبلغ من العمر 50 سنة، أصغر المرشّحين الستة سنًّا، ورئيس حزب جبهة المستقبل، يمتدّ مساره السياسي في حزب جبهة التحرير الوطني على 23 سنة، إذ انتُخب عضوًا في اللجنة المركزية ونائبًا لفترتين في البرلمان، استقال من حزب جبهة التحرير الوطني عام 2011 ليؤسس في 2012 حزب جبهة المستقبل الذي فاز بثلاثة مقاعد في الانتخابات التشريعية عام.2012 عبد العزير بوتفليقة: يبلغ من العمر 77 سنة، أكبر المترشّحين الستة سنًّا، وهو مترشّح حرّ، ورئيس شرفي لحزب جبهة التحرير الوطني، ويترشّح لولاية رابعة بعد انتخابه في ثلاث عهدات رئاسية أعوام 1999 و 2004 و.2009 علي بن فليس: يبلغ من العمر 69 سنة، وهو مترشّح حرّ، تول منصب الأمين العام لحزب جبهة التّحرير الوطنيّ، ثم انتُخ ب نائبًا برلمانيًا، ثمّ عيّنه بوتفليقة مديرًا لحملته الانتخابية عام 1999، كما ترشّح للانتخابات الرئاسية عام.2004 علي فوزي رباعين: يبلغ من العمر 59 سنة، يترأس حزب عهْد 54، وهو حقوقي من مؤسسي رابطة حقوق الإنسان، كما ترشّح ثلاث مرّات للانتخابات الرئاسية. موسى التواتي: يبلغ من العمر 60 سنة، مرشّح الجبهة الوطنية الجزائرية، وهو عسكري سابق يترشّح للمرّة الثالثة. لويزة حنّون: تبلغ من العمر 60 سنة، هي الأمينة العامّة لحزب العمّ ل الجزائري، ومحامية وناشطة من أجل حقوق المرأة، ترشّحت للمرّة الثالثة لانتخابات الرئاسة، كما تُعدّ أوّل امرأة تترشّح لمنصب الرئاسة في المنطقة العربية. بعد النظر في قائمة المترشّحين يمكن تسجيل الملاحظات التالية: غياب المرشّح الذي يمثّل التيار الإسلامي عن المشهد الانتخابي، وهذا المعطى يكتسي قيمة كبيرة من الناحية السياسية. ينتمي أغلب المترشّحين إلى حزب السلطة وهو جبهة التحرير الوطني. نتبيّ الفارق في الوزن السياسي بين المترشّح عبد العزيز بوتفليقة وبقية المترشّحين، وهذا ما عبّ ت عنه نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة التي شارك فيها معظم المترشّحين. وجود تمثيل للشباب والعنصر النسوي (الجندر) ضمن القائمة، إضافة إلى المترشّحين المستقليّن والمتحزّبين الذين تقف وراءهم أحزاب ممثَّلة في مجالس منتخبَة.
الحملات الانتخابية
إنّ المتابع والمراقب لسير الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2014، يخرج بانطباع متشائم على أنها أعنف حملة انتخابية شهدتها الجزائر، فالتنافس بين المترشّحين بدا صراعًا بين الأشخاص أكثر منه صراع برامج أو مشاريع وخيارات أو أيديولوجيات. ولقد تحولت بعض التجمّعات الدعائية إلى احتجاجات بشعارات سياسية رافضة لمرشّح السلطة وأحيانًا بالعنف، وساهمت الخطابات المستعملة إلى حد بعيد في استقطاب جهوي خَطِر، وتهييج تسبب في تغذية العنف، إضافةً إلى تخويف الجزائريين من أعداء محتمَلين. لم تخْلُ لغة الخطاب والتسويق السياسي من بعض العنف اللفظي والتهديد المتبادل، كما لم تُراعِ الخطابات خصوصية كل ولاية من الناحية الاجتماعية والثقافية والتنموية، وغرقت في ما ينبغي أن يكون. ولقد أخرجت هذه الخطابات من الناحية السياسية، الصراع الموجود بين أجنحة النظام إلى العلن.
البرامج الانتخابية
تُعدّ البرامج الانتخابية من أهمّ المرتكزات التي تقوم عليها الحملات الانتخابية، لتضمّنها توجّهات المرشّح أو الحزب في جميع المجالات. كانت برامج المترشّحين متشابهة في الجانب الاجتماعي من خلال الاهتمام بالشباب والتعليم والتأمين الطبي والحدّ من البطالة ومحاربة الرشوة والفساد وقضايا المرأة؛ وغابت المسألة الثقافية والسياسة الخارجية؛ كما يُسجّل غياب ثقافة المناظرات الانتخابية في المشهد الانتخابي الجزائري.
عرض النتائج وتحليلها
أ. عرض النتائج
جاءت النتائج النهائية لانتخابات عام 2014 بحسب بيان المجلس الدستوري، كما كان يتوقّعها المتنافسون، ولم تُفاجِئ الطبقة السياسية؛ إذ أفرزت فوز المترشّح عبد العزيز بوتفليقة بأغلبية ساحقة قُدّرت نسبتها ب %81.49 أي ما يعادل 8531311 صوتًا متقدّمًا على منافسيه الخمسة، وحلّ في المرتبة الثانية المترشّح علي بن فليس بنسبة %12.30 أي 1288338 صوتًا، ثم في المرتبة الثالثة رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد بنسبة %3.36 أي 328030 صوتًا، واحتلت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنّون المرتبة الرابعة بنسبة %1.37 أي 157792 صوتًا، ثم رئيس حزب عهد 54 علي فوزي رباعين في المرتبة الخامسة بنسبة %0.99 أي 105223 صوتًا، وفي المرتبة الأخيرة رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي بنسبة %0.56 أي 58154 صوتًا. وقُدّرت نسبة المشاركة الوطنية ب %50.70 من إجمالي الهيئة الناخبة البالغ 22880678 ناخبًا، منهم 21871393 ناخبًا على المستوى الوطني، وبلغ عدد المصوّتين 11600984 ناخبًا، في حين بلغت الأصوات المعب عنها 10468848 صوتًا، أمّا الأصوات الملغاة فقدّرت ب 1132136 صوتًا.
| العدد | النسبة المئويّة | المترشّح |
|---|---|---|
| 8531311 | %81.49 | عبد العزيز بوتفليقة |
| 1288338 | %12.30 | علي بن فليس |
| 328030 | 03.36% | عبد العزيز بالعيد |
| 157792 | %01.97 | لويزة حنّون |
| 105223 | %0.99 | علي فوزي رباعين |
| 58154 | %0.56 | موسى التواتي |
ب. تحليل النتائج
تعدّ المفارقة الجوهرية أبرز استنتاج نخرج به عند ملاحظة الجدول 1() الخاص بنتائج المترشّحين؛ فالفارق الكبير في الوزن النسبي وفي عدد الأصوات التي تحصّل عليها المترشّح عبد العزيز بوتفليقة، مقارنةً بالوزن النسبي الإجمالي وعدد الأصوات التي تحصّل عليها المترشّحون الخمسة، يعبّ عن أكبر وعاء انتخابي يملكه المترشّح الفائز من بين المترشّحين المتنافسين، ويمكن تفسير هذا الفارق بما يلي: لم تكن الأوزان الحقيقية للمترشّحين متساوية، فلم يكن أمام الناخب الجزائري مترشّحون كبار باستطاعتهم منافسة المترشّح عبد العزيز بوتفليقة؛ وما يبرّر عزوف الشخصيات ذات الأوزان السياسية الثقيلة عن ترشيح نفسها هو رفضها لعب دور "المنافس الكبير" واستغلالها ك "أرنب سباق" على أساس أنّ الانتخابات مغلقة ومحسومة النتائج من جهة، والتخوّف من العراقيل التي يمكن أن تضعها وزارة الداخليّة في وجه منافسين لمرشّح النظام من جهة أخرى، كما حدث في الانتخابات الرئاسية عام 1999 لمرشّح حركة حمس الشيخ الراحل محفوظ نحناح؛ فقد مُنع من الترشح بحجة عدم مشاركته في ثورة التحرير، وتكرّر الموقف نفسه مع أحمد طالب الإبراهيمي في انتخابات عام.2004 غياب المترشّحين المنافسين للمترشّح الفائز عن المشهد السياسي، خاصّة المترشّح علي بن فليس المنافس الأوّل الذي انسحب من العمل السياسي لمدة عشرة أعوام منذ الانتخابات الرئاسية عام 2004، وهكذا تعدّ الانتخابات فرصة لتقييم أداء السياسيين والأحزاب السياسية في نظر الناخبين. بروز ظواهر سياسية حيّ ت الرأي العام الجزائري في سلوك بعض المترشّحين المنافسين للمترشّح عبد العزيز بوتفليقة، بالتسويق له إعلاميًا أثناء الحملة، وتصريح منافسين آخرين بأنّ الانتخابات محسومة مسبقًا. دور الإعلام الخاص، وخاصّة القنوات المرئية، في التسويق الإعلامي للمترشّح عبد العزيز بوتفليقة أثناء الحملة، وربط الأمن والاستقرار بالتصويت له بصفته رجل المصالحة والوئام. إستراتيجية التخويف من المجهول التي تبنّاها أنصار المترشّح الفائز في مواجهة منافسيهم، في ظلِّ هاجس الخوف من العودة إلى عنف التسعينيات الذي مازال يسكن الجزائريين، على الرّغم من أنّه من الناحية النفسية يُعدّ التصويت - بوصفه سلوكًا انتخابيًا - وسيلة للتحرر من الخوف، والبحث عن الاستقرار والأمن. الدعم الانتخابي من القوى السياسية (ستة وعشرين حزبًا سياسيًا، بما فيها جبهة التحرير الوطني والتجمّع الوطني الديمقراطي)، وتنظيمات المجتمع المدني، بما فيها الحركات الطلابية والنسوية ورجال
الفن والرياضة، وجماعات المصالح والمقاولين ورجال المال والأعمال الذين استفادوا من مشاريع مخططات التنمية المحلية (دور المال في الانتخابات)، وعشرات الآلاف من الشباب الذين استفادوا من قروض مالية لمؤسسات صغرى في إطار شراء السلم الاجتماعي، وعليه،
| المعطى الانتخابي | النسبة المئوية / العدد |
|---|---|
| الناخبون المسجّلون | 22880678 |
| الناخبون المصوّتون | 11600984 |
| الأصوات المعبّ عنها | 10468848 |
| الأصوات الملغاة | 3112136 |
| نسبة المشاركة | % 50,70 |
أصبحت الكفّة غير متكافئة. دارس التجارب الانتخابية الجزائرية يلمح أنّ الناخب يصوّت للشخص ولا يصوّت للحزب، ويتبع المرشّح في ترحاله بين الأحزاب والمواقع السياسية، وبخاصّة أنّ كل برامج المترشّحين كانت متشابهة.
| الجدول)2( عدد الأصوات ونسبتها التي تحصّ ل عليها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الأربعة | ||
|---|---|---|
| عدد الأصوات | النسبة المئوية | عام الانتخابات الرئاسية |
| 7445045 | %73.79 | 1999 |
| 8651723 | %84.99 | 2004 |
| 1211705 | %90.24 | 2009 |
| 8531311 | %81.49 | 2014 |
| المصدر: معطيات من وزارة الداخليّة وبيانات المجلس الدستور الخاصّة بالانتخابات بتصرف. ناجي عبد النور، تجربة الانتخابات الجزائرية في نظام التعدّدية 1990 - 2007 (الجزائر: دار نشر جامعة باجي مختار،.)2008 | ||
| الانتخابات الرئاسية 2014 | الانتخابات الرئاسية 2 ا009 | الانتخابات الرئاسية 2 ا004 | الانتخابات الرئاسية 1 ا999 | الانتخابات الرئاسية 1 ا995 | عام االانتخاب |
|---|---|---|---|---|---|
| 22880678 | 20595683 | 1809555 | 17488759 | 15969904 | الناخبون المسجّلون |
| 11600984 | 15351305 | 10496083 | 10652623 | 12087281 | الناخبون المصوّتون |
| 10468848 | 14309578 | 10167834 | 10093611 | 11619532 | الأصوات المعبر عنها |
| 1132136 | 1042727 | 328249 | 556012 | 347722 | الأصوات الملغاة |
| % 50,70 | %74.11 | %58.07 | %60.91 | % 75.35 | نسبة المشاركة |
من خلال الجدول 2() والخاص بحجم الأصوات التي تحصّل عليها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الاستحقاقات الرئاسية الأربعة، يلُاحظ تراجع الأصوات المؤيّدة له مقارنةً بنتائجه في الولايات الرئاسية السابقة 2004 و 2009 التي حقّق فيها %84.99(، و)%90.24، ويُفسَّ هذا التراجع بالصراع القائم داخل حزب جبهة التحرير الوطني (صراع الأجنحة على قيادة الحزب) وهو ما جعل الجناح المعارض للقادة المفروضين على الحزب يصرّح بترك الحرية للمناضلين في التصويت في الانتخابات الرئاسية، وهي إشارة واضحة إلى رفض العهدة الرابعة، وعليه، فَقدَ المترشّح والرئيس الشرفي للحزب جزءًا من الوعاء الانتخابي لحزب جبهة التحرير، والموقف نفسه اتخذته عدة منظمات جماهيرية كمنظمة المجاهدين، وأبناء الشهداء، وأبناء المجاهدين، وفئة الحرس البلدي وهي الكتلة التصويتية التي صوّتت للرئيس بوتفليقة في الانتخابات الماضية.
عرض الانتخابات الرئاسية وقراءتها
من خلال قراءة الإحصاءات في الجدول 4()، يمكن تسجيل الانخفاض النسبي في درجة المشاركة الانتخابية إلى نسبة %50.7، وذلك مقارنة بالانتخابات الرئاسية الخمسة السابقة وبالانتخابات التشريعية
والمحلية، ذلك أنّ الانتخابات الرئاسية هي الأكثر استقطابًا للناخبين الجزائريين، بالنظر إلى الدور المحوري للرئيس في النظام السياسي، ولأسباب تاريخية وكاريزمية (الشخصيات تعاقبت على الحكم منذ الاستقلال.) ويدلّ هذا المؤشّ السياسي والاجتماعي البارز على عزوف جزء من المجتمع الجزائري عن المشاركة الانتخابية، على الرّغم من توظيف الحكومة الجزائرية جميع الوسائل الدعائيّة من أجل تعبئة الشارع الجزائري لمصلحة المشاركة، واتفاق المرشّحين على الدعوة للتصويت بكثافة يوم الاق اررع. فحسب عدد الناخبين المسجّلين والناخبين المصوِّتين (انظر الجدول 3) فإنّ أكثر من أحد عشر مليونًا ومئتي ألف 11200000() مسجّل في الولايات الثماني والأربعين لم يمنحوه ثقتهم، وامتنعوا عن التصويت.
ويمكن تفسير هذا التغير والتراجع في نسبة المشاركة الانتخابية لرئاسيات عام 2014 بامتناع المواطن عن التصويت، و يأخذ الامتناع مظهرين: الأوّل هو الامتناع الاختياري بإحجام المواطن الناخب عن التوجّه إلى الانتخاب للإدلاء برأيه لأسباب متعددة (مقاطعة)، فالمقاطعة تعب عن موقف إزاء الوضع السياسي العام، والأفراد الذين يتعمّدون الامتناع عن التصويت هم في العادة يعبّ ون عن آراء أحزابهم التي لا تشارك في الانتخابات؛ أمّا المظهر الثاني للامتناع فهو تعمّد الناخب بعد توجّهه إلى مكاتب الانتخاب ترك ظرفه فارغًا، أو تعمّده إفساد ورقة الانتخاب (الأصوات الملغاة.) وفقًا للقانون الجزائري، يُعتبر ممتنعًا عن التصويت كل مواطن مسجل في القوائم الانتخابية، ولم يذهب إلى الانتخاب يوم الاقتراع، وهذا التعريف يقصي المواطنين الذين لم يسجّلوا أنفسهم في القوائم الانتخابية، رغم إجبارية التسجيل قانونيًا بموجب المادة الثامنة من الأمر 97/07 والمتضمن قانون الانتخابات11.
أ. أسباب الامتناع الاختياري (المقاطعة)
إذا كان الامتناع الانتخابي يعدّ ظاهرة سلبية بالنسبة إلى النظم السياسية العربية، فإنه يُعدّ ظاهرة صحيّة في المجتمعات المتطورة، كما يراه جابريال ألموند لأنه يعبّ عن موقف شعبي سياسي، رافض للجمود وعدم التغيير، ويمثّل بداية التحوّل. ويمكن تفسير الامتناع بالعوامل والمتغيّ ات التالية: السلوك الانتخابي من الناحية السياسية هو سلوك لإظهار الولاء للنظام السياسي بمنحه الشرعية للحكام، أو برفضه لنظام حكم معين، وهكذا، يمكن تفسير سلوك المقاطعين للانتخابات الرئاسية الجزائرية برفضهم الوضع القائم، واستمرارية النظام الحالي، واستجابةً لدعاة المقاطعة من الأحزاب التي تمتلك وعاءًانتخابيًا وتعاطفًا شعبيًا. وفي إطار المتغيّ ات السياسية يمكن إدراج عدة عوامل متعلقة بعدم الرضا لدى المواطنين عن السياسات العامة التشغيلية والسكانية (غياب العدالة في توزيع السكن) والوعود الكاذبة بتسوية المشكلات والأزمات، والفجوة بين القول والفعل في المجتمع، ونتائج العمل السياسي، خاصّة الإصلاحات السياسية التي أ علن عنها للتكيف مع الرّبيع العربي وغيرها، إضافةً إلى النظرة السلبية للنُخب الحاكمة وخطابها ومؤسساتها السياسية السائدة لدى الشباب وفئات واسعة من المجتمع، علاوةً على ذلك سيادة بعض الظواهر السلبية في الممارسة السياسية، كتزوير الانتخابات (عام 2012) وربطها بالأزمات الأمنيّة والحالات الاستثنائية، وموسمية نشاط الأحزاب وأزماتها الداخليّة، ونوعية المرشّحين وتقليص هامش الاختيار، ودخول رجال المال والأعمال العمل السياسي، وضعف أداء المؤسسات السياسية (البرلمان والحكومة.) كلّ هذه الظواهر أفقدت المواطنين الجزائريين الثقة في الانتخابات والعمل السياسي، ولقد ترجمتها سلوكيات غريبة صاحبت العملية الانتخابية كظاهرة الاعتداء على المرشّحين أثناء تنشيطهم الحملات الانتخابية الأخيرة، الأمر الذي قد يجعلهم يمتنعون عن المشاركة، فجميع هذه العوامل السائدة في المجتمع والدولة تُعدّ من الأسباب المؤدية إلى زيادة الامتناع عن التصويت. المتغيّ ات الاجتماعية من أزمة السكن وغلاء المعيشة وارتفاع نسبة البطالة، والتي تمس فئة كبيرة من الشباب، خصوصًا الإطارات وخريجي الجامعات الذين تتسابق على استغلالهم الدول الأوروبية، وازدياد تفاقم مشكلة الهجرة غير الشرعية نحو الدول الأوروبية، وتفاقم مشكلة الرشوة والفساد والمحسوبية. وهكذا فإنّ الوضعية
الاجتماعية للشاب الجزائري تُعدّ عاملً مهمً، ومحددًا أساسيًا لمشاركته في الحياة السياسية والانتخابية12.
ب. أسباب العزوف الانتخابي
يتصف العزوف الانتخابي بعدم المبالاة وفقدان الاهتمام بالأمور السياسية والشعور بالاغتراب في الحياة العامة، وهي ظاهرة عادية وظرفية، يمكن معالجتها من خلال التأطير والدعاية. وتظهر في الجزائر ملامح العزوف من خلال الامتناع عن التسجيل في القوائم الانتخابية، كأوّل ملمح وتنتهي بعدم الذهاب إلى الانتخاب. ويمكن تفسير هذا العزوف بعامل سوسيواقتصادي، عبّ ت عنه الحركات الاحتجاجية والاضطرابات التي عرفتها البلاد قبيل الانتخابات، والتي مسّت معظم القطاعات (التعليم، والصحة، والأمن ممثّل بالحرس البلدي... إلخ) وشاركت فيها الشريحة الاجتماعية التي تمثّل الوعاء الانتخابي الأكبر (الشباب، وموظفو القطاع العمومي)، وتطالب بتحسين أوضاع المعيشة والعدالة في توزيع الأجور والتشغيل والسكن؛ هذه القضايا صارت من الأولويات في أجندة المواطن الذي أصبح غير مبال بالانتخابات.
كما ظهر نوع آخر من الامتناع بالورقة البيضاء، إذ مثّلت كتلة الأوراق الملغاة مفاجأة لجميع المترشّحين والأحزاب؛ فعدد الأوراق الملغاة بلغ 1132136 ورقة، وقد يأخذ هذا السلوك عدة مظاهر، ويبدو في إفساد ورقة التصويت أو ترك الظرف فارغًا. وفي سياق هذا الخيار دعت أحزاب قبل الانتخابات إلى موقف وسط بين المشاركة في العملية الانتخابية ومقاطعتها (بالتصويت يوم الانتخاب بورقة بيضاء)، وهي أحزاب إسلامية مثل جبهة التغيير وحزب العدالة والحرية، وعليه، فهذه الأحزاب تراهن على هذه الكتلة التي عادة ما تفوق مليون صوت في كل استحقاق انتخابي، ويمكن تفسير هذا السلوك بالمتغيّ ات التالية: تقليص هامش اختيار الناخب الجزائري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بفعل غياب مترشّحين لهم وزن ينافسون المرشّح عبد العزيز بوتفليقة؛ ما أدى بالناخبين إلى التصويت بالورقة البيضاء. تخوّف الناخب من سلوك الإدارة من حيث ربط التصويت في الانتخاب بممارسة حقوقه، وقد مارست الإدارة المحلية في الجزائر هذا التصرف بطريقة غير رسمية، إذ أصبحت تلزم كل مواطن بتقديم بطاقة التصويت لاستخراج بعض الوثائق الإدارية، وما يؤكد هذه الممارسة تصريح والي (محافظ) العاصمة الجزائر في أوج الحملة الانتخابية الأخيرة في زيارة تفقدية لبعض الأحياء بقوله "لا سكن لمن لا ينتخب"13. استجابة بعض الناخبين لنداء بعض الأحزاب السياسية منها الإسلامية بالتصويت بالورقة البيضاء. العامل الاجتماعي المتمثّل بتدهور مستوى معيشة المواطن (وجود أوراق معلّبات الحليب والمواد الغذائية وسط أظرف التصويت.) عامل ثقافي يتعلّق بالمستوى التعليمي وانتشار الأميّة في صفوف قطاع من الناخبين.
ج. التفسير الجغرافي للسلوك الانتخابي
يظهر أثر البعد الجغرافي في اتجاهات المواطنين نحو المشاركة الانتخابية في الجزائر من خلال التجارب الانتخابية السابقة14، ودراسة النتائج المُعلنَة في مرحلة التعدّدية في الجزائر ؛ ذلك أنّ الاستعداد للتصويت في الانتخابات يختلف بين الريف والمدن في الولاية الواحدة، فبلديات عواصم المدن أقلّ مشاركةًانتخابية من البلديات البعيدة عن الولاية التي تضمّ سكان البوادي والأرياف، ونفس الملاحظة تنطبق على المدن الشمالية خاصّة السياحية الساحلية منها التي تَعرف نسبة مشاركة أقلّ من الولايات في وسط البلد (الهضاب العليا) والمناطق الجنوبية. كما يمكن توظيف المقاربة الجغرافية في تفسير السلوك الانتخابي في مدن منطقة القبائل(الأمازيغ)، حيث يلاحظ تكرار ظاهرة انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية وتدنّيها، منذ تبنّي التعدّدية الحزبية في الدوائر الانتخابية التي يقطنها الأمازيغ بكثافة.
ولقد جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية من حيث نسبة المشاركة لتؤكد مثل هذه الفرضية، ففي المدن الساحلية الشمالية الكبرى والمتوسطة والتي تمثّل الأغلبية الساحقة من السكان، كانت نسبة المشاركة كالتالي الجزائر %37.84، وعنّابة %53.43؛ خلافًا للمدن الداخليّة (الهضاب العليا) الجلفة %70.55، وغليزان %82، ومعسكر %69.7، والبيض %69.47؛ والولايات الجنوبية (الصحراء) تندوف %78.26، وأدرار.%68.40 وفي منطقة القبائل سجلت نسبة المشاركة الانتخابية في مدينة تيزي وزو%20.01، ومدينة بجاية %23.58، والبويرة %34.66، وبومرداس %39.1915، عرفت هذه المدن حراكًا شعبيًا خلال الحملة الانتخابية وأعمال عنف أثناء عملية الاقتراع؛ في حين أنّ بعض الولايات الأخرى التي يقطنها الأمازيغ بكثافة عالية، مثل ولاية خنشلة، وولاية غرداية قد ارتفعت فيهما نسبة التصويت عن المتوسط العام لتبلغ على التوالي %54، و%55؛ ويمكن تفسير اختلاف نسبة المشاركة بعوامل سياسية وحزبية ومطالب اجتماعية وثقافية.
مستقبل الانتقال الديمقراطي بعد الانتخابات الرئاسية التعددية الخامسة
من الطبيعي أن ينعكس المسار الانتخابي الرئاسي على الحياة السياسية والخريطة الحزبية في الجزائر، وهذا من خلال ظهور ميزان قوى جديد، يمكن أن يكون في شكل تحالفات تدفع وتسرّع الانتقال الديمقراطي، منها التحالف الرئاسي، عملية وسيضم الأحزاب التقليدية: حزب جبهة التحرير الوطني، وحزب التجمّع الديمقراطي، وأحزاب الموالاة الصغيرة. وظهر في المقابل تحالف معارض لاستمرارية النظام، يضمّ التنسيقية الوطنية للأحزاب والشخصيات المقاطعة للرئاسيات، والتي تضم حركة مجتمع السلم وحزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية "الأرسيدي" وجبهة العدالة والتنمية، ويظلُّ هذا التحالف مفتوحًا لشخصيات وأحزاب أخرى، شاركت في الانتخابات أو ساندت مترشّحًا من المترشّحين، وأحزابًا أخرى يمكن أن تتكوّن في ضوء نتائج الانتخابات السابقة بعدما عبّ علي بن فليس عن نيّته في تشكيل حزب سياسي جديد، وهذا ما يشير إلى أنّ جبهة المعارضة ستتقوى وتتوسّع. وبناء على ما سبق، يمكن القول إنّ نتائج هذه الانتخابات ستمهّد إلى ظهور ميزان قوى جديد في المشهد السياسي الجزائري، يدفع إلى التراضي والتوافق على مرحلة انتقالية يتمّ فيها صوغ دستور جديد، يضمن انتقالً ديمقراطيًا سلسًا في البلاد، وتكون مؤسّسة الجيش الضامن لهذه المرحلة الانتقالية، خاصّة في ظلِّ التحديات الكبرى التي ستواجه التحالف الرئاسي، وبقاء الكثير من القضايا من دون معالجة أو حلّ جذري.
وتماشيًا مع هذا المسعى، طرحت أحزاب وشخصيات سياسية وطنية مبادرات سياسية منها مبادرة التنسيقية الوطنية للأحزاب والشخصيات المقاطعة للرئاسيات التي أعلنت عن تنظيم ندوة الانتقال الديمقراطي بعد الانتخابات، ومبادرة حزب جبهة القوى الاشتراكية بعقد مؤتمر الوفاق الوطني، ومبادرة رئيس جبهة التغيير بعنوان "بناء نظام ديمقراطي بالتوافق الوطني"، كما رحّبت عدة شخصيات ونادت بتبنّي هذا الطرح كالرئيس السابق لمين زروال، ورئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، وشخصيات نشطت لحملة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومحسوبة عليه مثل رئيس الحكومة عبد المالك سلال، ورئيس الحكومة السابق عبد العزيز بلخادم، ورئيس البرلمان الجزائري محمد العربي ولد خليفة الذي صرّح أنّ "الولاية الرئاسية الجديدة ستفتح صفحات جديدة من الديمقراطية التوافقية بين أطياف المعارضة والأغلبية في دولة القانون والمؤسسات الفاعلة"، إضافةً إلى قادة حزبيين وسياسيين وعسكريين سابقين. وتأسيسًا على ما سبق يعتبر هذا السيناريو هو الأكثر واقعية. أمّا السيناريو الثاني فيتمثّل باستمرار الوضع القائم بنفس الجيل الذي يحكم الجزائر، منذ ما قبل الاستقلال، مع تغيير في بعض
الوجوه الحكومية التي رفضها الجمهور في الحملة الانتخابية، أي حكومة بطاقم جديد؛ فيتمّ الاستغناء عن الوزراء المعمّرين في مناصبهم ليحلّ محلّهم آخرون في متوسط العمر. ووفق هذا السيناريو، يتمّ الاستثمار في نتائج الانتخابات على أساس أن الجزائريين اختاروا الأمن والاستقرار من خلال دعمهم للاستمرارية (استخدام شرعية جديدة) وانتظار نتائج الإصلاحات لتحقيق السياسات الاجتماعية المنتظرة، خاصّة في مجالي السكن والتشغيل مع توظيف المال (الوفرة المالية) لشراء السلم وامتصاص الغضب الاجتماعي على المدى القصير. وسيعمل النظام على توسيع قاعدته الشعبية والنسق الزبائني، وتعزيز التحالف السياسي (القطب الداعم للمترشّح عبد العزيز بوتفليقة)، وتفعيل الإصلاحات في المؤسّسة العسكرية، وهو ما يرجّح كفة ميزان القوى لمصلحة مؤسّسة الرئاسة على الحياة السياسية؛ وعليه، تتعزز قوة النظام في ظلِّ ضعف المعارضة التي مازالت مشتتة، ولا تستطيع أن تغيّ موازين القوى؛ خاصّة أنها لا تتحرك إلا بمناسبة الانتخابات. وهكذا تصبح فرص التغيير من داخل النظام ضعيفة، ويستمر الوضع مقلقًا ومرتبكًا، لكن من دون تغيير؛ وسنكون أمام عنف صادر من جيل الشباب الذي امتنع عن التصويت في الانتخابات الرئاسية، وعزف عن الانخراط في الأحزاب والجمعيات، وتكون مواجهات عن طريق الشارع.
الخاتمة
عرفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة مجموعة من الممارسات والسلبيات والمؤشرات، قد تعرقل عملية الانتقال الديمقراطي، وتساهم في التراجع عن بعض المكتسبات السياسية في الجزائر، وهذا على أساس أن الانتخابات الرئاسية هي آلية مؤسسية لتداول السلطة بشكل سلمي وتجديد النخبة، وعليه، يمكن رصد الملاحظات والاستنتاجات التالية: جرت الانتخابات وسط حالة ارتباك وانقسام في المشهد السياسي بشكل غير مسبوق، وعدم الاتفاق على موقف موحد من مسالة التغيير السياسي، وكيفية تجاوز المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الترسيخ الديمقراطي. كشفت الانتخابات عن بعض الممارسات والمعضلات التي قد تُفقِد هذه الآلية مفعولها ووظائفها السياسية؛ إذ ظهرت الانتخابات محسومة، وجرت الحملة بالوكالة في صورة منفصلة عن جمهور الناخبين، تخلّلتها أعمال عنف غذّتها خطابات استفزازية وإحياء نعرات جهويّة، إضافة إلى ظاهرة التهديد المتبادل، ونتيجة التخوف من تحوّل الصراع الانتخابي إلى أعمال عنف جماهيري يؤثّر في استقرار الجزائر وأمنها المرتبطي بالأمن الإقليمي. أظهرت نتائج الانتخابات رغبة المنتخبين في تبنّي الاستمرارية على التغيير داخل النظام السياسي. كشفت نتائج الانتخابات عن الوعاء الانتخابي الذي تمتلكه الأحزاب السياسية، وعجزها عن استقطاب الجماهير والتعبير عن مصالحها. بيّنت الانتخابات استمرار تراجع المشاركة في الانتخابات والامتناع عن التصويت، وهي الظاهرة التي كانت قد برزت في الانتخابات المحلية والتشريعية، لتنتقل إلى الرئاسية. الملاحظة التي يمكن تسجيلها في الانتخابات الرئاسية الجزائرية الخمسة في عهد التعدّدية الحزبية هي فوز المترشّح في الدور الأوّل في الانتخابات الخمسة، على الرّغم من إقرار النظام الانتخابي نظام الجولتين، وبالأغلبية الساحقة والفارقة بين المترشّح الفائز وبقية المترشّحين، وبنفس الفائز في أربعة انتخابات، وهذا عكْس ما يحدث في الأنظمة الديمقراطية. في ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ انعكاسات الانتخابات على مستقبل الانتقال الديمقراطي تتجلّ في تغيير المشهد السياسي؛ إذ سيشهد بروز تشكيلات سياسية وحركات اجتماعية جديدة، وظهور تحالفات وأقطاب، تغيّ موازين القوى وتدفع نحو التغيير.