دولة الرفاه في مصر، 2005-1995

أحمد عز الدين محمد

الملخّص

طبِّق هذه الدراسة تصنيف أنظمة دول الرفاه الذي وضعه إسبينغ ت-أندرسن عام 1990 على دولة الرفاه في مصر مثالاّ عن البلدان النامية. وهي تحل ل العلاقات بين الدولة والسوق والمجتمع لاا العقد خ 2005-1995 الذي تميز بالتحوّل نحو اقتصاد السوق ومواجهة الإرث التاريخي للدور الاجتماعي للدولة. وتعتمد منهجية الدراسة مزيجًا من التحليلات الكمية والنوعية في تناولها خصائص سبعة أنظمة رئيسة للرفاه وشبكات الأمان الاجتماعي في مصر. ها "محافِظة وتشير النتائج إلى أنّ أفضل توصيف لدولة الرفاه الحالية في مصر هو أن/ غير منظ مة"، حيث الإعانات الاجتماعية محصورة بالعمل في القطاع المنظم، ما يجعل الأسرة والمؤسسات الدينية وشبكات المحسوبية تقوم بأدوار مهمة في تلبية الاحتياجات الاجتماعية للقطاع غير المنظ م ذي الحجم الكبير. وعوًااة على ذلك، تقترح الدراسة إجراء تاا على تصنيف إسبينغ تعدي-أندرسن بغية فهم برامج الرفاه في البلدان النامية. وعند تحليل أنظمة الرفاه عامّة، لا سيّما في البلدان النامية، ينبغي الأخذ في الحسبان منهجيًّا جوانب سوء الإدارة، واعتبارات الجودة، والفجوة بين الأهداف المعلنة وتنفيذها، والتفاوت م الناتج من الفوارق بين الريف والمدينة وبين الجنسين، ودور القطاع غير المنظ. هذه الورقة مترجمة من الأصل المنشور على موقع المركز العربي، بعنوان:

دراسة مقارنة

The Welfare State in Egypt, 1995- 2005: A Comparative Approach

مقدمة

منذ تسعينيات القرن العشرين تضاعف عدد الدراسات التي تبحث في أشكال أنظمة الرفاه. وأثار تصنيف إسبينغ-أندرسن لدول الرفاه الغربية عام 1990 جدلً، ثم طرأت عليه سلسلة من التعديلات1. واقتصر الجدل إلى حدٍّ كبير على العالَم المتقدم إلى أن ظهرت حديثًا دراسات عن أنظمة الرفاهية في بعض البلدان النامية؛ ومنها دول أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية والصين وتركيا. وتضع هذه الدراسة دولة الرفاه المصرية ضمن التصنيفات الحالية. ويبين تحليل دولة الرفاه المصرية وجود جوانب متشابهة مع الأنماط الأميركية اللاتينية والصينية والتركية، ما يشير إلى إمكانية اعتماد فئة تحليلية واحدة لتجارب الرفاه في البلدان النامية. ولكن ذلك يتطلّب إجراء بعض التعديلات على التصنيف الأصلي؛ ليصبح أكثر تلاؤمًا مع أنظمة الرفاه محلّ البحث.

وتستعرض هذه الوثيقة سبعة أنظمة رئيسة للرفاهية الاجتماعية وشبكات الأمان الاجتماعي في مصر. ويركّز التحليل على الفترة -1995 2005 لأنّها تمثّل العقد الذي شهد ازدياد خصخصة القطاع العام جنبًا إلى جنب مع التأثير المتعاظم للعولمة. وهو لا يتقاطع مع الهزات الدولية الكبرى؛ كحرب الخليج الأولى والأزمة الماليّة، ومن هنا يمثّل عهد مبارك في أوج استقراره. وثمّة سبب آخر يكمن في أنّ الدراسات والبيانات التفصيلية عن الاقتصاد المصري في هذه الفترة متاحة بسهولة. ولم تحدث في الفترة الواقعة بين 2005 و 2011 عند نهاية نظام مبارك أيّ تغييرات جوهرية في السياسة الاجتماعية جرّاء إعادة هيكلة دولة الرفاه المصرية. ومع ذلك، فإنّنا نجعل هذه الفترة أحيانًا أكثر امتدادًا عند الاقتضاء. ويلخّص القسم الأوّل الدراسات ذات الصلة. ويعرض القسم الثاني تاريخ دولة الرفاه المصرية، ويحلّل مكوّناتها. أمّا القسم الأخير فيضع التجربة المصرية ضمن التصنيف القائم، ويعرض ملاحظات ختامية مهمّة عنه وعن إمكانية توسيعه في المستقبل.

تصنيف أنظمة الرفاهية

تركّز معظم الدراسات التي تتناول الموضوع، وخصوصًا الدراسات التطبيقية، على دول الرفاه في البلدان المتقدمة، بيد أنّ عدة محاولات قد أجريت لتوسيع الأنماط، بحيث تضمّ تجارب بلدان نامية في آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية والوسطى2، ما أدخل بعض التعديلات على الأنماط الأصلية وقدَّم رؤى مفيدة. ولم يجرِ على حد علمنا أيّ تصنيف لدول الرفاه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو في قارة أفريقيا، أو في معظم البلدان الآسيوية النامية. ويستند تصنيف إسبينغ-أندرسن إلى مفهومين رئيسين؛ هما نزع صفة التسليع De-commodifciation والتقسيم الطبقي الاجتماعي social stratifciation. ويشير نزع صفة التسليع إلى الدرجة التي يستطيع فيها الفرد تأمين مستوى مع شي مقبول اجتماعيًّا دون الاعتماد على المشاركة في السوق3. أمّا التقسيم الطبقي الاجتماعي فيدلّ على كيفية إحداث دولة الرفاه نظامًا من الطبقات بحدّ ذاته. ويمكن للسياسة الاجتماعية أن تُحْدث انقسامات اجتماعية، لا سيمّا إذا اقتصرت على الأقلّ ثراء وكانت تمثّل وصمة عار. ويمكن أن تتّخذ شكلً جليًّا من السياسات الطبقية وتعزّز الانقسامات القائمة بين العاملين بأجر4. علاوةً على ذلك، ثمّة مفهوم قريب وهو "الاستقلال عن الأسرة" De-familialism الذي يصف مدى استقلال الفرد عن وضع أسرته5. وهكذا صُنّفت أنظمة الرفاهية الحديثة من خلال إجراء دراسة تجريبية لباقة بلدان متقدّمة باستخدام هذه المفاهيم الرئيسة. ولتقييم مستوى نزع صفة التسليع في نظام الرفاهية، ينبغي دراسة أبعادٍ ثلاثة يتعلّق أوّلها بالأحكام الناظمة لحصول الناس على الإعانات، وهي أحكام الأهلية وضوابط الإعانات. فإمكانية نزع صفة التسليع في البرنامج تزيد كلمّا كان الوصول إليه سهلً وضَ مِن حق الحصول على مستوى مع شي ملائم، بغضّ النظر عن سجلّ العمل السابق أو مستوى الأداء أو الاحتياجات أو المساهمات المالية. ويمثّل

  1. Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism.
  2. Gough and Wood, Insecurity and Welfare Regimes in Asia, Africa and Latin America ; Kwon, “Beyond European Welfare Regimes: Comparative Perspectives on East Asian Welfare Systems”; Barrientos, “Latin America: Towards a Liberal-Informal Welfare Regime”; Fenger, “Welfare Regimes in Central and Eastern Europe; Choi, Y.-J., “Coming to a Standstill?”; Barrientos, “Labor Markets and the Hyphenated Welfare Regime in Latin America.”
  3. Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism , p. 37.
  4. Lelkes, “A Great Leap towards Liberalism? The Hungarian Welfare State,” p.  93.
  5. Esping-Andersen, Social Foundations of Post-Industrial Economies.

مستوى إحلال الدخل البعد الثاني. فمن المرجّح أن يسعى المستفيد من الإعانات إلى الحصول على عمل حالما يتراجع مستواها تراجعًا ملموسًا إلى ما دون دخله الطبيعي، أو دون المستوى المع شي الملائم في المجتمع. أمّا البعد الثالث فهو حزمة الإعانات المقدمة، وهو ذو أهمية خاصة. فأكبر إعانة يحصل عليها المواطن بصرف النظر عن السبب هي الراتب الاجتماعي، ولكن ذلك يشمل أيضًا إعانات البطالة والمرض والعجز والشيخوخة6. وانطلاقًا من هذه المعايير حُدّدت ثلاثة أنماط من دول الرفاه؛ فالنمط الليبرالي يقدّم إعانات لدى وجود حاجة واضحة أو عوز بالتركيز على الاحتياجات وعلى استخدام برامج اجتماعية تعتمد التحقق من الموارد أو الدخل. أمّا النمط الثاني فهو النمط المحافظ الذي يجعل الحقّ في الحصول على الإعانات متوقفًا على مجموعة شروط مالية وشرط المشاركة في سوق العمل، وعلى منطق اكتواري7. ويقوم النمط الثالث، وهو النمط الاجتماعي الديمقراطي، على فكرة حقوق المواطنة بغضّ النظر عن درجة الحاجة أو أداء العمل. وتعتمد الأهلية عادةً على كون المرء مواطنًا أو مقيمً لفترة طويلة8. ويبدو أنّ هنالك تداخلً واضحًا بين ارتفاع درجة نزع صفة التسليع والشمولية الصارمة في النمط الاجتماعي الديمقراطي في الدول الإسكندنافية. وثمّة تعايشٌ واضح أيضًا بين المستوى المنخفض من نزع صفة التسليع والاعتماد الفردي الشديد على الذات في البلدان الليبرالية الأنغلوسكسونية. وأخيرًا، تلتزم بلدان القارة الأوروبية أكثر بالنمط المحافظ بوجود أساس مصالح خاصة شركاتي corporatist ودولوي statist قويّ، فضلً عن مستويات متواضعة من نزع صفة التسليع9. إنّ الأساس الثاني للتصنيف هو التقسيم الطبقي الاجتماعي الناتج من كلٍّ من الأنظمة الثلاثة (الليبرالي، والمحافظ، والاجتماعي الديمقراطي.) ويؤدّي نظام التقسيم الطبقي الاجتماعي في النظام الليبرالي إلى تقسيم السكان إلى أقلية ذات دخل منخفض تعيلها الدولة، وأكثرية قادرة على تحمّل خطط التأمين الاجتماعي الخاص. وتشجَّع المرأة على المشاركة في قوة العمل، وخصوصًا في قطاع الخدمات، نظرًا للطبيعة الفردية للمجتمع. ويتميز النمط المحافظ بثلاث خصائص مهمة للتقسيم الطبقي الاجتماعي؛ هي اقتصار التأثير المباشر للدولة على الإبقاء على إعانات الدخل المتعلقة بالحالة المهنية، وعدم تشجيع المرأة المتزوجة على المشاركة في قوة العمل بهدف الحفاظ على البنية التقليدية للعائلة، وعدم تدخّل الدولة إلا عندما تُستنفد قدرة الأسرة على مساعدة أفرادها، وهو ما يدعى بالمبدأ الفرعي الذي يميل إلى المحافظة على الفوارق بين الحالات. فبصورة النمط المحافظ الدولوية، مثلً، يتمتع موظفو الدولة بحقوقٍ خاصة، أمّا في هيئته الشركاتية، فتَعتمد أنظمةُ التأمين الاجتماعي على الحالة الاجتماعية. ويسلِّط هذا النظام الضوء أيضًا على دور الكنائس10. وأخيرًا، يركّز النظام الاجتماعي الديمقراطي على التضامن الاجتماعي؛ بهدف تعظيم قدرات الفرد لتحقيق استقلاليته. وهو يشجّع المرأة على المشاركة في قوة العمل، لا سيمّا في القطاع العام11. وقد وُجّهت ثلاثة انتقادات رئيسة لمفهوم نزع صفة التسليع لإسبينغ- أندرسن وتصنيفاته. يتعلق الأوّل بأنّه في تصنيفه دول جنوب أوروبا (إيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، واليونان) تجاهل الدول الثلاث الأخيرة وصنّف الأولى على أنّها دولة شركاتية. ولكنّ باحثين آخرين عدّوا دول الرفاه في جنوب أوروبا كتلة منفصلة12. والخصائص الرئيسة لهذه المجموعة هي ادّعاء للحقّ في الرفاهية والعمل، والتزامٌ شبه مؤسسي بدولة الرفاه، ونظامٌ مجزّأ لضمانات الدخل ترتبط بعمل الفرد، وإعانات سخيّة دون شبكة واضحة من الحماية الاجتماعية الدنيا، ورعايةٌ صحية بوصفها حقًّا من حقوق المواطنة، وتركيزٌ على الإعانات والإيرادات النقدية، وتمويلٌ من خلال الاشتراكات والإعانات النقدية، ونسبةٌ عالية من الإنفاق الاجتماعي المموّل عبر الاشتراكات، وانخفاض في مستوى الإنفاق الاجتماعي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. أمّا الانتقاد الثاني فهو تصنيف أندرسن بلدان الجهة المقابلة من الكرة الأرضية أنظمة ليبرالية جرّاء اعتمادها الكبير على برامج اجتماعية يجري فيها التحقق من الموارد. لكن كاسلز Castles يرى أنّها تتمتع بنهج للحماية الاجتماعية أكثر خصوصية وشمولً من أنظمة الرفاهية الليبرالية القياسية13. فقِسمٌ كبير من السكان يحصل على بعض

  1. Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism , p. 47.
  2. 10  Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism , p. 27. 11  Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism , p. 28. 12  Leibfried, “Towards a European Welfare State?”; Ferrera, “The ‘Southern’ Model of Welfare in Social Europe”; Bonoli, “Classifying Welfare States”; Trifiletti, “Southern European Welfare Regimes.”
  3. Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism , p. 48.
  4. Esping-Andersen, The Three Worlds of Welfare Capitalism , p. 77.
  5. 7 مصطلح actuarialism يعني في علم الجريمة خصوصًا: مقاربة في مجال السيطرة على
  6. الجرائم وفي إدارتها (أي في قانون العقوبات)، وهي لا تُعنى بمعنى الانتهاكات أو دوافعها،
  7. ولكنها تُعنى بالتركيز على تكنولوجيات التخفيف من المخاطر والقضاء على المخاطر المحتملة التي تهدّد النظام الاجتماعي.
  8. Castles, Comparative Public Policy.

الإعانات بعد التحقق من الموارد نظرًا للحدود الدنيا العالية نسبيًّا للمستفيدين. واستمرّت إعادة التوزيع أيضًا من خلال ضوابط الأجور والأمان الوظيفي عوضًا عن البرامج الاجتماعية. وقد ردّ أندرسن على ذلك بإضافة فئة رابعة دعاها نظام دولة الرفاه الراديكالي. ويتعلق الانتقاد الثالث ببعد النوع الاجتماعي الغائب في التصنيف؛ فتحليل النوع الاجتماعي يشير إلى تغييب حقول كاملة في السياسة الاجتماعية في تصنيف إسبينغ-أندرسن، ومنها استبعاد المرأة أو إدراجها في سوق العمل، والتمييز في الحقوق الاجتماعية، والتقسيم القائم على النوع الاجتماعي للعمل المأجور وغير المأجور14. وتقول أورلوفOrlof f إنّه كي نفهم نزع صفة التسليع المتعلق بالنوع الاجتماعي والقائم على برامج اجتماعية تديرها الدولة، ينبغي أن نتناول بعدين مكمّلين؛ هما إمكانية الحصول على عمل مأجور، والقدرة على إعالة أسرة بصورة مستقلة15. وفي ما يتعلق بالأسرة أيضًا، تقول دالي Daly ولويس Lewis إنّ أساليب مختلفة للسياسة الاجتماعية أدرجت جوانب رئيسة من الرفاه الاجتماعي على نحوٍ مختلف16. وهكذا ساهم عمل أندرسن في ازدهار أبحاث تصنيف دول الرفاه؛ فقد وضع كلٌّ من لايبفريد Leibfried وكاسلز Castles وميتشل Mitchell وسياروف Siaroff وفيريرا Ferrera وكوربي Korpi وبالمه Palme وبونوليBonoli، أنماطًا شبيهة تستند إلى التصنيف الأصلي17. واتّبع معظمهم نهجًا وتركيبًا مفاهيميًّا مماثلً لما اتبعه إسبينغ-أندرسن، على الرغم من سعي بعضهم إلى اتّباع نهجٍ مغاير في التصنيف؛ فقد رفض بونولي مثلً مفهوم نزع صفة التسليع كليًّا، مفضّ لًالنظر إلى عاملين آخرين هما عمق دولة الرفاه (الإنفاق الاجتماعي كنسبة من الناتج القومي الإج لياا)، وطريقة تمويل دولة الرفاه (النسبة المئوية للنفقات الاجتماعية المموّلة من خلال الاشتراكات)18. وذكر كاشا Kasza في ردّه المهمّ على هذه الموجة من الدراسات التعريفية، والذي مثّل انتقادًا قويًّا لفكرة التصنيف ككل، أنّ معظم البلدان "تمارس نسقًا غير مترابط من سياسات الرفاهية بسبب الخصائص التقليدية التالية لعملية صنع سياسة الرفاهية:)1 الطبيعة التراكمية لسياسات الرفاهية. 2) اختلاف السياسات تاريخيًّا في مختلف دول الرفاه. 3) مشاركة مجموعات مختلفة من الفاعلين السياسيين. 4) الفروق في عملية صنع السياسات. 5) تأثير الأنماط الأجنبية"19. وبناءً عليه، مع نموّ سياسات البلد وتعدّدها، تغدو إمكانية تصنيفها في نظام واحد متماسك غير واقعية بصورة أكبر. إضافة إلى هذه التعديلات والانتقادات، بُذلت محاولات لتوسيع نطاق النمط ليتجاوز مجموعة البلدان المدروسة في البداية؛ فقد وَضع كون Kwon وجونز Jones تعريفًا لنظام دولة رفاه شرق آسيوي أو كونفوشيوسي يتميز "بشركاتية محافظة من دون مشاركة العمّ ل كما في النمط الغربي، وتبعية من دون الكنيسة، وتضامن من دون مساواة، وحرية عمل من دون تحررية"20. فهو دولة رفاه قائمة على الاقتصاد المنزلي وفقًا للنموذج الكونفوشيوسي التقليدي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط يقتصر في معظمه على النمور الآسيوية، ما يجعله غير قابل للتطبيق على عددٍ كبير من البلدان الآسيوية الأقلّ نموًّا.

واستُخدم تصنيف أندرسن وامتداداته لدراسة بعض أنظمة الرفاهية في البلدان النامية؛ فلدراسة بلدان أميركا اللاتينية، قُسّم تاريخها إلى فترتين: ما قبل ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها. وقد كان نظام الرفاهية الأميركي اللاتيني أثناء الفترة الأولى يشبه النمط الأوروبي المحافظ في بلدان جنوبي أوروبا21. وركّزت السياسة الاجتماعية على دعم مُعيلي الأسرة من الذكور من خلال حماية العمل وبرنامجِ ضمان اجتماعي ذي تراتبية مهنية. ولكن هذه السياسة تختلف عن النمط

  1. Lewis, “Gender and the Development of Welfare Regimes”; O’Connor, “Gender, Class and Citizenship”; Or loff, “Gender and the Social Rights of Citizenship”; Sainsbury, Gender, Equality and Welfare States ; O’Connor, Orloff, and Shaver, States, Markets, Families.
  2. Orloff, “Gender and the Social Rights of Citizenship.”
  3. Daly and Lewis, “The Concept of Social Care,” p. 289.
  4. 19  Kasza, “The Illusion of Welfare Regimes,” pp. 277-280. 20  Kwon, “Beyond European Welfare Regimes”; Jones, “The Pacific Challenge.” 21  Barrientos, “Latin America: Towards a Liberal-Informal Welfare Regime.”
  5. Bonoli, “Classifying Welfare States.”
  6. 17  Leibfried, “Towards a European Welfare State?”; Castles and Mitchell,
  7. “Worlds of Welfare”; Siaroff, “Work, Welfare and Gender Equality”; Ferrera, “The ‘Southern’ Model of Welfare”; Korpi and Palme, “The Paradox of
  8. Redistribution”; Bonoli, “Classifying Welfare States.”

الأوروبي الذي لا يطبِّق الضمان الاجتماعي وحماية العمل خارج نطاق القطاع المنظَّم. ولذلك اتّصف النمط الأميركي اللاتيني في تلك الحقبة بأنّه "محافظ/غير منظَّم"22. وكان النموذج الفردي للتوظيف العامل الرئيس في ما يتعلق بالتقسيم الطبقي الاجتماعي، لأنّ العمل في القطاع المنظَّم كان البوابة للرفاهية الاجتماعية. وزادت بعد العقد الضائع وفرة السوق وأدّت إلى حدوث انزياح في النظام نحو نمط "ليبرالي/غير منظَّم"23. وبالمثل، يتميز نظام الرفاهية التركي بالضمان الاجتماعي البسماركي المنظَّم، مع إدماج معيّ للقطاع غير المنظَّم والإعانة العائلية والمحسوبية. وهو يشبه كثيرًا النمط في جنوبي أوروبا أو على نحوٍ أكثر دقة النمط "المحافظ/ غير المنظَّم" لأميركا اللاتينية24. وفي سياق مختلف، درس رينجن Ringen ونغوك Ngok نظام الرفاهية الصيني، ونبَّها إلى سوء إدارة الدولة الذي أسفر عن خلق فجوة بين أهداف السياسات في تحقيق الشمولية والنتائج التي قد تكون محابية لفئات معيّنة25. والطبيعة الهجينة للنظامين التركي والأميركي اللاتيني، وإدماجهما القطاع غير المنظَّم، وعواقب سوء إدارة الدولة في نظام الرفاهية الصيني، عوامل قد تكون موجودة في دولٍ نامية عديدة. وعلى الرغم من هذه الانتقادات، لا يزال التصنيف المعياري قادرًا على توفير رؤى سديدة عن دول الرفاه. وكما قال آرتسArts وجيليسن Gelissen، هذه الانتقادات غير عادلة لأنّ التصنيف يحقّق ثلاثة شروط مهمّة26؛ يتمثل أوّلها في أنّه يُعدّ أداة صالحة وموثوقة لتصنيف دول الرفاه، وثانيها أنّه وسيلة لتحقيق غاية وليس غاية بحد ذاته لأنّه يهدف إلى توضيح الفروق في السلوك والمواقف الاجتماعية بين بلدٍ وآخر وينجح في ذلك. أمّا ثالثها فهو أنّ عملية بناء نظرية دولة الرفاه مازالت في مهدها. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّه لا يمكن عد دولة الرفاه بمنزلة محصّلة سياسات اجتماعية لأنّها أكثر من تراكم عددي لبرامج مفردة27. وتبعًا لذلك، يتيح هذا الإطار فهم دول الرفاه فهمً تقريبيًّا، لأنّ الفهم الكلّ لنظام الرفاه في البلاد يجب أن يمضي إلى أبعد من محدودية نظام التصنيف.

الخلفية التاريخية لدولة الرفاه المصرية

احتلّت السياسات الاقتصادية والاجتماعية مكانة كبيرة في الأجندة السياسية المصرية منذ الانقلاب العسكري عام 1952. وبدأت مصر في عهد جمال عبد الناصر في اعتماد تنمية تقودها الدولة مع تركيزٍ قوي على مكافحة الفقر وعدم المساواة. ثمّ خضع الاقتصاد لعملية تحرير عبر اعتماد سياسة الانفتاح أثناء عهد أنور السادات، والتي عزّزت النموّ على حساب المساواة الاقتصادية. ومثّل هذا الانزياح تغييرًا في أولويات الدولة ومواقفها تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية. واستمرّ التحرير الاقتصادي في عهد حسني مبارك، وخصوصًا عندما لجأت الحكومة إلى قروض صندوق النقد الدولي وقبلت جزئيًّا وصْفته النيوليبرالية للتنمية، أي برنامج الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي عام.1991 ويبدأ تاريخ الجمهورية المصرية مع انقلاب 1952 وتأسيسه النظام الناصري الاش ارركي الاستبدادي الذي جمع أطراف السلطة قرابة عقدين28. واتّسمت حقبة عبد الناصر باقتصادٍ تقوده الدولة، وسياسات إعادة توزيع واسعة، وعملية التأميم؛ إذ أمّم عبد الناصر الشركات والصناعات الكبرى والبنوك والأصول الأجنبية والصحف وقناة السويس. وأدّى قانون الإصلاح الزراعي عام 1952 وتعديلاته اللاحقة إلى إعادة توزيع واسعة للأراضي من مالكي الأراضي الأغنياء إلى الفقراء، وهي سياسة قامت بدورٍ رئيس في ظهور طبقة وسطى جديدة. وصاحَب ذلك تأكيد المسؤولية الاجتماعية للدولة تجاه رفاه مواطنيها، واتّباع نهج شمولي للسياسات الاجتماعية. فتميزت الدولة المصرية الجديدة بنظامَي رعاية صحّية وتعليم مجانيَيّن، وخدمات اجتماعية تستهدف الفئات ذات الدخل المحدود، ودعم لموارد الدولة، وإصلاحات عمّ لية في ما يتعلق بالحدّ الأدنى للأجور وحقوق العمّ ل. وإضافة إلى ذلك، تكفّلت الدولة بتوظيف خرّيجي الجامعات ووفرت التأمين الاجتماعي القومي29. وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع معدّل الحراك الاجتماعي في مصر أثناء حقبة ناصر30. ومن جهةٍ أخرى، أدّت النفقات الحكومية العالية ونقص الاستثمارات الأجنبية إلى تباطؤ النموّ الاقتصادي في نهاية عهد عبد الناصر. فسعى خليفته السادات إلى حلّ ذلك، بتعزيز القطاع الخاص والاستثمارات

  1. Barrientos, “Latin America: Towards a Liberal-Informal Welfare Regime.”
  2. Barrientos, “Labor Markets and the Hyphenated Welfare Regime in Latin America.”
  3. Bugra and Candas, “Change and continuity”; Grutjen, “The Turkish Welfare Regime.”
  4. 28  Kassem, Egyptian Politics.
  5. Arts and Gelissen, “Three Worlds of Welfare Capitalism or More?” p. 140.
  6. 30  Amin, Whatever Happened to the Egyptians? p. 14.
  7. 25  Ringen and Ngok, “What Kind of Welfare State is Emerging in China?”
  8. Bebber, The Policies of the State and Targeting the Poor in Egypt , p. 51.
  9. 27  Esping-Andersen, “Welfare States and the Economy,” p. 712.

الأجنبية والتجارة الدولية. وكان لهذا التحوّل أثرٌ إيجابي في النمو الاقتصادي وآخر سلبي في السياسة الاجتماعية وخلق حالةٍ من الاضطراب. وتمثّلت الخطوة الأولى في تطبيق القانون 65 لعام 1971 الذي قدّم إعفاءات ضريبية لجذب المستثمرين المحليين والدوليين31. وتَعزّز ذلك بالقانون 43 لعام 1974 (سياسة الانفتاح) الذي "وفّر ضمانات ضدّ المصادرة أو التأميم أو النقل إلى الاستخدام العام دون تعويض، ونصّ أيضًا على أنّ المشاريع القائمة على أساسه هي مشاريع خاصة أيًّا كان المساهمون فيها"32. ولم يُستكمل هذا التفضيل لفائدة القطاع الخاص بتقدّمٍ في السياسات الاجتماعية. فتُك المواطنون يختارون بين تخفيض أجورهم للحصول على فرصة عمل، أو المخاطرة بعدم استقرار راتبهم والبطالة. وأدّى ذلك إلى ارتفاع معدّل البطالة وزيادة التفاوت في الدخل. وتعرقلت جهود الدولة في عملية التصنيع بسبب الانتقال إلى دولة ريعية مع اعتماد الاقتصاد على ريع الموارد الطبيعية وقناة السويس والسياحة وقطاع البناء، ما أدّى إلى حدوث حراك ضدّ الدولة، جرّاء تقليص الدعم الحكومي في المقام الأوّل، وهو ما يدعى "بانتفاضة الخبز" عام 1977 التي قمعتها الدولة. ظهر، كردّة فعل على تراجع الدور الاجتماعي للدولة، شكلان من شبكات الأمن الاجتماعي غير الرسمية: أولً، هاجر كثيرٌ من المصريين إلى بلدان عربية غنية بالنفط وأرسلوا حوّالات مالية إلى أسرهم في مصر لتنمو هذه التحويلات من %0.927 من الدخل القومي الإجمالي عام 1977 إلى %2.18 عام 1981 وفقًا للكتاب الإحصائي السنوي لصندوق النقد الدولي. وزاد ذلك من فعالية العائلة بوصفها شكلً من الحماية الاجتماعية. ثانيًا، شكّلت الفجوة التي تركتها الدولة فرصة لجماعات وجمعيات خيرية دينية كجماعة الإخوان المسلمين لتقديم خدمات اجتماعية للفقراء وتعزيز قاعدتها الاجتماعية33. فعلى الرغم من استمرار اعتماد معظم السياسات الاجتماعية السابقة، قلّلت التغييرات الاقتصادية والنموّ السكاني من فعاليتها وأحدثت فجوة في الرفاهية أدّت إلى زيادة دور شبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية. وعند تولّ مبارك مقاليد الحكم عام 1981، كانت مصر تواجه مشاكل عديدة؛ منها فشل القطاع العام، والتضخم، والديون الخارجية، والاختلال في الموازنة، والبطالة، وتراجع التجارة، ما دفع بالحكومة إلى التعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واعتماد برنامج الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي عام 1991، والذي أسّس الاقتصاد النيوليبرالي في مصر عبر التركيز على الخصخصة، وتحرير التجارة، وإلغاء القيود. وعلى الرغم من أنّ ذلك أسفر عن تصحيح بعض المشاكل، وتحقيق استقرار مالي، وتحفيز النموّ الاقتصادي بنسبة بلغت %5، بقي الفقر وعدم المساواة سائدَين.

الفقر وعدم المساواة والإنفاق الاجتماعي في الفترة 2005-1995

انخفضت نسبة الفقراء (عند خطّ فقر يساوي دولارين بحسب تعادل القوة الشرائية) من %26.31 من السكان عام 1996 إلى %19.37 عام 2000، ثم تباطأ معدل الانخفاض لتصل النسبة إلى %18.46 عام 2005. ويتوازى هذا مع اتّجاهٍ مماثل في فجوة الفقر. فتوزّعُ الفقر في مصر غير متكافئ؛ إذ كانت نسبة %75 من الفقراء عام 2005 تعيش في المناطق الريفية، و%55 منهم في ريف صعيد مصر. ويعمل غالبية الفقراء في قطاعَي الزراعة والبناء اللذَين يشغلّان معظم العاملين في القطاع غير المنظَّم مع التعرّض لخطر الفقر بنسبة %26.3 و%26 على التوالي34. وارتفع معامل جيني، وفقًا لبيانات البنك الدولي، من 0.3013 عام 1996 إلى 0.3276 عام 2000 قبل أن يتراجع قليلً إلى 0.3214 عام 2005. ويتوضح الأمر أكثر بقراءة حصة أغنى %10 من السكان من الدخل، والتي ارتفعت من %26.04 عام 1996 إلى %28.34 عام 2000 لتنخفض إلى %27.64 عام 2005. وعلى النقيض من ذلك، انخفضت حصة أفقر %20 من السكان من الدخل من %9.51 عام 1996 إلى %8.95 عام 2000. وبقيت ثابتة تقريبًا في النصف الثاني من العقد قيد الدراسة. ويمكن فهم تلك الاتجاهات بتتبّع معدلات نموّ الناتج المحلي الإجمالي التي زادت في النصف الأوّل من العقد ثم انخفضت، ما أدّى إلى زيادة معدّل البطالة من %9 عام 2000 إلى %9.9 عام.2005 وازداد الإنفاق الاجتماعي من %7.5 من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة 2000-1996 إلى %9.8 تقريبًا في الفترة 2005-2001 35، والمثال نفق في السنة المالية على ذلك أنّه أ 2004 نحو %10.8 من الناتج المحلي

  1. Kassem, Egyptian Politics , p. 24.
  2. Abdel-Khalek, “Looking Outside, or Turning Northwest?” 397.
  3. Farah, Egypt's Political Economy , p. 77.
  4. World Bank, Egypt: Towards a More Effective Social Policy.
  5. World Bank and Ministry of Economic Development, Arab Republic of Egypt: A Poverty Assessment Update , p. 61.

الإجمالي على الدعم الحكومي وبرامج الضمان الاجتماعي. وهو رقم يمثّل أكثر من %30 من الإنفاق العامّ. وموازنة هذا الإنفاق المرتفع مقسّمة بصورة غير متساوية بين تحويلات نقدية وبرامج صندوق التنمية الاجتماعية %0.12(و%0.18 على التوالي من الناتج المحلي الإجمالي) من ناحية، ودعم عيني للغذاء وللطاقة %1.7(و%8.1 على التوالي من الناتج المحلي الإجمالي) من ناحية أخرى36.

برامج الرفاهية الأساسية في مصر في الفترة 2005-1995

يمكن تحديد سبعة مكوّنات لدولة الرفاه المصرية، يتعلّق الأولّان بالدعم الحكومي الكبير للغذاء والوقود، والذي يقدّم إعانات عينية لجميع المواطنين ولو نظريًّا على الأقلّ. وتتضمّن المكوّنات الثلاثة التالية الإرث التاريخي للمعاشات الحكومية، وخدمات صحية مجانية، وتعليمً عامًّا مجانيَّا. واعتمدت الدولة برامجَ هادفة لمكافحة الفقر وتأمين الضروريات الأساسية. وأخ ا، إلى جانب مكوّنات الرفاهية التقليدية هذه، قام التوظيف في القطاع العام والشبكات الاجتماعية غير الرسمية بدورٍ رئيس كشبكات أمان تزيد من قدرة الفرد على نزع صفة التسليع وتصوغ التقسيم الطبقي الاجتماعي.

الدعم الحكومي للغذاء والوقود

يٍمثّل دعم الغذاء والوقود أكبر برنامج للرفاهية تقدّمه الدولة بموازنة تقدَّر بنحو %10 من الناتج المحلي الإجمالي. وينعكس هذا الإنفاق الكبير على انخفاض أسعار البضائع المدعومة. ويفتقر هذا البرنامج إلى معايير الأهلية، ما يجعله في متناول جميع المواطنين، وهو لذلك يتمتع بإمكانية كبيرة لنزع صفة التسليع. ومع ذلك، وبالنظر إلى خصائص السلع المدعومة، يميل البرنامج إلى الحفاظ على التقسيم الطبقي الاجتماعي القائم. ولبرنامج الدعم الحكومي في مصر مكوّنان رئيسان؛ هما الغذاء والطاقة. فالدعم الغذائي يتيح "غذاءً رخيصًا وغنيًّا بالسعرات الحرارية لحماية دخل فئاتٍ معيّنة وخصوصًا الفقراء والأطفال والحوامل"37. ومعظمُ البضائع المدعومة متدنّية النوعية كالطحين والخبز البلدي متاحٌ لجميع المواطنين من دون الحاجة إلى تلبية أيّ معايير خاصة مراقَبة إداريًّا. ومع ذلك، ونظرًا لأنّ البضائع المدعومة ذات نوعية رديئة، يستهدف الدعم الغذائي ضمنًا الفئات الأكثر حرمانًا.

وتشير تقديرات آدمز Adams إلى أنّ معدلات الدعم الحكومي في عام 1997/1996 للخبز البلدي وطحين الدقيق البلدي والزيت والسكر، هي %59 و%47 و%56 و%62 على التوالي38. وعلى الرغم من أنّ الهدف من هذا الدعم هو مكافحة الفقر، لم يحقّق نجاحًا كبيرًا، وتفاوَت ذلك بين سكان الريف والمدينة؛ فإجمالي التعويضات المضافة على الدخل من الأغذية المدعومة كنسبة من الإنفاق العام في المدن ينخفض مع ارتفاع مستوى الدخل من %8.7 للفقراء إلى %1.4 للأغنياء. وبلغة الأرقام المطلقة، يتلقّى كلّ فرد من الخمس الأفقر في المدن 1.83 جنيهًا أسبوعيًّا من الدعم الغذائي مقابل 1.6 جنيه لكل فرد في الخمس الأغنى. ومن جهةٍ أخرى، يتلقّى كلّ فرد في الخمس الأفقر في الريف 1.62 جنيهًا أسبوعيًّا مقابل 1.86 جنيه لكلّ فرد في الخمس الأغنى39. ويبين هذا الاختلاف بين المدينة والريف أنّه ليس لدى سكّانهما التصوّر نفسه إزاء ما يعدّ متدنّ الجودة. وفي نهاية العقد قيد الدراسة، كان الخمس الأغنى يتلقّى %24 من الدعم الغذائي، في حين كان الأفقر يتلقّى %17 فقط40. وهكذا يبدو أنّ الدعم الغذائي المتاح للجميع موجّه بصورة كبيرة عمليًّا، ولكنّه ولسوء الحظ موجّه نحو الأقلّ حاجة إليه. ويغطّي الدعم الحكومي للطاقة في المقام الأوّل البنزين والكيروسين والديزل والغاز والكهرباء. وبالمثل، لا توجد معايير أو حدود موضوعة مسبقًا للحصول على طاقة مدعومة، ما يجعل هذا الدعم متاحًا للجميع. ويبدو أنّ أهداف دعم الطاقة الموجّهة ذاتيًّا أقلّ وضوحًا من أهداف الدعم الغذائي؛ فالخمس الأغنى يحصل على %34 من الدعم، في حين ينال الخمس الأفقر %13، أي تقريبًا ثلث ما يحصل عليه

  1. World Bank, Egypt: Towards a More Effective Social Policy.
  2. Bebber, The Policies of the State and Targeting the Poor in Egypt , p. 85.
  3. Adams, “Self-Targeted Subsidies.”
  4. Adams, “Self-targeted Subsidies,” pp. 16-18
  5. World Bank, Egypt: Towards a More Effective Social Policy.

الأغنياء41. علاوةً على ذلك، وعلى الرغم من أنّ دعم الطاقة يمثّل قرابة %75 من الدعم الإجمالي، فإنّه يفيد أوّلً فئات الدخل الأعلى التي تمتلك وسائل نقل أو صناعات. ولا تستهلك المنازل سوى %5.5 فقط من الطاقة الإجمالية من المنتجات البترولية، في حين تذهب البقية إلى صناعات ذات استهلاك كثيف للطاقة ولتوليد الكهرباء. وثمّة جانب آخر للتوزيع غير المتكافئ، وهو أنّ سكان المدينة يستفيدون أكثر من دعم الطاقة من سكان الريف. وضمن هذا التفاوت بين الريف والمدينة، ينحرف التوزيع نحو الفئات ذات الدخل الأعلى؛ إذ يحصل الخمس الأغنى في المدينة على %33 من هذا الدعم، في حين لا يستفيد الخمس الأفقر فيها إلا من %3.8 فقط. وبالمثل، يتلقّى الخمس الأغنى في الريف %12.8 من دعم المنتجات البترولية في حين يحصل الخمس الأفقر على.%5.6 وعلى الرغم من هذا الفشل الناجم عن عدم المساواة في توزيع الإعانات المباشرة، ثمّة فائدة شاملة ومهمة وغير مباشرة للبرنامج تتعلّق بأثره في مستويات الأسعار في الاقتصاد العام؛ فالتضخّم يعمل بمنزلة ضريبة على الموارد المالية، وله أثر أعلى في الفقراء بسبب محدودية دخلهم الحقيقي، والذي يكون غالبًا نقدًا. وهنالك طريقة مكملة لتقييم الأثر العام للدعم الحكومي وهي دراسة آثاره الجانبية في رفاهية الشخص العادي. فتخفيض الدعم يؤدّي مباشرةً إلى زيادة أسعار الطاقة، وأسعار كلّ البضائع والخدمات؛ وكمثال: من المتوقع أن يؤدّي إلغاء جميع أنواع الدعم الحكومي على الطاقة وبيع المنتجات بتكلفتها المحلية إلى رفع تضخّم مؤشر أسعار المستهلك بنسبة %36.9، ما يؤدّي إلى فقدان الأسر نحو ثلث دخلها الحقيقي. وإذا خُفض الدعم بنسبة %75 من خلال جعله يقتصر على الاستهلاك المنزلي فقط، ترتفع الأسعار أيضًا بنسبة %27.642. وتشير هذه السيناريوهات إلى الأثر غير المباشر للدعم الحكومي في الحفاظ على الدخل الحقيقي للفرد، وبالتالي رفاهيته، عبر كبح جماح التضخم. ويؤدّي الدعم الحكومي بمعنى من المعاني إلى مستوى معيّ من الحماية من تقلبات أسعار السلع الأساسية الضرورية لرفاه الفرد، وهذه ظاهرة شاملة. ويعزّز برنامج الدعم الحكومي عامّةًالتقسيم الطبقي الاجتماعي القائم بسبب عدم المساواة في توزيع الإعانات واستهداف الفقراء؛ إذ لا يحصل الخمس الأفقر من السكان إلّ على %16 فقط من موارد الدعم والرفاهية، وهي أقلّ من نسبتهم من إجمالي السكان، في حين ينال الخمس الأغنى %28 من الموارد. وبعبارةٍ أخرى، يقدّم نظام الدعم الحكومي الحالي للغنيّ ضعف ما يقدّمه للفقير تقريبًا43. وثمّ ة أسباب لهذا التقسيم الطبقي الاجتماعي؛ منها موانع جغرافية تؤدّي إلى عدم المساواة في الحصول على الإعانات؛ فعدد محطات الوقود والمخابز المدعومة مثل أقلّ في الريف منه في المدينة، إضافةً إلى أنّ مكوَّن الطاقة الذي يتلقّى الدعم الأكبر تستهلكه الفئات الثريّة بصورةٍ رئيسة. ويمكن وصف برنامج الطاقة والغذاء، استنادًا إلى عدم وجود معايير للأهلية وإلى نطاق الإعانات المحتملة المباشرة وغير المباشرة التي يقدّمها، بمنزلة نظام شامل نتيجة لإمكانيته العالية في نزع صفة التسليع. ولكن يمكن الطعن في هذا الوصف نظرًا لآثار التقسيم الطبقي الاجتماعي الناجمة عنه، مع التوجّه نحو عدّه شكلً شركاتيًّا للرفاه المُحافظ. وتتيح التحويلات العينية، إضافةً إلى المزايا الجغرافية والأعمال القائمة على الطاقة، للفئات الاجتماعية الأكثر ثراءًالاستفادة من البرنامج أكثر من الفقراء. ونتيجته النهائية هي الحفاظ على التقسيم الطبقي الاجتماعي القائم.

معاشات التأمين الاجتماعي

في عام 2005/2004، أصبح نظام المعاشات المصري يشمل نسبةً كبيرة من العاملين %93(منهم)، مقارنةً بنسبةٍ لا تتجاوز %30 في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقرابة سبعة ملايين مواطن ونصف من أصحاب المعاشات والمستحقين عنهم. ويضمن لهم النظام الحالي الحماية من مخاطرَ عديدة تحول دون استمرارهم في العمل، وأهمّها: الشيخوخة، والعجز، والوفاة. وهو يسري إلزاميًّا بموجب القوانين 1975/79، و 1976/108، و 1980/112 على العاملين في الحكومة والقطاعين العام والخاص، وأصحاب الأعمال، والعمالة غير المنظَّمة. وثمّة أيضًا نظام تقاعد اختياري للمصريين العاملين في الخارج. وتُعدّ الاشتراكات التي تغطّي المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية وبرامج أخرى، مرتفعةً بالنسبة إلى العاملين في الحكومة والقطاعين العام والخاص، وتصل إلى %40 من الأجر الأساسي و%35 من الأجر المتغيّ للفرد. وهي أعلى بكثير من المعدّل السائد في دول الشرق

  1. World Bank, Egypt: Towards a More Effective Social Policy.
  2. Abouleinein, El Laithy, and Kheir-El-Dein, “The Impact of Phasing
  3. Out Subsidies,” pp. 13-19. 43  World Bank, Egypt: Towards a More Effective Social Policy.

الأوسط وشمال أفريقيا؛ كالجزائر وليبيا وتونس والمغرب والأردن، حيث تتراوح بين %8 و.%14 وكي يصبح العامل مؤهّلً للحصول على الإعانات، يجب أن يكون قد أمضى في الخدمة مدة عشر سنوات على الأقلّ للأجر الأساسي وعشرين سنة للأجر المتغيّ، وبحدٍّ أقصى يبلغ 36 سنة للأجر الأساسي. وتبلغ نسبة الاستحقاق 45/1 من متوسط أجره الشهري في السنتين السابقتين مباشرةً لانتهاء خدمته، وبحدٍّ أقصى %80. ويبلغ اشتراك الفرد من العمالة غير المنظَّمة (والتي تمثّل قرابة %27 من إجمالي المشتركين في النظام الحالي) جنيهًا واحدًا فقط في الشهر مقابل حصوله في المستقبل على معاش شهري قدره 80 جنيهًا44. ويضمن نظام المعاشات للفرد الذي أكمل عشرين سنةً من الاشتراك حقّ التقاعد الاختياري على أن يجري تخفيض المعاش بنسبٍ تتزايد كلمّا كانت سنّ الفرد المتقاعد مبكرًا أصغر. ووفقًا للنظام الحالي، تقلّ نسب التخفيض القانونية لمعاشات التقاعد المبكر بفارقٍ كبير عن نسب التخفيض الاكتوارية الواجب مراعاتها، ليستمرّ التوازن بين إيرادات نظام المعاشات ومصروفاته. علاوةً على ذلك، فإنّ نسبة المتقاعدين المستحقين للمعاش إلى العاملين المشتركين في نظام المعاشات المصري مرتفعة %39() مقارنةً بالنسب السائدة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا %27()، وأميركا اللاتينية %25()، وآسيا %11(.) ويتناقص عدد المشتركين الجدد في حين يزداد عدد المتقاعدين، ما يؤدّي إلى اتّساع العجز في البرنامج، وازدياد اعتماده على الدعم الحكومي لدفع المعاشات المستحقة على الرغم من الاستقلالية المفترضة لهذا النظام. ويرجع ذلك إلى عدم وجود آليّة تلقائية تحمي قيمة المعاشات التقاعدية من التآكل بمرور الوقت، وإلى الرابط الضعيف بين الاشتراكات والمعاشات الفعلية. وتموّل الدولة زيادة المعاشات منذ عام 1987؛ إذ وصلت مساهمة الخزينة العامة في الالتزامات التقاعدية إلى 8.4 مليارات من الجنيهات عام 2005، إضافةً إلى مساهمة الدولة بوصفها صاحب عمل. وعلى الرغم من التغطية الواسعة للبرنامج والالتزام الحكومي به، لا يزال القطاع غير المنظَّم الكبير خارج مظلّته. ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت العمالة غير المنظَّمة 8.3 ملايين شخصًا عام 2004 لترتفع إلى 9 ملايين عام 2005، أي %47 من إجمالي القوى العاملة. وتمثّل النساء %20 تقريبًا من العمالة غير المنظَّمة، و%48 من إجمالي القوى العاملة النسائية، ما يعني أنّ نصف العمالة النسائية لا يحظى بالتقاعد. والعمالة غير المنظَّمة هي التي تغيب فيها العقود القانونية، وهي ترتبط بحجم المنشأة الخاصة. وتعمل معظم العمالة غير المنظَّمة في قطاعَي الزراعة والبناء اللذين يشملان معدلات فقر مرتفعة. وعليه، يستثني برنامج معاشات الدولة نحو نصف إجمالي القوى العاملة، ونصف العمالة النسائية، وغالبية العمّ ل الفقراء. ويرتبط نظام المعاشات في مصر بالوضع الوظيفي للفرد، واشتراكاته السابقة، وعمره، ووضعه الصحّي. وينبغي أن يغطّي من حيث المبدأ غالبية العمّ ل، ولكن مظلة تغطيته أدنى بكثير عمليًّا؛ لأنّه يستبعد القطاع غير المنظَّم، أو نصف العمّ ل المصريين. ووفقًا لذلك، فقدرة هذا النظام على نزع صفة التسليع محدودة. وتحافظ حصيلته النهائية للتقسيم الطبقي الاجتماعي على مزايا المتقاعدين، وهي سمة من سمات أنظمة الرفاهية المحافظة، وخصوصًا في شكلها الدولوي.

الرعاية الصحّية

تقدّم وزارة الصحة خدماتها لجميع المواطنين ومعظمها مجاني. ومع ذلك، يواجه تأمين الرعاية الصحية العامة بعض التحدّيات؛ إذ تعاني موازنة الرعاية الصحية من عجزٍ في التمويل. وقد بلغت عام 2000 نحو %3.8 من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بالوسطي البالغ %5.3 لبلدان مماثلة من حيث متوسّط دخل الفرد45. وازداد الإنفاق على الصحة العامة بين السنوات 1994 و 2002، ثم بدأ في الانحدار. وكان الإنفاق العام في 1995 منحازًا جهة الخمس الأغنى الذي تلقّى %23.6، في حين حصل الخمس الأفقر على.%16.4 علاوةً على ذلك، ثمّة توزيع غير مدروس للموارد المالية. فعلى الرغم من انتشار الأمراض المعدية مثلً، خُصّصت نسبة %56 من الموازنة للخدمات العلاجية46. وينعكس هذا النقص في التمويل وسوء توزيع الموارد على الأداء العام لقطاع الصحة العامة، والذي يلُام عمومًا على انخفاض مستواه. وثمّة بعدٌ آخر للبرنامج يتعلق بأنظمة التغطية والبنية والاشتراكات في التأمين الصحّي. فالتأمين الصحي العامّ في مصر يهدف من حيث المبدأ إلى تحقيق تغطية شاملة، بيد أنّ هذا الهدف مازال بعيد المنال. صحيح أنّ نسبة السكان الحاصلين على تأمين صحي عبر الهيئة العامة

  1. Helmy, “Egypt’s New Pension System,” pp. 3-10.
  2. Galal, “Social Expenditure and the Poor in Egypt,” p. 3.
  3. Galal, “Social Expenditure and the Poor in Egypt,” p. 8.

للتأمين الصحي قد زادت بين السنوات 1994 و 2008 من %35 إلى %55، إلا أنّ مصر متخلفة كثيرًا عن تونس %99()، وإيران)%98(، والأردن)%83(47. ومع ذلك، فإنّ حال الفقراء أفضل من الفئات الأخرى؛ إذ تمّت تغطية %80 منهم عام 2002 48.

وثمّة أيضًا تفاوتٌ بين الجنسين في الحصول على الخدمات الصحية والتأمين الصحي. وقد أشارت لينا أبو حبيب إلى أنّ المرأة تواجه صعوبةً أكبر في الحصول على تأمين صحي حتى عندما تعمل في القطاع نفسه الذي يعمل فيه الرجل49. وتتضمّن الفجوة بين الجنسين أيضًا بعدًا مكانيًّا بين الريف والمدينة؛ فاحتمال حصول المرأة في المناطق الشمالية والجنوبية والقرى الحدودية على خدمات صحية ضئيل للغاية بل ومعدوم أحيانًا، لا سيمّا بين الأسر التي ترأسها نساء50. ونظام التأمين الصحي العام في مصر مجزّأ جدًّا، وهو يقدَّم من خلال قوانين مختلفة تغطّي فئات السكان المتنوّعة مع وجود قواعد منفصلة لدفع الاشتراكات وإدارة الإعانات، ما يؤدّي إلى عدم الكفاءة. وهو يقدّم أيضًا حزمًا واسعة وسخيّة من الفوائد، بما فيها رعاية المرضى الداخليين، والجراحة التجميلية، والعلاج في الخارج. وبالنسبة إلى الاشتراكات، تَراجع دور الهيئة العامة للتأمين الصحي بوصفها جهة تمويل من %12 إلى %8، في حين ارتفعت نسبة التكاليف غير المشمولة بالتأمين الصحي من إجمالي الإنفاق الصحي من %51 إلى.%60 إنّ المصدر الرئيس لتمويل نظام الرعاية الصحية المصري هو التمويل من معاش الأسر، والذي زادت نسبته من %51 في 1994 إلى حوالى %60 في 2002/2001 قبل أن يبدأ في التراجع. وقد رافق ذلك انخفاض نسبة مساهمة وزارة المالية، وهي المساهم الرئيس الثاني، من قرابة %35 إلى نحو %29 (وزارة الصحة.) وعلى الرغم من أنّ تغطية التأمين الصحي غير كافية، حقّقت مصر نجاحًا كبيرًا في عدة مؤشرات صحية؛ فبحلول عام 2001، سمحت النفقات الصحية العامة بتوسيع حملات اللقاح لتشمل %98.3 من السكان وبزيادة عدد الأطباء لكل 1000 شخص. وحصل تحسّن ملحوظ في متوسط العمر المتوقّع ومعدلات الوفاة في المدينة والريف، مع وتيرة أكبر في التحسّن في المناطق الأشدّ فقرًا51. وقد تمكّن نظام الرعاية الصحية من تحقيق إنجازات هائلة في بعض المجالات، ولكنّه لا يزال متخلّفًا في مجالاتٍ أخرى. وهو نظريًّا نظام شامل للتغطية، أمّا عمليًّا، فالتغطية مازالت محدودة ومنحازة للرجل، ولكنها تتقدم بثبات نحو الشمولية. وتُوازن منافعُ نظام التأمين اشتراكاته المرتفعة. وهو يقدّم من حيث المبدأ نوعًا معيّنًا من الخدمات الصحية الأساسية لجميع المواطنين، ومن هنا بإمكاننا تصنيفه برنامج رفاهية شامل.

التعليم

نظام التعليم العام في مصر مجانيّ لجميع المواطنين في جميع مستوياته. ولا توجد معايير لأهلية الحصول على الخدمات التعليمية المقدمة من الدولة والتي تمتدّ إلى التعليم العالي أيضًا. وعلى الرغم من بعد مصر كلّ البعد عن القضاء على أمّية الكبار، فهي تمكّنت من تحقيق معدلّات التحاق عالية بالتعليم الابتدائي، وهو أمر واعد على صعيد محو الأمّية في المستقبل. إضافةً إلى أنّ الفجوتين بين الجنسين وبين المدينة والريف آخذتان في التقلّص، على الرغم من استمرارهما في إعاقة حصول الجميع على التعليم. وارتفعت نسبة الإنفاق العام على التعليم إلى الناتج المحلي الإجمالي من %3.1 في 1991/1990 إلى %4.6 في 2000/1999. وبقيت ثابتة في بقية سنوات العقد قيد الدراسة52. وقد انعكس هذا الارتفاع على المؤشرات التعليمية؛ إذ ارتفعت معدلات محو الأمّية للكبار من %55.6 عام 1996 إلى %71.4 عام 2005. وزاد إجمالي معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي إلى %100 تقريبًا بحلول نهاية العقد. ومع ذلك، بقي إجمالي معدّل الالتحاق في كلّ المستويات مجتمعة (باستثناء مرحلة الحضانة) نحو %75، وفقًا للبنك الدولي.

  1. Ministry of Health, Egypt, and Health Systems 20/20 , p. 13.
  2. Galal, “Social Expenditure and the Poor in Egypt,” p. 8.
  3. 51  Galal, “Social Expenditure and the Poor in Egypt,” pp. 5-9.
  4. Abou-Habib, “The Right to Have Rights,” p. 445.
  5. 49  Abou-Habib, “The Right to Have Rights.”
  6. Galal, “Social Expenditure and the Poor in Egypt,” p. 3.

وصاحَب تحسّن التعليم انخفاض في التفاوت بين مختلف الفئات الاجتماعية؛ فوفقًا للبنك الدولي، تحسَّن مؤشّ التكافؤ بين الجنسين بالنسبة إلى أمّية الكبار خلال العقد ليزداد من 0.65 عام 1996 إلى 0.71 عام 2005، لكن بقيت الفجوة بين الجنسين كبيرة لأنّ معدّل محو أمّية الإناث عام 2005 بلغ %59.4 مقارنة مع %83 للذكور. وتَحسّن مؤشر التكافؤ بين الجنسين في إجمالي معدّل الالتحاق بالتعليم الابتدائي من 0.88 عام 1995 إلى 0.94 عام 2005. كما تحسَّ ن التكافؤ بين الجنسين في التعليم العالي ليبلغ 0.83 عام.2005 ويبلغ إجمالي معدّل الالتحاق بالتعليم الابتدائي، كما هو ملاحظ أعلاه %100 للذكور والإناث، بيد أنّ صافي معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي كان أعلى لدى الذكور منه عند الإناث، ولكن ضُ يّقت الفجوة خلال سنوات العقد. وينطبق هذا الاتجاه الإيجابي على التفاوت بين المدينة والريف. وكان معامل جيني لمتوسط سنوات الالتحاق بالمدرسة عام 1995 أعلى لدى الإناث 0.59() منه بين الذكور 0.41() لينخفض بوتيرة أعلى بالنسبة إلى الإناث خلال العقد ويصبح 0.5 إلى 0.35 عام 2005. وبالمثل، كان معامل جيني لمتوسط سنوات الالتحاق بالدراسة عام 1995 أعلى في الريف 0.59() منه في المدينة)0.39(، لكنّه انخفض بوتيرة أعلى في الريف خلال العقد ليصبح 0.49 إلى 0.33 عام.2005 وعلى الرغم من هذه العوامل الإيجابية، تظلّ الجودة تمثّل تحدّيًا رئيسًا في التعليم العام نظرًا لازدحام الصفوف الدراسية وتدنّ نوعية المرافق التعليمية، ما دفع بكثيرٍ من الأسر إلى إرسال أطفالها إلى مدارس خاصة أو إحضار مدرّسين خصوصيين لهم. وقد أسفر ذلك عن ارتفاع نسبة إنفاق الفرد على التعليم لتصل إلى %19.7 من الدخل في أوساط الفئات الفقيرة، وفقًا لمعهد التخطيط القومي. ومثّل ازدياد الاعتماد على الدروس الخصوصية ضغوطًا اجتماعية واقتصادية ثقيلة على الأسر. وتقدِّم الدولة المصرية خدمات تعليمية شاملة لجميع مواطنيها واستحقاقات تعليمية سخيّة نسبيًّا ومجانية، باستثناء دفع الضرائب. وعلى الرغم من مشكلة الجودة، تلبّي الدولة الاحتياجات التعليمية الأساسية لجميع مواطنيها. ويُعالَج بفاعلية التفاوت بين الجنسين، وبين المدينة والريف. لذلك، يمكن تصنيف النظام التعليمي في مصر على أنّه شامل تقريبًا.

برامج موجّهة

يوجد لدى الدولة 78 مشروعًا للتنمية الاجتماعية يستهدف الأسر والأطفال، بما فيها استثمارات في دُور حضانة، ومكتبات، ونواد شبابية، ومراكز لأطفال الريف، ومشاريع تنمية مرحلة الطفولة المبكرة. ويهدف بعض البرامج أيضًا إلى تمكين الفئات المحرومة؛ فعلى سبيل المثال، يسعى برنامج رعاية الأسرة البديلة إلى الحدّ من عمل الأطفال وتقديم الرعاية للأطفال العاملين. ويهدف مشروع الصناعات المنزلية إلى تنمية الموارد الاقتصادية للأسر ذات الدخل المنخفض، إذ قدّم هذا البرنامج عام 2005 خدماتٍ لقرابة 1.8 مليون شخص، مع انضمام أكثر من 12000 عائلة إليه عام 2006. ويقدّم بنك ناصر الاجتماعي مساعداتٍ وقروضًا للفقراء. ويخصّص البرنامج الوطني للسكن الاجتماعي وحداتٍ سكنية للمصريين ذوي الدخل المتوسط والمنخفض. علاوةً على ذلك، ينفّذ البرنامج الوطني لتنمية أفقر 1000 قرية مشاريع أشغال عامة لمساعدة الفئات الفقيرة فقرًا مدقعًا. وقد وُضع هذا المشروع باستخدام مؤشرات الفقر الديموغرافية كالعمل والصحة والمرافق العامة والتعليم، وهو يستهدف مليون شخص من أفقر الأسر من أجل تزويدهم باحتياجاتهم الأساسية. وبالمثل، يسعى البرنامج الوطني لمواجهة الفقر جغرافيًّا إلى معالجة مستوى معيشة الأشدّ فقرًا. وهو يهدف إلى تطوير "البنية التحتية للتعليم النظامي، وإجراء دورات في محو الأمية، وإيجاد وحدات صحية ومساكن جديدة، وتأمين مياه الشرب وال فرر الصحي والكهرباء، وإنشاء الطرق، وتحسين الظروف البيئية في المناطق الأكثر فقرًا والأشدّ عوزًا في مصر"53. وتبلغ تكلفة المرحلة التجريبية لهذا المشروع 3.4 مليارات جنيه، وتستفيد منه 151 قرية. وأخيرًا، يقدِّم برنامج تنمية المدن الجديد خدماته لمليونَ شخص عبر برامج تدريب، وتمويل، وريادة أعمال للفئات المحرومة54. وينتج من هذه البرامج تقسيم طبقي اجتماعي عالٍ بسبب طبيعتها التوجهية. وينبغي تحليل قدرة كلّ برنامج على نزع صفة التسليع، وهو أمر خارج نطاق هذه الدراسة، لكن يمكن وصف هذه الإمكانية بأنّها متوسطة تقريبًا. والملاحظة الأكثر أهمية في هذا الصدد هي تركيز هذه البرامج على الأسرة بوصفها الوحدة الاجتماعية الأساسية عوضًا عن الفرد، وهي إحدى سمات أنظمة الرفاهية المحافظة.

  1. United Nations Development Program, Egypt Human Development Report 2005.
  2. Bebber, The Policies of the State and Targeting the Poor in Egypt , pp. 102-104.

التوظيف الحكومي

يُعدّ التوظيف في القطاع العام شكلً غير تقليدي من أشكال ضمان الدولة للرفاهية، ومن أقوى شبكات الأمان التاريخية في مصر، إذ يرقى إلى حقبة عبد الناصر. وهو يتمتع بمزايا تجعله مرغوبًا فيه اجتماعيًّا، وأوّلها أمنه النسبي نظرًا للعدد المنخفض للغاية لحالات الطرد مقارنةً بالقطاع الخاص، وثانيها هو أنّه يفتح الباب أمام عدة إعانات اجتماعية واقتصادية أخرى؛ فعلى سبيل المثال، يحصل معظم موظفي الدولة وضباط الجيش والشرطة على إعانات نقدية وعينية على مدار السنة، إلى جانب إمكانية انضمامهم إلى نوادٍ اجتماعية وأنظمة مخصصة للتقاعد والرعاية الصحية. وأخيرًا، تخفّف تخمة القطاع العام بالموظفين من أعباء العمل، ما يسمح لمعظم الموظفين بالحصول على عملٍ آخر ومصدر إضافي للدخل.

وإضافةً إلى هذه المزايا، أشار أسعد إلى أنّ الأجور في الحكومة والشركات العامة أعلى منها في القطاع الخاص55. وقد أشبع سعيد هذه الملاحظة بحثًا باستخدام مسوح العمل بين السنوات 1998 و 2006، فوجد أنّ المكافآت تُ نح لعمّ ل القطاع العام بغضّ النظر عن النوع الاجتماعي، وأنّها زادت في الفترة 2006-1996. وبرّر طارق الغمراوي وزياد عامر ذلك بأنّ القطاع العام يقوم بدور اجتماعي وليس دورًا اقتصاديًّا فقط56. ولا تعتمد أجور القطاع العام على التحصيل العلمي، بل ربّ ا تتعلق الرواتب العالية صوريًّا بالدور الاجتماعي والسياسي الذي يقوم به هذا القطاع. أمّا الأجور في القطاع الخاص فهي أكثر ارتباطًا بالتحصيل العلمي والمهارات. علاوةً على ذلك، تدير الحكومة القطاع العام وتشرف عليه مباشرة،ً لتسبغ عليه بذلك صفة القطاع "المنظَّم" التي لا يتمتع بها قسم كبير من القطاع الخاص، ما ينعكس على الأجور. وقد قسّم الغمراوي وعامر قطاعات التوظيف إلى القطاع الحكومي، والمشاريع العامة، والقطاع الخاص الأجنبي، والمشاريع الخاصة المشتركة، والقطاع الخاص المحلي57. وأجور الحكومة أعلى بكثير من أجور القطاع الخاص المحلي وأدنى بقليل من قطاعَي التشغيل الخاصيّن الآخرين. ويُعزى ذلك إلى استخدام القطاعات الخاصة وعلى نطاق واسع عمالة غير منظَّمة تُحرَم في الغالب من الإعانات المتعلقة بأجورهم أو بغيرها، والتي يتمتع بها العامل في القطاع المنظَّم؛ فقرابة %75.1 من عمّ ل القطاع الخاص المحلّ ليس لديهم عقد عمل قانوني، في حين أن %97.6 من عمّ ل الحكومة يتمتعون بذلك. وترتبط صفة "غير المنظَّم" ارتباطًا وثيقًا بحجم المنشأة؛ فنحو %61 من العمالة غير المنظَّمة تعمل في أعمال تجارية صغيرة تضم 4-1 أشخاص، و%15 في منشآت تضم 9-5 أشخاص. ولمّا كان القطاع الخاص يضم %69.7 من قوة العمل، غدت العمالة غير المنظَّمة مشكلةً خطيرة، ما يجعل العمل في القطاع العام خيارًا جذّابًا، أي أنّ عدم قدرة الحكومة على تنظيم سوق العمل وعمالة القطاع الخاص بفاعلية جعلت العمل في القطاع العام الملجأ الطبيعي للمواطنين الساعين إلى حماية حقوقهم القانونية بوصفهم موظفين. وفي بلدٍ يعاني من نسبة بطالة عالية وقدرات إدارية محدودة، ومازال في مرحلة مبكرة من التصنيع، يُعدّ العمل في القطاع العام شبكة أمان فعّالة وقويّة. وتبقى الرفاهية الاجتماعية والأمن الوظيفي للعمّ ل، على الرغم من أنّهما جزء من استحقاقات أخرى، سببين قوييّن للرغبة فيه. وهو يضمن عقودًا رسمية للعاملين ويفتح الباب لمنافعَ أخرى، ما يولّد تقسيمً طبقيًّا اجتماعيًّا لمصلحة عمّ ل القطاع العام. ومن هنا يمكن تصنيفه بمنزلة برنامج رفاهية دولوي مُحافظ.

شبكات الرفاهية غير الرسمية

تقوم شبكات الرفاهية غير الرسمية، بما فيها الأسرة والمؤسسات الدينية، بدورٍ رئيس في تقديم خدمات اجتماعية في مجتمع ذي طابع جماعي عالٍ وأساسٍ ديني قويّ. وتضمن الأسرة الممتدة حماية اجتماعية مثل التوسط في النزاعات، وإيجاد بديل عند فقدان الأبوين أو غيابهما، ومحاباة ذوي القربى في التوظيف، والإعانة في تكاليف الرعاية الصحية58. وتشارك الأسرة الريفية وذات الدخل المنخفض في جميع جوانب حياة أعضائها تقريبًا؛ إذ يسهم الأهل في تعليم الأطفال، وتربيتهم، وتأمين

  1. 57  El Ghamrawy and Amer, “The Public Wage Premium in Egypt,” pp. 6-7. 58  Okasha, El Kholy, and El Ghamry, “Overview of the Family Structure in Egypt,” p. 163.
  2. El Ghamrawy and Amer, “The Public Wage Premium in Egypt,” p. 23.
  3. 55  Assaad, R., “The Effects of Public Sector Hiring and Compensation
  4. Policies on the Egyptian Labor Market.”

فرص العمل، وإجراء مفاوضات مع الجهاز البيروقراطي والنخب السياسية، وإنشاء ومتابعة شؤون الأعمال، وادّخار المال، وتوزيع الموارد والمعلومات، وتأمين الائتمان، وتنظيم الهجرة59. ويجد الكثير من الأسر المنخفضة الدخل والباحثة عن دعم اجتماعي ملجأ أيضًا في المؤسسات الدينية الإسلامية أو المسيحية. وتُعدّ الهبات الخيرية الدينية كالزكاة والوقف مصادر مهمّة لتمويل المشاريع الصحية والتعليمية للفقراء؛ إذ ساعدت الزكاة والوقف في سدّ بعض الثغرات في الحماية الاجتماعية التي تخلفها الحكومة. ويُعدّ مستشفى 57357 لسرطان الأطفال، ومؤسسة مجدي يعقوب للجراحة القلبية، ومعهد الأورام أمثلة على مشاريع صحية كبرى تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبرّعات، وتقدّم خدمات مجانية للفئات ذات الدخل المحدود. وقد ازدادت أهمية المؤسسات الدينية بصورة ملحوظة في عهد مبارك. أمّا في عهد عبد الناصر فتضاءلت الأوقاف الإسلامية بسبب سياسات إعادة التوزيع الحكومية وسيطرة الدولة القوية على الرعاية. وقد أُعيد إحياء الأوقاف الإسلامية في عهد السادات عبر مجموعة قوانين؛ إذ شجّعت الدولة على إعادة إحياء نظام الوقف وتوسيعه كي تفتح الباب لحدوث "رفاهية إسلامية" قائمة على "التضامن بين المسلمين"، كما ذُكر في تقرير للبرلمان المصري. وقد شرَع عدد كبير من المساجد الخاصة والجمعيات الخيرية الدينية في تقديم خدمات اجتماعية كالتعليم والصحة، وهو اتّجاه نشأ مع بداية سبعينيات القرن العشرين. وفي نهاية حقبة الثمانينيات، أمر مبارك وزارة الأوقاف بإطلاق برنامج لتوسيع المساجد الخاصة الصغيرة لتصبح جوامع ضخمة عبر توسيع تقديمها الخدمات الاجتماعية؛ كتدريس الطلاب، والتدريب المهني، والخدمات الصحية. وفي التسعينيات، دعت حركةٌ قادها عدد كبير من المثقفين والمهنيين إلى إحياء مؤسسة الوقف بوصفها مصدرًا تقليديًّا خاصًّا للرفاهية60. وقدّمت 5671 منظمة دينية غير ربحية عام 1992 خدماتٍ اجتماعية لنحو مليونَ عائلة. وبحلول منتصف التسعينيات، بلغ عدد لجان الزكاة المنشأة في المساجد لتعمل بمنزلة وسيط بين المانح والمتلقّي أكثر من 4000 لجنة. وتشكّل المنظمات الإسلامية قرابة %34 من سائر المنظمات غير الربحية في مصر. وقد زادت مساهمات الزكاة نتيجة لزيادة عدد المساهمين وحجم التبرّعات61. وثمّة مصادر رائجة للخدمات الاجتماعية أكثر إثارةً للجدل، وهي شبكات أخرى غير رسمية قائمة على المحسوبية ومحاباة الأقارب والواسطة، أي "تَدخّل الراعي لمصلحة الزبون في محاولة للحصول على موارد أو ميزات من طرفٍ ثالث" بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة بين الراعي والزبون62. وتمحورت السياسة الانتخابية في مصر خلال العقد قيد الدراسة على قدرة المرشّح على تسهيل مصالح ناخبيه بالمحسوبية، ويشمل ذلك تسهيل تأمين مساكن عامة، والتوظيف، وترخيص الأعمال التجارية. ويختار المصوّتون المرشّح القادر على تقديم الخدمات، وليس بالضرورة الشخص الأكفأ على التشريع أو الإشراف على أداء الحكومة63. وتُعدّ الانتخابات موسمً للحصول على موارد الدولة. وتسود أيضًا المحسوبية ومحاباة الأقارب للأسباب عينها. وتُظهر الأبحاث أنّ غالبية الناس في العالم العربي يستخدمون الواسطة ويرون أنّها ذات أثر إيجابي في حياتهم المهنية64. وما يثير الدهشة هو أن النظرة الإيجابية إلى الواسطة تسود أكثر عند الفئات الأقلّ منزلة اقتصاديًّا واجتماعيًّا مقارنةً بالفئات الثريّة، ما يشير إلى أهميتها الخاصة لديهم65. وفي بلدٍ يعمّه الفساد، وجهازه البيروقراطي غير كفء، ويعاني عدم مساواة اجتماعية كبيرة، والفقر مستشرٍ فيه، يحاول المواطنون استخدام جميع الوسائل الممكنة للحصول على موارد الدولة. وتُ ثّل الأسرة والمؤسسات الدينية وشبكات الواسطة، شبكاتِ أمان اجتماعي ذات جذور عميقة في المجتمع المصري. وهي تضمن الحماية مدى الحياة، وتكون في كثير من الحالات أكثر فعالية من شبكات الأمان الحكومية نظرًا لسهولة الوصول إليها وانتشارها على نطاق واسع. وعلى الرغم من أنّ هذه الأنظمة تواجه مشكلة وجود من يستغلّها مجانًا، فهي قويّة لأنّ القوانين الدينية والأخلاقية التقليدية تعمل لمصلحتها. وتشبه شبكاتُ الرعاية القائمة على الأسرة، بما فيها الواسطة، شبكات نمط الرفاهية الجنوبي المحافظ، خصوصًا بوجود مؤسسات دينية تركّز على الحفاظ على بنية العائلة التقليدية وأدوار الجنسين في المجتمع.

  1. Singerman, Avenues of Participation.
  2. Pioppi, “From Religious Charity to the Welfare State and Back,” p. 4-6.
  3. Anheier and Salamon, The Non-Profit Sector in the Developing World ,
  4. Mohamed and Mohamed, “The Effect of Wasta,” p. 412.
  5. Lust, “Democratization by Elections?” p. 125.
  6. Dobie, Grant, and Knudstrup, “Attitudes and Perceptions of the Role of Wasta”; Whiteoak, Crawford, and Mapstone, “Impact of Gender and Generational Differences.” 65  Mohamed and Mohamed, “The Effect of Wasta,” p. 421.
  7. pp. 145-146.

تعريف نظام الرفاه المصري

من خلال تحليل مختلف برامج الرفاه في مصر، بإمكاننا تصنيف التجربة المصرية وفقًا للتصنيف الحالي لأنظمة الرفاه؛ فنظام الرفاه المصري يشبه النمط الجنوبي المحافظ في ما يتعلق بالعوامل التالية: أوّلً، ثمّة التزام شبه مؤسسي بتحقيق دولة الرفاه، أي أنّ مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها وفقًا للدستور المصري تشمل ضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين (المادة 8) وضمان الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية (المادة.)16 وتنصّ المادة 7 على أنّ المجتمع يقوم على التضامن الاجتماعي. ويؤكّد الدستور أيضًا على أنّ كلًّ من العمل والتعليم حقّان تكفلهما الدولة (المادتان 13 و 18.) ثانيًا، تقديم منافع سخيّة عبر برامج عديدة لكن مع عدم وجود شبكة حماية اجتماعية منصوص عليها صراحةً. ثالثًا، الاعتراف بالرعاية الصحية والتعليم حقيّن لجميع المواطنين. وأخيرًا، تقوم الأسرة والدين بدورٍ كبير.

ويتداخل النظام الم يرر، من ناحية أخرى، مع النمط الأميركي اللاتيني لجهة أنّ العمل في القطاع المنظَّم يمهّد الطريق للحصول على إعانات اجتماعية، ويُستثنى القطاع غير المنظَّم الكبير من الضمان الاجتماعي والأمن الوظيفي. علاوةً على ذلك، يؤكّد النظام المصري حقيقة لوحظت في الصين وهي أنّ سوء إدارة الدولة برامج الرفاهية الاجتماعية كالدعم الحكومي للمواد الغذائية والطاقة، يولّد سياسات منحازة لمصلحة فئاتٍ معيّنة. ويتمتع النظام المصري بوضوح بمكوّن شمولي قويّ في برامج من قبيل التعليم والرعاية الصحية. وإذا أخذنا في الحسبان المنافع غير المباشرة لبرامج الدعم الحكومي من حيث السيطرة على التضخم، يمكن القول إنّها شاملة أيضًا وبقوّة، بخاصة أنّها تشكّل المكوّن الأكبر في نظام الرفاهية المصري. ولكن يمكن الطعن في هذا الادّعاء إذا لم نأخذ في الحسبان سوى المنافع المباشرة، وأدركنا المعايير الجوهرية الأهلية للسلع المدعومة. وتقوم السوق المصرية بدورٍ هامشي في دولة الرفاه وتنزع عنها أيّ جانب ليبرالي مهمّ. وأخيرًا تقوم شبكات المحسوبية والواسطة، الشبيهة بالنمط التركي، بدورٍ كبير على صعيد الحصول على الخدمات الاجتماعية، ما يسلّط الضوء على دور الشبكات الاجتماعية غير الرسمية. وانطلاقًا من كلّ هذه العوامل يمكن القول إنّ النمط المصري ينتمي إلى فئة أنظمة الرفاهية "المحافظة/غير المنظَّمة" على غرار النمط الأميركي اللاتيني قبل العقد الضائع، والنمط التركي. وهذه الفئة هي الأقرب إلى الواقع.

خاتمة

يشير تحليل دولة الرفاه المصرية إلى إمكانية إدراج فئة جديدة من أنظمة الرفاهية تتضمّن بعض الخصائص المشتركة. ويدعم هذا الادّعاء نقاطُ التشابه بين النظام المصري والنمط الأميركي اللاتيني والتركي والصيني. ويقتضي توسيع التصنيف القياسي بحيث يشمل البلدان النامية بهذه الطريقة ضرورةَ الاهتمام بعناية بالنقاط الخمس التالية: أوّلً، ثمّة فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة للحكومة وتحقيقها فعليًّا على أرض الواقع. وتنحو مظاهر سوء الإدارة، والرصد الضعيف، والتخصيص غير الفعّال للموارد، والفساد إلى توسيع هذه الفجوة. ويتعلق ذلك بأهمية تقييم جودة الخدمات، لا سيمّا في سياق البلدان النامية؛ صحيح أنّ التعليم مثلً مكفول للجميع، ولكن ذلك يجري بجودة رديئة ما يضع أثره في الرفاهية موضع تساؤل. وينبغي إذن أن تتضمّن معايير التصنيف بوضوح جوانب تقييم الجودة والإدارة بحيث تذكر بالتفصيل طرقًا كمّية واضحة لتقييمها. ثانيًا، يعزّز هذا التحليل الصلة الوثيقة لبعد النوع الاجتماعي بدراسة دولة الرفاه في البلدان النامية، حيث ينتشر التفاوت بين الجنسين على نطاق واسع. وتقوم الفوارق بين الريف والمدينة بدورٍ مماثل ويجب أن تؤخذ في الحسبان أيضًا بسبب حدّتها الكبيرة في بعض البرامج جرّاء تركيز الدولة على المدن. ثالثًا، ينبغي تحليل حجم القطاع غير المنظَّم وآليات عمله بهدف تقييم أثره في ضمان الرفاهية. رابعًا، يجب إدراج مؤسسات الأمان الاجتماعي التقليدية كالعائلة والمؤسسات الدينية في تحليل أنظمة الرفاهية بطريقة أكثر منهجية نظرًا لانتشارها في البلدان النامية وأثرها الكبير في نزع صفة التسليع، وفي التقسيم الطبقي الاجتماعي. خامسًا، من الضروري الأخذ في الحسبان وبصورة كاملة أثر شبكات المحسوبية والمحاباة تبعًا لعواقبها في نزع صفة التسليع، وفي التقسيم الطبقي الاجتماعي. وخلاصة القول، يتيح التصنيف الذي وضعه إسبينغ-أندرسن وآخرون إطارًا تحليليًّا مفيدًا، مع الإقرار بضرورة إجراء بعض التعديلات الإضافية لتوسيع إمكانية استخدامه في فهم أنظمة الرفاهية في البلدان النامية.