حكومة العبادي: خيطُ الضوء الأخير في سماء ملبّدة بالغيوم

حيدر سعيد

الملخّص

تناقش هذه الورقة التحديات التي تواجهها حكومة حيدر العبادي في العراق راسمة ما ينبغي أن تطلع به في المرحلة القادمة، وخصوصً ا بعد تداعيات سقوط الموصل بيد داعش. تعرض الورقة إخفاق نظام ما بعد 2003 في تأمين شراكة متكافئة للمكونات العراقية في مؤسسة السلطة نتيجة للسياسات الطائفية التي انتهجها نور المالكي بسيطرته على سائر مفاصل النظام السياسي والمؤسسات السياسية العامة، وممارسته تنكيلا منهجيًّا ب "الفرقاء" السياسيين الآخرين، ولا سيما السن ة منهم. وتعرض الورقة أيض ا الموقف الأميركي وتدخل التحالف الدولي، وإنشاء الحرس الوطني. كما تناقش سائر تحديات جهد إعادة تماسك الدولة العراقية وإخراجها من مشكلاتها؛ ومن بينها خطر داعش، وًالانقسام الطائفي، والحالة الأمنية، والحالة الاقتصادية. وتعرض الورقة أيض ا للتقاطعات الإقليمية مع الحالة العراقية، بخاصة من جانب إيران، وما أصبح يتضح كمعادلة إقليمية جديدة.

مقدمة

لا شكّ في أنّ الأجواء الناشئة بعد سقوط الموصل بيد "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (المعروف إعلاميًّا باسم داعش)، يوم 9 حزيران/ يونيو 2014، هي التي فَرَضت الحكومة العراقية الجديدة التي ترأَّسها حيدر العبادي، والتي نالت ثقة مجلس النواب يوم 8 أيلول/ سبتمبر، من جهة بنيتها وتركيبتها، وقاداتها والأطراف السياسية الفاعلة فيها، وتوجهاتها التي أعلن عنها برنامجُها. ويبدو، إلى حدّ بعيد، أنّ رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان بإمكانه تحقيق طموحه المتمثل بالبقاء رئيسًا للوزراء لولاية ثالثة، على الرغم من ممانعة الأطراف الداخلية - فضلً عن الأطراف الإقليمية والدولية - ورفضها لهذا الطموح. فبسبب سياسات العصا والجزرة التي اتبعها منذ سنوات والإغراء بالمنافع، علاوةً على التخويف من الأخطار المتربصة وتعبئة جمهوره الشيعي في خطاب طائفي مغلق، كان يُ كن لتوازنات القوى والمصالح أن تتقاطع في لحظة ما حول شخصه. بناءً على ذلك، يبدو صحيحًا أنّ سقوط الموصل هو الذي عجَّل خروج المالكي، وأنّه ثمَّة فهمٌ واسع - داخليًّا وخارجيًّا – يُفسِّ ما حدث بأنه كان النتيجة والتتويج التراجيديَّيْ لإخفاق نظام ما بعد 2003 في تأمين شراكة متكافئة للمكونات العراقية في مؤسسة السلطة، بعد أن عُرِّف النظام بأنه قائم على تمثيل الهويات المكوِّنة للبلاد، بدلً من أن يكون دولةَ أمَّة.ٍ لقد كانت السياسات الاحتكارية التي اتبعها المالكي خلال سنوات حُكمه الثماني 2006( - 2014)، ولا سيما في ولايته الثانية هي الصيغة الأكثر تعبيرًا عن أزمة هذا النظام، وقاده افتقادُه لإرادة بناء دولة مركّبة الهوية إلى أن يمانع في تفعيل المؤسسات السياسية أو بنائها. وهذان الأمران يُعزِّزان مبدأ الشراكة في الحُكم؛ سواء منها ما رسمه دستور 2005، أو نصَّت عليها اتفاقية أربيل عام 2010، وهي التي شُكِّلت على إثرها حكومته الثانية. وتضمنت هذه الممانعة، على نحو خاص، رفْض أيِّ ترتيبٍ لامركزي وتفرُّدٍ بالقرار الأمني. لقد عمل المالكي، من ناحية، على السيطرة على سائر مفاصل النظام السياسي والمؤسسات السياسية العامة؛ من برلمان، وقضاء، وهيئات مستقلة، ومؤسسة عسكرية وأمنية، وإعلام، ومارس، من ناحية أخرى، تنكيلً منهجيًّا ب "الفرقاء" السياسيين الآخرين، ولا سيما السنّة منهم. وقد قابل المجتمع السنِّي هذه السياسات بشكوى واحتجاج مستمرين؛ لأنه مقصيٌّ عن الشراكة الفعلية في نظام الحُكم في بغداد، ولأنّ المالكي بنى سلطته على تمييزات قائمة على أساس الهوية، لتصل البلاد إلى احتقان طائفي وإثني غير مسبوق. إنّ اختلالات النظام السياسي، على نحو ما علّمتنا خبرتنا، هي المناخ الملائم لنمو التنظيمات الراديكالية التي تنشط، عادةً، في خطوط الانقسام المجتمعي والسياسي، وهذه الخطوط هي التي تُحرّك المساحات المتطرفة داخل كلّ مجتمع قائم على الهوية الإثنية. استطاع داعش، سليل تنظيم القاعدة، أن ينموَ في قلب الأزمة السياسية المتصاعدة بدايةً من عام 2010، مُستفيدًا من مساهمته في الثورة السورية، ومن إعادة بناء الحواضن التي أتاحها له المجتمع السنِّي، والتي فُقدت مع مشروع الصحوة عامي 2007 و 2008، ليستعيد، عام 2014، قوَّةً مكّنته من السيطرة على المدينة الثانية في العراق (الموصل.)

لقد عبّ الرئيس الأميركي باراك أوباما، بوضوح، في الأيام الأولى التي تلت سقوط الموصل، عن أنّ ما جرى هو نتيجة لأزمة النظام السياسي العراقي الذي أخفق في بناء الثقة بين مكوّناته، وذلك بقوله: "لم يستطع القادة العراقيون التغلب على الخلافات الإثنية وتنحيتها جانبًا. وقد خلقت الخلافات الطائفية في العراق وضعا هشًّا. وفي غياب الجهد السياسي، وغياب التوافق بين القادة العراقيين، لن ينجح أيُّ تحرك عسكري، ولن يكون ثمَّة تأثير لأيّ دعمٍ، من دون تحقيق استقرار داخلي في العراق." وهكذا، تكون العتبة الأولى الضرورية والأساسية لمواجهة داعش عسكريًّا هي خروج المالكي، وتشكيل حكومة توافق وطني تعمل على تفكيك السياسات التي مارسها، وانتهاج سياسات تعالج مظالم السنَّة، وتعيد بناءَ الثقة بالمؤسسات السياسية العامة، وتعمل على دمج السنّة، في مؤسسة الحُكم أكثر فأكثر، ليؤدِّيَ ذلك كلّه إلى تفكيك الحواضن التي ينشط داعش داخلها.

حكومة العبادي: المهمة والأهداف

سيحدد هذا الفهم معالجة مشكلة الانقسام الإثني والطائفي، ودمْج السنّة - من حيث أنهما أساسَا مواجهة داعش - المهمات والأهدافَ الأساسية التي ستتركب منها حكومة العبادي. وفي إيجاز ستكون المهمة الأساسية لحكومة العبادي أبعدَ وأوسع من حزمة المشكلات البنيوية المتراكمة والمعقَّدة التي تعانيها الدولة العراقية في فترة ما بعد 2003 من ترهلٍ في القطاع العامّ، واقتصادٍ ريعي يكرِّس تبعية المجتمع للدولة، وإخفاقٍ في الوفاء بالخدمات الأساسية، وفسادٍ وتغوّلٍ في السلطة التنفيذية، وانغلاقٍ في المسار الديمقراطي، مع تعثُّ المؤسسات السياسية وارتباك العلاقة بينها، وتأخُّر في إقرار الإطار التشريعي المكمِّل لبنية الدولة، والضامن لطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية وحقوق المواطنة الأساسية. إنّ المهمة الأساسية والخاصة بهذه الحكومة هي: صيانة الوحدة الوطنية العراقية أو استعادتها، وقد بدا سقوط الموصل دلالة رمزيةً مكثفةً على انهيار الدولة، وتفكُّك البلاد التي عدمت - على الدوام -سياسات جامعةً تُؤْمِن بأنّ النظام السياسي لبلد كالعراق ينبغي أن يتيح مشاركةً مرنةً وفاعلةً للجميع، بدلً من تنافس الهويات الذي أوصل الدولة العراقية - أكثر من مرّة - إلى أزمة وجود قادتها إلى الانهيار.

ستكون حكومة العبادي، في شيء من التفصيل، إزاء هدفين رئيسين ومتداخلين، هما:

إطلاق مسار إصلاح لمعالجة أزمات النظام أ بعد عام السياسي المُنش 2003

تضمَّن البرنامج الحكومي الذي أعلنه العبادي أمام مجلس النواب، يوم نيْل حكومته الثقة، مفاصلَ أساسيةً في المسار الإصلاحي، وهو الأمر نفسه الذي أدَّته وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية 2014. وقد اتفقت على هذه الوثيقة الأطراف السياسية الرئيسة1 قُبيل نيْل الحكومة الثقة، وجرى تضمينها في البرنامج الحكومي بوصفها ملحقًا. بل إنّ فقرات منها قد ضُ مِّنت بنَصِّها في مَتْ البرنامج. ومن ثمَّة، فإنّ إطار البرنامج بالنسبة إلى حكومة العبادي يتكوَّن رسميًّا من نَصَّ البرنامج الحكومي، ووثيقة الاتفاق السياسي. ولعل في صدارة عناصر المسار الإصلاحي إطلاق عملية مراجعة دستور 2005، من خلال تفعيل المادة 142() منه التي فتحت الباب لتشكيل لجنة ترفع توصيات بالتعديلات الضرورية المُمكن إجراؤها بشأن الدستور، بحسب المادة 126() منه. وقد كان هذا الإجراء شكلً من أشكال ترضية المجتمع السنِّي الذي تأخَّر عن عملية كتابة الدستور آنذاك. من ثمّة، نصَّت وثيقة الاتفاق السياسي، في مادتها ال 20() على تشكيل لجنة تُنجز توصيات بتعديلات ضرورية في الدستور "تمسّ الحاجة إليها في ضوء ما كشفت عنه تجربة الحُكم في المرحلة السابقة"2. وشدّدت الوثيقة على ضرورة "المضيّ قُدمًا في مشروع المصالحة الوطنية"، وعلى أن تعمل الحكومة "على أساس مبدأي الشراكة الحقيقية في اتخاذ القرارات، والمسؤولية التضامنية بين أطرافها"3. في هذا الإطار، ركّزت الوثيقة على "تحقيق التمثيل المتوازن للمكوّنات في الوظائف العامة في مفاصل الدولة المختلفة)...(وفي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية"4. ويُجرى هذا التمثيل عبْ حزمة من المؤسسات السياسية والإدارية؛ من قبيل "الهيئة العامة لضمان التوازن"، و"مجلس الخدمة الاتحادية"5. وهذا الأمر، في الحقيقة، تنفيذٌ لمطلب أساسي كان قد ورد في وثيقة المطالب التي اعتمدتها حركة الاحتجاج في المحافظات السنِّية مطلع عام 2013. لذا، يبدو أن البرنامج استجاب لجزء كبير ومهمّ من هذه المطالب6.

  1. نعني بها: "التحالف الوطني" وهو الائتلاف الأكبر للتنظيمات السياسية الشيعية، و"تحالف القوى العراقية" وهو يجمع سائر التنظيمات السياسية السنِّية، و"ائتلاف القوى الكردستانية."
  2. وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية 2014 م"، موقع الأمانة العامة لمجلس الوزراء (جمهورية العراق)، /7 /9 2014، على الرابط: http://www.cabinet.iq/uploads/pdf/Window5/4.pdf
  3. المرجع نفسه، المادة 1()، وانظر أيضًا المادة .)2(
  4. المرجع نفسه، المادة.)8(
  5. المرجع نفسه.
  6. للاطلاع على وثيقة المطالب التي اعتمدتها حركة الاحتجاج في المحافظات السنّية مطلع عام 2013، انظر: جريدة الوطن الكويتية، /6 /1 2013، على الرابط: http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?Id=245801 ومن المهمّ مقارنة تلك الوثيقة ب "برنامج حكومة جمهورية العراق للأعوام 2014 – "2018، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، /16 /9 2014، على الرابط: http://www.cabinet.iq/ArticleShow.aspx?ID=5240

ركّز البرنامج كذلك على "تفعيل الإدارة اللامركزية"7، وهو ما يأتي منسجمً مع أحد الأهداف التي يبدو أنّ البرنامج وضعها لمعالجة الشكوى من التسلط المركزي؛ وذلك ب "إبعاد المؤسسات التنفيذية عن التأثير السياسي لتحقيق مكاسب سياسية أو ذاتية"8. وبوجه عامٍّ، حدّد البرنامج أنّ اللامركزية تتحقَّق من خلال "توزيع الصلاحيات الحكومية بين الإقليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم [و] تفعيل صلاحيات المحافظات"9. وشدّد البرنامج على ضرورة تطبيق مبدأ اللامركزية في إدارة الملف الأمني؛ حتى يَفيَ بشراكة في القرار الأمني بين الحكومة المركزية والحكومات المحلِّية. وجاء في البرنامج ما نصُّه: "إعادة النظر في إدارة الملف الأمني )...( وتحديد آليات جديدة في الإدارة الأمنية في المحافظات بما ينسجم مع الدستور ومشروع المصالحة الوطنية، ومحاربة الإرهاب، مع مراعاة الظروف الخاصة بكل محافظة"10. إنّ اللامركزية الأمنية، بحسب تصور البرنامج الحكومي، لا تعني الانفتاح على تشكيل ميليشيات؛ فقد نصّ البرنامج على "حصْ السلاح بيد الدولة"11، ولكنها تنفتح على تشكيل قوات الحرس الوطني، وهي إحدى أكثر الأفكار جوهريةً في البرنامج الحكومي. ويُؤمَّل أن تؤدِّيَ هذه المنظومة دورًا أساسيًّا ومهمًّ في مواجهة داعش؛ فهي ستكون التنظيمَ العسكري المناظِر لتنظيمات الصحوة التي أنشأها الأميركيون عام 2007 (سنتوسع في هذه النقطة لاحقًا.)

تضمّن البرنامج والوثيقة مسائل مفصَّلةً كثيرةً تدخُل في مسار الإصلاح السياسي؛ منها العمل على تحويل ملفّ اجتثاث البعث الذي تعرَّض للتسييس من وجهة نظر السنّة، إلى ملفٍّ قضائي، وإصدار قانون للعفو العامّ، وتعديل قانون مكافحة الإرهاب الذي يشتكي السنّة من استهدافه إيَّاهم، وإنشاء صندوق خاص لإعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب النشاط الإرهابي والعمل العسكري، وهي مطالب سنّية كلّها، تضمنتها وثيقة المطالب التي أطلقتها حركة الاحتجاج السنِّية. وتضمّن البرنامج الحكومي أيضًا تشريع قوانين النفط والغاز، وتوزيع الموارد المالية، والهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، وتفويض الصلاحيات، وهذه المسائل مطالب كردية كلّها. فضلً عن ذلك، شدّد البرنامج الحكومي على ضرورة تشريع قانون مجلس الاتحاد، وإعادة النقاش بشأن الجهة التي تكون صاحبة الحق في الإشراف على الهيئات المستقلة، وإقرار النظام الداخلي لمجلس الوزراء12. بدا للكثير أنّ التشكيلة الحكومية التي أ علنت لا تستطيع أن تفي بمتطلبات الإصلاح السياسي؛ فهي قد استندت إلى الأطراف السياسية نفسِها التي سيطرت على المشهد السياسي إحدى عشرة سنةً بعد سقوط نظام صدام حسين، ولا سيما أنّ التنظيمات السياسية السنِّية تعيش أزمةً عميقةً في علاقتها بالمجتمع السنِّي. لقد حاولنا أن نشرح ذلك في مساهمة سابقة13؛ فالنخبة السياسية السنِّية في العراق حديثة التشكيل، مُعظم عناصرها لا يملكون تاريخًا سياسيًّا قبل عام 2003، بسبب سيطرة حزب البعث على المجال السياسي السنِّي، وهي "نخبة اضطرار"، لا تملك علاقةً طبيعية بالجمهور؛ قررت خوضَ أوّل انتخابات نيابية عام 2005، حين كانت أغلبيّة المجتمع السنِّي مقاطِعةً للعملية السياسية أو رافضةً لها. فهذا المجتمع أحسّ بأنّ تغيير 2003 أربك توازنات القوى التي كانت مبنيَّةً على قيام الدولة العراقية الحديثة لغير مصلحة السنّة، والنخبة السنِّية قررت أن تكون براغماتيةً، في حين كان جمهورها أقرب إلى روح الأيديولوجيا. ظلت هذه العلاقة غير الطبيعية قائمةً بين النخبة السنِّية والجمهور السنِّي. وهي، في تصورنا، واحدة من أكثر العوامل التي أبقت الوضع السياسي مضطربًا، كما أنها واحدة من المعطيات التي لم تستطع النخبة الشيعية الحاكمة فهمها فهمً دقيقًا. وقد أنتج عدمُ فهم هذه العلاقة أخطاءً جسيمةً في فهم المجتمع السنِّي، وخصوصًا المالكي الذي كان يظنّ أنّ التركيبة السياسية السنِّية ومَيْلها السياسي يعكسان

  1. ملف برنامج حكومة جمهورية العراق للأعوام 2014 - 2018"، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، أيلول/ سبتمبر 2014، على الرابط: http://www.cabinet.iq/uploads/pdf/Window5/3.pdf
  2. المرجع نفسه.
  3. الأولويات الإستراتيجية في خطة عمل الوزارات للمدة 2014 – 2018"، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، على الرابط:
  4. ملف برنامج حكومة جمهورية العراق."..
  5. المرجع نفسه. " 12 وثيقة الاتفاق السياسي"..، وانظر أيضًا "ملف برنامج حكومة جمهورية العراق."..
  6. http://www.cabinet.iq/uploads/pdf/Window5/2.pdf
  7. حيدر سعيد، "الطريق إلى سقوط الموصل"، مجلة سياسات عربية، العدد 10 (أيلول/ سبتمبر .)2014

توجهات الرأي العامّ والمَيْل السياسي في المجتمع السنِّي، على غرار العلاقة بين النُّخب الشيعية والكردية وجمهورهما، وهو أمرٌ غير صحيح إطلاقًا.

بما أنّ النخبة الشيعية الحاكمة لم تفهم تلك العلاقة المعقَّدة، فهي لم تسعَ إلى إيجاد أوضاع تعمل على تطبيع العلاقة بين النخبة السنِّية وجمهورها، الأمر الذي كان ممكنًا في الفترة التي كان المالكي فيها قريبًا من بناء مشروع وطني قائم على ائتلاف مع القوى السنِّية الرئيسة، وهو ما كان سيمنح النخبة السنِّية صدقيَّةً في قدرتها على تعديل مؤسسة الحُكم في بغداد وإنفاذ المصالح السنِّية. لذا، كان انفجار العلاقة غير الطبيعية بين النُّخب السنِّية وجمهورها، على هذا النحو العنيف، أمرًا محتومًا. على الرغم من ذلك، لا  يُ كن التعامل مع التشكيلة الحكومية بوصفها الصيغة الوحيدة والنهائية للإصلاح؛ لأنّه عملية طويلة وبطيئة لن تقف على حدود معالجة أزمة التمثيل السنِّي من خلال إعادة تأهيل النخبة السنِّية القائمة وتعريفها، أو إطلاق مرحلة انتقالية لصناعة نخبة سنِّية بديلة. إنّ الإصلاح، إضافةً إلى ذلك، إعادة هيكلة للنظام السياسي؛ بصوْغ العلاقة بين مؤسساته السياسية وسلطاته وممثلي مكوناته المجتمعية، وبين المركز من جهة، والإقليم والمحافظات من جهة أخرى، وتحديد صيغ الشراكة في إدارة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، وفي إدارة الثروة.

المساهمة في مواجهة داعش

لا شكّ في أنّ المسار الإصلاحي المذكور يشكِّل العتبةَ الأساسية في هذه المواجهة؛ فهو الوحيد القادر على تفكيك الحواضن التي تنفَّس داعش داخلها، والتي آمنت - في لحظة ما - بأنّ هذا التنظيم هو أداة الانتقام الوحيدة الممكنة من تسلط الحكومة المركزية، وهكذا نما داعش في فضاء النقمة السنِّية المتصاعدة منذ أزمة تشكيل حكومة المالكي الثانية عام 2010. ولذلك، يكون العنصر الأكثر جوهرية وضروريةً في مواجهته هو معالجة هذه النقمة وامتصاصها حتى يُسلَب القدرة على الحياة، من خلال المسار الإصلاحي الذي يمثّل تشكيلُ حكومة العبادي خطوتَه الأولى. لقد سيطر هذا الفهم على سائر الترتيبات الدولية، ولا سيما الأميركية، في مواجهة داعش، بل جرى ربط الجداول الزمنية الخاصة بمواجهة هذا التنظيم14 بالإعلان عن تشكيل الحكومة العراقية. وفضلً عن ذلك، مارس الأميركيون ضغوطًا كبيرةً على السياسيين العراقيين للإسراع في إعلان تشكيلة الحكومة، وعرضها على مجلس النواب، حتى تنال الثقة. كان ثمَّة، إذن، قرار أميركي بعدم إعلان أيِّ ترتيبٍ لمواجهة داعش قبل نيْل الحكومة العراقية الثقة. وفي هذا الأمر دلالة رمزية شديدة الأهمية على أهمية خروج المالكي، وضرورة تشكيل حكومة وفاق وطني في العراق لمواجهة داعش. في هذا السياق، ستضطلع قوات الحرس الوطني التي أشرنا إليها آنفًا، بدور مركزي، وهي قوات مسلحة عراقية، جرى إقرار إنشائها في البرنامج الحكومي الذي يقول إنّها تتكوَّن من "أبناء كلّ محافظة كقوة رديفة للجيش والشرطة، لها مهام محددة، ومستوى تجهيز وتسليح محدد يهدف إلى جعلها العمود الأساس في إدارة الملف الأمني في المحافظات"15. يبدو أنّ الحرس الوطني فكرةٌ نَ ت بين أطراف أميركية وبعض الأطراف السنِّية في فترة ما بعد سقوط الموصل، وهي تقوم على أساس ما يُ كن تسميته "الانتقال من الأمن الوطني إلى الأمن المحلِّ"، أي إنّ دور الجيش يقتصر على حماية الحدود، في حين تتولى قوات الحرس الوطني في كلّ محافظة حماية المحافظة التي تنتمي إليها. ومن المؤمل أن تشُرف الحكومة المحلِّية على هذه القوات. ولذلك، فهي جزء من المؤسسة الأمنية الرسمية؛ أي إنّها ليست ميليشيا على غرار قوات الصحوة. وهذا يعني أنّ قوات الحرس الوطني، إذا كانت تختلف عن الصحوة في طبيعة علاقتها بالمؤسسة الأمنية الرسمية، بالنظر إلى أنّها من البداية مهيكلة في هذه المؤسسة وجزء منها؛ لمَنْع تكرار سوء إدارة حكومة المالكي لملفّ الصحوة والإخفاق في دمجها في المؤسسة الأمنية الرسمية، فإنها تتفق معها في الوظيفة المتمثِّلة بأن تكون هي الأداة المسلحة النابعة من المجتمع المحلِّ لمواجهة داعش.

  1. في هذا السياق، يمكن استحضار إعلان الرئيس أوباما عن الخطة الإستراتيجية لمواجهة داعش يوم 9 أيلول/ سبتمبر 2014، ثمّ مؤتمر باريس "السلام والأمن في العراق" أواسط أيلول/ سبتمبر 2014، ثمّ قرار مجلس الأمن رقم 2178 المتعلّق بمكافحة ظاهرة الإرهابيين الأجانب، الصادر يوم 24 أيلول/ سبتمبر 2014، هذا فضلً عن بدء مقاتلات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بقصف مواقع داعش في سورية يوم 23 أيلول/ سبتمبر 2014، ومواصلتها قصف مواقعه في العراق.
  2. ملف برنامج حكومة جمهورية العراق."..

يؤمَّل، إذن، أن تُؤدِّيَ قوات الحرس الوطني الدورَ الذي أدَّته الصحوة في مواجهة داعش. وقد علّمتنا خبرتُنا من تجربة الصحوة أنّ الجيوش النظامية لا  يُ كن أن تنجح في خوض حرب أقرب ما تكون إلى حرب العصابات، وأنّ المجتمع المحلِّ هو الوحيد القادر على هزيمة مثل هذه التنظيمات الراديكالية، مادامت قوَّتها الحقيقية تأتي من حواضنها، لا من قوَّتها الذاتية. ويُتوقَّع أن تتضمن خطة مواجهة داعش ثلاث مراحل؛ تشمل أ ولاها الضربات الجوية. أمَّا ثانيتها، فتشمل شقَيّن يتمثّل أحدهما بمحاولة عزْل داعش ومحاصرته، عبْ قطْع مصادر التمويل وخطوط الإمداد اللوجستي عنه، ومراقبة الحدود لوقف تدفق ما يُسمّى "المهاجرين" في أدبيات داعش، وتقطيع أوصال الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها هذا التنظيم. ويتمثّل الشقّ الآخر بتأهيل قوات الحرس الوطني وتدريبها، لتتمكن من خوض المرحلة الثالثة، وهي الجزء الأخير من خطة مواجهة داعش التي لن تبدأ إلا بعد استكمال المرحلتين الأوليَي اللتين قد تستغرقان نحو سنتين. فالمرحلة الثالثة ستشمل استرداد الأراضي التي يسيطر عليها داعش وبسْط النفوذ عليها؛ ولذلك سيكون على قوات الحرس الوطني أن تخوض على الأرض مواجهة قتاليةً ضدّ هذا التنظيم. وبالنظر إلى أنّ تلك القوات جزء محوري من إستراتيجية مواجهة داعش، وأنّ الأميركيين أعلنوا، مرارًا، أنهم لن ينشروا قوات بريةً، فإنها ستخضع، مرحليًّا وانتقاليًّا، لدعمٍ وتأهيلٍ وربما إشراف أميركي. وفي هذا السياق، أكَّد أوباما أنّ دور الولايات المتحدة سيرتكز على الإشراف والتخطيط، والدعم الفني اللوجستي والاستخباري والعسكري الجوي، وعلى بناء القدرات، فضلً عن تنسيق جهد التحالف الدولي. في حين ذَكر رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي، أمام مجلس الشيوخ الأميركي يوم 16 أيلول/ سبتمبر 2014 ، أنّ المستشارين العسكريين الأميركيين العاملين مع القوات العراقية قد يشاركون في مهمات قتالية ضدّ داعش إذا لزم الأمر، وذلك من خلال قوله: "إذا وصلنا إلى مرحلة ينبغي فيها على مستشارينا مرافقة القوات العراقية في هجماتها ضدّ أهداف محددة لتنظيم الدولة الإسلامية، فإنني سأوصي الرئيس بالسماح بذلك"، وقوله كذلك إنه قد يرفع توصيةً إلى الرئيس الأميركي بإرسال قوات برية أميركية إلى العراق، إذا تعثرت الإستراتيجية الأميركية في القضاء على داعش16.

وفي وقتٍ كان ثمَّة فيه رفضٌ رئاسيٌّ أميركيٌّ لأيِّ ضربة عسكرية في سورية، كان ديمبسي أوّل مسؤول أميركي قال إنه لا  يُ كن مواجهة داعش من دون ضرب مصادرها في سورية. وقد أخذ أوباما بهذا الأمر حين أعلن خطته الإستراتيجية لمواجهة داعش. وفي جميع الأحوال، ستكون قوات الحرس الوطني العنصر الرئيس في مواجهة داعش.

الفاعل السياسي في سياق مختلف

ستعمل حكومة العبادي في سياق مغاير كليًّا للسياق الذي عملت فيه حكومتَا المالكي السابقتان. وقد يكون بإمكان ذلك السياق إعادة تعريف الفاعلين السياسيين أنفسهم، وإعادة إنتاجهم لأداء دور سياسي مغاير، بعد أن أدَّوا في المراحل السابقة أدوارًا مختلفةً. وفي هذا السياق يمكن تحديد أربعة متغيرات رئيسة ومتداخلة ستحكم عملَ حكومة العبادي، هي:

ظهور داعش

بيَّنَّا آنفًا أنّ التحدي المتمثّل بسيطرة داعش على نحو ثُلث مساحة البلاد كان العاملَ الرئيس في تحديد بنية الحكومة وأهدافها والتنظيمات الرئيسة فيها، فضلً عن قادتها. وسيكون هذا المتغير هو العامل الرئيس الذي ستتولد منه المتغيرات الأخرى.

  1. الجنرال ديمبسي يقول إنه قد يوصي بإرسال قوات برية إلى العراق"، بي بي سي عربي، /16 /9 2014، على الرابط: http://bbc.in/1ojA162 وانظر أيضًا: هيغل، "الضربات الجوية ستستهدف معاقل 'داعش' بسوريا"، دوتشيه ويله، /16 /9 2014، على الرابط: http://bit.ly/1tZxVZs

تغير الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق

امتنع الرئيس أوباما عن التدخل العسكري الخارجي ماعدا في حالة ليبيا، عام 2011. وقد كان ذلك بعد قرار من مجلس الأمن لحماية المدنيين، وكان الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، في ذلك الوقت، متجهًا لارتكاب مذبحة في بنغازي. وجاء هذا التدخل أيضًا في إطار الناتو، وربما كان الدور الأميركي ومساهمته فيه أضعف من أدوار الأطراف الأوروبية وأقلّ منها. لقد وَضعت التحولات الجارية في المنطقة التي عُرفت ب "الربيع العربي" الولايات المتحدة تجاه تحديات جادَّة يستدعي كثير منها تدخلً عسكريًّا أميركيًّا، ولا سيما في ما يتعلّق بالوضع في سورية التي شهدت مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وظهور تنظيمات إسلامية راديكالية منها داعش، واستُعملت فيها الأسلحة الكيماوية، في آب/ أغسطس .2013 كان أوباما نفسه قد عدَّ استعمال تلك الأسلحة "خطًّا أحمر." ثمّ إنّه امتنع عن التدخل العسكري، على الرغم من استعمالها. فنجم عن ذلك نقدٌ واسعٌ لسياسته تجاوز أوساط الجمهوريين، ليشمل حتى دوائر عليا في الإدارة الأميركية رأت أنّ سياسته تلك ليست استعادة لأجواء الحرب الباردة نتج منها تمدُّد روسيا في أوكرانيا والبلقان فقط، بل إنّ من نتائجها أيضًا اهتزاز "صورة" أميركا في العالم كلّه. بناءً على ذلك، كان بدءُ القصف الجوي الأميركي على مواقع داعش في العراق، يوم 8 آب/ أغسطس 2014، بعد هجومه على جبل سنجار، وسيطرته على مناطق واسعة من سهل نينوى ذي الكثافة المسيحية العالية، واقترابه من مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، وتهجيره الأيزيديين، تلبيةً لحاجة أميركية داخلية أكثر من أيِّ سبب آخر. وقد جرى هذا التدخل من دون تنسيق الولايات المتحدة مع الناتو، ومن دون قرار مسبق من مجلس الأمن، على خلاف تدخُّلها العسكري في ليبيا. فمع تمدُّد داعش إلى المناطق المتنازع فيها نحو إقليم كردستان، لم يكن أوباما يملك إلا التدخل العسكري، بعد أن ترك انطباعًا واسعًا بأنّ امتناعه عن التدخل فاق الحدود، وأنه يمثّل استجابةً لاأخلاقيةً للتطورات المعقَّدة في الشرق الأوسط. غير أنّ هذا التدخل كان يشير إلى تحوُّل في إستراتيجية أوباما، ولكنه بطيء وجذري. وهذا التحوُّل الإستراتيجي ليس تجاه العراق فقط، بل تجاه سائر بلدان الشرق الأوسط التي أخذت مكانةً ثانويةً في الإستراتيجيات الأميركية السابقة، قياسًا بآسيا الوسطى (أفغانستان وباكستان) وجنوب شرق آسيا، وقد أعلنت عن ذلك إستراتيجيات الأمن القومي الأميركي، فضلً عن خطاب الرئيس الدوري بشأن حالة الاتحاد.

لم يُجبر ظهور داعش أميركا على إعادة تصور مصادر الخطر التي تهدّد الأمن القومي الأميركي فقط، بل أجبرها كذلك على اتخاذ إجراءات عسكرية لمحاربته، وهي إجراءات كان أوباما يدافع عن أنها كانت سبب الأزمات التي واجهتها إدارة جورج بوش الابن. ويُعدُّ العراق الساحة الأساسية التي يُ كن أن تشهد تطبيق الإستراتيجية الأميركية الجديدة؛ وليس ذلك لأنه مسرح داعش الرئيس، بل لأنّ الولايات المتحدة تتصرف بشعور ينطوي على مسؤولية أخلاقية تربطها بالعراق، بعد أن أقدمت على تغيير نظامه السياسي عام 2003، وترتَّبت على هذا التغيير تداعيات خطِرة. وفي هذا الإطار، سعى أوباما لبناء تحالف دولي واسع لمواجهة داعش، ستكون عدّة أطراف في المنطقة - بكل تأكيد - جزءًا فاعلً فيه، وفي صدارتها الحكومة العراقية الجديدة. يبدو أنّ الأمر الأك رر أهميةً متمثِّل بأنّ الولايات المتحدة استعادت نفوذَها وقوَّتها في العراق اللذيْن فقدتهما مع انسحابها أواخر عام 2011، وهذه الاستعادة ناتجة من أنّ سيطرة داعش على أجزاء واسعة من البلاد جعلت الأطراف السياسية جميعَها (الداخلية والإقليمية) في حاجة إلى الدعم الأميركي لمواجهة داعش. فالحكومة العراقية تطمح إلى أن يُ كِّنها هذا الدعم من استعادة المبادرة في هذه المواجهة، وقادة الأكراد يطمحون إلى أن يساعدهم على إيقاف تمدُّد هذا التنظيم نحو كردستان، والسنّة يطمحون إلى أن يساهم الضغط الأميركي في تصحيح مسار مؤسسة الحُكم في بغداد. أمَّا إيران، فهي تطمح إلى أن تساهم مواجهة الولايات المتحدة لداعش في إنقاذها من الاضطرار إلى خَوْض حرب استنزاف ضدَّه على رقعة واسعة ممتدَّة من الحدود العراقية الإيرانية إلى الحدود اللبنانية السورية. وأمَّا الدول العربية وتركيا، فهي تطمح إلى أن يساهم الدعم الأميركي في إيقاف تمدُّد "قنبلة" داعش إلى الإقليم برمّته.

من ثمَّة، كانت الحاجة الجماعية بمنزلة "تفويض إقليمي" للولايات المتحدة مكَّنها من استعادة استثنائية لمصادر قوَّتها، وهو الأمر الذي مكَّنها كذلك من فرْض تصوراتها المتعلّقة بتشكيل الحكومة العراقية حتى على إيران. وهذا يعني أنّ الولايات المتحدة التي عبّ ت مرارًا عن أنّ تغوُّل داعش يرتبط بأزمة نظام الحُكم في العراق الذي أخفق في أن يكون جامعًا لسائر المكونات في مؤسسة الحُكم، ستستغل قوَّتها المستعادة لفرض تصوراتها في معالجة هذه الأزمة.

التقارب بين العراق وسائر الدول العربية

لقد أدَّى تمدُّد داعش إلى بناء مقاربة عربية جديدة للعراق، ولمسألة الدور المركزي للشيعة في مؤسسة الحُكم بهذا البلد. ولعل هذه المقاربة هي الأكثر إيجابيةً تجاه هذا البلد منذ سقوط نظام صدام حسين؛ إذ يبدو أنه ثمَّة شعورٌ عربيٌّ عامٌّ، وتحديدًا لدى الأطراف الخليجية المعنيَّة، بأنّ منطق الدولة الفاشلة في العراق وتمدُّد داعش لن يقفَا على حدود العراق، فهذا التنظيم قد أضحى خطرًا إقليميًّا يهدِّدها على نحو خاص. بدأت المملكة العربية السعودية، خلال السنتين الأخيرتين، حزمةً من الإجراءات لمواجهة تمدُّد داعش؛ منها ما هو خارجي، من قبيل دعم ما يُ كن وصفه ب "فصائل إسلامية معتدلة" في سورية، ومنها ما هو داخلي، وهو يشمل مراقبة كلّ من مؤسسات الفتوى الداعمة للسلفية التكفيرية، وتدفُّق العناصر الجهادية إلى العراق وسورية، ومصادر التمويل السعودية غير الرسمية لداعش، ومحاولة إعادة دمج هذه طلق عليه "المناصحة والرعاية العناصر في المجتمع عبْ مشروع أ." وقد تُوِّج هذا الجهد بصدور قانون مكافحة الإرهاب وتمويله، في شباط/ فبراير 2014، وهو قانون يهدف إلى قطع الإمداد البشري والمالي عن داعش، فضلً عن أنه يجرِّم كلّ مَن يخوض مهمات قتالية خارج السعودية17. على أنّ الأكثر أهميةً في هذه الإجراءات - وهو ما يمثِّل روح المقاربة السعودية الجديدة للعراق - هو دعم مؤسسة الحُكم العراقية، لاستعادة قوَّتها وسعتها التمثيلية، بوصفها العتبة الأولى لمواجهة داعش. ولعل المقاربة العربية الجديدة لطبيعة العلاقة بإيران تدخُل في هذا الإطار؛ أي في إطار الرؤية العربية الجديدة التي تقتضي بناء تفاهم إقليمي لمواجهة داعش يجمع الأطراف الإقليمية الرئيسة، بما فيها إيران. وهذا يعني أنّ احتمال بداية صفحة جديدة، في الأعوام القليلة المقبلة، بشأن العلاقات العربية - الإيرانية مرتبط، أساسًا، بظهور داعش وتغوُّله أكثر من أيِّ متغيرٍ آخر؛ سواء سقوط النجادية وصعود التيار الإصلاحي مرَّةً أخرى بقيادة الرئيس حسن روحاني، أو التقدم في مفاوضات إيران مع الغرب على ملفها النووي وما تفرضه هذه المفاوضات من أجواء جديدة على المنطقة. وعلى الرغم من أنّ العلاقات العربية الإيرانية لا تزال تشوبها بعض العُقد، ولا سيما الوضع في سورية، فإنّه يبدو أنّ ظهور داعش قد خلق مقاربات جديدةً في المنطقة لدى جميع الأطراف. فمن جهة، اضطرت إيران إلى خَفْض سَقْف رؤيتها لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وأذعنت - إلى حدٍّ ما - للرؤية الأميركية؛ لأنها في حاجة إلى أن تتولى الولايات المتحدة الدور الرئيس المباشر في مواجهة داعش؛ حتى لا تضطر إلى التدخل وتتورط في حرب استنزاف طويلة، كما بيَّنَّا من قبلُ. ولذلك، تحدث محلّلون كثيرون عن أنّ حكومة العبادي هي انتصار للرؤية الأميركية على حساب الرؤية الإيرانية. ومن جهة أخرى، يبدو أن تغوُّل داعش أعاد ترتيب الأولويات الإستراتيجية لجانب مهمّ من الأطراف العربية، ولا سيما السعودية، فباتت توافق على المقاربة الأميركية وتعتمد عليها، وهي مقاربة تتمثَّل بأنّ مواجهة داعش أولى من إسقاط نظام الأسد وما يُ كن أن يفرضه من التفكير في ترتيبات سياسية في السنوات المقبلة. في جميع الأحوال، يبدو أنّ ظهور داعش، وتحديدًا بعد سقوط الموصل، قاد إلى رسم خريطة سياسية جديدة للمنطقة، وأنّ نظام الخنادق أو المحاور المتصارعة قبل ظهور هذا التنظيم لم يعُد قائمًا؛ فقد استمرّ دَمْج جزء مهمٍّ من هذه الخنادق. ومن ثمَّة، لا  يُ كن فهمُ الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة في فترة "ما بعد داعش"، استنادًا إلى معطيات ومحاور وخنادق في فترة "ما قبل داعش."

الجبهة الشيعية المعارضة للمالكي ركن ا رئيسًا في حكومة العبادي

يُ كن عدُّ هذه الحكومة، إلى حدّ بعيد، حكومةَ انقلابٍ على المالكي؛ ذلك أنّ عمادها يتكوَّن من الأطراف السياسية الشيعية التي عارضت رئيسَ الوزراء السابق خلال السنوات الماضية، ولا سيما المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الذي عارض تولِّ المالكي رئاسةَ الوزراء لولاية

  1. هاني نسيرة ومروة وحيد، "السعودية ومكافحة الإرهاب! من المناصحة إلى تجريم قتالات الخارج"!، معهد العربية للدراسات، /13 /2 2014، على الرابط: http://bit.ly/1x5zEvv

ثانية عام 2010، والتيار الصدري الذي قاد مشروعًا لسحب الثقة منه عام 2012. وقد ضمّت تلك الحكومة الأطراف السياسية الشيعية الأخرى التي يبدو أنها، في الأشهر الأخيرة، عارضت بقاءَ المالكي رئيسًا للوزراء لولاية ثالثة. ومن بين تلك الأطراف تيار الإصلاح وحزب الفضيلة اللذين كان زعيم كلّ منهما (إبراهيم الجعفري وعمار طعمة) ضمن المجموعة التي رتَّبت أمْر تكليف العبادي مع رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، في وقت هاجم فيه المالكي هذا التكليف، عادًّا إيَّاه غيرَ شرعي. بل إنّ قيادة حزب الدعوة الإسلامية نفسها عارضت في اللحظات الأخيرة، تمسُّك المالكي بالسلطة، ويبدو أنّه ما كان ليتنازل عنها، لولا الانقلاب الذي قادته الجمهرة الكبرى من قادة حزب الدعوة التي عارضت رغبته في البقاء لولاية ثالثة، واختارت بديلً له من داخل قيادة الحزب، وأغلب الظنّ أن هذا التطور سيُؤثِّر كثيرًا في تطور حزب الدعوة نفسه. على الرغم من ذلك، يدرك المجلس الأعلى والتيار الصدري محوريتَهما في حكومة العبادي؛ إذ إنّ تصرُّفهما بدا بمنزلة تصرُّف صنّاع الملك، حتى أنهما ربطا نجاحَ الحكومة وإخفاقها بهما. ولذلك، دفعَا بمجموعة بارزة من قيادة كلّ منهما إلى تولِّ المناصب الأساسية في الحكومة (بهاء الأعرجي نائبًا لرئيس الوزراء، وعادل عبد المهدي وزيرًا للنفط، وباقر الزبيدي وعبد الحسين عبطان وزيرين.) وفي الحقيقة، شكَّل تولِّ المناصبَ الأساسية في حكومة العبادي جزءًا من التعبير الرمزي عن أنّ هذه الحكومة هي حكومة انقلاب على المالكي. ولذلك، لا تنحصر دائرة القرار في الحكومة العراقية الجديدة، في شخص رئيس الوزراء، على نحوِ ما كانت في حقبة المالكي، بل صارت أبعد من ذلك وأوسع؛ إذ تشكِّل الجبهة الشيعية المعارضة سابقًا (وتحديدًا المجلس الأعلى والتيار الصدري) ركنًا جوهريًّا في صناعة القرار. وتشعر هذه الجبهة بأنّ ما اصطُلح عليه "تجربة الحُكم الشيعي" وصل إلى أزمة، وأنه لا يُ كن لهذه التجربة أن تستمر. وقد عبّ ت الأطراف السياسية الرئيسة في هذه الجبهة، خلال السنوات الماضية، عن مواقف رافضة للصيغة الاحتكارية التي اعتمدها المالكي، وعن أنّ إصلاح مؤسسة الحُكم ينبغي أن يبدأ من انفتاحها، أكثر فأكثر، على سائر المكونات العراقية. فقًا جِدِّيًّا ينفتح أمام حكومة العبادي تُشكِّل التصورات المذكورة أ. وهذا لا يعني، بالضرورة، أنّ الأمور ستمضي بسلاسة. فالطرف الذي تواجهه الحكومة (وهو داعش)، لا يزال غامضًا، وليس من اليسير التنبؤ بدينامياته وطرائق استجابته. ومثلما لم تتنبَّأ الأطراف السياسية الفاعلة والمعنية بما جرى في الموصل، ليلة 9 حزيران/ يونيو 2014، تبدو كيفية استجابة داعش لتحدي التحالف الدولي أكثر غموضًا، فخبرتُنا بهذا التنظيم علَّمتنا أن لديه، دائمًا، طرائق في الاستجابة والتكيُّف، لعلها هي التي مكّنته من الاستمرار والبقاء، على الرغم من كلّ ما يعصف به.