مراجعة كتاب محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية
رؤية الفريق الأول الركن صالح صائب الجبوري لدور الجيش العراقي في فلسطين.
المؤلف: صالح صائب الجبوري.
الناشر: الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
سنة النشر.2014: عدد الصفحات: 654 صفحة.ً
مقدمة
في سعيه لرفد المكتبة العربية بما يعزز الذاكرة التاريخية للأمة، يعمل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على إعادة نشر المذكرات والرؤى الشاملة التي كتبها أصحابها في الحقب المنصرمة من تاريخنا المعاصر. وتُعدّ حقبة منتصف القرن المنصرم أكثرها أهميةً بسبب التلاقي بين الإرادة الاستعمارية والمشروع الصهيوني وتحالفها معه، في ظل الضعف والتشرذم العربي البيِّنين اللذين عاشتهما الأمة التي لم تنجح إلى حدّ الآن في إعادة تشكيل نفسها لتواجه عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بجميع تداعياته الخطِرة، وبخاصة تجاه وطننا العربي الذي كانت فيه فلسطين هي الضحية الأولى على مذبح المنتصرين في تلك الحرب الضروس. تعرض هذه المراجعة لرؤية الفريق الأول الركن صالح صائب الجبوري لدور الجيش العراقي في فلسطين من خلال كتابه، "محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية." وُلدت الدولة العراقية الحديثة التي نشأت في 23 آب/ أغسطس 1921، وهي تحمل الهمّ العربي بين ثناياها. فما بين الحصول على الكيان السياسي لعراق ما بعد الحقبة العثمانية، وضمان استقلاله الناجز من جهة، واحتواء تداعيات نكْث بريطانيا وعودَها للعرب مرتين؛ مرَّة بتوقيع اتفاقية سايكس بيكو (عام 1916)، واقتسام الأشلاء العثمانية شِ كةً بين أقطابٍ ثلاثة، ومرَّةً بصدور وعد بلفور (عام 1917) الذي اعترف للصهاينة بوطن ما هو بوطن لهم من جهة أخرى، نشأ المأزق العربي الذي مازلنا نعيش تداعياته حتى الآن. وكان العراق الكيان الحديث في أتون هذا المأزق يتحسس الجرح العربي، ويحاول أن يجد البلسم الذي يمكن أن يعالجه. كان الوضع معقدًا وصعبًا ففكرة العروبة لم تكن راسخةً إلا في المشرق العربي (العراق وبلاد الشام)، وكانت بلاد الشام نهبًا للانتداب الفرنسيّ الذي هيمن على سوريا بعد إسقاط دولتها العربية الفيصلية (عام 1920)، ومباشرة البريطانيين أصحاب الانتداب على فلسطين وشرق الأردن تطبيق وعد بلفور. صحيح أنّ الأطماع الصهيونية التوراتية بفلسطين لم تكن وليدة الاحتلال البريطاني للمشرق العربي، لكنّ هذا الاحتلال هو الذي سمح بنقل هذه الأطماع من حيِّز الآمال والأحلام إلى حيِّز الواقع التطبيقي. فلولا الاحتلال (نظريًّا على الأقل) لما أ تيح لسايكس بيكو أن تتحقّق، وما أتيح لوعد بلفور السيِّئ الصيت أن يصدر ويُطبَّق، خصوصًا أننا نعلم أنّ الصهيونية قد أخفقت في محاولتها السابقة استيطانَ فلسطين إبَّان حقبة السلطان عبد الحميد الثاني، على الرغم من المغريات التي قُدِّمت له.
وعند صدور وعد بلفور (عام 1917)، بدأت حالات متعدّدة الصيغ من أعمال مقاومة الانتداب البريطاني، خصوصًا بعد أن أ طلقت يد الوكالة اليهودية، وسُمح لها بالتصرف في أراضٍ كثيرة من أراضي الميري التي آلت ملكيتها إلى القوة المنتدبة بريطانيا بموجب قانون توارث السلطة، بعد أن حلَّت محلَّ السلطة العثمانية في إدارة شؤون سوريا الجنوبية التي تشكِّل كلًّ من فلسطين وشرق الأردن1. وقد بلغت شدة المقاومة العربية ثورات متتابعةً إلى حدٍّ أجبر القوة الاستعمارية الغاشمة على قبول بعض مطالب العرب، وتحديد الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، كما جرى في الكتاب الأبيض البريطاني الذي تمّ الالتفاف عليه؛ ومن ثمّة تجاوزه وإسقاطه في ما بعد2.
المؤلف
يقدِّم المؤلف نفسه في بداية كتاب مذكراته ضمن عنوان "صفحات من تاريخ العراق المعاصر 1914 – 1958." وهذا الكتاب من منشورات دار منتدى المعارف – بيروت عام 2012؛ أي بعد مرور قرن على بداية حكاية المؤلف مع الشأن العامّ، بقوله إنه الفريق الأول الركن المتقاعد
صالح صائب الجبوري، وإنّه وُلد ببغداد عام 1898 ميلاديًّا، وإنه من عشيرة الجبور المعروفة ومن فخذ الملحم المسمى باسم جدِّه الشيخ ملحم3. كان والده ضابطًا في الجيش العثماني برتبة "يوزباشي"، وهي رتبة "نقيب" حاليًّا. وكانت والدته من آل الرحبي العائلة البغدادية التي تنتمي إلى الأشراف. وهكذا نتبيَّ أنّ المؤلف من بيت عريق في عروبته وانتمائه، بغدادي أصيل في بغداديته، وضابط ورث العسكرية من أبيه واستقى حبَّه لها منه. تابع الجبوري دراسته العسكرية في كلّ من بغداد وإسطنبول. وبعد إكمال تعليمه في الكلية الحربية العثمانية، خدم في الجيش العثماني، وشارك في أهمّ معارك الحرب العالمية الأولى في جبهة الدردنيل؛ أي معركة جناق قلعة التي قاتلت فيها القوات العثمانية - ومنها وحْدته - الغزاةَ البريطانيين باستماتة حتى أجبرتهم على الانسحاب مهزومين في معركة كان انتصارهم فيها سيكتب نهاية الدولة العثمانية مبكرًا4. ثمّ إنه نُقل إلى جبهة أخرى خطِرة هي قفقاسيا التي كانت القوات الروسية تتقدم فيها إلى قلب الأناضول، حيث التقى والده الذي كان يقاتل في الجبهة نفسها. وقد عانى في هذه الجبهة البرد والجوع، والإعياء، وجروحًا بلغت ثلاثةً، وهو ما جعله عسكريًّا جَلِدًا، وقد انعكس ذلك، في ما بعد على أدائه وسيرته المهنية العسكرية. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها نال إجازةً من وحدته العثمانية في حزيران/ يونيو 1919 لزيارة عائلته في بغداد، وقرر البقاء في هذه المدينة وعدم العودة إلى تركيا لانفصال العراق عن جسم الدولة العثمانية بعد أن احتله البريطانيون 1914( – .)1918 وعندما جرى تشكيل الجيش العراقي في 6 كانون الثاني/ يناير 1921، لبَّى نداء الالتحاق بهذا الجيش الوليد، أ سوةً بأقرانه من الضباط العثمانيين العراقيين السابقين. ونظرًا إلى تميُّزه في دورات إعادة التأهيل التي فتحها البريطانيون للضباط العثمانيين السابقين ليتعرفوا العقيدة العسكرية البريطانية والتسليح الجديد ويواكبوها، نُقل إلى منصب معلّم في دار التدريب، ومنها إلى مدرسة الأسلحة، فمنصب معلم في الكلية العسكرية العراقية التي شكِّلت عام 1924 باسم "المدرسة العسكرية." ثمّ أ وفد إلى بريطانيا للتعمق في دراسة فنون القتال والأسلحة ونجح بامتياز في دورته التي استغرقت عامًا. درس في كلّية الأركان العراقية عام 1939 سنتين وتخرج فيها بدرجة "أ"؛ وهي تعادل درجة الامتياز في الجامعات. اشترك في حركات برزان الأولى عام 1932، وحركات قمع التمرد الآثوري عام 1933، وفي حركات قمع عصيان قبائل الفرات الأوسط في الفترة 1935 - 1936، وقد تحقّق بمجمل هذه الحركات تأمين سلطة الدولة وهيبتها في أرجاء الوطن. أ حيل على التقاعد، وعُيِّ بمنصب معاون مدير "نقليات السكك الحديدية"، بعد اغتيال بكر صدقي؛ لأنه عُدَّ من مناصريه. وسرعان عيد إلى الخدمة مع حظوته بكلّ حقوقه ما تبيين خطأ هذا القرار فأ، وعُدَّت الخدمة المدنية له البالغة نحو السنتين خدمةً فعالةً، وتسنَّم منصب قائد فرقة في آب/ أغسطس .1941 وفي أواخر عام 1944، تسنَّم منصب رئيس أركان الجيش وظلّ يشغله على نحوٍ متميز حتى عام 1951 عندما ضغط البريطانيون لإقصائه من منصبه بسبب مواقفه المناهضة لمشاريعهم؛ فعُيِّ في مجلس الأعيان، وهو الغرفة العليا في البرلمان العراقي. استُوزر، المرَّةَ الأولى، في وزارة نوري السعيد الثانية عشرة وزيرًا للمواصلات والأشغال حتى عام 1955، وعند استقالتها وإعادة تشكيلها، احتفظ بمنصبه فيها، وبقيت هذه الوزارة حتى عام 1957 بسبب استقالتها. واستوزر مرَّةً أخرى وزيرًا للإعمار في وزارة عبد الوهاب مرجان. وكانت هذه الوزارة من أهمّ وزارات حقبة الخمسينيَّات؛ إذ تولَّت تطوير البنية التحتية للعراق بمشاريع عملاقة بعد نجاح الحكومة العراقية في التوصَّل إلى اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركات النفط العاملة وتزايد التوافر النقدي للعراق. ثمّ أعيد تعينه وزيرًا للإعمار عام 1958 في وزارة نوري السعيد الرابعة عشرة.
وكان آخر منصب له من مناصبه الوزارية هو وزير المواصلات والأشغال؛ وذلك في آخر وزارة في الحكم الملكي التي انحلَّت نتيجة لثورة 14 تموز 1958. ويلُاحظ أنّ الوزارات التي استوزر لها كانت ذات صفة إستراتيجية لعلاقتها بمشاريع الطرق والجسور، والاتصالات، وبناء البنية التحتية في العراق. اعتزل السياسة بعد الثورة، وظلّ مهتمًّ بالشأن الثقافي، ولا سيما من خلال كتاباته، إلى أن تُوف - رحمه الله - عام 1993 عن عمر بلغ خمسةً وتسعين عامًا، بعد حياة حافلة بالنجاح والإنجازات. وقد شُيِّع إلى مثواه الأخير تشييعًا عسكريًّا مهيبًا يليق بمقامه. نقدِّم كتاب المؤلف موضوع البحث الموسوم ب "محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية" من خلال طبعة جديدة اضطلع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بإصدارها بنفقته، بعد الاتفاق مع ممثل أبناء الفقيد الدكتور عامر الجبوري، ولا سيما أنّ نسخته في الأسواق قد نفدت، وما عاد في إمكان طلبة العلم والأكاديميين الحصول على مثل هذه الكتب المرجعية المهمة.
هذا الكتاب
صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عن مطبعة دار الكتب في بيروت عام 1970، وهو كتاب يقع في 527 صفحةً من القطع المتوسط 23.5(x 17 سنتمترًا.) والطبعة الجديدة التي نحن بصددها صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في آذار/ مارس 2014، عن قسم النشر بفرع المركز في بيروت، وهي تقع في 645 صفحةً من القطع نفسه، وقد تصدرت غلاف هذا الكتاب صورةٌ لأفراد مقاتلين من الجيش العراقي في فلسطين عام .1948 وتتبع أهميةالكتاب من أدوار القادة المساهمين في هذه الحرب، والدور الذي قام به الجيش العراقي فيها، وأهمية التوثيق الذي يحتويه؛ فقد كتبه أحد الفاعلين الرئيسيين في تلك الحقبة المهمّة من التاريخ العربي، خصوصًا أنّ لفاتحة الحروب مع العدوّ الصهيوني أهميةً بالغةً متمثّلة باستلهام عبِرها، والاستفادة منها في فهم طبيعة الصراع ضد الصهاينة، وهو ما سيكون مجال بحْث مُفصَّل موثَّق نقوم به في هذا المجال بغية نشره في ما بعد. ونأمل أن يكون هذا الأمر فاتحةً لإعادة نشر أعمال مهمّة مشابهة لفاعلين آخرين ساهموا في القتال في فلسطين، وسجلوا انطباعاتهم بأمانة الباحث المحقّق. أحاط المؤلف في كتابه هذا بالقضية الفلسطينية من حيث أبعادها في المرحلة السابقة لدخول الجيوش النظامية العربية إلى فلسطين وبدء القتال الفعلي من الفصل الأول إلى الفصل الثانيَ عشرَ، وحلَّل الحالة الخاصة بفلسطين. ولعلّ المؤلف، وهو الضابط المحنك القريب من مركز القرار في بلده، والمشارك في المحادثات التمهيدية التي سبقت دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، لمس مدى المؤامرة الدولية التي يتبناها الغرب ممثلً بالدولة المنتدبة بريطانيا، والدولة العظمى البازغة على الصعيد الدولي الولايات المتحدة الأميركية التي بدأت بممارسة قيادتها للمعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن استنزفت هذه الحرب القوتين الإمبراطوريتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا. فربما لاحظ الدأب والتصميم الاستعمارييَّ في ما يتعلّق بضمان تسليم فلسطين للصهاينة، أو القسم الأكبر منها، لينشئوا على أرضها دولتهم. وبهذا يحلّ الغرب الأزمة اليهودية في أوروبا بأن يخلع وزرها من كاهل الشعوب الأوربية، ويلقيه على كاهل العرب، وأهل فلسطين على نحوٍ أكثر تخصيصًا. ومن ناحية أخرى لمس المؤلف، وهو يعيش القضية بتفاصيلها، بتمحيص الدارس وتصميم الفاعل، مدى البون الشاسع، من جهة، بين تهيئة الصهاينة وتصميمهم على هدفهم الذي بدؤوا بتنفيذه بلا هوادة أوّلَ ما أُتيح للوكالة اليهودية القدرة على الفعل على أرض فلسطين، وجهْل العرب المرامي الاستعمارية والصهيونية في المراحل الأولى الحاسمة من سنوات الانتداب من جهة أخرى. فهذا الأمر أتاح للوكالة اليهودية أن تُثبت وجودها في بيروقراطية جهاز الانتداب؛ إذ حوَّلته إلى جهاز يعمل لمصلحتها، وبدأ الصهاينة بالاستيلاء على الأراضي الأميرية التي كانت في عهدة الدولة المنتدبة (بريطانيا) أول، ثمّ تحولوا لشراء الأراضي العربية التي بدأ بعض العرب لسوء الحظ بيعها لهم، من دون إدراك لمدى التهديد الذي يشكِّله انتقال الأرض من يد العرب إلى أيادي الصهاينة. لقد كانت الحقيقة والبحث عنها وتقريرها، في آن واحد، هدف المؤلف الذي حاول بكلّ جهده أن يكون موضوعيًّا ومتعاليًا عن النزعات الذاتية حتى تجاه بعض مرؤوسيه الذين حاولوا المسّ به. بل إنّه كان موضوعيًّا حتى في معالجته قضايا العهد، والنظام الذي تسنّم مناصب مهمّةً فيه. فقد كان ينظر إلى الأمور بعين متفحصة ناقدة دونما إفراط، وقرر ذلك في صدر مذكراته التي تعدُّ في واقع حالها مدخلً موضوعيًّا لكتابه هذا عن "محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية" الذي سنطلق عليه لاحقًا "المحنة" اختصارًا.
توصَّل المؤلف منذ المراحل الأولى التي بدأ يسمع فيها اجتماعات التحضير للعمل العربي المشترك لإنقاذ فلسطين، ويشارك فيها، بعد أن بدأ العدو يحاول السيطرة على الأراضي، بل التعدي على القرى العربية، وتهديد سكانها وإجلاءَهم، إلى حقيقة مهمّة ظلّت تُلحق بالعمل العربي المشترك أذى كثيرًا؛ هي غياب الرؤية المشتركة، وضُ عف الإحساس بالخطر المقبل الذي لا يُشكِّل تحدِّيًا وجوديًّا لفلسطين فقط، بل للوطن العربي كلّه. وقد انعكست آراؤه وخواطره هذه في تضاعيف كتابه المهمّ الذي نحن بصدده؛ إذ يقول في الفصل الأول من كتابه: "إنّ الخطر الصهيوني قبل استفحاله كان يتطلب اتخاذ إجراءات فعالة من جانب الحكومات والشعوب العربية. وكان ينبغي وقوفها موقفًا حازمًا تجاه سياسة الاستعمار في فلسطين التي أفسحت المجال لنشاط الصهيونية وتوسعها، وفتحت باب الهجرة لهم، وتغاضت عن استعداداتهم العسكرية حتى أصبحوا وكأنهم حكومة داخل حكومة، ولم يبالوا بسلوك جميع الطرق المخالفة وغير المشروعة لبلوغ مآربهم، بينما وقفت حكومة الانتداب مكتوفة الأيدي تجاههم وكأنها عاجزة عن إيقافهم عند حدودهم، ولو أرادت ذلك حقًّا لقضت عليهم متى شاءت"5.
الجيوش العربية وفلسطين
لم تكن الجيوش العربية كافَّةً مهيَّأةً لقتال عدوٍّ خارجيٍّ ذي قدرات وتقنيات قتالية حديثة. ومن بين كلّ الجيوش العربية التي شاركت في القتال في فلسطين كان ثمّة أربعة جيوش منظمة، ومجهزة للقتال بدرجاتٍ متفاوتةٍ من ناحيتي التسليح والتجهيز والاستعداد القتالي؛ وهي جيوش مصر والعراق وسوريا وشرق الأردن. وقد كان جيش الإنقاذ الذي رعته جامعة الدول العربية جيشَ متطوعين نفذ مهمّ ت في بداية المواجهة، ثمّ اضطرّ إلى الانسحاب في مراحلة لاحقة لأسباب عديدة أشار إليها المؤلف في كتابه. كان الجيش العراقي قد خاض تجربةً قتاليةً ربما هي الأهمّ في تاريخه في النصف الأول من القرن العشرين؛ وذلك حينما تصدى للقوات الإمبراطورية البريطانية المسلحة التي كانت تستخدم العراق ممرًّا لرفد حاجات قواتها في كلّ من جبهتي الشام (ضد حكومة ف شي)، وشمالي أفريقيا (ضدّ قوات رومل.) كانت المعاهدة العراقية البريطانية عام 1930 قد نظمت التسهيلات التي يقدمها العراق لبريطانيا في زمن الحرب، ومن ضمنها تحديد عدد القوات البريطانية الذي يُسمح له بالمرور عبر الأراضي العراقية، وهو ما حُدِّد بجحفل لواء في المرَّة الواحدة (جحفل اللواء هو اللواء المقاتل مع عناصره الساندة من مدفعية ودفاع جوي وهندسة ميدان واتصالات، وخدمات نقلية ومعيشية وطبية، وشؤون الصيانة، وغير ذلك من الخدمات الساندة للقتال.) ونتيجةً لإخلال بريطانيا بهذه الشروط، فقد امتنعت الحكومة العراقية عن تقديم التسهيلات ما لم يغادر اللواء الذي نزل في ذلك الوقت بالبصرة.
تفاقم الوضع بين الطرفين، وساقت الأحداث إلى قيام القوات المسلحة العراقية بمحاصرة القاعدة الجوية البريطانية الرئيسة في المشرق العربي في الحبانية (سن الذبان.) وبعد أن حوصر البريطانيون في القاعدة، واجهت بريطانيا قوات الفيلق العربي (الأردني) بقيادة غلوب باشا (أبو حنيك) لفك الحصار. وتعاونت القوة الجوية البريطانية مع رتل غلوب باشا، على إجبار القوات العراقية على الانسحاب. وتمخض عن هذه المواجهة غير المحسوبة إعادة احتلال البريطانيين العراقَ مرَّة ثانيةً، وتقليص الجيش العراقي، وتقليل تسليحه، وزجّه في عمليات الأمن الداخلي ضدّ العصيان البرزاني في شمال العراق. فكان ذلك مؤثِّرًا في قدرته وقابلياته. وقد قُيِّض للمؤلف بعد تسنّمه مهمّة رئاسة أركان الجيش، في الفترة 1944 - 1951، أن يرى بوضوح المستوى المتدني لتسليح الجيش العراقي، وإصرار البريطانيين على إبقائه كذلك؛ فربما يكون سبب هذا الأمر هو الإصرار على الانتقام من ذلك الجيش الذي تجرَّأ على قتال قوات الإمبراطورية التي "لا تغرب عنها الشمس"، وقد كانت في أشد أيام محنتها وهي تواجه رومل في شماليّ أفريقيا. أمّا الجيش المصري، فقد قال أحد ضباطه في تلك الحقبة، وهو مشارك في القتال الفعلي وحُوصر مع وحدته وجُرح في هذه الحرب جرحًا
بالغًا وأصبح له شأن في ما بعد؛ وهو اليوزباشي أركان حرب جمال عبد الناصر في مذكراته: "لم يكد القطار يتحرك في اتجاه ميدان القتال حتى أصبح الركن الذي جلسنا فيه، عبد الحكيم (عامر) وزكريا (محيي الدين)، وأنا (جمال عبد الناصر) أشبه ما يكون بغرفة عمليات حربية. وفتحنا خريطة كبيرة بيننا وبدأنا نناقش الموقف، وبدت أمامنا فجوات كان يمكن أن يتسرب منها إلى خطوطنا خطر. كان الجيش المصري يومها مكوّنًا من تسع كتائب، لكنّ ثلاثًا منها فقط كانت قرب الحدود حينما صدر الأمر بدخول فلسطين، وكانت هنالك رابعة في الطريق. وكنا نتساءل والقطار يندفع بنا إلى ميدان القتال، لماذا لم يحشد عدد كبير من الكتائب مادمنا نريد دخول حرب فلسطين؟ ولماذا لم يُستدع الاحتياطي لكي تشكّل منه كتائب جديدة"6. والملاحظ أنّ أغلبيّة قادة ركن الكتائب وهيئاتها والتشكيلات المصرية كانت من الضباط الشبان الشجعان الذين أبلوا بلاءً حسنًا في كل مواجهة فردية من مواجهات قُوَّات العدو، وأثخنوها جراحًا، وأوقعوا بها خسائر كبيرة. لكن سوء التخطيط، وعدم الاستعداد القتالي الكافي قد أوقع بالقوات المسلحة المصرية خسائر كان يمكن تجنبها لو تم التخطيط للمعركة على نحوٍ آخر، وهو ما أشار إليه المؤلف في أكثر من موضع من كتابه. لقد قاتل في فلسطين أغلبيّة قادة الضباط الأحرار، وكان من بينهم جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، وزكريا محيي الدين، وكمال الدين حسين، وصلاح سالم، وعبد المحسن أبو النور. لكن لا بدَّ للبطولات الفردية، سواء كانت من ضباط أو جنود أو وحدات أو تشكيلات مفردة، من أن تصبَّ في هدف القتال وغايته؛ لكي تحقّق النتائج المرجوَّة منها. ويصحُّ الأمر نفسه في شأن الجيش العربي السوري الذي كان في بداية تكامل تشكيله وتسليحه؛ لحداثة نيل سورية استقلالها الناجز. ثمّ إن الجيش اللبناني - كما أثبتت الحوادث - لم يكن مؤهلً لخوض حرب خارج حدوده. ولم يظهر دورٌ جديّ للقوات السعودية التي شاركت بعض سراياها مع الجيش المصري في القتال، وساهم اليمن في دفعة نقدية لتسليح المتطوعين العرب تمَّ تحويلها إلى جامعة الدول العربية. وهكذا وجدت جيوش الدول العربية أنها قد زُجَّت في قتالٍ لم تتهيَّأ له ولم تُعِدَّ نفسها له إعدادًا كافيًا، ماعدا الجيش الأردني الذي كان الأكثر تسليحًا وتدريبًا، والذي كان له وجود ميدانيّ بالفعل؛ ومن ثمّة كان يمكن أن تكون النتائج التي آلت إليها الحرب مغايرةً لو أنّ قادة هذا الجيش التزمت التخطيط المركزي العربي. لكنّ قائده، وهو غلوب باشا، تصرف تجاه هدف العمليات تصرّفًا مغايرًا، وأذعن للتخطيط البريطاني الذي منَع هذه القوات من القتال خارج المناطق التي خصَّصها قرار تقسيم الدول العربية. وقد عانى المؤلف هذا الأمر عندما عُيِّ قائدًا عامًّا للجبهة الشرقية في المراحل النهائية من القتال، وتسبب موقف غلوب باشا في إخفاق محاولة مهمّة لتوحيد الجيشين ورفد الجيش الأردني بضباط عراقيين عوضًا من الضباط البريطانيين الذين كانوا سيغادرون وفقًا لهذا الترتيب.
كتب في قتال الجيش العراقي بفلسطين ضباط عراقيون كثيرون ساهموا في تلك الحرب، وفي صدارتهم العسكري والسياسي العراقي المخضرم الفريق الأول الركن طه الهاشمي، واللواء الركن خليل سعيد، لكنّ ما يميز كتاب المؤلف الذي نُقدِّمه أنه جاء كتابًا وثائقيًّا جمع بين وجهة النظر الإستراتيجية، والمهنية من جهة، ودوره بوصفه مسؤول ورئيسًا مهنيًّا للقوات المسلحة التي كانت تخوض الحرب في ربوع فلسطين من جهة أخرى. وقد صحح المؤلف في كتابه هذا انطباعات أشاعها الجو السياسي المشحون بُعيد النكبة، متعلّقة باتهامات وُجهت إلى الجيش العراقي، وبيّ دوره المميز في الحفاظ على الأرض العربية، وسعيه لمدّ العون لجيش عربي شقيق واجه صعوبات نتيجة اتساع جبهته ونجاح الصهاينة في اختراقها هو الجيش المصري. ووثَّق المؤلف هذا الجهد بإيراد المراسلات الرسمية التي تمّ تبادلها في هذا المجال. وأوضح المؤلف، بدايةً من الفصل الثاني إلى الفصل التاسع، الخلفية السياسية للصراع على فلسطين مبيِّنًا، على نحوٍ واضح، كيف أنّ بريطانيا نكثت عهودها تجاه العرب، بدءًا من تنصلها من وعودها للشريف المعروفة ب "رسائل الحسين - مكماهون"، وسلسلة المبادرات البريطانية لحلّ القضية الفلسطينية على أساس وعد بلفور، ثمّ دور الحرب العالمية
الثانية وتوظيف الصهيونية للفظائع التي ارتكبها النازيون تجاه اليهود للاستحواذ على فلسطين، وإحالة الملف بعد هذه الحرب على الأمم المتحدة التي تشكّلت حديثًا لمعالجة هذه القضية التي تمخضت عن قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود. في هذا السِّياق أيضًا نرى ما بُيِّت من هدف الاستحواذ على فلسطين بكاملها من خلال كيفية تقسيم الأراضي. فكيف يُفهم منح اليهود مثلث النقب وهو أراضٍ صحراوية لا تسكنها إلا القبائل العربية، إن لم يكن الهدف هو قطع الصلة بين مشرق الوطن العربي ومغربه، وهو الهدف الذي تحقّق بسيطرة الصهاينة على مخفر أم رشراش (إيلات)، والذي قطع نقطة الاتصال بين الأراضي المصرية والأراضي الأردنية؟ كانت جامعة الدول العربية قد شكّلت قوات متطوعين للدفاع عن فلسطين أناطت قيادتها التي سُمِّيت "القيادة العامة لقوات فلسطين" بضابط عراقي ذي شأن هو اللواء الركن إسماعيل صفوت، وقد قدّم القائد المذكور تقدير موقفٍ مفصَّلٍ إلى وكيل رئيس لجنة فلسطين في جامعة الدول العربية قابل فيه بين قوات المتطوعين العرب من جهة، وقوات الهاغانا وسائر المليشيات الصهيونية المسلحة من جهة أخرى، وبيَّ تنظيمها وتسليحها ووسائل دفاعها واستحكاماتها المرتكزة على المستعمرات اليهودية التي نظمت على أساس حصون عسكرية يجرى الدفاع منها وعنها. وخلص اللواء صفوت في تقريره إلى استحالة قدرة قيادته على تحقيق نصر ناجز على الصهاينة، وإلى أنّ بلوغ هذا الهدف لا بدّ له من تهيئة قوَّة تتوافر على معادل نوعي لقوة الصهاينة. ولذلك رأى من الضروريّ أن تتدخل الجيوش العربية وأن تشترك في القتال بكلّ ما تملك من أسلحة ووسائل قتالية. وفي ضوء معرفته بمستوى تسليح القوات العربية وتجهيزها، رأى أنّ المسارعة إلى تسليح الجيوش العربية، من حيث الإسناد والإمداد وإكمال النقائص، مسألة ضرورية؛ لكي تكون هذه الجيوش مستعدةً للعمل عندما يحلّ موعد انتهاء الانتداب (منتصف أيار/ مايو 1948)، علمً أنّ تقرير اللواء صفوت كان مؤرخًا في 11 آذار/ مارس 1948 7. ويفتتح المؤلف الفصل التاسع الذي كان عنوانه "تحرج الموقف في فلسطين والقرار باشتراك القوات النظامية" بتقرير حقيقة ظلّ العمل العربي المشترك يعانيها هي حالة ضبابية المواقف، وغياب الحقائق، وتقدير الموقف على أساس الأمنيات بدلً من الواقع. لهذا بيَّ أنّ الرأي السائد هو أنّ القوات الفلسطينية ومن معها من المتطوعين العرب قادرة على مواجهة الصهاينة، وأنّ الدول العربية المجاورة لفلسطين ستحتشد على الحدود لدعم المتطوعين وليس للاشتراك في القتال. وكانت أوّل إشارة لاحتمال اش اررك الجيش العراقي في الحرب بفلسطين قد وردت نتيجة اجتماع عُقد في قصر الرحاب استدعي إليه المؤلف بوصفه رئيسًا لأركان الجيش العراقي، وحضره جميع الوزراء ماعدا وزير الدفاع أرشد العمري، ونوقشت فيه تعديات الصهاينة في فلسطين، والوضع الذي ازداد سوءًا، والحاجة إلى إرسال قوات عراقية داعمة للجبهة. من أجل ذلك اتُّخ ذ قرار يقضي بتهيئة القوة الآلية لتكون جاهزةً للسفر إلى شرق الأردن لتبقى احتياطًا في هذه المنطقة، على أن يُؤخذ في الحسبان سلامة الأمن الداخلي في العراق. وألقى المؤلف ضوءًا على تحركات قام بها العراق لسبر أغوار المواقف العربية كان قد ساهم فيها بصفته الرسمية؛ ومنها زيارة وفد كبير برئاسة الوصي على العرش الأمير عبد الإله لعمّ ن، ثمّ التحرك إلى القاهرة لتعرُّف موقف الحكومة المصرية. وبعد التعرّف إلى هذه الحكومة وتعرُّف رأي ملك مصر فيها، وهو الذي تعهّد بوقوف الجيش المصري إلى جانب عرب فلسطين، أصدر الأمير عبد الإله أمرًا إلى رئيس الوزراء من القاهرة بتحريك القوة الآلية إلى شرق الأردن لتعسكر في المفرق. وقد أبلغ الجبوري من قبلُ كلًّ من وزير الدفاع المصري والقائم بمهمات رئيس أركان الجيش أنّ الأوامر قد صدرت بتحريك القطعات المصرية إلى الحدود، لكنه ذكر أنّ المسؤوليْ أحجمَ عن بيان عدد القوات8. وفي موقفٍ مصيريٍّ، مثل هذا الموقف، يُعلمنا المؤلف بتأثير نيَّات القادة العرب ومآربهم الشخصية في مصائر الأوطان، ويوضِّ ح في شيء من التفصيل موقف الملك عبد الله ملك الأردن وضغطه من أجل الحصول على مرتبة القائد الأعلى للقوات العربية. حصل الملك عبد الله على قيادة فخرية لتلك القوات من خلال اجتماع عُقد في القصر الملكي في عمّ ن صباح يوم 29 نيسان/ أبريل 1948، لنلاحظ في هذا السِّياق أنّه في حين لم يعد يَفصِ ل بين انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وانطلاق الصهاينة لتحقيق أهدافهم إلا أسبوعان، ظل العرب يعانون خلافاتٍ بين قادتهم لأسباب شخصية في معظمها. ويُلقي المؤلف ضوءًا على اجتماعات لبعض قادة دول المواجهة - في مستوى القمَّة - في عمّ ن لاجتناب حالة الانقسام التي يبدو أنها كانت جِدِّيةً بين الرئيس السوري شكري القوتلي والهاشميين؛ إذ أخفق قبل موعد وصول المسؤولين مشروعٌ لتصفية الأنفس مرتكز على دعوة الرئيس اللبناني للقائديْن الهاشميَّيْ الملك عبد الله والأمير
عبد الإله، والرئيس السوري شكري القوتلي إلى الغداء، على أن ينتقل الجميع بعد ذلك إلى دمشق لتناول العشاء على مائدة الرئيس السوري وأن يبيتوا هناك. وبسبب هذا الإخفاق وصل رئيسَا وزراء سورية ولبنان إلى عمّ ن يوم 29 نيسان/ أبريل9. يُعَدُّ هذا الفصل من الفصول المهمّة؛ إذ يسرد فيه المؤلف إجراءات بناء القوة في فلسطين عشية انتهاء الانتداب، ويعرج، قبل الخوض في تفاصيل بناء القوة وحَشْدها في فلسطين، إلى الخلاف البيِّ بين السياسيين والعسكريين على خلفية تقدير موقف اتفق عليه رؤساء الأركان المجتمعين في عمّ ن؛ إذ اتهم السياسيون العسكريين بأنهم يبالغون بشأن القوة المطلوبة، ويبالغون في الوقت نفسه بشأن قوَّة الصهاينة. أصرَّ العسكريون على موقفهم مبيِّنين أنّ الرغبة الحقّ في تحرير فلسطين تقتضي إعداد القوات المطلوبة. وجرى الاتفاق على أن تباشر القوات العربية التحرك بحسب المتيسر لديها، على أن تُزاد القوة بحسب متطلبات الموقف، وأن تكون هنالك قوات جاهزة للتدخل يوم 15 أيار/ مايو 1948؛ وهو اليوم الذي حدده البريطانيون لانتهاء الانتداب10. يورد المؤلف تفاصيل متعلّقة بالقوات العربية التي زُجَّت في القتال يوم 15 أيار/ مايو 1948، منها أنّ عددها لا يكفي إطلاقًا للتعرض للعدوّ، وأنه لا يكفي إلا للدفاع، على نحوٍ محدَّد، على مواقع مختارة لأسباب كثيرة. لكنه قدَّم قبل ذلك تقييمه العامّ للقوات العربية التي ستشترك في القتال مبيِّنًا أنّ الجيشين السوري واللبناني لم تكتمل بنيتهما القتالية بعدُ، ومبيّنًا النفوذ البريطاني الواسع على الجيش الأردني، فضلً عن عدم معرفة نيَّات غلوب باشا الخفيَّة. لذا، فإن ما يُعوَّل عليه في بلدان الطوق هو الجيش المصري فقط. وللتدليل على صحة تقييمه هذا، يورد تقييمً عسكريًّا قدَّمه ضابطان عراقيان مرَّا بالقاهرة في طريقهما إلى بغداد، كانا قد دُعِيَا لحضور استعراض للجيش المصري، وأنّهما بيَّنَا أنّ من جملة ما شهداه وجود فرقتين بتجهيزاتهما الكاملة11. يختتم المؤلف الفصل بإيراد تفاصيل القوات العربية المشتركة في القتال يوم 15/ أيار مُبيِّنًا أنّ القوات العراقية كانت هي أكبر القوات العربية التي اشتركت في القتال من 15 أيار/ مايو 1948 حتى نهاية القتال؛ إذ أربى عديدها، بحسب الوثائق الرسمية لوزارة الدفاع، على 6000 مقاتل و 300 ضابط. ويعالج المؤلف في الفصل العاشر معضلات العراق الأمنية والموقف العامّ للجيش العراقي، مبيِّنًا عديدَه وقوته والتحديات التي واجهها بوصفه رئيسًا مهنيًّا لهذا الجيش؛ لإعادته إلى قوته المعروفة، بعد أن تدخَّل البريطانيون وأنقصوا عدده، وأصروا على عدم رفْده بما يحتاج إليه. وفي هذا السِّياق بيَّ المؤلف العمل الدؤوب الذي اتُّخذ لإكمال حاجات الجيش من الأسلحة والمعدات من مصادر أخرى، وخوض نقاشات ومفاوضات صعبة لتحقيق المطلوب. وأشار في إسهاب وتدقيق إلى تعقيد مهمات الجيش العراقي الأمنية؛ وأهمها التمرد البرزاني شمال العراق، واحتمال تسرُّب البرزانيين إلى العراق مرَّةً أخرى، بعد أن أ جبروا على مغادرته في جولة القتال السابقة. ومن ثمّة اتُّخذت إجراءات احترازية مهمّة لضمان عدم دخول البرزانيين إلى العراق. لهذا فإنّ الجيش العراقي - بكلّ عديده ومعداته - قد زُجَّ في القتال وتزايدت أعداده مع اشتداد القتال تزايدًا متصاعدًا. باح المؤلف بسرٍّ مهمٍّ متمثّل باتخاذ إجراءات لتشكيل لواء من الآشوريين المتطوعين للقتال في فلسطين، لكنّ انخراط بعض الحكومات في مفاوضات الهدنة مع العدوّ أوقفت هذا المشروع. ويبيِّ أنّ كل هذه التحديات كانت ماثلةً للعيان باحثةً عن حلول في الفترة القصيرة التي فرضتها ضرورة زجّ الجيش في القتال بفلسطين، بعد انتهاء الانتداب البريطاني عليها. وقد ركّز المؤلف في هذا الفصل على أهمية "توأمة" الرجال والأسلحة والتدريب لإنشاء عنصر مقاتل قادر على الصمود والقتال وإحراز النصر. يُبيِّ المؤلف في الفصل الحاديَ عشرَ ما جرى عند انسحاب البريطانيين من فلسطين، وإفساحهم المجال للصهاينة للسيطرة على مواقعهم مُوردًا أمثلةً عن فظائع الصهاينة في بيسان، وصفد، ويافا، والقسطل، ودير ياسين. ويظهر المؤلف في هذا الفصل الموقف اللاإنساني واللامسؤول لرئيس هيئة أركان الحرب البريطانية الفيلد مارشال مونتغمري عندما عاتبه رئيس الوزراء إتلي بحضور وزير الخارجية المستر بيفن على عدم تدخل الجيش لضمان أرواح العرب في يافا وما علم من مقتل 2300 عربيّ على أيدي الصهاينة، وقد بيَّ الفيلد أنه لم يتلقَّ بعدُ تقاريره.
من أجل ذلك ذهب المؤلف إلى مذكرات مونتغمري منقبًا فيها، مستخرجًا إثباتات الخذلان البريطاني للعرب واتهام مونتغمري المندوب السامي كاننغهام بأنه كانت لديه قوات من الجيش والشرطة لفرض الأمن إلا أنه، كما قال، لم يستخدمها بفطنة وحكمة. كما يعرض المؤلف الموقف اللافت للنظر المتمثّل بانسحاب القوات الأردنية من فلسطين عشية الانسحاب البريطاني، وقد أصاب هذا الانسحاب الموقف العربي بكثير من الضرر، وخصوصًا في القدس. اشتمل الفصل الثانيَ عشرَ على إجراءات بناء هيكلية القيادة والسيطرة ووضع خطة الحركات، وما صاحبها من تبدلات قبل التنفيذ، كما اشتمل على ذِكرٍ لاستدعاء الجبوري إلى البلاط الملكي يوم 9 أيار/ مايو، وهناك وجد الهيئة الوزارية مجتمعةً عند الوصي الأمير عبد الإله، ورئيس الوزراء السوري جميل مردم، ورئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح. وكان موضوع الاجتماع تعيين قائد عامّ للقوات العربية في فلسطين على أن يكون من الضباط العراقيين. فتمّ الاتفاق على تعيين اللواء الركن نور الدين محمود قائدًا عامًّا للقوات العربية في فلسطين، على أن يكون اللواء الركن إسماعيل صفوت رئيسًا لأركانه. وقُرِّر سفر الجبوري إلى دمشق في اليوم التالي مع رئيس الوزراء لتبليغ القادة العراقيين هذا التعيين، كما قُرِّر أن ترتبط القيادة العامة للجبهة باللجنة السياسية لجامعة الدول العربية. توجه الجبوري صحبة رئيس الوزراء إلى القصر الجمهوري حيث وجدوا اجتماعًا سياسيًّا عسكريًّا، وطلب السياسيون من العسكريين إعداد خطة الحركات. ويذكر المؤلف أنّ من بين العسكريين الذين حضروا ذلك الاجتماع؛ اللواء الركن نور الدين محمود، ورئيس أركانه اللواء الركن إسماعيل صفوت من العراق، والعقيد الركن عبد الحميد غالب من مصر، واللواء عبد القادر الجندي من الأردن، والعقيد محمود الهندي من سورية، والمقدم شوكت شقير من لبنان. وقد وُضعت الخطة على أساسِ أنْ يتحرَّك الجيش اللبناني من رأس الناقورة تجاه نهاريا وعكا، وأن يتحرَّك الجيش السوري تجاه صفد والناصرة، وأن يتحرَّك الجيش العراقي تجاه كوكب الهوى وقلعة كيشر والمرتفعات المطلة على العفولة، وأن يتحرَّك قطاع من الجيش الأردني من جسر الشيخ حسين على نهر الأردن تجاه العفولة منسقًا حركاته مع الجيش العراقي، على أن يتحرَّك القسم الأكبر من الجيش الأردني من جنين تجاه العفولة. أمّا الجيش المصري، فأسندت إليه مهمّة التحرك من الحدود المصرية نحو الشمال تجاه تل أبيب. وبيَّ المؤلف وجود ثلاثة أسباب لاتخاذ هذه الخطة وهي؛ قلة القوات المتيسرة، وأمن القطعات، وتشتيت قوَّة العدوّ على عدّة محاور. وكانت هذه الخطة ستتيح، لو أنه تمّ تطبيقها بنجاح، شطْر قوات العدو، وقطْع الاتصال في ما بينها. وأوضح المؤلف في هذا السِّياق موقفًا مأساويًّا سببه عدم تنفيذ قائد الجيش الأردني مهمَّ ته، وعدم حركته تجاه بيسان، على الرغم من إصدار الملك عبد الله أوامره له بذلك. وفي الحقيقة، فإنّ الجيش الأردني كان أفضل الجيوش العربية تجهيزًا وتسليحًا ومعرفةً بأرض المعركة، ولكن جرى تغييبه عن المعركة الفاصلة في أكثر مراحلها أهميةً وخطورةً؛ بسبب ولاء قائده لدولته المنتدبة، بدلً من ولائه للبلد الذي استأجره في قيادة جيشه. أورد المؤلف في الفصل الثالثَ عشرَ حركات القوات النظامية في فلسطين، واستهل الفصل ببيان وصايا الحركات المعدلة12. وتضمَّنت هذه الوصايا اتجاهات عامةً للجيوش العربية المشاركة في الجهد وقد صدرت يوم الرابع عشر من شهر أيار/ مايو 1948؛ قبل يوم واحد من انتهاء الانتداب على فلسطين، وأجملت الوصايا أهداف الجيوش كما يلي: الجيش اللبناني: الاحتشاد في الناقورة، وهدفه نهاريا، ومن ضمن مهمَّ ته تحرير المنطقة الواقعة بين الحدود والهدف. الجيش السوري: الاحتشاد في فيق، وهدفه التقدم على محور الحمة سمخ، وإنشاء "رأس جسر" عبر نهر الأردن13. الجيش العراقي: الاحتشاد في المنطقة بين إربد والحدود، وهدفه التقدم على محور إربد – جسر المجامع، وتحرير هذه المنطقة، واحتلال "رأس جسر" عبر نهر الأردن على الضفة البعيدة (الفلسطينية) من جسر المجامع. الجيش الأردني: يقوم بتقوية مفرزته Detachment المرابطة على جسر الشيخ حسين لتأمين الدفاع عنه وتوجيه أرتاله كما يلي: لواء مشاة هدفه نابلس. لواء آليّ هدفه العامّ رام الله. لواء آليّ احتياطيّ في الخان الأحمر.
تتوجه هذه الأرتال إلى أهدافها بأسرع ما يمكن. الجيش المصري: يحتشد على حدوده في منطقة العريش، وهدفه المجدل. وتتولَّ البحرية المصرية مراقبة السواحل الفلسطينية، وفرْض الحصار عليها بالتعاون مع القوة الجوية المصرية، وتقديم المساعدة اللازمة للجيش المصري عند تقدمه. يشرع في التحرك والتقدم نحو الأهداف المخصصة على الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، من يوم 15 أيار/ مايو 1948 (انظر خريطة فلسطين 1948: الطرق الرئيسة والسكك الحديد.) ويشير المؤلف إلى أوّل انتكاسة عاقت الخطة عند تنفيذها، وهي عدم استجابة غلوب باشا للخطة، وعدم تقدمه إلى بيسان، أو جسر الشيخ حسين؛ ما سبَّب اخت للا في التخطيط، كما تسبب عدم إرسال قوَّة أردنية من جنين تجاه العفولة في إتاحة الفرصة للصهاينة للعمل بحرِّية لنجدة منطقة كيشر هدف القوة العراقية التي صُدَّت عند تقدمها. ونظرًا إلى عدم مسك الأردنيين جسر الشيخ حسين، فقد كُشف جناحَا القوة العراقية، وتعرَّضت هذه القوة لإمكانية الالتفاف عليها، وتردَّى الموقف في القدس أيضًا بسبب عدم دخول القوات الأردنية إلى المدينة. وقدَّم المؤلف في هذا الفصل الاجتماعات السياسية والعسكرية التي جرت من أجل معالجة الموقف، وقدَّم أيضًا وصفًا لسير العمليات في مختلف الجبهات، وعرض في إيجازٍ معركة قلعة كيشر بين الجيش العراقي المحاصر لها والقوات الصهيونية المدافعة عنها. ولاحظ المؤلف، من موقعه رئيسًا لأركان الجيش العراقي، عدم امتثال القيادات الدنيا لأوامر القيادات العامّة للجبهة، وهو ما جعله يقدِّم إلى وزير الدفاع تقريرًا مبيِّنًا للحالة الخطِرة. وقد قدَّم اللواء الركن نور الدين محمود القائد العامّ إلى أمين عامّ جامعة الدول العربية استعفاءً من مهمته؛ لعدم طاعة مرؤوسيه في الجيوش العربية الأخرى. ويقدِّم المؤلف، في هذا الشأن، صورةً عن معركة جنين التي خاضها الجيش العراقي للحفاظ على هذه المدينة، ومن ثمّة الحفاظ على ما بات يُعرف بالضفة الغربية التي انتقلت مسؤولية الدفاع عنها إلى الجيش العراقي تُجاه هجوم مركَّز نفَّذه العدوّ بقيادة اللواء كرميلي، وقد وُجدت خطة الهجوم في جيوب أحد القتلى وكانت تنصُّ على التقدم إلى جنين واحتلالها وإبادة العدوّ فيها. ويرينا تقرير قدَّمه القائد العامّ للجبهة اللواء الركن نور الدين محمود الوضعَ العامَّ في الجبهة عشية الهدنة الأولى التي فُرضت على العرب، وأنّ القبول بها كان خطيئةً كبرى؛ لأنها شكَّلت المفصل الذي انتقلت بعده الحركات من حالة نجاح الجيوش العربية - على محدودية إمكاناتها - في تحقيق موقف ملائم، إلى حالة ثانية بعد الهدنة المفروضة بدأ فيها وضْ ع القوات العربية بفلسطين يتفاقم14. ويستعرض المؤلف في الفصل الرابعَ عشرَ الهدنة الأولى بتاريخ 11 حزيران/ يونيو 1948 التي كانت مدتها أربعة أسابيع. ويوضح، في تقرير رفعه إلى وزير الدفاع، أنه على الرغم من محدودية الجهد المتيسر وعدم استجابة الجيوش الأخرى لأوامر قائد عامّ الجبهة، فإن ما تحقّق للعرب في هذه الجولة يعدُّ أمرًا إيجابيًّا ينبغي العمل على تطويره بمدّ الجيوش بكلّ حاجاتها. بل إنّه اقترح زجِّ الجيوش كلّها في المعركة لحسم الأمر بعد الهدنة، واقترح تهيئة قوَّة كبيرة من المتطوعين الفلسطينيين والعرب والمسلمين للقتال في الداخل، والمساعدة على السيطرة على الأرض، كما أنّه حذّر من استفادة الصهاينة من فرصة تعزيز قدراتهم، وبيّ أنّ هذا الأمر ليس عسيرًا عليهم. ثمّ أورد خلاصة الإجراءات السياسية والعسكرية وزوَّدنا بوثائق رسمية تعزّز وجهة نظره. واختتم الفصل ببرقية أصدرها الوصي الأمير عبد الإله عشية انتهاء الهدنة مشجِّعًا الضباط والجنود على القتال. ويلاحظ أنّ الأمير عبد الإله واكب العمليات منذ المرحلة التحضيرية، وأنّه كان حاضرًا بين القطعات على الدوام. تعلّق الفصل الخامسَ عشرَ بالعمل بين الهدنتين والمزايا القتالية التي حصل عليها الصهاينة من مختلف أنحاء العالم، وبانعكاس ذلك كلّه على الجبهة؛ ومن أهمّ مكاسبهم سيطرتهم على اللد والرملة التي تركها الجيش الأردني بأوامر من قائده. وبيَّ المؤلف أنّ الفريق غلوب باشا قد قدّم مقترحًا إلى الملك عبد الله، وهو "انسحاب الجيش الأردني من فلسطين"، وقد علَّق عليه الملك عبد الله على هذا المقترح بقوله: إن كان يود الانسحاب فلينسحب وحده. وإنه، وهو الملك، سيقود الجيش بنفسه. ومن ثمّة اتجهت النية إلى تعيين قائد عراقي لقيادة الجيش الأردني. ويستعرض المؤلف في الفصل السادسَ عشرَ المراسلات الدبلوماسية بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والحكومات العربية. ثمّ يستعرض في الفصل الثامنَ عشرَ محاولة توحيد قيادة الجيشين العراقي والأردني في قيادة واحدة، وتعيينه قائدًا عامًّا للجيشين،
خصوصًا بعد أن علم أنّ الفريق غلوب باشا قد ترك الأردن مغادرًا إيَّاه إلى بريطانيا، وأنّ بعض الضباط البريطانيين في سبيل المغادرة أيضًا؛ ما أوحى بإمكانية استلام ضباط عراقيين مواقعَهم. إلا أنّ الفريق غلوب قد عاد إلى الأردن، وبقيَ الضباط البريطانيون في أماكنهم، ولم يصدر الملك عبد الله إرادةً ملكيةً بتسمية الجبوري قائدًا عامًّا للجيش الأردني، وهو الأمر الذي أجهض الخطة. وفي الفصل التاسعَ عشرَ انتقل المؤلف ليتفحَّص الجبهة المصرية، وسرد ما جرى في حركات النقب الأولى وكيفية تسبّب خسران المجدل وبيت جبرين في احتلال الصهاينة للنقب، ومحاصرتهم للقوة المصرية، وهو ما قاد في ما بعد إلى حصار الفالوجة. وبيَّ، في هذا السِّياق، حركات الجيش العراقي للتخفيف عن الجبهة المصرية. واختتم الفصل ببيان تحرّج موقف القوات العرية في فلسطين بسبب الأخطاء المتراكمة التي كان أساسها عدم توحيد القيادة، وعدم توحيد النظرة، وعدم توافر الإرادة السياسية في خوض المعارك إلى آخر مداها. خصَّص المؤلف الفصل العشرين لتهيُّؤ القوات الصهيونية لمهاجمة القوات العراقية، والإجراءات العراقية المتخذة لإحباط هذا المسعى، وبيَّ في هذا الشأن تخصيص قوَّة عراقية للعمل على فك حصار الفالوجة المفروض على الجانب المصري، وقد باشرت القوة العراقية عملها من بيت لحم، إلا أنّ خطة إخراج القوة المصرية تأجلت، يما يبدو، للتعويل على جهد سياسي. استقر الموقف على ما هو عليه عندما قبلت الأردن الهدنة ولم تشترك في الجهد العسكري؛ فعرّض هذا الأمر القوات العراقية للخطر، وقد أورد المؤلف في هذا الفصل تقارير ضافيةً كان قد رفعها في هذا الشأن بصفته القائد العامّ في ذلك الوقت. وفي الفصل الثاني والعشرين أورد المؤلف المؤتمرات والاجتماعات؛ ومنها مؤتمر أريحا الذي سعى الملك عبد الله فيه للحصول على مبايعة الفلسطينيين له ملكًا دستوريًّا على الضفتين، وهو أمرٌ لم يقابَل بالرضا من جهة الحكومة العراقية؛ لأنه سيؤدِّي إلى زيادة التصدع العربي في تلك المرحلة الحرجة، وشكّلت هذه الحكومة وفدًا برئاسة نوري السعيد لنقل وجهة نظرها إلى الملك عبد الله. اختتم المؤلف في الفصل الثالث والعشرين العمليات في فلسطين بإيراد وصف لآخر معركة خاضتها القوات العراقية مع الصهاينة وأوقعت بهم خسائر فادحة؛ وهي معركة إحباط الهجوم الصهيوني على رامات هاكوفيتش وتدميره. وأورد في الفصل الرابع والعشرين معركة النقب الثانية التي خسرت فيها القوات المصرية مواقعها، والتي نجم عنها انفتاح النقب حتى رأس خليج العقبة أمام الصهاينة بعد توقيع مصر الهدنة الدائمة وانسحاب الجيش المصري من القتال. اجتهد المؤلف في ما بقيَ من كتابه في الإحاطة بالجهد السياسي والدبلوماسي الذي قاد إلى الهدنة الدائمة في فلسطين، وفي الإحاطة باللجنة التحقيقية التي شكَّلها مجلس الأمة العراقي لكشف ملابسات ما جرى في فلسطين أيضًا، وفي إيضاح تداعيات الأمور بعد الهدنة ومشروع البيان الثلاثي الذي ضمن حدود الهدنة15. ثمّ إنّه خصَّص فصلً مهمًّ لتفنيد فرية "ماكو أوامر" التي ألصقتها حملةٌ إعلامية منظمةٌ نتيجة الإخفاق في أداء جيوشها، بالجيش العراقي بسبب الخصومات والحساسيات بين الحكومات. لقد وجدت هذه الفرية صدى كبيرًا في أروقة الإعلام وردَّدها مردّدون كثرٌ. غير أنّ المؤلف يدحضها بالوثائق، ويدحض كذلك ما تعلّق بها من ادعاءات. يناقش المؤلف في الفصول التالية التداعيات على الأمة العربية من خلال نجاح الصهاينة في إنشاء دولتهم في فلسطين، ويعرج إلى حربي 1956 و 1967 دارسًا وناقدًا، ويعرج كذلك إلى مؤتمرات القمة العربية من خلال رصده للعمل العربي المشترك بعد النكبة. لقد أرفق المؤلف بكتابه بعض الملاحق الوثائقية، وهو كتاب جدير بالقراءة، وخصوصًا أنّه يشكِّل دافعًا للمهتمين بالغوص في تفاصيل ما جرى بعد احتلال فلسطين الأول عام 1917 من جهة البريطانيين، وما جرى بعد احتلال الصهاينة الثاني عام 1948 الذي شكَّل أساس هذا الكتاب، وما لحق به من نكبة مُضافة هي نكبة .1967 إنّ التاريخ يُشجِّع على التدبر، وهذا الكتاب دافع ممتاز لنتدبر ما جرى.