مراجعة كتاب مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة
المؤلف: امحمد جبرون. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. سنة النشر: ٤١٠٢. عدد الصفحات: 392 صفحة.ً
تعدُّ قضية "إسلامية الدولة" من القضايا الحيوية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، فهي تحظى باهتمام عدد كثير من الباحثين والمفكرين إلى حدّ تفصيل أركانها ومقوماتها. ومن هذا المنطلق، يحاول الباحث المغربي امحمد جبرون في كتابه مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة ""، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن يقدِّم مساهمة في النقاش العامّ بشأن هذه القضية، وأن يستنبط مفاهيم وأصول قادرةً على التكيُّف مع متطلبات التحديث السياسي كالبيعة، والعدل، والمعروف؛ لتكون بديلً تاريخيًّا من "دولة العصبية" التي انتهى زمانها، ومن الدولة الحديثة التي نشأت برعاية الاستعمار. وتتمحور هذه القضية بحسب ما يرى المؤلف حول جملة من الأسئلة أهمها: هل أنّ الدولة الحالية التي تؤطِّر الفعالية الحضارية للأمة دولة إسلامية؟ وما هي المقومات الرئيسة ل "الإسلامية"؟ وما هي شروط وصْف "الإسلامية" ومصادره؟ ثمّ ما هي حدود التقاطع بين "الدولة الإسلامية" و"الدولة – الأمة الحديثة"؟ وهل يمكن أن تلتبس إحداهما بالأخرى؟ الدولة الإسلامية، بحسب جبرون، ليست دولة الخلافة، وليست دولة سلطانيةً، وليست دولة شريعة، وإنما هي "دولة الوقت"؛ أي إنّها أحد تطبيقات "الدولة – الأمة" في العالم المعاصر. وإنّ الأطروحة التي يحاول هذا الكتاب أن يبنيَها قد قامت على فرضية أنّ سؤال "الإسلامية" الذي ملأ الدنيا ليس هو المشكلة الحقيقية، بل هو مظهر لمشكلة أشدّ تعقيدًا؛ هي العطب الإصلاحي - التاريخي الذي حدث خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وبحسب الكتاب الذي يُعَدُّ دراسةً في الفكر السياسي من زاوية التاريخ والواقع في 392 صفحةً من القطع الكبير، فإنّ أصل الخلل في تصور إسلامية الدولة يكمن في منهج قراءة الإسلاميين للنص الشرعي (القرآن والسنة) الذي يعطي الأولوية للجزئيات على حساب الكليات، وللأحكام بدلً من الحُكم. وقد سعى هذا الكتاب لتجاوز هذا الخلل من خلال محاولة تحرير النص الشرعي من التاريخ وآثار الثقافة المتعلِّقة بالفهم الموروث. ويقوم الكتاب على قراءة تاريخ الدولة الإسلامية وتحليلها، ويناقش أشكال تحقّق "الإسلامية"، ونزول الشرعية الأخلاقية في الواقع التاريخي (دولة الراشدين ودولة العصبية) إلى أن يصل إلى العصر الحديث الذي انكسرت فيه الدينامية التاريخية الذاتية للجماعة الإسلامية بسبب متغيرات داخلية، وأخرى خارجية وعلى رأسها الاستعمار. وفي الجزء الأخير من الكتاب يقف المؤلف وقفةً متأنيةً على حيثيات نشوء إشكالية "الإسلامية" في علاقاتها بالانكسار التاريخي، ومحاولات إقرار "الدولة – الأمة الإسلامية"، وبحث إمكانات حسم هذه الإشكالية. حاول المؤلف في الفصل الأول "الإسلام وأصول الحكم" استقصاء أصول "الإسلامية" ومبادئها، أو رسالة الإسلام الأخلاقية في المجال السياسي. وانطلق في هذا الاستقصاء من مبدأ عامٍّ معناه أنّ الدولة في المجال الإسلامي مقتضً تاريخيٌّ، وليست مقتضً دينيًّا، وأنها هي التي تحتاج إلى الدين، وليس العكس. وانتهى، بعد تأمّل عميق ورصين في الاجتماع السياسي الإسلامي الأوّل في ضوء حقائق القرآن وتجربة الرسول السياسية وسُننها المنهجية، إلى أصول ثلاثة هي: البيعة، والعدل، والمعروف. فهذه الأصول، في نظره، هي التي يتعلق بها حكم "الإسلامية" وجودًا وعدمًا. وفي الفصل الثاني، وهو بعنوان "دولة الراشدين وأرخنة الأصول"، يرى المؤلف أنّ دولة الخلفاء الراشدين، في ما يتعلق بتنزيل مبادئ "الإسلامية"، قد نجحت إلى حدّ ما في تثبيت سلطة الأمة، وفي إقرار قدر مهمّ من العدل، وخصوصًا أنّ الخلفاء امتازوا بالانحياز في قراراتهم الاقتصادية والاجتماعية إلى الفقراء. أمّا في ما يتعلق بالمعروف الذي هو مصلحة دائمة دينية ودنيوية لا يحدّها زمان ولا مكان، وعلَّة دائمة وحاضرة للإنسان في الحياة، ووصف لازم للنشاط الإيجابي للإنسان المسلم على الصعيدين الفردي والجماعي، فيرى المؤلف أنّ دولة الراشدين قد أخفقت في توسيعه، ويُردُّ هذا الإخفاق إلى حداثة الدولة الإسلامية وطغيان الهموم العسكرية والأمنية. وفي الفصل الثالث الذي كان عنوانه "دولة العصبية: الإسلام السياسي والتاريخي"، يرى المؤلف أنّ المخاض التاريخي العسير ما بين الفترة 36 و 41 هجريًّا - وهو مخاض أدَّى إلى ولادة دولة العصبية - كان بمنزلة تأسيس ثانٍ للدولة الإسلامية بعد التأسيس الأول في سقيفة بني ساعدة، وأنّ الدولة الإسلامية في تلك المرحلة اكتسبت نظريتها السياسية والتاريخية التي استمرت إلى مشارف العصر الحديث، وأنّ البيعة قد انتقلت في هذه المرحلة من كونها حقًّا للأمة في عهد الخلفاء الراشدين إلى حقٍّ عصبيٍّ تمارسه عصبية الدولة وسائر الأمة تبعًا لها، من دون أن تفقد البيعة صدقيتها. وأمّا بالنسبة إلى العدالة، فقد عرفت ازدهارًا كبيرًا؛ إذ تمكّنت الدولة من إنجاز شريعة مكتوبة شكَّلت مرجعيةً موضوعيةً للأحكام، وحقّقت كذلك تطورًا كبيرًا في مفهوم العدالة الاجتماعية. فلم يكتف العقل السياسي الإسلامي بعدل الشريعة الذي يتحقّق من خلال
أحكام الفقهاء في النوازل والأقضية المختلفة، بل تجاوزه إلى الاهتمام بأرزاق الفقراء والمساكين والمحتاجين والمنكوبين؛ وذلك بتكليف الإمام أخلاقيًّا وسياسيًّا بسدّ خلَّتهم وفكِّ كربهم. ولكن في ما يتعلق بالحضور التاريخي لأصل المعروف، فإنّ هذا الجانب ظلّ محدودًا وخاضعًا للهواجس العسكرية.
وفي الفصل الرابع والأخير الذي كان عنوانه "الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة"، يحاول المؤلف تحليل الأزمة التي أصابت دولة العصبية، وتبيين أحوالها وحيثياتها؛ ومن ثمّة الوقوف على أحوال نشوء إشكالية "الإسلامية" وسياقاتها على صعيد الدولة في المجال العربي. من أجل ذلك قسَّم هذا الفصل إلى أربعة أقسام: الأول "دولة العصبية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة"، والثاني "البيعة: من العصبية إلى الأمة أو البعث الدستوري"، والثالث "العدل: من الشريعة – الدين إلى الشريعة – القانون"، والرابع "المعروف في طور انتقالي: أزمة الشرعية الأخلاقية." ويذكر المؤلف أنّ الدولة العصبية في بدايات العصر الحديث كانت تمرّ بأزمة قادتْها إلى الضعف؛ بسبب المساس بأ سس البيعة والعدل والمعروف، وأنّ هذه الأزمة قد أدَّت إلى تبلور أ سس الحداثة السياسية، ووجود إحساس بالحاجة إلى "الدولة – الأمة." ويذكر كذلك أنّ الفكر الإصلاحي قد أفصح عن هذا الأمر ومهّد له ثقافيًّا وسياسيًّا، غير أنّ بطء تحوُّل دولة العصبية والتدخل الاستعماري حالَ دون ولادة "دولة الأمة - الدولة" ولادةً طبيعيةً، الأمر الذي سبّب للدولة الوليدة مشكلةً مع السياق؛ فباتت أشبه ما تكون بمؤسسة وتنظيمات سابقة لواقعها وغير مفهومة في نطاقها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وسبّب لها أيضًا أزمةً شرعية أخلاقيةً؛ بالنظر إلى انقطاعها عن الحركة الإصلاحية التي أخصبت التاريخ والمجتمع وهيأتهما لتقبُّل "الدولة – الأمّة." ويُنهي المؤلف كتابه بخاتمة عامَّة عنوانها "مفهوم الدولة الإسلامية"، ويعرّف هذه الدولة بأنها دولة الوقت التي تعمُر العالم وتشبه جيلها من حيث الشكل والمؤسسات والأساليب، وأنها أحد التطبيقات التي تسود العالم ل "الدولة – الأمة." لكنّ الفارق بينها وبين النماذج الأخرى هو أخذها في الحسبان الرسالة الأخلاقية والإنسانية للإسلام، وهو ما يُضفي عليها معنى خاصًّا؛ إذ تبدو من زاوية هذا الفرق كيانًا أخلاقيًّا، خاضعًا لقيم معيارية عُليا؛ إنسانيةٍ ومثاليةٍ، تمنح الدولة الإسلامية تفوّقها الرمزي على غيرها من تطبيقات "الدولة –الأمّة"، وتُنجيها من بعض الآفات البنيوية التي أصابت أبرز تطبيقات "الدولة – الأمّة" في الحقبة المعاصرة. وبحسب المؤلف، فإنّ مصير "الإسلامية" في الدولة العربية المعاصرة لا يتعلّق، في المقام الأول، بالإجماع والتوافق الكلامي. بل بصراع تحتيٍّ، أساسًا، مرتبطٍ بالدلالة، جاريةٍ أطواره منذ مرحلة الاستقلال الوطني على الأقلّ، متَّجهٍ إلى الحسم بمنطق التاريخ - لا بمنطق الفكر - لمصلحة التوافق والاستمرارية التاريخية، بدلً من القطيعة. ومن ثمّة، فإنّ الدعوة إلى التوافق في هذا السياق التنظيري هي دعوة استشرافية، تدّعي الكشف عن المسار المستقبلي للتاريخ، ومن شأن اقتناع التيارات السياسية بها تسهيل عملية الانتقال التاريخي إلى "الدولة - الأمة الإسلامية"، من دون تعقيدات كثيرة. إنّ هذا الكتاب المشتمل على دعوة لإصلاح السياق السياسي ودمقطرته، يستفزُّنا للتفكير؛ فهو يعالج إشكاليات نظريةً وواقعية مهمّةً، ويروم حسْم إشكالية الحداثة السياسية، ومواكبة جهد بناء "الدولة – الأمة" المتعثر، وتأسيس مشترك ثقافي بين الأطراف التي تتجاذب شرعية الحداثة السياسة في العالم العربي، وتحديدًا الإسلامية منها والعلمانية. لذا نجد فيه من الرصانة الفكرية والفلسفية ما يمنحه قيمةً معرفيةً دقيقةً، ولا سيما أنه ينفتح على مقاربة نظرية لقضية "إسلامية الدولة" إطارًا إدراكيًّا ومعرفيًّا، ويتجاوز بعض المواقف والسياسات المتشنجة التي لم تنجح سابقًا في حسم النقاش وتجاوز الإشكال المتعلِّق بفكرة "إسلامية الدولة"، عادًّا أنّ المشكلة الحقيقية ليست هي سؤال "الإسلامية"؛ ذلك أنّ هذا السؤال مظهر لمشكلة أعمق هي مشكلة "العطب الإصلاحي – التاريخي" الذي حدث في القرنين التاسع عشر والعشرين، واستمر بعد مرحلة الاستقلال الوطني. يختم المؤلف كتابه بدعوة كلّ من الإسلاميين والعلمانيين إلى إعادة تعريف ذواتهم وصوغ رسالاتهم بما يوافق استحقاقات المرحلة التاريخية الجديدة، إنْ هم أرادوا الحضور في المستقبل.