الانتخابات التونسية:2014 مراحلها ونتائجها
الملخّص
تحلل هذه الورقة الانتخابات التونسية الأخيرة التي جرت في عام 2014، وترى أن، من أهم المكاسب بعد الثورة أنّ الانتخابات لم تعد تجرى تحت إشراف وزارة الداخلية. فلقد أوكلت العملية الانتخابية برمتها إلى هيئة دستورية دائمة، وهي الهيئة العليا المستقلة لانتخابات. وترى الورقة أنّ الوصول إلى الانتخابات يعدّ في حد ذاته نجاحًا بالنظر لما جرى، منذ اغتيال عضو المجلس الوطني التأسيسي، عن حزب التيار الشعبي محمد البراهمي. فقد راهن كثيرون داخل تونس وخارجها على احتمال عرقلة المسار الديمقراطي، خاصة بعد تعثر المسار الديمقراطي في دول الربيع العربي. كما ترى الورقة أيض ا أن النجاح التونسي يحسب، في حد ذاته، للترويكا الحاكمة، خاصة لحركة النهضة. كما أن حياد المؤسسة العسكرية، والدور الكبير الذي اضطلع به الاتحاد العام التونسي للشغل، في لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء التونسيين من خال الحوار الوطني، أسهمت اسهامًا كبيرًا في نجاح تلك الانتخابات.
مقدمة
يأمل التونسيون أن تضع الانتخابات التشريعية والرئاسية حدًّا للمرحلة الانتقالية المستمرة منذ نجاح ثورة 41 جانفي 2011. ولعل من أهم المكاسب بعد الثورة أنّ الانتخابات لم تعد تجرى تحت إشراف وزارة الداخلية، بل إنّ العملية الانتخابية برمتها أوكلت إلى هيئة دستورية دائمة، وهي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الوصول إلى الانتخابات يعدّ في حد ذاته نجاحًا بالنظر لما حصل، منذ اغتيال عضو المجلس الوطني التأسيسي عن حزب التيار الشعبي محمد البراهمي، إذ راهن الكثيرون داخل تونس وخارجها على عرقلة المسار الديمقراطي، خاصة بعد الرياح المعاكسة التي اعترضت المسار الديمقراطي لدول الربيع العربي. وهذا النجاح في حد ذاته يحسب للترويكا الحاكمة، وخاصة لحركة النهضة، وهذا لم يكن ليحصل لولا حياد المؤسسة العسكرية، وكذلك للدور الكبير الذي اضطلع به الاتحاد العام التونسي للشغل، لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء التونسيين من خلال الحوار الوطني. الملاحظات البارزة للعيان خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية عديدة، إلاّ أنّ أهمها السماح بمشاركة مرشحين كانوا منتمين إلى نظام زين العابدين بن علي، إذ أنّ هذه المشاركة تعدّ قانونية وحقًا بالنسبة إليهم، إلّ أنّ هذا الأمر أثار جدلً وساهم في تساؤلات فئة واسعة من الشعب التونسي1، وأيضًا من النخبة التونسية ومنهم محمد المنصف المرزوقي الذي وصف هذه الانتخابات بأنها منافسة بين "مؤيّدي الثورة وأنصار الثورة المضادة." ولعلّ ما يلفت الانتباه كذلك أنّ غياب العنصر الشبابي عن التصويت في التشريعية والرئاسية مثّل حدثًا بارزًا لدى عموم التونسيين، بقطع النظر عن توجهاتهم السياسية، وذلك ناتج عن إحباط هذه الفئة، لعدم تحقق ما كانت تطمح إليه أيام انطلاق الثورة التونسية من تشغيل وتحسن في ظروف الحياة المعيشة. كما تجدر الملاحظة إلى أنّ انتخابات تونس التشريعية والرئاسية أظهرت من جديد قوة "المجتمع المدني التونسي" من خلال مراقبته للانتخابات في كل المراكز بالجمهورية وتوثيقه لبعض التجاوزات الحاصلة؛ فكان صمام الأمان لعدم حصول تلاعب بنتيجة التصويت. ومن هنا نستطيع أن نستنتج أنّ هذه الانتخابات تعدّ درسًا مهمً، وعلامة فارقة في المحيط العربي، ومثلما كان الشعب التونسي سبّاقًا في الثورات العربية، فإنّه يعود مرة أخرى وعن طريق الانتخابات ليبرز رأيه ويختار ممثليه من القائمات المترشحة بطريقة ديمقراطية. فالحالة التونسية تعدّ اليوم شمعة مضيئة مقارنة بحالة بقية دول الربيع العربي، إذ تجنبّت تونس الفوضى التي شهدتها تلك الدول، على الرغم من مواجهتها لبعض التوترات الأمنية والاجتماعية.
الانتخابات التشريعية
جرت الانتخابات التشريعية التونسية داخل البلاد يوم 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، وهي أول انتخابات تتمّ بعد إقرار دستور 2014، وفي ظرف اقتصادي واجتماعي وأمني صعب تعيشه تونس منذ الثورة.
تمويل الحم تاا الانتخابية للقائمات المترشحة
تنافست خلال هذه الانتخابات بحسب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات 2713 قائمة 230(1 داخل تونس، و 97 خارج تونس) موزعة على 33 دائرة انتخابية 27(داخل تونس، و 6 خارج تونس.) وقد تمتعت كل قائمة بتمويل عمومي من الدولة للقيام بحملات انتخابية مع الحرص على عدم تجاوز السقف المحدد للمصاريف والمقدر ب 5 أضعاف المنحة العمومية بالنسبة إلى الانتخابات التشريعية2، إذ يمثّل القضاء ودائرة المحاسبات بتونس عينًا رقيبة على كل المشاركين، بهدف عدم استعمال المال السياسي الفاسد سواء من داخل تونس أو من خارجها في الحملات الانتخابية، وكذلك عدم شراء أصوات الناخبين. وحدد القانون الانتخابي التونسي كيفية المراقبة من خلال التدقيق في الحسابات التي تتولى إيداعها القائمات المترشحة، وكذلك الرقابة الميدانية خلال الحملة الانتخابية، وعليه، يمكن للقاضي التثبت في مدى دقة المعلومات وسلامتها التي قدمتها القائمات المترشحة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ عديد التساؤلات والاتهامات وُجّهت إلى بعض الأحزاب بتجاوز السقف المحدد، واستعمال موارد مالية مشبوهة لتنظيم حملات انتخابية صاخبة وجالبة للانتباه إضافة إلى شراء الأصوات، وقد أجابت عن هذا الأمر الهيئة العليا المستقلة
للانتخابات بقولها إنها تراقب بمعية عديد منظمات المجتمع المدني جميع الحملات، وأنها ترفع تقاريرها، كما أنّ دائرة المحاسبات بإمكانها إلغاء فوز قائمة ثبت قيامها بتجاوزات خطيرة.
نتائج متوقعة أم مفاجئة؟
انتهت انتخابات مجلس نواب الشعب الذي سيدوم خمس سنوات (٥١٠٢-٩١٠٢)، وأظهرت نتائج الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تقدم حزب "نداء تونس" الذي تأسس قبل أقل من عامين برئاسة مقعدًا3السيد محمد الباجي قائد السبسي ب 86، وهو يضمّ عددًا من رموز اليسار والاشتراكيين وآخرين محسوبين على نظام بن علي، يليه حزب حركة النهضة برئاسة الشيخ راشد الغنوشي ب 69 مقعدًا، ثم حزب الاتحاد الوطني الحر برئاسة رجل الأعمال سليم الرياحي ب 61 مقعدًا، وفي المرتبة الرابعة الجبهة الشعبية بقيادة حمة الهمامي ب 15 مقعدًا، في المرتبة الخامسة حزب آفاق تونس ب 8 مقاعد، في حين توزع الثلاثة والعشرون مقعدًا المتبقية على بعض الأحزاب والقائمات المستقلة4. جاءت هذه النتائج بمنزلة خلط جديد للخريطة السياسية التونسية، فقد اختفت أحزاب كان يعتقد أنها كبيرة ومؤثّرة انتخابيًا مثل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه السيد المنصف المرزوقي، وحزب التكتل الذي يرأسه السيد مصطفى بن جعفر وحزب تيار المحبة (العريضة الشعبية سابقًا) الذي يتزعمه السيد الهاشمي الحامدي والحزب الجمهوري بقيادة مية الجريبي، مقابل اختفاء هذه الأحزاب ظهرت أحزاب جديدة لعل أبرزها نداء تونس والاتحاد الوطني الحر. وتؤكد نتيجة هذه الانتخابات عدم قراءة حركة النهضة الواقع على الوجه المطلوب، إذ أنّ كثيرًا من شباب الثورة التونسية غير راض عن نتائج حكمها خلال السنوات الثلاث التي قضتها في السلطة، وبعضهم عاقبها بعدم الذهاب للاقتراع يوم الانتخابات التشريعية5. لكن مقارنةً بشريكيها في الحكم ضمن الترويكا خرجت حركة النهضة مرفوعة الرأس، إذ ساهمت الانشقاقات التي شهدها حزبا المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بشكل كبير في النتائج الهزيلة التي تحصلا عليها. في مقابل ذلك تحركت بعض الوجوه المحسوبة على نظام بن علي مدعومة من بعض رجال الأعمال، إضافة إلى عدد من الإعلاميين للتخفيف من حدة الانشقاقات التي تسود حزب نداء تونس وتدعو المواطنين للتصويت له، لأنّه حسب رأيهم الأمل الوحيد لتتجاوز تونس صعوباتها. يمكن أن نعدّ نتائج هذه الانتخابات انتصارًا حرجًا بالنسبة إلى حزب نداء تونس، إذ سيواجه الصعوبات والمشاكل التي واجهتها النهضة قبل ثلاث سنوات، وهي عراقيل سياسية ومجتمعية واقتصادية معقدة وعصية عن الحل في الوقت الراهن. بينما أنهكت حزب حركة النهضة تجربةُ الفوز بالانتخابات الأولى بعد الثورة عام 2011، إذ أنها وعلى الرغم من حصولها على الأغلبية في المجلس التأسيسي، فإنّها لم تتمكن من المسك بزمام الحكم، بل أكثر من ذلك، كانت تقف في صدارة المشهد وتتصدى للغضب الشعبي المتصاعد، إضافة إلى الحملات الإعلامية التشويهية ضدها وتعطل إنجاز المشاريع التنموية المبرمجة لعدة أسباب، كل هذا كانت نتيجته عدم قدرتها على تمرير مشروعها الخاص. هذا الأمر دفع ثمنه الباهظ الشريكان السابقان في الحكم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل، من خلال النتائج الهزيلة التي تحصلا عليها في الانتخابات. وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن نعتقد أنّ نتائج الانتخابات التشريعية التونسية أثبتت أنّ مساندي حركة النهضة ومؤيديها لا يزالون كثرًا، وأنّ القول بضعف تأثيرها يفتقر إلى الدقة. فما يمنحه مجلس نواب الشعب للأحزاب السياسية من دور رقابي يجعل من حركة النهضة لاعبًا مهمً في المرحلة القادمة، لأنّ تمثيلها في هذا المجلس مهم ومؤثّر في اتخاذ القرارات، خاصة أنّ ذلك مكفول في الدستور الجديد للجمهورية، إذ ينصّ الفصل 60 منه على أنّ "المعارضة مكوّن أساسي في مجلس نواب الشعب، لها حقوقها التي تمكّنها من النهوض بمهامها في العمل النيابي وتضمن لها تمثيلية مناسبة وفاعلة في كل هياكل المجلس وأنشطته الداخلية والخارجية. وتسند إليها وجوبًا رئاسة اللجنة المكلّفة بالمالية وخطة مقرر باللجنة المكلّفة بالعلاقات الخارجية، كما لها الحق في تكوين لجنة تحقيق كل عام وترؤُّسِها. ومن واجباتها المساهمة النشيطة والبنّاءة في العمل النيابي"6.
تفاوت نتائج النهضة والنداء بين مناطق تونس
كشفت نتائج الانتخابات التشريعية تفاوتًا انتخابيًا واضحًا بين ولايات البلاد، ومثال ذلك سيطرة حركة النهضة سيطرة كاملة على ولايات الجنوب الشرقي: مدنين وتطاوين وقابس، وهي ولايات حدودية مع ليبيا، حساسة من الناحية الأمنية، ومهمشة مقارنة بالولايات الساحلية على الرغم من امتلاكها لثروات باطنية وطبيعية هائلة. ويمكن تفسير هذا الأمر بالشعبية والثقة الكبيرة اللتين تتميّز بهما النهضة في هذه المناطق، كما لاننسى أنّ رئيس الحركة راشد الغنوشي هو ابن الجنوب التونسي (ولاية قابس)، إضافة إلى هذا وأول مرة في تاريخ تونس تمّ في عهد النهضة تسمية رئيس وزراء أصيل الجنوب، وهو علي العريض (أصيل ولاية مدنين.) كما أنّ هذه المناطق لم تنس التهميش الذي عانته خلال حكم الحبيب بورقيبة الذي عدّها مناطق مساندة لغريمه السابق صالح بن يوسف7، وتواصل هذا الأمر في فترة حكم زين العابدين بن علي الذي ركّز اهتمامه على مناطق الساحل، لأنّه مثل بورقيبة أصيل تلك المنطقة، فكانت تسمية أغلب الوزراء والمسؤولين السامين من هذه المنطقة. أمّا حزب نداء تونس فأظهرت النتائج شعبيته الكبيرة خاصّة في ولايات الساحل ومنطقتي الشمال الشرقي والغربي، إذ تبيّ أنّ له وزنًا انتخابيًا كبيرًا في هذه المناطق8.
مسار ديمقراطي مثير للتساؤلات
إثر نتائج الانتخابات التشريعية، لا ينكر أحد أنّ هنالك تساؤلا وتخوّفًا لدى بعض التونسيين من إمكان تغوّل حزب نداء تونس وهيمنته على السلطة. ويشمل هذا التخوّف خاصّة المسّ بمكتسبات الثورة من الحريّة وحقوق الإنسان التي يتمتع بها التونسيون منذ ثلاثة أعوام، ولا سيما أنّ تيارًا استئصاليًا يتمتع بقوة ونفوذ كبيرين داخل هذا الحزب. كما أنّ فوز حزب نداء تونس بالأغلبية في الانتخابات التشريعية، وفوز قائد السبسي بالرئاسية، سوف يمهّد الطريق أمام هيمنة الحزب الواحد على الإدارة ومؤسسات الدولة من جديد. لكن المتابع للواقع التونسي الحالي يمكن أن يستنتج أنّ هذا الطرح المؤدّي إلى عودة منظومة الاستبداد والفساد صعب تحقيقه اليوم في ظلّ الممانعة الشعبيّة الواسعة، وفي ظلّ قوة المجتمع المدني التونسي وتأثيره في الحياة الوطنية، وخاصة الشعبية الكبيرة التي مازلت تتمتع بها حركة النهضة، ما يجعل الحريّة والديمقراطيّة مضمونتين إلى حد كبير بالبلاد، وبذلك لن يستطيع أي حزب أن يعيد العجلة إلى الخلف9. فرضيات تشكيل الحكومة التونسية الجديدة جعلت نتائج الانتخابات التونسية السؤال يُطرح عن جدية احتمالات تشكيل ائتلاف بين الحزبين الكبيرين: حزب نداء تونس وحزب حركة النهضة، ينتج عنه تشكيل حكومة وحدة وطنية تقود البلاد في المرحلة المقبلة. فحزب نداء تونس يستطيع نظريًّا أن يشكّل حكومة حزبية، لكنه على الأرجح لن يلجأ إلى ذلك، الأمر الذي سيلزمه بالتوافق والتحالف مع تيارات مستعدة للتعاون معه لتشكيل ائتلاف موسع، لضمان أغلبية مريحة في البرلمان، بما يمكّنه من تمرير برامجه، كما أنّ الباجي قائد السبسي صرّح بإمكان قيام تحالف بين النداء والنهضة، إذا كان ذلك في مصلحة تونس10. أشارت حركة النهضة قبل الانتخابات إلى حاجة تونس لحكومة وحدة وطنية، فبحسب قادتها على الجميع التفكير والعمل معًا من أجل بناء رؤية مستقبليّة للبلاد. تعدّدت إذًا، الاحتمالات المتوقّعة لتشكيل الحكومة، والتي يمكن أن نلخّصها فيما يلي: الاحتمال الأول: تشكيل حكومة وحدة وطنية تحظى بتوافق جميع الأطياف السياسية الموجودة في مجلس نواب الشعب، بهدف تحقيق الاستقرار السياسي والحكومي في المرحلة القادمة. يبدو هذا الاحتمال الأقرب منطقيًا للتحقق في ظل رغبة المنظمات الراعية للحوار الوطني في ذلك، وعدم ممانعة حزب نداء تونس في إرساء حكومة تتوافق عليها أغلب الأحزاب الممثّلة في مجلس نواب الشعب.
الاحتمال الثاني: تشكيل نداء تونس لحكومة بالتحالف مع حركة النهضة حتى لا تصبح مصدر قلق له في المعارضة فتزداد ربما شعبيتها، خاصة، أنّ أبناء نداء تونس يعرفون قبل غيرهم ثقل حجم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وخطورة التحديات التي تجابهها تونس اليوم. وتجدر هنا الإشارة إلى أنّ التقارب الحاصل بين نداء تونس والنهضة بدأ يبرز للعيان خاصة عند انتخاب نواب النهضة لمحمد الناصر رئيسًا لمجلس نواب الشعب، وانتخاب نواب نداء تونس عبد الفتاح مورو نائبًا لرئيس هذا المجلس. وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذا الاحتمال صعب تحقيقه على أرض الواقع نظرًا لممانعة بعض الشخصيات داخل حزب نداء تونس لكل تقارب "واضح" مع حركة النهضة، حتى لا يخسر النداء حلفاءه وخاصة أبناء الجبهة الشعبية. الاحتمال الثالث: أن تبقى حركة النهضة في صف المعارضة، خاصة لعلمها بأنّ السنوات الخمس القادمة لن تكون سهلة، كما أنّ العديد من منخرطي الحركة يرفضون التحالف مع حزب نداء تونس، إذ يعدّون ذلك ضعفًا، والحال أنها مازالت قوية في نظرهم. أجاب عن هذا الاحتمال قادة الحركة بأنها تمدّ يدها للجميع، وسوف تكون داخل قبة البرلمان معارضة مسؤولة تهدف فقط إلى خدمة مصالح تونس، لا المعارضة من أجل المعارضة كما حصل ضدها في المجلس التأسيسي. الاحتمال الرابع: تحالف نداء تونس مع بعض التيارات القريبة منه، مثل حزب آفاق تونس وحزب المبادرة، وذلك لتعيين حكومة ائتلاف وطني. هذا الاحتمال يصعب تحقيقه إذ يجب التشاور مع حركة النهضة لتحظى أي حكومة مستقبلية بالنصاب في مجلس نواب الشعب.
الانتخابات الرئاسية
تعدّ الانتخابات الرئاسية المرحلة الأخيرة من الفترة الانتقالية التي تعيشها تونس منذ ثورة 41 جانفي 2011 التي أطاحت بنظام حكم بن علي، وقد جرت هذه الانتخابات على دورين الأول يوم 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، والثاني يوم 21 كانون الأول/ ديسمبر.2014
الشخصيات المترشحة
أمل الشعب التونسي أن يعيش أول مرة في تاريخه، انتخاب رئيس للجمهورية بطريقة ديمقراطية حقيقية، وقد شجّع هذا الأمر بعض السياسيين والمستقلين على تقديم ترشحاتهم، إذ نجد ضمن قائمة المترشحين عدة أسماء معروفة مثل عبد الرؤوف العيادي، وكمال مرجان، والمنصف المرزوقي، والباجي قائد السبسي، والصافي سعيد، والهاشمي الحامدي، وسليم الرياحي، ونجيب الشابي، وحمة الهمامي وغيرهم. كان أغلب هؤلاء مؤثّرًا خلال المواجهات السياسية التي عرفتها تونس مند ثلاثة أعوام. وعلى الرغم من أن 27 مرشحًا رئاسيًا تقدّموا للانتخابات في تونس، فإنّ المتابع للحالة التونسية قبل الانتخابات، كان يتوقّع وصول الباجي قائد السبسي مؤسس حزب نداء تونس، والمنصف المرزوقي المترشح بصفة مستقلة إلى الدور الثاني.
حملات انتخابية محتدمة
انطلقت الحملة الانتخابية للمترشحين للرئاسية يوم السبت الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وفي هذا الإطار أوضحت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أنّ الانسحابات التي تمّت خلال الحملة الانتخابية لم تُؤخد في الحسبان، لعدم احترام آجال الانسحاب، وذلك وفق ما جاء في القانون الأساسي للانتخابات. إذ أنّه ونتيجةً للانتخابات التشريعية انسحب كل من عبد الرحيم الزواري الوزير السابق في نظام بن علي، ومحمد الحامدي رئيس حزب التحالف الديمقراطي من السباق الرئاسي. ونظرًا للوضع الذي ميّز الحملات الانتخابية من محاولات للاستقطاب الثنائي ومن حديث عن دور المال السياسي إلى جانب التراشق بالكلام بين السياسيين، أعلن كل من نور الدين حشاد11، ومصطفى كمال النابلي12، وعبد الرؤوف العيادي13 انسحابهم. إذًا، أصبح أغلب المترشحين يتحدّثون عن توظيف المال السياسي، وتجدر الإشارة إلى أنّ بداية الحملة الانتخابية شهدت عدة تساؤلات حول كيفية تمويل حملات المترشحين، وفي هذا الإطار، أشارت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى أنّ المنحة العمومية المخصّصة لكل
مترشّح للرئاسية تبلغ 79 ألف دينار تونسي، كما أنّ السقف الانتخابي حدد ب 01 أضعاف قيمة المنحة العمومية أي 790 ألف دينار تونسي. كما يحجّر تمويل التونسيين المقيمين بالخارج للمترشح في الانتخابات الرئاسية. وتمّ أيضًا منع قبول التحويلات من الذوات المعنوية بجميع أصنافها، بما في ذلك الأحزاب السياسية والأشخاص الطبيعيون الأجانب، حتى وإن كانوا مقيمين بتونس أو كان مصدر دخلهم تونسيًا. إضافة إلى الحديث عن تمويل الحملات الانتخابية، فقد شابها عديد الحوادث الأخرى البارزة للعيان من خلال تنوع أساليب الخطاب وتواصل المرشحين، ويمكن أن نذكر هنا: دعوة المنصف المرزوقي، التونسيين إلى "التصويت لمصلحته، وعدم تشتيت الأصوات، حتى لا تخدم خصومه من المنظومة السابقة، وذكر في اجتماع له بمدينة صفاقس أنّ هناك ثلاثة مؤشّات على مخاطر تهدد المسار الديمقراطي في تونس؛ أولها ماكينة رهيبة للمنظومة القديمة عادت للاشتغال بعد أن ظن الكثيرون أنّها انتهت بمجيء الثورة، وثانيها خطاب بعض الفائزين في الانتخابات التشريعية من حزب نداء تونس المسيء إلى جهات الجنوب التونسي، وثالثها حديث البعض من نداء تونس عن حل الأحزاب التي ساندت المنصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية إلى جانب حديثها عن ضرورة حل هيئة الحقيقة والكرامة أو تحجيمها ومراجعتها حتى لا تهتم بالمحاسبة. تعرّض المرزوقي لنقد لاذع من معارضيه لاستخدامه في اجتماع له بمدينة القيروان وصف الطاغوت للتجمعيين وأزلام نظام ابن علي الذين عادوا لممارسة السياسة. قول الباجي قائد السبسي في حملته الانتخابية بأنّ حزب نداء تونس يفتح الباب أمام كل القوى الوطنية سواء كانت نقابية أو يسارية أو دستورية أو مستقلة، مؤكّدًا أنّه سيكون الضامن لحرية التعبير، لأنّها من أبرز مكاسب الثورة، مشيرًا إلى أنّ وصوله إلى رئاسة الجمهورية لا يعني "التغوّل" بل أنّه سيعمل على منع التغّول وعلى إرجاع هيبة الدولة. إعلان سليم الرياحي رئيس حزب الاتحاد الوطني الحر تلقيه تحذيرًا من وزارة الداخلية بوجود مخطط لاغتياله خلال الحملة الانتخابية، وتمّت دعوته إثر ذلك إلى إلغاء الاجتماعات الشعبيّة التي كانت مقرّرة في إطار حملته. إلا أنّه وفي حوار له على قناة الحوار التونسي قال بأنّ التهديد باغتياله الذي تمّ إعلامه به كان وهميًا، وتقف وراءه أطراف سياسية تتعامل مع جهات إرهابية أرادت ترهيبه وتخويفه حتى تفشل حملته الانتخابية14. أدّى الإعلام التونسي، خاصة المرئي منه، دورًا محوريًا في الحملات الانتخابية، إذ ساهم في توجيه الناخبين ودعوتهم إلى الإقبال على التصويت بكثافة، وكذلك أبرز برامج المترشحين خاصة في القناتين التلفزيتين الحكوميتين الأولى والثانية، إلّ أنّ عديد الملاحظات يمكن تسجيلها في هذا الإطار حول القنوات التلفزية الخاصة، فمنذ قرابة العامين انخرط بعضها في حملات تشويهيةً أكانت أم ترويجيةً لبعض الأحزاب، خاصة في ظل تداخل المال السياسي مع التغطية الإعلامية في بعض القنوات ومحاولات سيطرة بعض رجال الأعمال على المشهد الإعلامي15، فقناة نسمة مثلًاعتادت التهجم على الترويكا الحاكمة عبر بعض برامجها الحوارية، مستعملة في ذلك ضيوفًا من مساندي حزب نداء تونس، هذه القناة التلفزية الخاصة دعمت وبكل ما لديها من إمكانات الباجي قائد السبسي للوصول إلى قصر قرطاج. كما ساهمت قناة الحوار التونسي خلال الدور الأول من الرئاسية في الترويج لرئيس حزب الاتحاد الوطني الحر سليم الرياحي، في هذا الإطار ونظرًا لسوء التفاهم حينها بين حزبي نداء تونس والاتحاد الوطني الحر، كان الصراع على أشدّه بين القناتين، فقبل الانتخابات التشريعية بأيام، بثّت قناة نسمة برنامجًا كاملا لمواجهة ما سمّته أكاذيب رجل الأعمال سليم الرياحي والشكوك التي تحوم حول مصادر ثروته، أجاب الرياحي خصومه عبر الظهور في أكثر من مناسبة في قناة الحوار التونسي. وساهمت قناتا الزيتونة والمتوسط في تحسين صورة حركة النهضة والترويكا الحاكمة، وتقديم بعض إنجازاتها في فترة حكمها، وهو ما لم تقم به القنوات الخاصة الأخرى التي اعتادت فقط إبراز سلبيات حكم الترويكا. وما يلاحظ في هذا السياق أنّ بعض وسائل الإعلام المرئية ساهمت في تغذية الاستقطاب الثنائي في التشريعية بين النهضة ونداء تونس، وفي الدور الأول للرئاسية بين المرزوقي وقائد السبسي، ما أثّر في حظوظ بقية المترشحين، والأهم أنّ ذلك حرم الناخب من حق التعرّف على بقية المترشحين. من جانب آخر أعربت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بتونس (الهايكا) عن انزعاجها من عديد البرامج التي خرقت القانون الانتخابي التونسي، وخاصة في
ما يخص منع التشهير بالناس والإشهار السياسي16، وتدخلت الهايكا في بعض الأحيان، وسلّطت خطايا مالية على عديد القنوات التلفزية والإذاعات، بسبب ما قالت إنّه إخلالات شابت عملية الانتخابات التشريعية والرئاسية.
حيادية حركة النهضة، ضرورة أم اضطرار؟
كانت هذه الحركة تتوقع الفوز في الانتخابات التشريعية لذلك لم تقدّم مرشحًا قويًا ينتمي إليها في الانتخابات الرئاسية، بدعوى أنها لن تحتكر المشهد السياسي. فقد أكدت أنها لا تدعم أي مترشح، على الرغم من تقديم رجل الأعمال والفائز في الانتخابات التشريعية عن حركة النهضة بدائرة صفاقس محمد الفريخة لترشحه للرئاسية بصفة مستقل، وفي هذا الإطار أكد الشيخ راشد الغنوشي أنّ الحركة ليس لها اعتراض على أي شخصية متقدمة للاستحقاق الرئاسي، وقرر
| النسبة | عدد الأصوات المتحصل عليها | المترشح |
|---|---|---|
| %39.46 | 1289384 | محمد الباجي قائد السبسي |
| %33.43 | 1092418 | محمد المنصف المرزوقي |
| %7.82 | 255529 | حمة الهمامي |
| %5.75 | 187923 | الهاشمي الحامدي |
| %5.55 | 181407 | سليم الرياحي |
مجلس شورى حركة النهضة في آخر المطاف ترك الحرية لأبناء الحزب للتصويت حسب رغبتهم، لاختيار الشخصيّة المناسبة لقيادة المسار الديمقراطي نحو تحقيق أهداف الثورة في الحريّة والكرامة والعدالة الانتقاليّة. إثر نتائج الانتخابات التشريعية، وجدت حركة النهضة نفسها أمام معادلة سياسية تفرض عليها دراسة الأمر بشكل دقيق، قبل الإقدام على أي خطوة قد يكون لها تأثير سلبي في مستقبلها السياسي خلال السنوات الخمس القادمة. فالحكمة السياسية، من وجهة نظر قادة النهضة، تقتضي عدم مساندة أي مرشح وهو ما قرره أعضاء مجلس شورى الحركة17. فنظرًا للواقع السياسي بتونس، وخاصة المتغيّ ات التي أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية، ونظرًا أيضًا للتطورات الإقليمية والدولية، اختارت النهضة "الحياد"، غير أنّ هذه الحيادية تبدو ظاهرية، فقرار الحركة يمكن قراءته في اتجاهين: الأول أنّه كان اصطفافًا وراء المنصف المرزوقي، خاصة أنّ حمادي الجبالي دعا صراحة في بيان له الشعب التونسي إلى انتخاب رئيس للجمهورية من حزب آخر غير الحزب الأغلبي في مجلس نواب الشعب18، والثاني طلب ود حزب "النداء" بسبب عدم دعمها لمرشح آخر غير الباجي قائد السبسي.
نتائج الانتخابات الرئاسية
الدور الأول من الانتخابات الرئاسية
انتهت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التونسية وأفرزت نتيجة كانت متوقعة، وهي مرور الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي إلى جولة ثانية لتحديد من سيحظى بثقة الشعب التونسي (الجدول.) وقد بلغت نسبة المشاركة في الدور الأول من الرئاسية %64.6.
والمتتبع للمناطق التي فاز فيها كل مترشح يلاحظ تقدّم المنصف المرزوقي في ولايات الجنوب التونسي وبعض مناطق الوسط، فيما تقدم قائد السبسي في مناطق الشمال وولايات الساحل. وما يؤكد هذا الأمر أنّ أغلب الذين صوتوا لحركة النهضة في انتخابات مجلس نواب الشعب، قد صوتوا للمنصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية، فيما تدخّل الانتماء للجهة في تصويت أغلب ناخبي ولاية سليانة لحمة الهمامي أصيل المنطقة، كما انتخب أغلب ناخبي ولاية سيدي بوزيد الهاشمي الحامدي ابن هذه الجهة (الخريطة.)1 انتهت المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وتبيّ أنّ الفارق لا يتجاوز %6 بين المرزوقي والسبسي. كما انطلقت التصريحات المتشنجة
من عديد الأطراف وخاصة من جانب حزب نداء تونس الذي قال رئيسه بأن 2893841 شخصًا الذين صوتوا للمرزوقي، هم من السلفيين والجهاديين وروابط حماية الثورة العنيفة والمتطرّفة وأنصار النهضة19. كما صرّح محسن مرزوق الناطق باسم حملة رئيس حزب نداء تونس أنّ الكتلة التي ساندت المرزوقي هي أكبر تحالف متطرف ممكن في تونس وتمثّل كل التوجه العنيف والسيئ والشنيع، داعيًا الجنوب التونسي الذي صوّت أغلبه للمرزوقي، للانخراط في المسار الوطني20. وقد أثارت هذه التصاريح في حق من انتخب المرزوقي استغراب عديد الأطراف في تونس لأنّها تَقسِم البلاد وتستفز قرابة عشُر سكان البلاد التونسية، كما شهدت عديد ولايات الجنوب والوسط التونسي مسيرات ووقفات احتجاجية تنديدًا بتصريحات السبسي وبعض قادة نداء تونس المهينة بحقهم. استنكر المرزوقي من جهته تصريحات رئيس حزب نداء تونس في حق مناصريه وقال بأنّ فوز السبسي بالرئاسية سيدفع البلاد نحو عدم الاستقرار21، كما أعلن أنّه أصبح يمثّل مرشح القوى الديمقراطية، داعيًا كل من ناضل معه طوال السنوات الماضية إلى الالتفاف معه ومساندته، كما دعا منافسه قائد السبسي إلى مناظرة تلفزية ومواجهة مباشرة أمام الشعب التونسي. تجدر الإشارة إلى أنّ الجولة الأولى من الرئاسية شهدت عديد التجاوزات من خلال خرق الصمت الانتخابي، واستعمال سيارات إدارية لنقل المصوتين للتصويت لمصلحة أحد المرشحين يوم الانتخاب، إضافة إلى محاولات استمالة الناخبين والعنف اللفظي والمادي في بعض مراكز الانتخاب. أجبر هذا الأمر المرزوقي على تقديم عدة طعون لدى المحكمة الإدارية بتونس التي قضت برفضها، وأقرّت النتائج التي أعلنتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.
الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية
تحالفات الدور الثاني للانتخابات الرئاسية
بانتهاء الدور الأول من الانتخابات الرئاسية بدأ الحديث عمّن سيستميل وسيستفيد من الأصوات التي ذهبت إلى المرشحين الآخرين وخاصة إلى مرشحي الجبهة الشعبية، وتيار المحبة، والاتحاد الوطني الحر، إذ تمثّل هذه الأحزاب أهم خزان انتخابي بالنسبة إلى السبسي والمرزوقي. في هذا الإطار دعا المنذر الزنايدي وكمال مرجان والعربي نصرة أنصارهم إلى التصويت للسبسي في الدور الثاني للرئاسية. كما اجتمعت عديد الأحزاب للنظر في دعم أحد المترشحيْ، فقد أعلن الاتحاد الوطني الحر مساندته للسبسي في موقف فاجأ عديد الملاحظين، بسبب الخلافات الكبيرة قبل الانتخابات بين الحزبين، لكن يبدو أنّ انتخاب ممثّلة للاتحاد الوطني الحر نائبةً ثانيةً لمجلس نواب الشعب ساهم في تهدئة الأجواء والتصالح بينها. واتفقت الجبهة الشعبية من جهتها على ألّ تساند المرزوقي "بقطع الطريق أمامه" لكنها لم تتفق على مساندة السبسي، إذ برزت وجهات النظر عديدة داخلها، بين مساند لترشيح رئيس حزب نداء تونس ورافض له. كما أعلن حزب آفاق تونس صراحة، مساندته للسبسي لأنّه الأمل الوحيد حسب رأيهم لإنقاذ البلاد. واختار حزب تيار المحبة من جهته الحياد ودعا أنصاره إلى انتخاب من يرونه صالحًا لتحقيق الأمن والتنمية لتونس. واختار مجلس شورى حركة النهضة مرة أخرى البقاء على الحياد، بدعوة أنصار الحزب إلى انتخاب من يرونه صالحًا لحماية الحرية والديمقراطية التي تعيشها تونس، وتجدر الإشارة هنا إلى التململ الذي حصل بين بعض قادة الحركة، والذي وصل حد إعلان حمادي الجبالي استقالته منها، لاختلاف وجهات النظر حول رؤية النهضة وسياستها تجاه الانتخابات الرئاسية22. وقد أعلنت عدة أحزاب مساندتها للمرزوقي في المرحلة الثانية للانتخابات الرئاسية مثل حزب الإصلاح والتنمية، وحزب التيار الديمقراطي، وحزب البناء الوطني، وحركة وفاء، والحركة الوطنية للعدالة والتنمية.
نتائج الدور الثاني للانتخابات الرئاسية
إثر حملة انتخابية غلبت عليها المواقف المتشنجة بين أنصار المرزوقي وأنصار السبسي، خاصة بعد رفض الثاني المشاركة في مناظرة تلفزية مع منافسه، دارت الجولة الثانية للانتخابات يوم 21 كانون الأول/ ديسمبر 2014. وقد اتخذت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عديد القرارات لتلافي الإخ لااات المسجلة في الانتخابات التشريعية والدور الأول للرئاسية، وذلك مع الحرص على التصدي لتجاوزات المترشحين أو أنصارهما. كما عززت قوات الجيش والشرطة حضورها في محيط مكاتب الاقتراع خاصة إثر الشريط المصور الذي بثته جماعة تكفيرية مسلحة وهددت فيه باستهداف البلاد، معترفة بتورطها في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي23. مرّت انتخابات الدور الثاني للرئاسية بسلام على الرغم من بعض التجاوزات الميدانية في بعض مراكز الاقتراع وخارجها، والتي تصدى لها المراقبون من مكونات المجتمع المدني بالاحتجاج والتنديد، إذ سجّلت عدة اتهامات موجهة للهيئة العليا المستقلة للانتخابات. مباشرة إثر انتهاء الاق اررع بتونس، سارع مدير حملة الباجي قائد السبسي محسن مرزوق إلى إعلان الفوز في الدور الثاني من الانتخابات، مشيرًا إلى أنّ الفارق بين المرشحين كان واضحًا ودعا أنصار حزبه إلى الاحتفال بالنصر الكبير المحقق. واستنكر عدنان منصر مدير حملة المرزوقي من جهته، هذه التصريحات وقال إنّ الجهة الوحيدة المخولة لإعلان النتائج هي الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي دعاها إلى التدخل لإيقاف ما سمّ ها الجرائم الانتخابية التي ارتكبتها حملة السبسي. قال منصر إنّ ما أعلنه مسؤول حملة السبسي بشأن فوزه الواضح ليس له أي أساس، مشيرًا إلى أنّ الفارق قليل جدًا ولا يتعدى بضعة آلاف من الأصوات، داعيًا أنصار المرزوقي للاحتفال بنجاح الانتخابات بتونس. ودعا شفيق صرصار، رئيس الهيئة العليا للانتخابات الطرفين إلى التهدئة، كما عدّ إعلان إدارة حملة الباجي قائد السبسي فوزها بغير الأخلاقي، مؤكدًا أنّ ذلك مخالفة خطيرة للقانون الانتخابي في وقت مازال فيه بعض التونسيين بالخارج يؤدّون واجبهم الانتخابي. وعبّ أنصار المرزوقي وخاصة بجنوب البلاد عن غضبهم واحتجاجهم على ما حصل، وكانت أعنف التحركات بمدينة الحامة بولاية قابس حيث خرج عديد الشباب في احتجاجات ليلية منددة بتسرع حملة المرشح الباجي قائد السبسي في إعلان الفوز بجولة الإعادة، واستنكارًا كذلك لنتائج سبر الآراء التي تمّ الإعلان عنها في بعض القنوات التلفزية. وتدخلت قوات الأمن للسيطرة على الأوضاع، واستعملت في ذلك الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين. أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يوم الإثنين 22 كانون الأول/ ديسمبر 2014 النتائج الأولية، وأشارت إلى أنّ نسبة المشاركة بلغت %60.11 إذ شارك في الاقتراع 8967231 ناخبًا، وسجلت أعلى
نسبة مشاركة في دائرة بن عروس ب %72.8 فيما كانت أدنى نسبة في دائرة سيدي بوزيد ب %43.6. وقد فاز في هذه الانتخابات الباجي قائد السبسي بعد تحصله على 7315291 صوتًا بنسبة %55.68، في حين تحصل منافسه المنصف المرزوقي على 7851313 صوتًا بنسبة %44.32. وكما كان الأمر خلال الانتخابات التشريعية والدور الأول من الرئاسية، كان التفاوت جليًا بين الولايات في التصويت للأطراف المتنافسة، إذ تواصلت هيمنة المنصف المرزوقي على أصوات ناخبي الجنوب التونسي، فيما سيطر الباجي قائد السبسي على مناطق الساحل والشمال ويبدو واضحًا أيضًا أنّ رئيس حزب نداء تونس نجح في الفوز بأصوات الناخبين التي ذهبت خلال الدور الأول من الرئاسية إلى حمة الهمامي بولاية سليانة وإلى الهاشمي الحامدي بولاية سيدي بوزيد (الخريطة.)2 لم يقبل بعض مناصري المرزوقي وخاصة في الجنوب التونسي فوز السبسي برئاسة تونس، فاندلعت بعد الإعلان الرسمي على النتيجة عديد الاحتجاجات والمواجهات بمدن قابس، وبن قردان، ومدنين، وقبلي، ودوز، كما تمّ في مدينة تطاوين حرق مقر حزب نداء تونس، وهاجم بعض الشبان مقر حزب نداء تونس في مدينة سبيطلة بولاية القصرين وحاولوا حرقه. وانتقلت هذه الاحتجاجات أيضًا إلى بعض ضواحي العاصمة التونسية وخاصة في منطقة الكرم الغربي التي شهدت احتجاجات ومواجهات مع الأمن. دعا هذا الأمر المنصف المرزوقي إلى التدخل وطلب التهدئة من أنصاره وقبول النتائج على الرغم من الخروقات الكبيرة التي حصلت، والتي من أهمها قول عدنان منصر مدير الحملة الانتخابية للمنصف المرزوقي إنّ الموتى "صوّتوا" بكثافة في الدور الثاني للرئاسية، مشيرًا إلى أنّ مئات الموتى كانوا مسجلين بسجل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتبيّ استعمال بطاقاتهم للمشاركة في انتخاب الباجي قائد السبسي، هذا الأمر نفته الهيئة وأشارت إلى عدم صحته. قال السبسي في كلمة إلى الشعب التونسي بأنّه سيكون رئيسًا لكل التونسيين، داعيًا المواطنين إلى نسيان انقسامات فترة الحملة الانتخابية، كما شكر منافسه الرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي، مؤكدًا حاجة البلاد إليه وحاجته الشخصية إلى نصائحه. وكان السبسي قد تلقّى بعد صدور نتائج الانتخابات اتصالً هاتفيًا من المرزوقي، هنّأه فيه بفوزه في الانتخابات. فوز الباجي قائد السبسي بالرئاسة في تونس حمل إذًا نوعًا من الضبابية، خاصة في ظل بعض التسريبات عن حالته الصحية وتقدّمه في السن، كما أنّ الجمع بين رئاسة الدولة وتشكيل الحكومة لدى طرف سياسي واحد متمثّل في حزب نداء تونس، سيجعل نسبة المخاطر مرتفعة في بلد يحتاج كثيرًا لثقة محيطه الإقليمي والجهات الداعمة له. غير أنّ ما تتميّز به تونس عن باقي بلدان الربيع العربي هو قوة المجتمع المدني وقدرته على حماية مكتسبات البلاد من حرية وديمقراطية، وهذا ما يجعل عديد الملاحظين وحتى السياسيين واثقين في قدرة التونسيين على المضي ببلدهم في طريق سوي.
خاتمة
مثّلت الانتخابات التونسية نهاية مرحلة انتقالية، وبداية أخرى دائمة. فالسنوات الخمس القادمة، والتي تمثّل مدة عمل الحكومة الجديدة والرئيس الجديد، تعدّ فترة كافية نسبيًا للشروع في إجراء إصلاحات جوهرية على المستوى الاقتصادي، من إنعاش للاقتصاد، وجذب الاستثمار، ودفع التنمية، والتحكم في الأسعار وغيرها. شهد عام 2014 عدة محطات مهمة على درب المسار الديمقراطي بتونس، بداية من المصادقة على الدستور الجديد إلى إجراء انتخابات تشريعية وختامًا الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعدّ علامات فارقة في تاريخ تونس. غير أنّ ما يشغل بال بعض الملاحظين هو إمكان الحد من الحرية التي اكتسبها الشعب التونسي بعد الثورة، خاصة بعد سيطرة حزب نداء تونس على نتائج الانتخابات. هذا الأمر يقتضي من النخب التونسية والمجتمع المدني ضرورة البقاء في حالة يقظة للدفاع عن مكاسبهم في صورة المساس بها.