المغرب والجزائر: الجوار الصعب
الملخّص
تحاول هذه الدراسة تتبُّع صعوبة تطبيع العاقات الثنائية بين المغرب والجزائر، بناءً على خلفية قضية الحدود البرية المغلقة بين البلدين منذ عام 1994، على إثر حوادث فندق أطلس أسني بمراكش، في 24 آب/ أغسطس 1994، تسببت بها جماعات إرهابية. وبما أنّ التحريات أثبتت أنّ هذه الجماعات من أصول جزائرية، فقد أصدرت السلطات المغربية قرارًا يقضي بفرض التأشيرة على الجزائريين. وردَّت الجزائر بإغاق الحدود البرية بين البلدين. تناقش هذه الورقة إشكالات العاقات المغربية الجزائرية مركزة على ملف حادثة مراكش وقضية الصحراء وتأثير هذين الملف ين في العاقة الثنائية بين البلدين الجاريْن، ولا سيما أنّ أجواء التوتر والمنافسة الإقليمية قد استمرت مخيِّمة بظالها على العاقات المغربية الجزائرية، بسبب تشبُّث الطرفين بمواقفهما بخصوص قضية الصحراء؛ نظرًا إلى تعق د المشكلة وعاقتها بالوضع الداخلي في كا البلدين. فقضية الصحراء في المغرب من أَوْلى الأولويات، وفي الجزائر مازال هذا الملف يدخل في نطاق المؤسسة العسكرية وضمن مجالها المحفوظ.
جذور التوتر بين المغرب والجزائر ليست وليدة المرحلة الراهنة، بل ترجع إلى العهد الاستعماري، إضافةً إلى وجود ملف قضية الصحراء المعقدة، وما عرفته هذه القضية من تداعيات داخل أروقة منظمة الوحدة الأفريقية ومجلس الأمن. ساهم الوضع القائم بين البلدين في تعطيل اتحاد المغرب العربي، لكنّ هذا لا يعني أنّ المغرب تراجع عن التفاعل مع الدول الأفريقية، فهو مازال سائرًا في إطار إستراتيجية كبرى له تسعى لإقامة توازن جيوسياسي في منطقة المغرب العربي، وتعويض اللاتوازن في الاتجاه نحو دول أفريقيا جنوب الصحراء في الوقت نفسه؛ من خلال سعي الملك محمد السادس في اتجاه تحالف بينهما؟ يعتمد على الذات، وعلى الأطراف الأخرى في مجموعة العالم الثالث الذي تجمعه به روابط عديدة.
العمل.
تأطير إشكالي
تحتل العلاقات المغربية الجزائرية مرتبةً متقدمةً بين العلاقات العربية البينيَّة المتوترة؛ لاكتسابها طابعًا عنيفًا وحادًّا، ولارتباطها بأطراف متعدّدة ومختلفة سياسيًّا واقتصاديًّا. وقد ساهمت في تعقيد العلاقة الثنائية بين البلدين قضية الحدود البرية بين الطرفين، علاوةً على ملف الصحراء. فتعدُّد المتدخلين، وتشابك المصالح، والتصادم بين الدول الفاعلة في المنطقة بعد مرحلة الاستقلال، زاد الوضعية تعقيدًا. ومن ثمة يظلّ الوضع العامّ للعلاقات المغربية الجزائرية حبيس التناقض الحادّ بين البلدين إزاء قضية الصحراء؛ بسبب عدّة عوامل تاريخية وجغرافية وأيديولوجية، فضلً عن العوامل الدولية التي تشكَّلت طوال الفترات السابقة. تُعَدُّ الحدود المغربية الجزائرية موضوعًا ذا إشكال جغرافي وسياسي. فهي محطّ أنظار العالم؛ لأنها ارتبطت بالقرارات الدولية، وبسياسة المد والجزْر التي عرفتها العلاقات المغربية الجزائرية من جهة، وبتفاعلات قضية الاستعمار من جهة أخرى. وبذلك كانت قضية الحدود وطبيعة تشكيلها من أشدّ المشكلات السياسية والقانونية التي خيَّمت بظلالها على المنطقة، وحالت دون تفعيل اتحاد المغرب العربي. من أجل ذلك تُ ثّل الحدود في الظاهرة المغاربية، ماديًّا ومعنويًّا، مشكلةً ومفارقةً بالغة التعقيد والتناقض. وترجع جذور التوتر بين البلدين، إلى ما قبل الاستقلال. فكما هو معلوم كانت الصحراء مستعمرةً إسبانيةً، وكان المغرب، والجزائر، وموريتانيا، من المستعمرات الفرنسية. فتعدّد المستعمر يقتضي تعدّد خيارات الاستقلال وأنماط سياقاتها. فكيف يمكن تفسير تقلّب النزاع الحدودي؟ وما موقف البلدين منه؟ وكيف يمكن إنهاء هذا التوتر
ستؤطِّر هذه الأسئلة وغيرها هذا العمل. وبما أنّ النزاع بين البلدين مستمر وأمرٌ راهنٌ؛ من جرَّاء الحوادث المتراكمة، فإنّ تفكيك بنية العلاقة الثنائية وعوائقها وتحديات تطورها هو غرضنا من هذا
مسألة الحدود بين المغرب والجزائر
طُرحت مشكلة تحديد الحدود بعد استقلال المغرب عام 9561؛ إذ كُوِّنت لجنة مشتركة فرنسية - مغربية من أجل تعيين الحدود بصفة نهائية. إلا أنّ الجانب المغربي انسحب منها عام 9581، وكانت حكومة الرباط قد اعترفت بالحكومة الموقّتة للثورة الجزائرية سلطةً شرعيةً وحيدةً لها صلاحية التباحث مع المغرب بشأن قضية الحدود بين البلدين1. وبدأ الملك محمد الخامس إعلان مطالبته باستعادة صحراء البلاد المغربية، وكان يقصد بذلك ضمّ أجزاء من الجنوب الغربي للإقليم الجزائري، إضافةً إلى موريتانيا. وقدمت الحكومة المغربية احتجاجين شديدي اللهجة إلى الحكومة الفرنسية؛ أولهما بسبب موافقتها على منح امتيازات التنقيب في منطقة تندوف لشركة تعدين فرنسية، وثانيهما بسبب التجارب النووية التي تقوم بها فرنسا في واحة ريحان بالصحراء المغربية الجزائرية2. وأبرم المغرب، في إطار سعيه لتعديل حدوده الموروثة عن الاستعمار، بروتوكولَ اتفاقٍ في 6 تموز/ يوليو 9611 مع الحكومة الموقّتة للثورة
الجزائرية، برئاسة فرحات عباس، بشأن قضية الحدود التي تفاقمت بعد استقلال الجزائر في 61 آب/ أغسطس 962.1 فقد بدأت تلوح في الأفق آنئذٍ بوادر أزمة بين المغرب والجزائر. ووقعت تحرشات عسكرية حول تندوف بعد اتهام المغرب الجزائرَ بقمع تظاهرات تطالب بانضمام الإقليم المغربي. وقد أرسل المغرب إلى الجزائر مبعوثين في وقتين متلاحقين من أجل تسوية المشكلة، لكنّ قادة الثورة الجزائرية رفضوا أن يبتُّوا في موضوع الحدود قبل الانتهاء من انتخاب الجمعية الوطنية الجزائرية3. وعندما اشتد النزاع، على الحدود بين الجزائر والمغرب، نشرت الحكومة المغربية بنود الاتفاق السري عام 9611 في 2 أيلول/ سبتمبر 9631، وقد جاء فيه: "تؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب، مساندتها غير المشروطة للشعب الجزائري في كفاحه من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية، وتعلن عن دعمها بدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضاتها مع فرنسا على أساس احترام وحدة التراب الجزائري، وستعارض حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب بكل الوسائل المحاولات الرامية إلى تقسيم أو تفويت التراب الجزائري. وتعترف الحكومة المؤقتة من جانبها، بأنّ المشكل الترابي الناشئ عن تخطيط الحدود المفروضة تعسفًا بين القطرين، سيجد حلًّ له في المفاوضات بين الحكومة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة، ولهذا الغرض، تقرر الحكومتان إنشاء لجنة جزائرية مغربية في أقرب أجل لبدء دراسة المشكل وحله ضمن روح الإخاء والوحدة المغربية"4. غير أنّ التطورات السياسية اللاحقة، إضافةً إلى تضافر عدّة عوامل مرتبطة بالأوضاع الداخلية للبلدين، ساهمت في تصعيد خلافاتهما التي انصبَّت مباشرةً على المناطق الحدودية. فقد طلب بن بلة، بعد بضعة أسابيع من انتخابه، تأجيل مناقشة وضعية الحدود المشتركة مع الدول المجاورة إلى غاية وضع إطار دستوري يجري التعامل من خلاله مع مثل هذه القضايا السيادية، وهو ما رواه الملك الحسن الثاني في التحدي خلال زيارته للجزائر، في آذار/ مارس كتابه 9631، من خلال القول: "أطلب من جلالتكم منحي بعض الوقت لإقامة مؤسسات جديدة بالجزائر، وعندما سيتم إقامتها خلال أيلول/ سبتمبر سنفتح جميعًا ملف الحدود، ومن المسلم به أنّ الجزائر المستقلة لن تكون وارثةَ فرنسا في ما يتعلق بالحدود الجزائرية"5. لكنّ تصريح بن بلة لم تعقبه أيّ مبادرة توحي بقرب الشروع في تطبيق اتفاق 9611، بل إنّ الدستور الجزائري عام 9631 نصّ على أنّ الجزائر واحدة موحدة لا تقبل التجزئة من الشرق إلى الغرب. وبذلك جرى إفراغ المطالب المغربية من أيّ مشروعية على الرغم من استنادها إلى حجج تاريخية وقانونية متنوعة؛ منها اتفاق 9611، واتفاقية لالة مغنية، والرسائل المخزنية، وظهائر تعيين الموظفين في المناطق التي هي محلّ النزاع6. لم تعترف الجزائر المستقلة بالاتفاق السالف الذكر، بدعوى إبرامه في أوضاع خاصة متمثّلة بأنّ الحكومة الجزائرية الموقّتة التي وقَّعته لم يكن في وسعها الحسم في مصير إقليم لم يكن تحت سلطتها. فهذه الحكومة لم تكن تمارس سوى اختصاصات محدودة، ولم تكن تتخذ إلَّ إجراءات ذات طبيعة وقائية فقط. ثمّ إنّ المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وهو السلطة المؤهلة لتصديق الاتفاقيات الدولية، لم يصدّق هذا الاتفاق7. كما كان لاعتماد منظمة الوحدة الأفريقية القاعدة القانونية المتمثّلة بعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وانضمام الأغلبية الساحقة من الدول الأفريقية لهذا المبدأ، دورٌ في تقوية الموقف الجزائري وإضعاف الموقف المغربي. غير أنّ السبب الحقيقي الذي كان وراء السياسة التي انتهجتها الجزائر في مواجهة المطالب الترابية للمغرب، يرجع أساسًا إلى أنّ اتفاقية الاستقلال خولتها امتلاك كلّ الأراضي التي ورثتها عن الفرنسيين، بما فيها الصحراء. ومن ثمة، فإنّ اتفاقية الرباط تعُدّ ظرفيةً ومتجاوزة8. وقد جاء هذا السبب مناقضًا تمامًا لمقتضيات اتفاقية 9611 التي تنصُّ في هذا الجانب على أنّ الاتفاقيات التي ستنجم عن مفاوضات الجزائر وفرنسا لا يسري مفعولها إلى المغرب؛ بخصوص الحدود المستقبلية بينه وبين الجزائر9.
لم تكن دوافع هذا الرفض قانونيةً فحسب، بل اقتصادية أيضًا؛ ذلك أنّ الموارد المعدنية التي تزخر بها الأقاليم التي هي محلّ النزاع، يمكن عدُّها دافعًا أساسيًّا لتراجع الجزائر عن التزاماتها. فقد جرى اكتشاف مناجم غنية وشاسعة في تلك الأقاليم، قُدِّر احتياطها بثلاثة ملايين طنّ، بنسبة %50 من الحديد. وقد أوكلت السلطات الفرنسية قبل استقلال الجزائر إلى إحدى الشركات الفرنسية مهمّة دراسة استغلال الحديد في هذه المنطقة الواقعة في الأراضي الجزائرية. وفي منتصف عام 9631، جاء تقريرها النهائي، ليُبيِّ أنّ نسبة الحديد تبلغ نحو %75، وأنّ هذا المعدن متوافر بكميات ضخمة. وقدَّرت الشركة أنّ إنتاجها، إضافةً إلى إنتاج موريتانيا، يمثّل %50 من احتياطات السوق الأوروبية من الحديد المستورد، وأوصت في تقريرها بضرورة نقل الحديد بعد استخراجه إلى ميناء أكادير.
لكنّ الحكومة الجزائرية، بعد أن عُرض عليها الأمر، أصرت على نقله عبر أراضيها إلى ميناء وهران غرب الجزائر. وفي عام 9631، وقَّع المغرب اتفاقًا سريًّا مع شركة فرنسية أخرى للقيام بالأبحاث نفسها في المنطقة. وكان هدف المغرب من ذلك هو الاستقلال المباشر للمنطقة بين المغرب والجزائر، وهو أمرٌ لم يحالفه النجاح10. كما تحتوي المنطقة على أكبر مخزون احتياطي من الفوسفات في العالم مُكتشف عام 9631؛ ذلك أن 2001 كيلومتر منها أرضٌ فوسفاتية كلّها. وقد شُع في استغلال المعدن في إقليم بوكراع الذي يبلغ احتياطه 11 كلم12نحو 9.7 مليار طن، وهو يبعد عن ميناء العيون ب 0. علاوةً على ذلك، قامت الحكومة الجزائرية منذ استقلالها بممارسات تعزّز رفضها لفتح مفاوضات مباشرة مع المغرب. فقد راهنت على إمكانية تغيير النظام السياسي القائم به، وعَدَّت ذلك من بين مهمّ تها الأساسية13. كما طالبت بتأجيل مؤتمر مجموعة الدار البيضاء14 الذي كان من المقرر أن يُعقد بمدينة مراكش؛ حتى تحُول دون طرح مشكلة الحدود المغربية الجزائرية. وظهرت في هذا الإطار الاتهامات، والاتهامات المضادة التي كان يوجِّهها كلّ طرف إلى الآخر بخصوص التدخل في الشؤون الداخلية، ومحاولة قلب الأوضاع؛ إذ اتّهم المغرب الحكومة الجزائرية بأنها وراء محاولة الانقلاب الفاشلة خلال تموز/ يوليو 9631، واتهمت الجزائر المغرب بأنه كان من وراء الاضطرابات التي وقعت في منطقة القبايل الجزائرية15. وفي أواخر أيلول/ سبتمبر 9631، توجهت القوات المغربية نحو جنوب تاكونيت وحاسي بيضة اللتين تبعدان عن تندوف نحو 005 كيلومتر، ليتحول الأمر إلى مواجهة مباشرة بين القوتين المغربية والجزائرية. وارتكز الخلاف على المنطقة الحدودية على امتداد مئات الكيلومترات من واد ك ررإلى حمادة درعة، وفي مناطق كولومب بشار أيضًا. وبعد أن حاولت قوات مغربية دخول هذه المناطق في عُقب قيام السلطات الجزائرية بقمع إحدى التظاهرات التي كان سكان تندوف يطالبون من خلالها بالانضمام إلى المغرب، وعندما اشتدّ التوتر بين الدولتين، التقى وزير الخارجية المغربي ونظيره الجزائري في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 9631، لوضع تسوية للنزاع بين البلدين. وقد أسفرت محادثاتهما عن اتفاقية تضمنت النقاط التالية: حقّ مرور الأشخاص المقيمين في المنطقة التي هي محلّ النزاع عبر الحدود. تتعهد الدولتان بعدم قيام أيّ من الطرفين بدعاية ضدّ الطرف الآخر، وتؤكدان مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلّ منهما. تتعهد الدولتان بالامتناع عن اتخاذ أيّ إجراء أو تدبير عسكري من شأنه أن يضاعف خطورة الأزمة بينهما. اتفق الطرفان على ضرورة التمهيد لإجراء مقابلة على مستوى القمة بين الملك الحسن الثاني والرئيس بن بلة16. ولم تكد تمضي ثلاثة أيام على هذه المحادثات التي وصفت إثر انتهائها بأنها مرَّت في جوٍّ من الصراحة والإخاء، حتى اندلعت بين الجانبين حرب شرسة بمنطقة حاسي بيضة وتنجوب. وقد تمكنت في عُقبها القوات المغربية من السيطرة على أجزاء من الأراضي التي كانت
موضوع النزاع، والتي كانت أقرب إلى تمركز قواتها من تمركز القوات الجزائرية17. لقد حاول الطرفان تطويق آثار هذه المواجهة عبر تصريحات صحافية؛ من بينها أنّ الرئيس بن بلة، خلال ندوة صحافية في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 9631، دعا مسؤولي المغرب إلى احترام الالتزامات التي تعهّد بها الطرفان في لقاء وجدة في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 9631، ومن بينها كذلك لقاء مراكش في الفترة 15 - 71 تشرين الأول/ أكتوبر 9631 بين بعض المسؤولين من المغرب والجزائر. لكنّ تلك المحاولات لم تُفضِ إلى هدف محدد بسبب تباعد وجهات نظر الجانبين. فقد أصرّ الجانب الجزائري على ضرورة انسحاب القوات المغربية من حاسي بيضة وتنجوب، في حين تمسَّك الجانب المغربي بانسحاب قوات الجانبين من المواقع المكتسبة قبل اشتباكات 8 تشرين الأول/ أكتوبر. ونتيجةً لإخفاق المحادثات وعدم استطاعة الجزائر استعادة المناطق المذكورة، استولت قوات جزائرية على مركز مغربي على الحدود المشتركة بين البلدين هو قصر إيش18. وإزاء تفاقم حدَّة الصراع بين الدولتين ظهرت بوادر وساطة عربية وأفريقية. وفي محاولة لاحتواء النزاع عُقدت دورة استثنائية لمجلس جامعة الدول العربية صدرت عنه عدّة توصيات، منها: إيقاف إطلاق النار فورًا. دعوة الحكومتين إلى سحب قواتهما المسلحة إلى مراكزها السابقة قبل بدء الاشتباك المسلح، على ألاّ يؤثِّر ذلك في الخلاف القائم بشأن الحدود. تشكيل لجنة وساطة من الدول الأعضاء لاتخاذ ما يقتضيه حسم النزاع بين البلدين. المبادرة إلى وقف الحملات الصحافية والإذاعية ضمانًا لإيجاد جوّ من شأنه تيسير عمل اللجنة19. لم تنجح هذه التوصيات في إقامة السلام بالمنطقة ووقْف إطلاق النار، على الرغم من تشكيل لجنة الوساطة بين البلدين المتنازعين، التي كانت تضمّ الجمهورية العربية المتحدة، وليبيا، وتونس، ولبنان. وقد أصدرت اللجنة قرار وقفٍ لإطلاق النار، كما حاول كلّ من عبد الناصر والإمبراطور هيلاسيلاسي اقتراح عقْد اجتماعات للقمة تحضرها بعض الدول العربية والأفريقية، إضافةً إلى الدولتين المتنازعتين. غير أنّ هذا الأمر لم يتحقّق لأنّ الجزائر كانت تميل إلى معالجة النزاع في المجال الأفريقي من خلال منظمة الوحدة الأفريقية. كانت المطالب المغربية تستند إلى أطروحة الحقّ التاريخي؛ إذ كان المغرب يسعى لتثبيت حدوده التي تدخل في إطارها جميع المجالات الترابية التي كانت خاضعةً في يوم ما لسيادته، أو كان يربطها بالعرش المغربي أحد الروابط الدينية أو السياسية. وهذا الموقف ليس وليد أوضاع التفاعلات السياسية والدبلوماسية التي عرفتها هذه الفترة، بل هو مطلب عبّ ت عنه جميع القوى الحية في البلاد المغربية20.
يبدو أنّ مفهوم الحقّ التاريخي، المبنيِّ على قاعدة الانتماء الديني، ضعيف إزاء أحكام القانون الدولي الوضعي في إثبات تبعية الأقاليم الجنوبية لمجال السيادة المغربية، خصوصًا أنّ مظاهر هذه السيادة كانت قد انقطعت أحيانًا في بعض هذه المناطق، كما هو الشأن بالنسبة إلى موريتانيا التي ظلت علاقتها بحكام المغرب منذ عام 7401 رمزيةً، لا تتعدى أحيانًا تقديم الهدايا أو طلب الدعم21. لقد أوجب ذلك ضرورة تعزيز الموقف بالأسانيد القانونية والسياسية لإظهاره أكثر انسجامًا مع أحكام القانون الدولي المعاصر. فتحليل مجموعة من الوثائق والمعاهدات لإبراز ما يشير فيها إلى هذا الحقّ، أو لدحض المزاعم التي تتنكر له أو تنفيه؛ من ذلك مثلً معاهدة لالة مغنية، عام 8451، وبروتوكول 9011 و 9021 اللذان كرَّسَا التوسع الفرنسي في المناطق الجنوبية، دفع المغرب إلى اعتماد دعوة مراجعة حدوده مع الجزائر، بناءً على أنّ مقتضيات هذه المعاهدات بالنسبة إليه غير ملزمة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بنود مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 9061 التي تعُدّ سندًا يعتمده أصحاب الحقوق التاريخية؛ لأنّ
المؤتمر تضمَّن حرص القوى الأوروبية والتزامها ضمان الوحدة الترابية للمملكة الشريفة، بما في ذلك جميع الأقاليم والأجزاء الترابية التي لم يجرِ اقتطاعها آنذاك من مجال السيادة المغربية كما هو الشأن بالنسبة إلى موريتانيا22.
التعارض بين الموقف الجزائري والموقف المغربي
الموقف الجزائري
ترتكز الأطروحة الجزائرية على مبدأ التوارث الدولي وعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار. ويعني مبدأ الحدود الموروثة L’uti possidetis، وهو من المبادئ المركزية في القانون الدولي، أنّ لكلّ طرف ما في حوزته أو تحت يده. ومن ثمّة يُفضي هذا المبدأ إلى ثبات الحدود التي كانت قائمةً قبل الاستقلال، وهو يتكون من عنصرين هما: السند فوق الإقليم الذي يمنح الدولة التي تحوز الإقليم سندًا شرعيًّا في ممارسة سيادتها عليه، ومكان الحدود الذي يُبيِّ المكان الذي ينبغي أن يكون عليه خط الحدود الدولية للإقليم23. انطلاقًا من هذا المبدأ، جعلت الدولة الجزائرية قضية الحدود أحد أهمّ الأهداف الأساسية لسياستها الخارجية، قصد إيجاد حلّ لهذه القضية. وتحركت الدبلوماسية الجزائرية بقوَّة على الصعيد الأفريقي خلال عام 9631، وتمكنت من إقرار ذلك المبدأ وتصديقه ضمن ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية24. فقد نصَّت الفقرة الثالثة من ميثاق هذه المنظمة على التزام المؤسسين احترام السيادة والوحدة الترابية لكلّ دولة. وعلى الرغم من ذلك، ساد الغموض مقتضيات هذه المادة؛ ما جعل مؤتمر المنظمة المنعقد في القاهرة عام 9641 يتخذ قرارًا صريحًا بهذا الخصوص. فقد جاء فيه أنّ جميع الدول الحاضرة تلتزم احترام الحدود التي تركها الاستعمار وقت حصول الدول على استقلالها؛ اجتنابًا لما قد يسبِّبه عدم احترامها من نزاعات ومشكلات25. وهكذا وجدت الجزائر في مبادئ ميثاق المنظمة أساسًا مرجعيًّا لتثبيت حدودها والحفاظ عليها، محاولةً بذلك منْح شرعية للحدود التي ورثتها عن الاستعمار؛ من خلال سردها عدّة جوانب قانونية وعلمية من جهة، وسعيها لتقويض الحجج التي تقدَّم بها المغرب في هذا الشأن، وجعْل ذلك مؤثِّرًا في القرار النهائي للجنة التحكيم الخاصة من جهة أخرى. والواقع أنّ دفاع الجزائر عن الحدود الموروثة عن الاستعمار مرتبط بالدرجة الأولى بتعزيز مكتسبات الثورة الجزائرية بوصفه بلد المليون شهيد، وبمحاولة الحفاظ على الدولة الناشئة بعد الاستقلال.
الموقف المغربي
ظلّ المغرب يعارض مبدأ الحدود الموروثة، وتتضح هذه المعارضة من خلال مواقف أهمها: تأكيده المتواصل أنه وقع ضحية التقسيم الاستعماري، ومن ثمة لا يمكنه تطبيق مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار؛ من أجل استكمال وحدته الترابية بضمّ الصحراء الغريبة التي يرى أنها تشكِّل جزءًا لا يتجزأ من إقليمه. تحفُّظه على ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية؛ إذ جاء في نص تحفظه أنه، في ما يتعلق بتحقيق وحدته الترابية في إطار حدوده الحقيقية، من المهمّ أن يؤكِّد أنّ توقيعه ميثاق المنظمة لا يمكن أن يُفسَّ باعتراف صريح أو ضمني من جهته، ولا بتنازل منه عن مواصلة الدفاع عن حقوقه بالوسائل الشرعية26. يتضح التباعد بين موقفي البلدين إلى حدّ التناقض؛ لذلك فمن الصعب الأخذ بحلّ تُراعى فيه الجوانب المتداخلة في قضية الحدود المغربية الجزائرية. يضاف إلى ذلك دخول هذين البلدين في علاقة اتصفت في كثير من الأحيان بنوع من التردد والحيطة، وإخفاق المساعي الدبلوماسية في إيجاد حلّ نهائي وعادل لهذه القضية. فقد كادت حرب الرمال تندلع من جديد عام 9661، عندما أعلنت الجزائر عن
عزمها تأميم أحد عشر منجمً، بما فيها منجم غارة جبيلات الموجود بمنطقة تندوف نقطة النزاع بين البلدين. لقد كان المغرب يرفض التأميم؛ إذ عدَّه منافيًا لاتفاق قبول مهمّة لجنة التحكيم الأفريقية27. في حين كانت الجزائر تصرُّ على أنّه يدخل في إطار سيادتها لأراضيها. وأدَّى تضارب الموقفين إلى التصعيد واللجوء إلى حشْد القوات العسكرية مرةً أخرى في تندوف. كما أُتبعت هذه السياسة بتوغُّل جديد للقوات الجزائرية، في بداية تموز/ يوليو 9661، داخل منطقة فكيك، وبمناوشات عسكرية شهدتها منطقة بشار عام .1967 غير أنّ هذه المرحلة ستنتهي، بظهور بوادر انفراج جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين، وتوقيع الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين معاهدة تعاون وصداقة وتضامن بإفران في 15 كانون الثاني/ يناير 969.1 وقد اتفقَا على تكوين لجنة تقنية مشتركة ولجان سياسية تُكلَّف في المستقبل بالتنفيذ العملي لبرامج التعاون بين الدولتين في ميادين شتَّى. كما أنهما اتفقَا على عدم استخدام القوة في علاقتهما، وعلى عَرْض قضاياهما على لجان موقّتة للتحكيم والتوفيق28. استمرَّ مسلسل شد الحبل في علاقات الجوار. وإنّ ما ساهم في تعقيد ملف النزاع الحدودي هو عدم القضاء على بُؤر الصراع على نحوٍ نهائيٍّ، وتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية، علاوةً على تصادم الدول الفاعلة في المنطقة بعد الاستقلال، وظهور تحالفات جديدة بعد المسيرة الخضراء، واتفاقية مدريد في 41 تشرين الثاني/ نوفمبر 9751 بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، وهي تتضمن انسحاب إسبانيا وتقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا. وقد أُعلن عن الاتفاق بالرباط في بلاغ مشترك إسباني - مغربي - موريتاني. لكنّ الاختلاف يكمن في القيمة القانونية لهذه الاتفاقية الموقعة، كوثيقة دولية لتصفية الاستعمار الإسباني من الصحراء الغربية، وتسوية النزاع المغربي الإسباني، وتحديد النظام القانوني للإقليم. فقد رأت الجزائر أنّ الاتفاقية لن تُ كِّن الشعب الصحراوي من تقرير مصيره29؛ إذ صرّح الرئيس الجزائري هواري بومدين، خلال العام نفسه، بأنّ الجزائر ليست لها أطماع ترابية وإقليمية في الصحراء الغربية، وأنها لا يمكنها، في الوقت نفسه، أن تتخلَّ عن مبادئها السياسية، وأنّ من حقِّها أن تناديَ بمبدأ تقرير المصير30. كما عبَّت الحكومة الجزائرية، من خلال مذكرة مرفوعة إلى الأمين العامّ للأمم المتحدة، في 21 شباط/ فبراير 9761، عن استنكارها لاتفاق مدريد الثلاثي، وأكدت أنّ تسوية قضية الصحراء تُقرَّر بمشاركة جميع الأطراف المعنية، وفقًا لقرارات مجلس الأمن. اتخذ الملف الدبلوماسي، بعد توقيع اتفاقية مدريد، أبعادًا تُبيِّ من خلال تطورها المرحلي أنّ الملف يكتسب من عامٍ إلى آخر عناصر تعقيد جديدة، جهويًّا وأفريقيًّا ودوليًّا. وتتمثّل هذه العناصر بتداخل عوامل تختلف في تأثيرها، وفي انعكاساتها على المساعي الأفريقية المتواصلة للتوفيق بين أطراف النزاع. ومن ثمة فإنّ الأمر يحتاج إلى خلق أوضاعٍ ديناميةٍ مساعدةٍ على إيجاد حلّ دبلوماسي بدلً من الحلّ العسكري؛ حفاظًا على التوازن بين بلدان شمال غرب أفريقيا. فما هي أبعاد ملف الصحراء؟ وما هي انعكاساته على الوضع العلائقي بين دول المنطقة؟
تسوية ملف الصحراء والاستقطاب المغربي الجزائري
ظهر نزاع الصحراء في بدايته قضيةً من قضايا تصفية الاستعمار الغربي بالقارة السمراء، بين كلّ من المغرب وموريتانيا المطالبيْ باسترجاع هذا الإقليم لتسوية وضعيتهما الترابية والحدودية من جهة، وإسبانيا التي كانت تبسط سلطاتها الاستعمارية على هذا الإقليم من جهة أخرى31. ففي عام 9751، انتقل ملف الصحراء من نزاع المستعمر إلى تصفيته، ثمّ إلى نزاع جيوسياسي في المنطقة32، وخصوصًا بعد إخفاق التنسيق المغربي الجزائري الموريتاني في تحديد الإقليم، وهو ما انعكس على مؤتمر منظمة الوحدة الأفريقية بكامبالا عام 9751؛ إذ جرى تقديم مشروعين لقرارين متعارضين، هما: مشروع مغربي مرتكز على مبدأ الوحدة الترابية.
مشروع جزائري متمسك بتطبيق مبدأ تقرير المصير وفق قرارات الجمعية الأمم المتحدة33، وهو ما عبَّ عنه وزير الإعلام الجزائري السابق عبد الحميد مهري بقوله: "إنّ تمسك الجزائر بمبدأ تقرير المصير يعني تعاطيًا منهجيًّا مختلفًا لمشكلة الحدود. وإنّ رفض منطق المغرب القائل بالحق التاريخي يعكس سياسةً صحيحةً، فهو منطق يتضمن معالجةً خاطئةً لمشاكل الدول العربية"34.
في حين أفرزت الدورة السادسة والعشرون لمجلس وزراء المنظمة المنعقدة في أديس أبابا، ابتداءً من 23 شباط/ فبراير 9761، انقسامًا خطرًا بين الدول الأعضاء بشأن الاعتراف بالبوليساريو، وهو ما زاد الوضع تعقيدًا؛ إذ طُرحت مسطَّرتان، هما: مسطَّرة الاعتراف بجبهة البوليساريو حركةَ تحريرٍ، وفقًا للنتائج التي توصلت إليها لجنة التحرير في مبابوتو35. مسطَّرة إعلان الجمهورية الصحراوية، مع تأسيس حكومة في المنفى، وإمكانية اعتراف الدول الأفريقية بهذا الكيان36. حاول مجلس الوزراء الخروج بصيغة تراضٍ تنطلق من التقرير الذي أعدته اللجنة الأولى، والذي يُثبِت بوضوح عدم قدرة المنظمة على اتخاذ موقف مُوحَّد بشأن الأوضاع المستجدة في الإقليم. فقد رأى هذا التقرير أنّ الشعب الصحراوي أعلن قيام دولته المستقلة؛ ومن ثمة فإنه مارس حقه في تقرير المصير، الأمر الذي لم يعُد ممكنًا معه الاعتراف بحركة تحرير. ثمّ إنّ الاعتراف بالدول ليس من اختصاص المنظمة، بل من اختصاص الدول37. وهكذا يتضح أنه على الرغم من الموافقة بالإجماع على هذه الصيغة الغامضة، فإنّها تُثبِت على نحو واضحٍ حالة الانقسام التي أصبحت تعرفها القارة الأفريقية. فأطراف الصراع، وخصوصًا المغرب والجزائر، وجدت هذا الاتفاق ملائمًا لإرادة كلّ منهما؛ إذ إنّ الجزائر رأت أنّ المنظمة لبَّت رغبتها في تقرير المصير والاستقلال المتمثّل بقيام "الجمهورية الصحراوية." في حين رأى المغرب وموريتانيا أنّ قرارات أديس أبابا لم تحقّق الاعتراف المنشود بكيان البوليساريو. صاحَب الصراع الدبلوماسي صراع عسكري؛ كالاشتباك المسلح الذي وقع في نهاية كانون الثاني/ يناير 9761 بأمغالا الواقعة في الصحراء، على بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود الجزائرية، بين وحدة عسكرية جزائرية وقوات مغربية. وقد أسفر ذلك الصراع عن وصول هذه القوات إلى أمغالا، وأسْ أكثر من عشرين جزائريًّا. واعترضت قوات جبهة البوليساريو الانتشار المغربي والموريتاني في أجزاء من إقليم الصحراء بعد انسحاب إسبانيا منها. فقد كانت الجبهة تناهض اقتسام الصحراء بين المغرب وموريتانيا؛ من خلال ضمّ ثلثي الإقليم إلى الأراضي المغربية وثلثه الآخر إلى الأراضي الموريتانية. وفي المقابل، كانت الجزائر تعارض هذا الاقتسام على أساس أنّ السكان الصحراويين لم يُستفتَوا في تقرير مصيرهم، على نحو ما كان مزمعًا عليه قبل الانسحاب الإسباني. كشف هذا الأمر، على نحوٍ جليٍّ، تدخُّل الجزائر في قضية الصحراء المغربية، وهو ما ظلت تكذبه الحكومة الجزائرية للحفاظ على موقفها الرسمي. وقد صاحب ذلك تسارع في وتيرة التسلح إذ تصاعدت ميزانية الحرب الجزائرية بنسبة %20، وتجاوزت 403 مليون دولار لشراء العتاد الحربي الذي طلبته من مصر عام ٦٧٩١ 38. وفي هذا الإطار عزَّزت القوات الجزائرية وجودها وتجهيزاتها في المنطقة، وهاجمت بعنف القوات المغربية الموجودة بأمغالا، وهو الأمر الذي جعل الحسن الثاني يوجه رسالةً إلى الرئيس هواري بومدين، في 15 شباط/ فبراير 9761، جاء فيها "أطلب منكم كذلك إمّا أن تعملوا بحرب مكشوفة ومعلنة جهارًا، وإمّا بسلام مضمون دوليًّا على جعل حدّ في المستقبل للقول السائد في بلادي وبين أفراد شعبي، إنّ الجزائر يعادل مدلولها التقلب وعدم الوفاء بالعهود"39. تبقى حوادث أمغالا آخر نموذج للاصطدام المباشر؛ ذلك أنّ تفادي هذه المواجهة وجد موقفًا مؤيّدًا له في الإستراتيجيتين العسكريتين
المغربية والجزائرية، ولدى المسؤولين السياسيين لهذين البلدين40. وقد انتهجت الدبلوماسية الجزائرية من جديد حملةً غير مباشرة ضدّ المغرب في دعمها اللامشروط لجبهة البوليساريو ميدانيًّا؛ وذلك بتسليحها، ودفع عناصرها إلى القيام بهجمات عسكرية ضدّ المغرب بهدف إنهاكه اقتصاديًّا. ومن ثمة إجباره على التراجع عن مواقفه والتنازل عن مطالبه، ودعم تلك الجبهة دبلوماسيًّا، على مستوى منظمة الوحدة الأفريقية، كإطار قانوني لفك النزاع الأفريقي بهدف حصول الجبهة على الاعتراف بها دولةً كاملة العضوية. جعل هذا الأمر المنظمة إزاء تناقض موضوعي؛ نتيجةً لتطور مواقف الدول من الإجماع والتوافق الذي طبع مختلف قراراتها بصراع خطِر؛ إذ بدأت تلوح بوادر عجْز المنظمة في أُفق علاقات الدول الأطراف وبين المنظمة، بخاصة بعد إخفاق الدول الأفريقية في عقْد مؤتمر استثنائي لبحث الوضع في إقليم الصحراء، وفق القرار الذي اتخذه المسؤولون الإفريقيون خلال قمة جزيرة موريس 1976 41، وهو الأمر الذي لم يحدث لأسباب مادية وموضوعاتية. بناءً على ذلك، وخلال انعقاد مؤتمر القمة بالخرطوم عام 9781، جرى تشكيل لجنة الحكماء؛ وهي تتكون من رؤساء دول كلّ من السودان، وتنزانيا، ومالي، ونيجيريا، وقد كانت مهمتها متمثّلة بجمْع المعلومات الكافية عن القضية، عبْ الاتصال بالمغرب والجزائر وموريتانيا. واستنادًا إلى تقريري اللجنة الفرعية والأمين العامّ في 23 حزيران/ يونيو 9791، أصدرت اللجنة الأفريقية توصيات خاصةً بإجراء الاستفتاء في منطقة الصحراء ودفعها إلى اجتماع قادة رؤساء الدول الأفريقية الذي عُقِد بمنروفيا في تموز/ يوليو 979.1 وكان مفاد الردِّ المغربي أنّ الشعب الصحراوي قد قرَّر مصيره نهائيًّا، من خلال نوابه في "الجماعة" الذين أبدوا تشبثهم بالوطن الأم. وتأكّد هذا الاتجاه من خلال الموقف الذي عبَّ عنه الحسن الثاني في ندوة صحافية، في الأول من حزيران/ يونيو 9811، وذلك بوضع حدّ نهائي لمشكلة الصحراء المغربية، مشيرًا إلى رغبته في اقتراح حلّ أفريقي42. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، توجَّه بصفة شخصية إلى حضور أشغال مؤتمر نيروبي، على إثر "حملة" دبلوماسية واسعة شملت نحو .90 دولةً ورافقه في تلك الحملة، إضافةً إلى الأعضاء الرسمين، وفدٌ مهمٌّ يضم رئيس فريق المعارضة الاتحادية في البرلمان والكاتب العامّ لحزب التقدم والاشتراكية. وقد أوضح أنّ ارتباط الصحراء بالمغرب بعد توقيع اتفاقية مدريد أصبح أمرًا مؤكدًا على نحوٍ لا رجعة فيه؛ وذلك بإرادة السكان التي اتخذت عدّة أشكال. "فالجماعة" التي لها طابع تمثيلي حقيقي أعلنت أنّ الصحراء جزء من المملكة، كما أنّ الانتخابات الحرَّة كانت مناسبةً للصحراويين كي يعبروا بوضوح عن إرادتهم في أن يبقوا مرتبطين بالمغرب. وأخيرًا، فإنّ كلّ الأقاليم الصحراوية قدَّمت عدّة مرات الولاء الذي يعُدّ وفق القانون التقليدي المغربي تعبيرًا عن الارتباط بمجموع الكيان الوطني الذي يمثّله أمير المؤمنين43. أدَّى القرار المغربي المتمثّل بقبول الاستفتاء إلى تحوّل جديد في دينامية إحلال السلام في منطقة شمال غرب أفريقيا. وأدَّى هذا القرار مباشرةً إلى ردَّات فعلٍ، منها موقف الرئيس الجزائري الذي أشار إلى أنّ استفتاء تقرير المصير لن يكون له معنى إلا في حال تنظيمه، وفي حال كونه حرًّا، مشيرًا إلى ضرورة توافر شرطين رئيسين هما: "انسحاب القوات والإدارة العامة المغربية"44، وتحديد تاريخ لمسطَّرة واضحة من أجل إجراء الاستفتاء. كما عبَّ عن أنّ وقْف إطلاق النار يفترض مفاوضات واتفاقات بين الطرفين المعنيين (المغرب والبوليساريو)، وأنّ اللجنة الخاصة يمكن أن تساعدهما للوصول إلى هذه النتيجة، كما أنّ الجزائر مستعدة لتقديم مساهمتها بهذا الشأن45. لقد كان ارتباط الموقف الجزائري بعملية المفاوضات من خلال ثلاثة عناصر أساسية هي: إشراك جبهة البوليساريو بوصفها طرفًا مفاوضًا، على أساس أن تؤدِّيَ الجزائر دور الوسيط. إقامة الجمهورية الصحراوية على أساس أن تخطط حدودها خلال المفاوضات. إدماج عملية الاستقلال الاقتصادي لخيرات المنطقة في إطار التعاون داخل المغرب العربي. يتناقض ذلك كليًّا مع الأطروحة المغربية من عملية التفاوض، فالمغرب يرتكز على أنّ:
الجزائر هي الطرف المعني بالنزاع بصفة أساسية؛ ومن ثمة ينبغي إجراء المفاوضات المباشرة معه. مغربية الصحراء مسألة نهائية لا تقبل أدنى تراجع. إمكانية تطبيق مقررات منظمة الوحدة الأفريقية. لكنّ تباعد وجهات النظر المتعلقة بأساسيات الجلوس إلى طاولة المفاوضات أدَّى بالجزائر إلى ممارسة ضغط دبلوماسي لجعْل المغرب إزاء الأمر الواقع، وذلك عن طريق قبول الجمهورية الصحراوية داخل منظمة الوحدة الأفريقية، وتكثيف هجمات البوليساريو؛ بهدف خلخلة التوازن الإقليمي لمصلحة أطروحة انفصالية. وقد حددت لجنة المتابعة الإطار والشكليات التي سيجرى فيها الاستفتاء إبان اجتماعها بالعاصمة الكينية نيروبي في آب/ أغسطس 9811، وأشارت إلى أنّ السؤال الذي سيوجّه إلى الشعب الصحراوي هو الاختيار بين الاستقلال أو الاندماج في المغرب، على أن تقوم اللجنة، بتعاون مع الأمم المتحدة، بتنظيم الاستفتاء. كما حددت اللجنة إبان اجتماع نيروبي بين 8 و 9 شباط/ فبراير 9821 جميع الشكليات التي يجب أن يخضع لها وقْف إطلاق النار وإقامة استفتاء بالمنطقة تحديدًا شامل46. لكنها لم تُشِْ مطلقًا إلى حركة البوليساريو بأيّ صفة، كما أنّ أيّ دولة لم تعترف ب "الجمهورية الصحراوية"، وذلك بعكس ما كان عليه الأمر في المؤتمرات السابقة؛ ما يعني أنّ الموقف المغربي استطاع أن يكبح جماح التدهور الذي عرفته علاقاته بأفريقيا، والذي بلغ قمته في مؤتمر منروفيا عام 1979 47. على الرغم من الجهد السياسي والدبلوماسي الذي بذلته منظمة الوحدة الأفريقية، فإنّ هذا الجهد تعرض للانهيار بعد أن وقعت المنظمة في تناقض واضح؛ وذلك حينما أقدم أمينها العامّ أدم كودجو على استدعاء الجمهورية الصحراوية عضوًا في المنظمة لحضور أشغال الاجتماع الوزاري بأديس أبابا، في /23 /2 9821، لبحث قضايا ذات طابع إداري، وبالخصوص قضية ميزانية المنظمة. وقد عدَّ المغرب هذا الأمر غير قانونيٍّ، وغير منسجمٍ مع الجهد السياسي والدبلوماسي الأفريقي الرامي إلى تسوية النزاع؛ لأنّ الاعتراف بهذا الكيان ينبغي ألَّ يسبق نتائج الاستفتاء48. ارتبطت مبادرة الأمين العامّ كودجو بانسحاب 91 دولةً من الاجتماع. في حين رأت الجزائر في تلك المبادرة، إضافةً إلى تمكين الجمهورية الصحراوية من الحصول على حقّ التمثيل، تحديدًا بكل وضوح للأطراف المعنية بالنزاع؛ أي الجمهورية الصحراوية والمغرب. في حين رأى المغرب في قبول الجمهورية بذلك مخالفةً واضحةً لأحكام القانون الدولي العامّ بشأن ظهور الدول وتكوينها، وبخاصة المتوافرة على العناصر الرئيسة المتمثّلة بالسكان، والسيطرة الفعلية على الإقليم، ووجود سلطة حاكمة ذات سيادة. ومن ثمة، فإنّ قبول الدولة بوصفها عضوًا يخضع للتوافر على العناصر الأساسية الخاصة بقيام الدولة؛ لأنّ الاعتراف يعُدّ قرارًا سياسيًّا فحسب. وتؤكِّد تطبيقات الأمم المتحدة بهذا الخصوص أنّ قبول دولة ما عضوًا يقتضي حصولها على الاستقلال شرطًا أوّلَ لقبولها. لذا، فإنّ إعلان الاستقلال من جانب واحد لا يمكن الأخذ به في القبول بعضوية ضمن منظمة الوحدة الأفريقية49. وهكذا أخفق جهد تسوية القضية ضمن إطار مؤسساتي أفريقي، ليُحال ملف الصحراء على أنظار الأمم المتحدة التي تعاملت معه من زاوية سياسية، بناءً على القرار الذي حدَّد الطرائق والوسائل الكفيلة بالتوصل إلى حلّ سياسي عادل وحاسم بشأن النزاع. فقد طالب هذا القرار طرفي النزاع، المغرب والبوليساريو، بالدخول في مفاوضات للتوصل إلى وقف إطلاق النار، تمهيدًا للاستفتاء50. وبالتوازي مع ذلك، وإزاء اشتداد المهمّة الدبلوماسية، اتجه المغرب إلى تعزيز وجوده الميداني مستفيدًا من التحولات الدولية والعربية المتمثّلة أوَلّا بسقوط الشاه "(دركي" أميركا)، وما فرضه من سعيٍ أميركيٍّ من أجل رفْع دعمها للأنظمة المتعاونة التي كان المغرب ضمنها، والمتمثّلة ثانيًا بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وما فرضه السعي الغربي لتعميم الخطوة المصرية وفكِّ الحصار عنها. فذلك هو ما قدَّمه المغرب في مؤتمر فاس 9821، فضلً عن لقاء شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بإفران عام .1984 تبعًا لذلك، استفاد المغرب من الدعم العسكري للإدارة الأميركية في عهد رونالد ريغان الذي اتجه إلى ضمان التوازن العسكري بالمنطقة51. وقد اعتمد المغرب في هذا الصدد إستراتيجيةً عسكريةً ذات شقين؛ تمثَّل الشق الأول بالوحدات المتنقلة التي وضعت على كاهلها عمليات تمشيط الإقليم وتطهيره من قوات البوليساريو، وتمثّل الشق الآخر بإقامة جُدُر دفاعية من الرمال والأحجار52. واكتمل
ذلك بتحقيق اختراق مهمّ في المجال الدبلوماسي عبر توقيع المغرب اتفاقيةَ الاتحاد العربي الأفريقي مع ليبيا عام 9861؛ فمن خلال هذه الاتفاقية، جرى إيقاف الدعم الليبي للبوليساريو. وهكذا قدّم الأم ننالعامّ ل مأأم المتحدة دي كوي راا، في آب/ أغسطس 9881، مخططه الهادف إلى تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء بتنظيم الأمم المتحدة ومراقبتها، وبالتعاون مع منظمة الوحدة الأفريقية. وفي 03 آب/ أغسطس 9881، وافق المغرب وجبهة البوليساريو موافقةً مبدئيةً على مخطط السلام الأممي المقترح53. وفي ضوء ذلك جرى تعيين ممثِّل خاص للأمين العامّ الأممي، فوضع خطةً تفصيليةً لتنظيم الاستفتاء. ثمّ إنّ مجلس الأمن أصدر، في 91 نيسان/ أبريل 9911 القرار رقم 690 الذي قضى إنشاء بعثة أممية، أُطلق عليها اسم "مينورسو"، للإعداد لأمر الاستفتاء والإشراف عليه، على أساس أن يبدأ سريان وقف إطلاق النار 1 54في 6 أيلول/ سبتمبر .991 كان المغرب يهدف من وراء قبول الاستفتاء إلى تغييب الأطراف الأخرى المتورطة في الصراع، من خلال تجاهله المقصود للدول التي ساعدت البوليساريو55. وجاء تبلور مشروع الاستفتاء إفرازًا لسلسلة تطورات نوعية في المنطقة، وموازيًا لعودة العلاقات المغربية الجزائرية - بعد قطيعة دامت 41 عامًا - على إثر لقاء 01 حزيران/ يونيو 9881 بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد. وكانت في ذلك التقارب إشارة إلى تراخي قبضة المؤسسة العسكرية الجزائرية في توجيه سياسة الجزائر من جهة، ومساعدة داعمة لعملية التفاهم على خطة جرى التفاوض فيها طَوال الفترة 9881 و 9901، من جهة ثانية. ونُسجِّل إخفاق سياسة المحاور الثنائية خصوصًا، بعد التجربة المُرَّة لمحور المغرب – ليبيا، مقابل محور الجزائر - تونس – موريتانيا، وهي تجربة أدت إلى إضعاف الأطراف كلّها من جهة أخرى. وقد ارتبطت هذه التطورات بتراجع حدَّة الاستقطاب الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي بسبب بداية تفكُّك المعسكر الشرقي، من دون إغفال البروز المتصاعد للاستقطاب الفرنسي الأميركي وتبلور تحدي التكتل الأوروبي في مواجهة دول الشمال الأفريقي. وعلى الرغم من التحولات الجوهرية التي طبعت علاقات دول المنطقة منذ عام 9881، والتي تخللها فتْح الحدود المغربية الجزائرية وانفراج الأزمة السياسية بينهما، وعلى الرغم كذلك من إنشاء اتحاد المغرب العربي قصد تمتين علاقات التعاون على مختلف المستويات56، وظهور النظام العالمي الجديد المساعد على تفعيل دور الأمم المتحدة، لم تحدث مساهمة فعالة في حسْم نزاع الصحراء وتسويته نهائيًّا. فبعثة المينورسو المكلفة بتنظيم الاستفتاء جعلت الأمين العامّ وصيًّا على الصحراء المغربية، مخترقًا للصلاحيات التي خُوِّل إيَّاها. وعلى الرغم من ذلك، نجح في تحقيق لقاء بين وفدي المغرب والبوليساريو في الفترة الممتدة بين 791 و 1 تموز/ يوليو 9931 بالعيون، متجاوزًا بذلك إحدى الصعوبات الكبرى التي تعثَّ عندها "مسلسل" السلام بالمنطقة. وفي المقابل لم يُؤَدِّ ذلك إلى تسوية الخلاف المرتبط بصفات المشاركين في الاستفتاء57. كانت هذه المشكلة من أشدّ المشكلات التي واجهت عملية إجراء الاستفتاء تعقيدًا. فمن خلال التقرير الأساسي الذي شكّل الإطار العامّ لخطة التسوية التي تقدّم بها بيريز دي كويلار، والتي صدرت في تموز/ يوليو 9911، لم يكن ثمّة حسْم بشأن طريقة المشاركة في عملية تحديد الهوية؛ ما جعل هذا الجانب عرضةً لتأويلات وتصورات كلّ طرف على حدة، ما عدا ما يتعلّق بقبول قوائم الإحصاء الإسبانية عام 9741، وجعلها الأساس الذي يمنح الصحراويين حقّ المشاركة في هذا الاستفتاء. وقد حدث خلط نتجت منه مواقف متباينة بشأن من سيشارك فيه، وبشأن من لن يشارك فيه أيضًا. وتبدو الإحصاءات المقدمة من كلّ الأطراف متناقضةً. ففي وقت رفضت فيه البوليساريو الإحصاء الإسباني في البداية، مقدّرةً سكان الصحراء بمليون نسمة، اتهمها المغرب بأنها تُدخل ضمن هذا العدد اللاجئين والمهاجرين الذين نزحوا إلى منطقة تندوف من دول أفريقية مجاورة. بعد ذلك، عادت جبهة البوليساريو إلى القبول بالإحصاء الإسباني وقدّرت الزيادة التي طرأت عليهم في ما بعد بنسبة تتراوح ما بين %10 و%1558. وللخروج من هذا المأزق، عمدت الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن إلى صَوْغ خيارات أخرى للدور الذي يمكن أن تؤدِّيه
في مجال تسوية هذا النزاع في حال عدم تقدُّم مخطط السلام الذي وضعته59. وبعد توقيع اتفاقية هوستن 9971، جرى تعيين جيمس بيكر مبعوثًا شخصيًّا للأمين العامّ في الصحراء المغربية، بعد أن قضت المنظمة ستّةَ أعوامٍ في متاهة الاستفتاء. وكان موضوع تحديد هوية الأشخاص الذين تُفترض مشاركتهم في الاستفتاء الذي انطلق عام 9941 قد وصل إلى باب مسدود، بفعل ممارسة الانفصاليين الذين أصروا على عدم إدراج عشرات الآلاف من أبناء الصحراء في لوائح الاستفتاء، إضافةً إلى إغراقهم اللوائح المُعدَّة بتندوف بأسماء أشخاص لا علاقة لهم بالمنطقة، وإعادة تسجيل هذه الأسماء بمخيمات الحمادة60. وفي تقرير لمجلس الأمن، في 22 أيار/ مايو 2000، أكد كوفي أنان، بناءً على توصيات مبعوثه الخاص جيمس بيكر إلى الصحراء الغربية، دعْمه الكامل للجهد المستمر الذي تبذله بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، لتنفيذ خطة التسوية والاتفاقات التي اعتمدها الطرفان بشأن إجراء استفتاء حرٍّ ونزيه ومحايد، على الرغم من الخلافات الموجودة بين الطرفين المعنيين61. غير أنّ الاختلاف الجذري في وجهات النظر، بشأن شروط إجراء الاستفتاء المتعلّقة بتحديد هوية المشاركين، أوصل مسألة الاستفتاء إلى باب مسدود. إزاء هذه الوضعية، أخذت الأمم المتحدة تدفع في اتجاه مشروع حلّ سياسي متفاوَض فيه إزاء هذه الوضعية، وهو ما رأى فيه بعض المتتبِّعين دراسةً لإمكانية تصور خيار ثالث وفرضية اقتراحٍ لحلّ ما. وفاجأ المغرب الأطراف المعنية بقضية الصحراء في اجتماع برلين 2000، مقترحًا إجراء مفاوضات مباشرة مع البوليساريو في أفق التوصل إلى حلّ نهائي ودائم. وأعلن استعداده لفتح حوارٍ جادٍّ مع الطرف الآخر لتحديد مآل الأقاليم الصحراوية في إطار وحدة المغرب وسيادته وتنظيمه الجهوي62؛ ما أدَّى إلى قلب التوازن المغربي الجزائري بخصوص قضية الصحراء، ولا سيما بعد إعلان الأمم المتحدة مشروعَ الاتفاق - الإطار الخاص بالحكم الذاتي في تموز/ يوليو 2001 الذي قوبل بمعارضة جزائرية شديدة. وينصّ هذا الاتفاق على انتخاب الأشخاص المسجلين في لوائح تحديد الهوية مدَّةَ أربع سنوات للهيئة التنفيذية في الصحراء في المرة الأولى، وبعد ذلك يُحال أمر انتخاب الهيئة التنفيذية على أعضاء الهيئة التشريعية التي ينتخبها جميع المدرجين في لوائح الإعادة إلى الوطن بتاريخ 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2000، ممَّن بلغوا ثمانية عشر عامًا. ويجرى تحديد الوضع النهائي للأقاليم المذكورة من خلال استفتاء يتفق الطرفان على تاريخه خلال خمس سنوات تلي دخول الاتفاق - الإطار حيز التنفيذ. ويشارك في هذا الاستفتاء كلّ المقيمين في تلك الأقاليم طوال السنة التي تسبق الاستفتاء. وبعد الموافقة عليه تقترح الأمانة العامة للأمم المتحدة على كلّ من المغرب، والبوليساريو، والجزائر، وموريتانيا، والأمين العامّ للأمم المتحدة، توقيعه؛ بالنظر إلى أنّ هذه الأطراف كلّها مساندة للاتفاق63. لكنّ الجزائر عارضت هذا التوجه، وشنَّت حملةً دعائيةً ضدّ الاتفاق - الإطار، وسارعت إلى رفض تقرير الأمين العامّ للأمم المتحدة في شباط/ فبراير 2001 64، وهو ما أدَّى إلى إحياء الملفات القديمة، وعلى رأسها ملف رسْم الحدود بين البلدين، والتعاون الأمني بينهما، والتضارب في السياسات إزاء المشاريع الأوروبية والأميركية بالمنطقة، ولا سيما بعد سعي الجزائر للاندماج عسكريًّا في المنظومة المتوسطية من خلال حلف الناتو، والاندماج اقتصاديًّا في الاتحاد الأوروبي من خلال اتفاق الشراكة، والحرص الجزائري على إبعاد المغرب عن المجال الأفريقي، إثْر الدعم الذي قدَّمته الجزائر للمبادرة الليبية التي تتعلّق بالاتحاد الأفريقي، والتي أُعلن عنها في إطار القمة الأفريقية الاستثنائية سرت الثانية. وقد مثَّل حضور البوليساريو عائقًا لإمكانية عودة المغرب إلى المنظمة الأفريقية التي أصبحت تُسمى بدءًا من هذه القمة "الاتحاد الأفريقي." وفي المقابل اتضحت رغبة الجزائر في تقوية مكانتها من خلال حضورها القمة الفرنسية الأفريقية بياوندي، في منتصف كانون الثاني/ يناير 2001، بعد أن قاطعت تلك القمة منذ بداية السبعينيات. هذا فضلً عن عودة أجواء سباق التسلح الذي انخرطت فيه الجزائر عندما أقدمت على اقتناء أسلحة بريطانية بقيمة 7.5 ملايين دولار، ثمّ تلتها صفقتها العسكرية الضخمة مع روسيا التي اقتنت بمقتضاها أسلحةً بقيمة 2.5 مليار دولار، وذلك أثناء زيارة الرئيس بوتفليقة لروسيا.
وفي مقابل رفْض الجزائر والبوليساريو الاتفاق – الإطار، برز التوجه الذي تقوده الجزائر من أجل الهيمنة والتوسع المتمثّل بخيار التقسيم؛ ذلك أنها اقترحت تقسيم الساقية الحمراء ووادي الذهب. وقد قدّم الأمين العامّ كوفي أنان تقريره لمجلس الأمن في 91 شباط/ فبراير 2002 المتعلق بوضعية عملية التسوية الأممية بالصحراء والخيارات المستقبلية وهي: إجراء الاستفتاء. منْح حكم ذاتي موسَّ ع في إطار السيادة المغربية. تقسيم الصحراء بين البوليساريو والمغرب. سحْب بعثة المينورسو من الصحراء65. يبدو أنّ الجزائر عملت في اتجاه الأخذ بخيار التقسيم، ليُفجَّر صدام مغربي جزائري؛ إذ أعلن المغرب أنّ هذا الموقف يعكس رغبة الجزائر التوسعية ونزوعها إلى الهيمنة في المنطقة، كما أنه يُبطل دعاوى حقّ تقرير المصير التي كانت ترتكز عليها الجزائر نفسها في دعمها لجبهة البوليساريو. ورأى المغرب أنّ هذا الأمر مناقض للمبادئ التي بُنيَ عليها الاتحاد المغاربي. لذا، فإنّ مشروع التقسيم المقترح يستهدف فعلً تعسفيًّا لجزء من الأقاليم الجنوبية للمغرب، ويستهدف كذلك تقسيم القبائل والأفخاذ والأُسر، من دون أخذ المصالح المشروعة للسكان المعنيين في الحسبان؛ وهو ما جعل المغرب يتهم الجزائر بمحاولة إفشال الحلّ السياسي التفاوضي لقضية الصحراء ونسفه، وبأنّ خطة التقسيم تهدّد المغرب وغيره بالبلقنة. وفي هذا السِّياق تُسجَّل مسؤولية الدولة الجزائرية قانونيًّا وسياسيًّا66. وما زاد الوضع تأزمًا، زيارة بوتفليقة مخيمات تندوف التي عُدَّت سابقةً؛ إذ لم يسبق أن قام بذلك أيّ رئيس جزائري منذ عام 976.1 وقد كانت زيارته في نهاية شباط/ فبراير 2003، ليعلن بعدها أنّ قضية الصحراء ليست ملفًّا يُطوى، وأنّ مصير الاتحاد المغاربي مرتهن بها. كما أكد في رسالة بعث بها إلى رئيس جبهة البوليساريو، مواصلة الحكومة الجزائرية دعمها لهذه الجبهة، وأنّ الجزائر متشبثة بخيار تقرير المصير بوصفه حلًّ لنزاع الصحراء وما يتطلَّبه من تطبيق لخطة التسوية. أعلنت الجزائر، أواخر تموز/ يوليو 2004، استعدادها لرفع ملف الحدود مع المغرب إلى الأمم المتحدة من أجل الفصل في الخلاف فصلً نهائيًّا، ومن أجل رسْمٍ نهائي للحدود؛ انطلاقًا من مرجعية قانونية هي اتفاقية حزيران/ يونيو 972.1 وما يفسر سعي الجزائر لطرح الملف هو بروز مسعى مغربي لمراجعة الموضوع كلّه بعد ظهور أطروحة التقسيم، ولا سيما أنّ المغرب لم يصدّق نهائيًّا الاتفاقية التي كانت موافقته عليها مشروطة بالاستغلال المشترك لمناجم الحديد بتندوف، ودعم الجزائر لاسترجاع المغرب صحراءَه، وهو أمرٌ لم يتمَّ. لهذا كان من المنتظر أن يعرف هذا الملف تطورات متجددةً بين البلدين، بخاصة بعد أن زار بيتر فان والسوم المبعوث الشخصي لكوفي أنان المنطقة، وأعلن في 71 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، أنه لا يمكن التوفيق بين مواقف الأطراف المعنية بالقضية. لقد كان من المستحيل إيجاد حلّ يرضي جميع الأطراف، وقد وجد الرئيس بوتفليقة في تلك الزيارة فرصةً ليؤكّد أنّ مسألة الصحراء يجب أن تُحلّ في إطار الأمم المتحدة؛ لأن مشكلة تصفية الاستعمار تخضع كلّها لصلاحيات الأمم المتحدة67. في حين أكّد المغرب أنّ التسوية النهائية لملف الصحراء تمرُّ عبر التوصل إلى حلّ سياسي شامل تقبله جميع الأطراف68. تبقى صيغة الحُكم الموسَّع للصحراء هي الصيغة الممكنة لحلّ المشكلات المتعلّقة بها، إزاء انعدام إمكانيةٍ لفرْضِ أيِّ حلٍّ آخر على الأطراف المعنية، وإزاء محدودية الآثار التي تسعى الجزائر والبوليساريو لترتيبها؛ من خلال إشاعة التمرد والخروج على القانون في الجنوب المغربي. ففكرة الحكم الذاتي تعود، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إلى خطة بيكر الأولى المعروفة ب "الاتفاق – الإطار"، وهي الخطة التي تضمنت، أوَّلَ مرة، إمكانية حلٍّ ثالث لمشكلات الصحراء69، بعد أن وصلت خطة الاستفتاء إلى باب مسدود. إنّ سير المغرب في اتجاه إقامة نظام خاصّ لحكم ذاتي جهوي في الصحراء، على نحو جدي ومقنع، حتى لو رفض الطرف الآخر الحوار، سيكون له من دون شكٍّ وقعٌ إيجابي على المستوى الدولي؛ ما دام سيقوم على احترام إرادة سكان الإقليم وتمكينهم من تسيير شؤونهم بأنفسهم. وقد أتبثت التجرية في حالات مماثلة (في أوروبا نفسها) أنه كلمّا تحقّق ذلك خفّ الضغط الدولي وانحسر المد الانفصالي؛ لأنّ الحكم الذاتي الذي اقترحه الملك محمد السادس يتجاوز ما يُعرف
بالجهوية ومجالسها التي تخضع حاليًّا لوصاية وزارة الداخلية، والتي ترتبط ببرامج الأحزاب السياسية. ويتطلب هذا الأمر كثيرًا من التمحيص والشجاعة السياسية؛ لأنّ سلطة الحكم الذاتي سوف تعتمد على انتخابات محلية يشارك فيها سكان المناطق المعنية، بناءً على لوائح تحديد الهوية ومدة الإقامة كما حددها القرار الأممي رقم 2001/1359. وهذه الانتخابات تنبثق منها حكومة محلية ذات صلاحيات واسعة، وينبثق منها برلمان محلي منتخب وسلطة قضائية محلية؛ ما يعني وضْ ع السلطات الثلاث (القضائية، والتنفيذية، والتشريعية) في منطقة الحكم الذاتي، مقابل السلطات نفسها على المستوى المركزي الوطني70. لقد تأجج الصراع من جديد بعد دعوة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في رسالة موجهة إلى اجتماع أبوجا، في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2013؛ لتوسيع سلطات المينورسو في الصحراء، لتشمل حقوق الانسان. وهو ما عدّته حكومة الرباط افتعالً لأزمة جديدة بين البلدين، ومحاولةً تكتيكيةً لإحراج المغرب وإضعاف موقفه تجاه الرأي العامّ الدولي. من أجل ذلك استدعى المغرب سفيره بالجزائر للتشاور معه، وصرّح ملك المغرب محمد السادس فى خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى ال 83 لتنظيم "المسيرة الخضراء"، بأنّ خصومًا يدفعون الأموال لشراء أصواتٍ ومواقفَ لمنظمات تعادي بلاده؛ من أجل تعاملٍ غيرِ منصفٍ مع المغرب فى قضية إقليم الصحراء. لكنّ عدم تطبيق هذا القرار نتيجةً لصلابة الموقف المغربي وديناميته، ونتيجةً لتمرير قرار دولي جديد بشأن الصحراء لا يخدش الموقف المغربي، أدَّى إلى إضعاف موقف البوليزاريو وتعزيز موقف المغرب، وخوَّل مجلس الأمن الدولي، من خلال قراره الأخير المتعلق بقضية الصحراء، كريستوفر روس، بدْء جولات مكوكية، شريطة أن تكون حاسمةً لبدء المفاوضات، مؤكدًا أنّ عام 2015 سيشكل منعطفًا جديدًا في نزاع الصحراء. بوجه عامٍّ، يمكن تفسير سوء الجوار بين الدولتين بعدَّة متغيرات داخلية وخارجية نُجملها في النقاط التالية: متغيرات ذات طابع فردي مرتبطة بعوامل سيكولوجية لها علاقة بطبيعة القادة السياسين في المغرب والجزائر (الخلاف بين الملك الحسن الثاني والرئيس أحمد بن بلة مثلً.) تأثير اختلاف الأنظمة السياسية والتباين الأيديولوجي بين الدولتين؛ إذ ينظر كلّ طرف إلى الآخر على أنه مصدر تهديد، كما صرّح بذلك الرئيس هواري بومدين بقوله: "لا خلاف أنّ قضية الصحراء الغربية قد أبرزت من جديد جوهر الخلافات الأيديولوجية والسياسية وحتى الإستراتيجية بين بلدان المنطقة". السباق نحو الزعامة الإقليمية في المنطقة وما ارتبط بها من تضارب في المصالح بين الدولتين، ونهج لسياسة المحاور بالنسبة إلى الدولتين. الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لمنطقة تندوف. الوضعية الداخلية للبلدين. ضغوط البيئة الخارجية؛ وهي تتمثّل بمحاولة الجزائر تمتين علاقاتها بالكتلة الشرقية إبان الحرب الباردة، وبرهان المغرب على المعسكر الغربي؛ لذلك حاول كلّ طرف الاستفادة من الحرب الباردة.
خاتمة
بناءً على ماسبق، يتضح أنّ تجاوز الجوار الصعب ببعديه الجيوسياسي والجيوستراتيجي، وتطبيع العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر، وتجاوز حالة اللاحرب واللاسلم، والمساهمة في صُنع سلام دائم، كلّ ذلك مرتهن بتصفية القضايا المعلَّقة بينهما. وفي صدارة هذه القضايا قضية الحدود البرية، وقضية الصحراء. فإيجاد حلّ لهذا النزاع لا يمكن فصله عن نقاش جادٍّ ومسؤول يُفضي إلى نموذج إيجابي من حُسن الجوار والتعاون، وخصوصًا أنّ المنطقة تعيش تحديات أمنيةً عديدةً. فقد أصبحت منطقة الساحل والصحراء مرتعًا خصبًا للجماعات الإرهابية التي كشف خطورتها التدخل الفرنسي في شمال مالي، علاوةً على قضايا الهجرة والمخدرات، والتهريب، وهو ما يُفوِّت على المنطقة فُرصًا تنمويةً حقيقيةً، في زمن أصبح فيه التكتل ضرورةً ملحةً. وهكذا ينبغي أن تسود قِيمُ التقارب والتعاون بين الطرفين، وأن يسود التعامل الإيجابي مع المتغيرات الإستراتيجية في المنطقة.