مفاوضات الهدنة بين إسرائيل وحماس
الملخّص
تنظر هذه الدراسة في مفاوضات الهدنة بين إسرائيل وحماس بوصفها جانبًا من جوانب الصراع؛ وذلك بالاعتماد على نظرية اللعبة لفهم كيفية إدارة الصراع من الطرفين. وكان جوهر المشكلة هو الدافع الأساسي لخوض الباحث في مثل هذا الموضوع، وهو تحوّل حماس إلى عنصرٍ فاعل في توجيه الأحداث على صعيد القضية الفلسطينية سواء نحو الحرب أو السام، ما يقود إلى طرح التساؤلات التالية: إلى أيّ مدى يمكن أن تنخرط حماس في المفاوضات مع إسرائيل سبيلّا لحل الصراع؟ وهل ما جرى بين الطرفين من اتصالات ومفاوضات يمكن أن يتطوّر إلى مفاوضات مباشرة تتعلق بإنهاء الصراع؟ تهدف هذه الدراسة إلى فهم موقف إسرائيل وحماس من التفاوض المباشر وغير المباشر، ومدى استعداد الطرفين لخوض مفاوضات مباشرة، ومبرّرها هو البحث في هدنة الجرف الصامد التي أبرمتها حماس مع إسرائيل. اتبع الباحث في هذه الدراسة المنهج التاريخي والمنهج الوصفي، واستخدام المقابلة أداة من أدوات البحث.
"الجرف الصامد" نموذجًا
مقدمة
دأبت حركات التحرر الوطني على إجراء مفاوضات مع المحتلّ من أجل استثمار جهدها العسكري سياسيًّا. لم تشذّ حركة حماس عن هذا الأمر، فخاضت مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بغرض التوصّل إلى تفاهمات آنيّة تحقّق أهدافها المرحلية عبر إبرام هدنة موقَّتة؛ ففي ظلّ اختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل تعتقد حماس أنّ التوصّل إلى حلّ نهائي عادل للقضية الفلسطينية غير ممكن، لذلك لجأت لتبنّي فكرة الهدنة. تنطلق هذه الدراسة من ثلاث فرضيات: الأولى ترى أنّ حماس (حركة تحرّر وطني) ستتطوّر بحيث تستخدم التفاوض جزءًا من إستراتيجيتها لتحقيق أهدافها. والثانية أنّ كلا الطرفين، إسرائيل وحماس، يُجري مفاوضات من أجل خدمة أهدافه الإستراتيجية والتكتيكية. أمّا الثالثة، فتجد أنّ التفاوض بين إسرائيل وحماس هو جزء من إدارة الصراع.
توصّلت الدراسة إلى عدة نتائج من أهمّها: أنّ حماس تدرك أهمية التفاوض بوصفه أداة من أجل التحرّر من الاحتلال لذلك لا ترفض مبدأ التفاوض؛ ففي فكر حماس السياسي لا يوجد ما يمنعها من خوض مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، لكن يوجد لديها مانع سياسي "نفسي" في خوض هذا النوع من المفاوضات. ترفض حماس تقديم تنازلات صريحة والقبول بشروط الرباعية من أجل الانخراط في العملية السلمية، لكنّها تقدّم تنازلات ضمنية من أجل الوصول إلى إستراتيجية وطنية موحّدة مثل إعادة التأكيد على ما طرحه الشيخ أحمد ياسين بإقامة دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران، والتأكيد على أنّ هناك أشكالً متعددة للمقاومة. وفي حال تعدّل ميزان القوى في الصراع الدائر بين إسرائيل وحماس لمصلحة الأخيرة، لا يستبعد أن تخوض حماس مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، استطاعت حماس اكتساب شرعية سياسية وتحصيل اعتراف ضمني من إسرائيل وتحصيل مكاسب سياسية ما كان لها أن تحقّقها من دون خوض المفاوضات.
المبحث الأوّل: خلفية نظرية
يوجد كثير من الدراسات التي تتطرّق لمفهوم الصراع بين الدول، وقليلة هي الدراسات التي تتعرّض لمفهوم الصراع بين دولة وتنظيم مسلّح. وتبرز صعوبة البحث في ظاهرة الصراع ما بين إسرائيل وحماس في كوننا نتعامل مع ظاهرة قليلة الحدوث، وهي الصراع بين دولة احتلال وتنظيم يقود حكومة غير معترفٍ بشرعيتها دوليًّا. لذلك ربّ ا يكون التعريف التالي هو الأنسب، والذي ينصّ على أنّ الصراع: "هو صدام أو تنافس بين اثنين أو أكثر من القوى، يحاول فيه كلّ طرف تحقيق أغراضه وأهدافه ومصالحه ومنع الطرف الآخر من تحقيق ذلك بوسائل وطرق مختلفة"1. يختلف الصراع عن الحرب؛ فالحرب لا يمكن أن تتمّ إلا على صورة واحدة وبأسلوبٍ واحد، فهي: "التصادم الفعلي بوسيلة العنف المسلّح حسمً لتناقضات جذرية لم يعد يجدي معها استخدام الأساليب الأكثر لينًا أو الأقلّ تطرفًا"2. ويمكن أن تتنوّع مظاهر الصراع وأشكاله، وتتدرّج أدواته من أكثرها فاعلية إلى أكثرها سلبية؛ كالحصار والاحتواء والعقاب والتفاوض3.
نظريات الصّ راع
وهي تلك النظريات التي تركّز على كيفية إدارة الصراعات الدولية والتعامل معها، ومن أبرز هذه النظريات4: نظرية المباريات "اللعبة." نظرية الاحتواء. نظرية الانتقام الشامل. نظرية الاستجابة المرنة. نجد أنّ نظرية المباريات "اللعبة" هي الأنسب لدراسة طبيعة الصراع بين إسرائيل وحماس. تعتمد نظرية المباريات على ثلاثة افتراضات؛ أوّلها يرى أنّ صنع القرار يتضمّن درجة معيّنة من العقلانية، فكلّ
لاعب يسعى لنيل مكاسب قصوى، وأنّ نتيجة المباراة ترتبط بخيارات اللاعب أو اللاعبين المقابلين. وثانيها هو أنّ اللعبة لا تتمّ من غير تعلّق اللاعبين بأغراض، بل هي تفرض على اللاعبين أحيانًا أهدافًا معيّنة لكي تتابع تطوّر الخيارات الإستراتيجية للّ عبين مع تصاعد السعي وراء زيادة الحدّ الأقصى للكسب. أمّا ثالثها فيرى أنّ إدخال عنصر العقلانية لا ضير فيه، وأنّه ليس بأمر حقيقي6.
تعدّ نظرية المباريات (أو نظرية اللعبة) أحد المناهج المتّبعة في دراسة العلاقات الدولية. وتُعدّ إسرائيل إحدى الدول المتّبعة لهذا المنهج في علاقاتها الدولية بصورة عامّة وعلاقاتها مع دول الجوار بخاصّة؛ فهي تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من العوائد وتجنّب أكبر قدر من الخسائر، وتصنّف المباريات صفرية وغير صفرية أو تعاونية وغير تعاونية. تقوم نظرية المباريات على وجود مجموعة من اللاعبين قد يكونون طرفين أو أكثر تدور بينهما لعبة تسود فيها مجموعة من القواعد يتّبعها جميع الأطراف من أجل الفوز. ولا يمكن طبعًا أن يكون جميع الأطراف فائزين إلا في بعض المباريات. وعليه، فإنّ هناك من يربح وهناك من يخسر. لذلك يحاول اللاعب الذي يدرك أنّ حظوظه في اللعب ليست جيدة أن يختار إستراتيجية تحقّق له أقلّ قدر من الخسائر7. بناءً على ماسبق ذكره، نجد أنّ تفسير الصراع والمفاوضات بين إسرائيل ممكن باستخدام نظرية المباريات؛ فإسرائيل تسعى دومًا في علاقتها مع حماس لتعظيم أرباحها والتقليل من خسائرها. وبعكس الانطباع السائد والذي تشكّل من بعض التصريحات الإعلامية لطرفَ الصراع بأنّ الصراع بين إسرائيل وحماس صفري، فإنّ وقائع الأحداث تشير إلى أنّ الصراع بين الطرفين "حتى الآن" هو صراع غير صفري.
المبحث الثاني: مفهوم الهدنة
أرغم تَراكُم العمل المقاوم لحركة حماس الاحتلالَ الإسرائيلي على الاعتراف بها ولو ضمنيًّا وإجراء مفاوضات معها؛ فضغط الواقع يجبر المحتلّ على إجراء مفاوضات مع حركات التحرّر الوطني. وتشير هذه المفاوضات إلى اعتراف المحتلّ بحركة التحرّر الوطني والحديث هنا يدور عن حماس بوصفها تعرّف نفسها حركة تحرّر وطني ذات مرجعية إسلامية. وحماس أيضًا شأنها شأن كلّ حركات التحرّر الوطني في الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا ومختلف أنحاء العالم، مضطرة لإجراء مفاوضات مع المحتلّ.
تكون المفاوضات عادةً من أجل إزالة الاحتلال. لكن تعقيدات القضية الفلسطينية وتفرّدها بملابسات غير موجودة في تجارب حركات التحرّر الوطني على مستوى العالم، أطالا أمد الصراع بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين؛ فالمفاوضات عادةً تتّخذ شكلين: يتمثّل الشكل الأوّل بمفاوضات هدفها إدارة الصراع بوضع ترتيبات آنيّة؛ ويتمثّل الشكل الثاني بمفاوضات لإنهاء الاحتلال وإيجاد حلٍّ للصراع. "حتى الآن" الشكل الغالب على المفاوضات بين إسرائيل وحماس هو الشكل الأوّل القائم على الاتفاق على ترتيبات آنيّة، وربّ ا يعود ذلك لقناعة الطرفين (إسرائيل، وحماس) بصعوبة إيجاد حلّ نهائي للقضية الفلسطينية؛ فإسرائيل لا ترغب في إنهاء الصراع ولا تقدر عليه، لأنّ ذلك يعني موافقتها على إعادة الحقّ المسلوب لأهله وهم الفلسطينيون، وهذا يعني دقّ المسمار الأخير في نعش المشروع الصهيوني. أمّا حماس، فإنهاء الصراع في مفهومها يعني الحصول على جميع الحقوق الفلسطينية، وهي تدرك أنّ المناخ الدولي وموازين القوى لا يسمحان لها بتحقيق حلمها، لذلك فهي تتجنّب الخوض في مفاوضات تؤدّي إلى حلّ ينهي الصراع، وتميل إلى إجراء مفاوضات لإجراء ترتيبات آنيّة تتضمّن الهدنة والحلول المرحلية التي لا تنهي الصراع وتبتعد عن الاعتراف بإسرائيل، والعمل على إبقاء الصراع مفتوحًا؛ فتعمل على استنزاف المحتلّ من أجل إنهاء مشروعه آملة في أن تتغيّ خريطة موازين القوى الدولية والإقليمية في المستقبل.
حاولت حماس الموازنة بين أيديولوجيتها والواقع السياسي في ظل الخيارات الصعبة التي تواجهها؛ فطرحت فكرة الهدنة والحلّ المرحلي في السنة الأولى من انطلاقتها8. وحاولت الموازنة بين المرحلية والتاريخية، فالحلّ التاريخي يقوم على تحرير فلسطين من البحر إلى النهر كما صرّح بذلك الشيخ أحمد ياسين بحيث يعيش الجميع سواسية في فلسطين، ويحكمون بحسب رأي الأغلبية؛ وذلك بعد عودة جميع من هجّر وهاجر من الفلسطينيين ويعيش فيها اليهود في كنف الدولة الإسلامية مواطنين، لا كيانًا ذا سيادة؛ فتزول ميزة تفوّقهم العددي الراهن في فلسطين حين يندمج عرب الدول المجاورة ويعود اللاجئون الفلسطينيون، وهم بالملايين ضمن إطار الدولة الواحدة9. وقد أشار إلى ذلك مؤخرًا أحمد يوسف عندما أعلن أنّ خيار حلّ الدولة ثنائية القومية هو الأنسب لحفظ الحقوق، وعملي أكثر10. أمّا الحلّ المرحلي، فقد طرحت حماس إمكانية تحقّقه عبر عقد هدنة مع إسرائيل دون الاعتراف بشرعية وجودها. وتقوم الهدنة على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها في 9671 دون التنازل عن باقي أرض فلسطين، وبما لا يتناقض مع الفهم الأساسي لحركة حماس بوصف الصراع صراعًا مصيريًّا على الأرض والسيادة، بحيث تستمرّ الحركة في إدارة الصراع وفقًا لآلياته الإستراتيجية إلى جانب العمل المرحلي11. ازداد تركيز حماس على فكرة المرحلية بعد فوزها بالانتخابات؛ فصرّح رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل: "إنّنا نقبل البرنامج الذي يمثّل الحدّ الأدنى لشعبنا في وثيقة الوفاق الوطني كبرنامج سياسي مشترك لمجمل القوى الفلسطينية، هو قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس 1"12ذات سيادة كاملة على حدود الرابع من حزيران 967. وأوضح خالد مشعل في موقع آخر: "إنّ بعض الإسرائيليين يقولون إنّنا نريد إلقاءهم في البحر وهذا ليس صحيحًا، ليس لدينا مشكلة مع اليهود على أساس الدين"13. وحدّد مشعل طبيعة الصراع في لقاء مع الصحافة الغربية قائلً: "حماس تناضل من أجل إنهاء الاحتلال ومن أجل استعادة حقوق شعبنا بما فيها حقّ العودة، الصراع ناتج من العدوان والاحتلال، نضالنا ضدّ الإسرائيليين ليس لأنّهم يهود بل لأنّهم غزوا أرضنا وجرّدونا منها، نحن لن نقبل ذلك، ولأنّ اليهود اضطهدوا ذات مرة في أوروبا فليس من حقّهم أخذ أرضنا وطردنا منها، الظلم الذي تعرّض له اليهود في أوروبا كان فظيعًا وإجراميًّا لكنّه لم يرتكب من قبل الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين، لماذا نعاقَب نحن على خطايا الآخرين ونجبَ على دفع ثمن جرائمهم"14. تتمثّل خلاصة تصوّر حماس في أنّ الحلّ يكمن في حلّ الدولة الواحدة تحت السيادة الإسلامية؛ وذلك بعد عودة اللاجئين، وبسبب الظروف الصعبة التي تعيشها القضية الفلسطينية واختلال موازين القوى ومن أجل التوصّل إلى برنامج وطني موحّد مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، فإنّها على استعداد للقبول بحلّ مرحلي قائم على فكرة الهدنة يضمن إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على جزء من أراضي فلسطين التاريخية وهي على حدود 9671 كخطوة من أجل الوصول إلى الحلّ النهائي وهو تحرير فلسطين الكامل من الاحتلال الصهيوني. وتعني الهدنة من وجهة نظر الشيخ مصطفى شاور أنّ الصراع مستمرّ ولم يتوقّف وباعث استمرار الصراع ليس حبّ الصراع بل لأنّ سبب الصراع لم ينته وهو الاحتلال والظلم. فالحلّ المرحلي ليس اعترافًا بشرعية دولة إسرائيل، وإنّ ا اعتراف بها أمرًا واقعًا15. في هذا السياق، من المهمّ التفريق بين مفهوم الهدنة الطويلة الأمد التي تهدف إلى الوصول إلى ترتيبات سياسية معيّنة كما هي الحال في مبادرة الشيخ أحمد ياسين، والهدنة التي تسعى إلى وقف إطلاق النار كما هي الحال مع هدنة "الجرف الصامد." بما أنّ هذه الدراسة تهتمّ بهدنة "الجرف الصامد" نموذجًا، فلن تتعرّض لسواها من الهُدَن ووقف إطلاق (هدنة 2005، الشتاء الحار، الرصاص المصبوب، عامود السحاب.) وهي لن تتعرّض لتفاصيل الاتصالات والمفاوضات المباشرة التي خاضتها حماس مع إسرائيل بهدف التوصل إلى حلّ سياسي (الزهار عام 9881، والشيخ أحمد ياسين أثناء وجوده في السجن)، أو بهدف التوصّل إلى تبادل للأسرى (مفاوضات إيلان سعدون مع محمد الشراتحة، وشاليت مع يحيى السنوار داخل السجون)، ولن تتعرّض للاتصالات والمفاوضات غير
المباشرة التي حصلت بين إسرائيل وحماس من أجل التوصّل إلى حل سياسي (وثيقة أحمد يوسف)، أو من أجل التوصل إلى تبادل للأسرى (توليدانو، نحشون، شاليت.)
المبحث الثالث: موقف الطرفين من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة
الموقف الإسرائيلي
يتمثّل الموقف الإسرائيلي المعلن في الرفض التام لفكرة التفاوض أو الحديث مع حماس. وجسّدت هذا الموقف حكومات إسرائيل المتعاقبة من أيام حكومة رابين بتجاهلها مبادرات حماس السياسية أو حتى التفاوض معها من أجل تبادلٍ للأسرى، كما حدث في حالة الجندي نسيم توليدانو، لكنّ هذا الرفض أصبح مثار جدل داخلي في الأوساط السياسية والأكاديمية الإسرائيلية وبدأت تظهر أصوات قوية وخصوصًا بعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي الثانية وسيطرتها على قطاع غزّة، تدعو إلى التعامل مع حماس، فأصدر معهد الأمن القومي دراسة بعنوان: "في نهاية الأمر، أيضًا حماس." تشير الدراسة إلى أنّه من غير المتوقّع أن تختفي حركة حماس قريبًا من الساحة الفلسطينية، وأنّها ستظلّ لاعبًا سياسيًّا مهمًّ ولديه من القوة التي تمكّنه من تخريب أيّ عملية سلام محتملة، وحصول إسرائيل على هدنة طويلة الأمد مقابل ثمنٍ معقول سوف يكون مفيدًا لإسرائيل16، الأمر اللافت أنّ وجود رأي عامّ في إسرائيل يرى أنّ حماس لن تكون شريكًا محتملً بسبب أيديولوجيتها التي ترفض بموجبها وجود دولة إسرائيل لم يمنع واضعي الدراسة من دعوتهم للتفاوض مع حماس وعدم عدّ رفض حماس الاعتراف بإسرائيل عائقًا يمنع ذلك. لم تُلق المؤسسة الإسرائيلية بالً لهذه الدراسة. واستمرّت في سياستها القائمة على رفض التعامل مع حماس، بل إنّ الحكومة الإسرائيلية رفضت التعامل مع أيّ حكومة تكون حماس شريكة فيها كما صرّح نيتنياهو قائلً: "إذا دخلت حماس في الحكومة الفلسطينية، فلن تكون هناك مفاوضات"17. برّر نائب رئيس الوزراء سليفان شالوم موقف حكومته بقوله: "في اللحظة التي فازت فيها حماس بالانتخابات العالم كلّه طلب منها الاعتراف بإسرائيل ونبذ الإرهاب، هل نذهب نحن لإجراء محادثات مع حكومة كلّ العالم يقاطعها؟! هذا أمر مرفوض من أساسه"18. من وجهة نظر تسيبي ليفني فإنّه "ممنوع على إسرائيل التفاوض مع حماس؛ فالتفاوض مع حماس خطأ كبير بل يجب ضربها من أجل إعادة قوة الردع وعدم الحديث معهم." وتعزو ليفني ذلك إلى أنّ "حماس تنظيم إسلامي متطرف ولا يوجد احتمال اع للتوصل إلى اتفاق معهم، لأنّهم لا يوافقون على إنهاء الصّ"19. تعتمد جبهة الرفض لمبدأ التفاوض مع حماس في الوسط السياسي الإسرائيلي على أربع ركائز أساسيّة، وهي:)1 أنّ حماس "إرهابية" ولا يمكن التفاوض مع "الإرهاب." 2) أنّ التفاوض معها يعطيها شرعية.)3 أنّ التفاوض معها يعني وضع إسرائيل على قدم المساواة مع حماس ومعاملتها بندّية وهذا مرفوض في العقلية الإسرائيلية. 4) أنّ حماس لن تعترف بحقّ إسرائيل في الوجود بسبب أيديولوجيتها ورفضها إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
من ناحية أخرى وعلى أثر صمود حركة حماس وإفشالها جميع خطط إسرائيل من حصار وحرب من أجل تليين مواقفها وإجبارها على القبول بشروط الرباعية، بدأت بعض الأصوات من أكاديميين وسياسييّن تعلو مناديةً بضرورة فتح حوار مع حماس؛ ففي تحقيق صحفي بعنوان: "ألا يوجد مفرّ من الحديث مع حماس" نشرته جريدة معاريف استعرضت فيه مجموعة من الآراء لسياسيين إسرائيليين، يقول فيه أفرايم هليفي رئيس الموساد السابق: "لا يمكن
التفاوض مع الفلسطينيين دون التفاوض مع حماس، صحيح أنّهم شياطين لكنهم يلتزمون بكلمتهم." ويضيف هليفي: "الاعتراف بوجود دولة إسرائيل لا يجب أن يكون شرطًا للتفاوض وإلا لن يكون بأيّ يوم من الأيام تفاوضا، من الممكن إجراء مفاوضات مع حماس دون أن تعترف بدولة إسرائيل، وبعد الوصول إلى اتفاق نهائي يعترف الطرفان ببعضهما، يوجد لنا حقّ في الوجود لو لم تعترف حماس بذلك، نحن نعطيهم وزنًا كبيرًا إذا أصررنا على أن يعترفوا بنا، فقط الاعتراف باتفاقيات السلام ووقف الأعمال العدائية هي الشروط التي يجب أن تسبق المفاوضات"20. عبّ شلومو بن عامي وزير الخارجية السابق عن موقفٍ شبيه عندما قال: "حماس لديها أيديولوجية لا تطاق، لكن في نهاية الأمر سنحتاج إلى إجراء مفاوضات معهم." لم يكتف بن عامي بالتصريحات الصحفية، بل انضمّ إلى مجموعة مكوّنة من 24 شخصية سياسية، من بينهم وزراء خارجية ورؤساء ووزراء دفاع سابقون وطلبوا من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون أن تعملا على ضمّ حماس لأيّ ترتيب واتفاق سلام مستقبلي بين الفلسطينيين وإسرائيل21. استند الفريق الداعي لإجراء مفاوضات مع حماس مؤخرًا للتغيرات التي تشهدها المنطقة وتأثير الربيع العربي؛ ففي مقالة لدوري جولد المستشار السياسي لنتنياهو وسفير إسرائيل السابق لدى الأمم المتحدة بعنوان: "تأثير الربيع العربي حماس مرة أخرى غير خجولة." وعلى إثر صعود الإخوان المسلمين في مصر يشير إلى أنّ أميركا تدير محادثات مع طالبان بنفسها، وأنّ بريطانيا أدارت محادثات مع الجيش الإيرلندي، وأنّ إسرائيل ستتأثر بنتائج محادثات أميركا وطالبان، وسوف تدير بنفسها محادثات مع حماس22. خبَت الأصوات الداعية لإجراء مفاوضات مع حماس من جديد على وقع الأحداث في المحيط العربي والانقلاب على حكم الإخوان في مصر؛ وربّ ا كان السبب هو انتعاش آمال الساسة الإسرائيليين في القضاء على حكم حماس في غزّة بعد أنّ شدّد عليها نظام الانقلاب في مصر الحصار. إلا أنّ هذه الأصوات انتعشت في وسائل الإعلام على إثر حرب الجرف الصّامد ونتائجها. بعد استعراض الموقف الإسرائيلي بشأن التفاوض مع حماس، نجد أنّه تدرّج من رفض مبدأ التفاوض إلى القبول به لكن بشروط الرباعية إلى دعوة السياسيين لإجراء مفاوضات مع حماس إلى إبرام هدنة مع حماس في غزّة بتأثير من الربيع العربي. إضافةً إلى صفقة شاليت، التطوّر في الموقف الإسرائيلي نابع من ضغط الواقع والمتغيرات السياسية المتلاحقة في المنطقة. ولا يستبعد في مرحلةٍ ما أن تلجأ إسرائيل للتفاوض مع حماس دون شروط مسبقة كما حدث في إبرام وقف إطلاق النار عقب حرب "عامود السحاب." وربّ ا يتطوّر موقف إسرائيل مستقبلً فتسعى إلى إبرام اتفاقية مرحلية مع حماس تتضمّن حلًّ سياسيًّا مرحليًّا، حيث إنّ الحلّ المرحلي يحقّق مصلحة مشتركة للطرفين فإسرائيل لا ترغب في تبنّي حلّ دائم للقضية الفلسطينية يعالج موضوع القدس وحقّ العودة للاجئين ولا تستطيع ذلك. وفي الوقت نفسه، وفي ظلّ اختلال موازين القوة لمصلحة إسرائيل، لا تريد حماس حلًّ نهائيًّا للصراع، بل تريد إبقاءه مفتوحًا على أمل أن تتغيّ موازين القوى في المستقبل ليستطيع العرب والفلسطينيون فرْض شروطهم.
ثانيًا: موقف حماس
من أجل معرفة موقف حماس من التفاوض يجب الاطّ عاا على فلسفتها إزاء التسوية السياسية، فحركة حماس إلى جانب كونها حركة تحرر وطني فهي حركة إسلامية تنظر إلى أرض فلسطين بوصفها أرض "وقف إسلامي على أجيال المسلمين لا يصحّ التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها"23. وفي الميثاق نصٌّ واضح يرفض التعاطي مع الحلول السلمية القائمة على التفريط بجزء من فلسطين: "تتعارض المبادرات وما يسمّى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحلّ القضية الفلسطينية مع عقيدة حماس، فالتفريط في أيّ جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، فوطنية حماس جزء من دينها"24. يلاحظ من خلال متابعة أدبيات حماس وبياناتها أنّ موقفها من التسوية السلمية قد مرّ بتطوّرات عدّة؛ فبعدما كانت الحركة تعارض الحلول السلمية معارضة تتّسم بالرفض المبدئي كما يلاحظ في ميثاقها،
أوضحت في أدبياتها أنّها لا ترفض المفاوضات وسيلة من وسائل العمل السياسي بل إنّها تنظر إلى المفاوضات والمشاريع المطروحة بوصفها تتضمّن تنازلاتٍ واستحقاقات تتناقض مع رؤية الحركة مبدئيًّا وواقعيًّا سواء على المدى المرحلي أم الإستراتيجي. ويمكن تلخيص موقف حماس تجاه العملية السلمية بأربع مراحل: مرحلة إعلان الرفض المبدئي للحلول السياسية دون تفصيل. مرحلة إعلان رفض مترتبات أيّ مشروع أو اتفاق سياسي يتضمّن التنازل عن أيّ حقّ من حقوق الشعب الفلسطيني. مرحلة إعلان القبول بمبدأ الحلّ المرحلي ما لم يتضمّن التفريط في ما يتبقّى من حقوق فلسطينية. مرحلة إبداء الاستعداد لقبول مبدأ إعلان الهدنة مع إسرائيل وفقًا لشروط معيّنة ودون الاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود25. وفي وثيقة لحركة حماس تحدّد موقفها من "المقاومة والتفاوض والمنظمة"، وصف رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل التفاوض مع إسرائيل حاليًّا بأنّه خيار خاطئ، وأنّ حماس رفضت التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني، ورفضت أيضًا عروضًا أخرى بالجلوس مع قيادات رسمية إسرائيلية؛ لأنّ موازين القوى الحالية لا تخدم القضية بل تصبّ في خدمة العدوّ الذي يرفض الانسحاب من الأرض والاعتراف بالحقوق الفلسطينية، ومن ثمّ فإنّ التفاوض معه في هذه الحالة يعدّ عبثًا ومقامرة. وأشار مشعل إلى أنّ التفاوض مع العدوّ يُعدّ امتدادًا وإدارة للحرب بطريقة أخرى، وأنّ الوضع على الأرض هو الذي يحدّد نتائج أيّ تسوية لأنّ السلام يصنعه الأقوياء. وأوضح مشعل أيضًا أنّ التفاوض مع الأعداء جائز شرعًا وعقلً، لكنّه أداة تفرضها تكتيكات إدارة الصراع ضمن رؤية وقواعد وضوابطَ تحكم التفاوض مع الأعداء، وسبب فشل المفاوضات مع إسرائيل هو أنّ المعظم فاوضوا إسرائيل بلا أوراق ضغط وبلا سند أو مناورة؛ ففي ظلّ عدّ التفاوض خيارًا إستراتيجيًّا وعدم توظيف كلّ الخيارات بحيث تتساوى الرغبة في السلام مع القدرة على الحرب، ما الذي يجبر إسرائيل على منح المفاوض الفلسطيني أيّ شيء26؟ بالرجوع إلى الوثيقة، نجد أنّ حماس لا ترفض مبدأ التفاوض مع إسرائيل، وهي تدرك أهمية التفاوض أداة من أجل التحرّر من الاحتلال مع عدم إغفال الأدوات الأخرى وهي المقاومة بأشكالها كافّة، وكما يقول الشيخ مصطفى شاور: "من ناحية دينية لا يوجد مانع من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، المانع هو سياسي بالدرجة الأولى، فالصورة الذهنية الموجودة عند الشّعب الفلسطيني للمفاوض سلبية ومرتبطة بالتنازل عن الحقوق في ظل اختلال موازين القوة لصالح العدوّ، لذلك يكون الامتناع عن التفاوض المباشر مع العدوّ أفضل وأسلم"27. وقد عبّ عضو المكتب السياسي لحركة حماس عزّت الرشق عن وجهة نظر حماس بخصوص المفاوضات التي تجري برعاية وزير الخارجية الأميركية كيري في مقالة له تنطلق من فرضية مفادها أنّ المفاوضات في ظلّ موازين القوى الحالي لن تعيد الحقوق الفلسطينية المسلوبة، مع عدم رفضه مبدأ التفاوض مع إسرائيل28. عقب حرب "الجرف الصامد" وبتاريخ 2014/9/11، أثار موسى أبو مرزوق جدلً كبيرًا عندما سُئل إذا كان ممكنًا أن تفاوض حماس إسرائيل بصورة مباشرة، فأجاب: "من الناحية الشرعية ’الدينية‘ لا غبارَ على مفاوضة الاحتلال، كما نفاوضه بالسلاح نفاوضه بالكلام"، عللّ أبو مرزوق هذا التطوّر بسببين: أوّلهما وجود ضغط شعبي على حماس في قطاع غزة من أجل خوض مفاوضات مباشرة لرفع الحصار؛ وثانيهما أنّ مطالب المقاومة ثقيلة على السلطة وحكومة التوافق. بناءً على ذلك وبحسب أبو مرزوق "يصبح كثير من القضايا التي كانت سياسات شبه "تابو" عند الحركة مطروحة على أجندتها"، مشيرًا إلى أنّ "سياسة الحركة حتى الآن ألّ تفاوض الاحتلال، لكن على الآخرين أن يدركوا أنّ هذه المسألة ليست محرّمة"29. أثارت تصريحات أبو مرزوق ضجّة كبيرة في الأوساط السياسية، فهذه هي المرة الأولى التي يصرّح فيها مسؤول في حماس بإمكانية خوض مفاوضات مباشرة مع الاحتلال، ما اضطرّ المكتب السياسي لحماس إلى إصدار بيان صحفي ورد فيه ما يلي: "المفاوضات المباشرة مع العدوّ الصهيوني ليست من سياسة الحركة وليست مطروحة في مداولاتها، وهذه هي السياسة المعتمدة في الحركة"30. لم ينصّ بيان حماس الصحفي على رفض فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل بل اهتمّ بأن يوضح أنّ الأمر
ليس مطروحًا للمداولة لذلك فهو ليس من سياسة الحركة في الوقت الراهن، وهذا يؤشّ إلى أنّ هذا الموضوع مازال موضع جدل داخل حماس، ولم يُتّخذ فيه قرار نهائي، ما يعني إمكانية حدوثه مستقبلً إذا توافرت الشروط الملائمة. ربّ ا تكون تصريحات أبو مرزوق انعكاسًا لحالة الإحباط من فشل اتفاق الشاطئ وحكومة الوفاق الوطني في فكّ الحصار، وهي بمنزلة رسالة للمصريين الذين لم يغيّ وا موقفهم السلبي من حماس بعد الحرب؛ فقد وضّ ح أبو مرزوق في لقاء حواري أنّ هنالك تجربة مريرة من كلّ موضوع التفاوض، "فوجود وسيط صاحب مصلحة يثقل مصالحك." وأضاف: "كلّ واحد له مصلحة يقول وجهة نظره، وبالتالي كثير من القضايا تفوّت لأسباب من هذا النوع"31. كان المفترض أن يعمل البيان الصادر من المكتب السياسي على التخفيف من الجدل القائم حول موضوع المفاوضات المباشرة. لكنّ تصريحات أبو مرزوق دفعت وسائل الإعلام إلى تتبّع موقف قادة حماس؛ فصرّح مشعل: "أنّ المفاوضات المباشرة مع الكيان الإسرائيلي ليست مطروحة على أجندة الحركة، ولا في مداولاتها" مشدّدًا على أنّ "السياسة المعتمدة لدى الحركة هي المفاوضات غير المباشرة إذا ما كان من ضرورة لذلك"32. وأكّد هنيّة أيضًا أنّ "حماس" ترفض إجراء أيّ مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، داعيًا في الوقت ذاته إلى النظر في إستراتيجية المفاوضات والتحرّك السياسي، مضيفًا: "لسنا، من حيث المبدأ، ضدّ أيّ تحرّك سياسي على قاعدة وثيقة الوفاق الوطني التي وقّعت عليها الفصائل كافة"33. أمّا الزهار فصرّح: "لا نفاوض إسرائيل مباشرة مع أنّه لا يوجد مانع شرعي أو سياسي من ذلك، لكن سياستنا عكس ذلك. من كان يفعل ذلك هو أبو مازن (محمود عباس)، وهو أيضًا إن ساعدنا في التفاوض غير المباشر مع الاحتلال خلال مباحثات وقف النار في القاهرة، فإنّنا لم نخوّله أن يفاوض إسرائيل على برنامج سياسي ولا على حدود عام 67، ولا على أيّ شيء آخر. عباس كان يفاوض لرفع الحصار وفي القضايا الإنسانية كإدخال الموادّ والبضائع إلى غزة" 34. ولم يتوقّف الجدل عند هذا الحدّ بل دعا النائب يحيى موسى عن كتلة التغيير والإصلاح حماس إلى "عدم المشاركة في مباحثات القاهرة حول الميناء والمطار، وأن تفوّض الحركة عزام الأحمد والرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة رامي الحمد الله، فهم السلطة وهم الشرعية وهم الحكومة، ومعهم قرار السلم وقرار الحرب، ومن وظيفتهم رفع الحصار"35. لقد أظهر هذا الجدل الحمساوي العلني حول موضوع المفاوضات المباشرة أنّ هنالك ثلاثة تيارات في داخل حماس؛ التيار الأوّل يقوده موسى أبو مرزوق، والذي لا يرى بأسًا من إجراء مفاوضات مع إسرائيل إذا دعت الحاجة إلى ذلك. والتيّار الثاني يمثّله مشعل وهنيّة والزهّار، يرفض فكرة المفاوضات المباشرة ويميل لتبنّي المفاوضات غير المباشرة. أمّا التيار الثالث فيمثّله يحيى موسى، وهو يدعو إلى توكيل السلطة وحكومة التوافق في موضوع التفاوض. يوجد قاسم مشترك بين هذه التيارات الثلاثة وهو أنّها لا ترى أيّ مانع عقائدي للتفاوض مع إسرائيل بل المانع سياسي بحت. بنَت حماس موقفها على أنّ المفاوضات ضمن موازين القوى الحالية لن تعيد حقوق الشعب الفلسطيني؛ فاللاعب الأساسي في موضوع التفاوض هو إسرائيل، ومن غير المتوقّع أن توافق إسرائيل على الجلوس على مائدة المفاوضات مقابل حماس دون أن تلتزم بشروط الرباعية، فتغيير المفاوض الفلسطيني دون أن يتغيّ ميزان القوى لن يغيّ شيئًا في نتائج المفاوضات، وبخوضها المفاوضات المباشرة لن تستطيع حماس أن تحصّل أكثر ممّ حصّلته "منظمة التحرير الفلسطينية." وهذا يفسّ تهرّب حماس من تحمّل مسؤولية إجراء مفاوضات مع إسرائيل ورمْيها هذه الكرة الملتهبة في حجر أبو مازن كما نصّت على ذلك وثيقة الوفاق الوطني، والتي تنصّ على أنّ رئيس منظمة التحرير هو المسؤول عن ملفّ التفاوض. لقد التقت رغبة أبو مازن في تفرّده بإدارة المفاوضات برغبة حماس في التهرّب من إدارة هذا الملفّ الملتهب. لكن عاجلً أو آجلً ستضطرّ حماس للتعامل مع هذا الملفّ بوصفها جزءًا من قيادة الشعب الفلسطيني إذا ما جرى تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني التي تتضمّن إعادة تشكيل منظمة التحرير بحيث تضمّ حماس، فهي إن لم تشارك في المفاوضات بصورة مباشرة فستكون جزءًا من مرجعيتها، ولن تستطيع حماس حينها
إدارة ظهرها لتطلّعات الشعب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال في الأراضي المحتلّة عام 9671، وتحقيق برنامج الحدّ الأدنى الذي تضمّنته وثيقة الوفاق الوطني باستخدام جميع الوسائل بما فيها المفاوضات والمقاومة بأشكالها كافّة، وربّ ا تستطيع حماس مستقبلً إيجاد توليفة تدمج بين المقاومة والمفاوضات على غرار جميع حركات التحرّر في العالم. لكن من أجل تحقيق هذه التوليفة، عليها إيجاد طريقة للتوحّد مع بقية الفصائل على أرضية برنامج وطني مشترك وقيادة وطنية موحّدة، كما ورد في وثيقة الوفاق الوطني.
المبحث الرابع: هدنة الجرف الصّ امد
عقب اندلاع الحرب بيوم واحد بتاريخ 2014/7/8، خرج أبو عبيدة الناطق باسم القسام وأعلن شروط حماس لوقف إطلاق النار، والتي تضمّنت:)1" وقف الحملة الإسرائيلية العدوانية ضدّ الضّ فة والقدس. 2) وقف الحملة العدوانية على قطاع غزّة ووقف الغارات وتحليق الطائرات والالتزام ببنود اتفاق 2012.)3 الالتزام بالإفراج عن محرري صفقة وفاء الأحرار "شاليت" الذين أعيد اعتقالهم.)3 الكفّ عن تخريب المصالحة الفلسطينية ورفع اليد عن التدخل في الحكومة الجديدة واستحقاقاتها"36.
بعد أسبوع من اندلاع الحرب، تقدّمت مصر بمبادرة لوقف إطلاق النار تعتمد على مبدأ تخفيف الحصار وليس على إنهائه. وبحسب صحيفة هآرتس فإنّ المبادرة اعتمدت على مقترح قدّمه أبو مازن وأنّ مصر وإسرائيل سارعتا إلى صوْغ المبادرة لأنّهما لا ترغبان في دورٍ أميركي في اتفاق وقف إطلاق النار؛ فالقاهرة لم ترغب في تدخّل كيري كي يظهر السيسي قادرًا على القيام بالدور المصري، أمّا تل أبيب فخشيت أن تتعرّض للضغوط الأميركية التي قد تؤدّي إلى رفع الحصار عن غزّة، بحسب الصحيفة فإنّ فصائل المقاومة لم تبلّغ بالمبادرة وأنّ مصر ردّت على سؤال إسرائيل عن موقف حماس منها بالقول إنّه إذا وافقت إسرائيل على المبادرة فلا خيار أمام حماس إلا القبول بها38. رفضت حماس مبادرة السيسي. فجرى اتّهامها بأنّ سبب رفضها يعود إلى عدم رغبتها في أن يأتي الحلّ من جانب مصر "السيسي" بسبب ممارساتها العدائية تجاهها على الرغم من أنّ المبادرة مبنيّة على تفاهمات 2012 الموقّعة في عهد مرسي. وفنَّد موسى أبو مرزوق هذه الفكرة بتوضيحه أنّ ملفّ العلاقة مع حماس بيد المخابرات المصرية بغضّ النظر عن الرئيس أو الجهة التي تحكم مصر، وأنّ حماس أوضحت أنّ اعتذارها عن قبول المبادرة المصرية بالطريقة التي خرجت فيها شكلً ومضمونًا، لا يعني الرفض أو الاعتراض على الدور المصري. وأكّد أنّه لا حلّ من دون مصر، لكن أيّ حلّ يجب أن يلبّي حقوق الشعب الفلسطيني. على الرغم من ذلك، ألمح أبو مرزوق لمعاداة السلطة القائمة في مصر لحماس عندما قارن بين موقف مصر مرسي التي عَدّت نفسها أكثر من وسيط والدعم الرسمي الذي تلقّته متمثّلً بزيارة رئيس الوزراء هشام قنديل لغزة أثناء حرب "عامود السحاب" وموقف مصر السيسي الذي يعدّ نفسه وسيطًا يساوي بين الضحية والجلّد إضافةً إلى مهاجمة وسائل الإعلام الدائمة لحماس واتّهامها بالتآمر مع إسرائيل. وأشار أبو مرزوق أيضًا لقراءة حماس للمبادرة بأنّها: "جاءت لإحراج حماس لأنّه في حال رفضها، ستُحرج حماس وستعطي الضّ وء الأخضر لبنيامين نتنياهو لكي يضرب قطاع غزّة، وفي حال الموافقة من جانب حماس عليها، فهذا يعني الاستسلام وإعلان هزيمة المقاومة، لأنّه حينها، لم يكن بين أيدينا ما يكفي لنفاوض عليه ونضعه على الطاولة، ووقتها يكون قد خسر الغزيون كلّ شيء"39. قام أبو مرزوق باستعراض الاختلاف بين تفاهمات 2012 ومبادرة 2014 ضمن عدة نقاط، من أهمّها40: في تفاهمات 2012 المخابرات المصرية هي التي قادت مفاوضات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل، أمّا مبادرة 2014 فلم تكن
نتيجة مفاوضات. وأ علنت في الإعلام ومن جانب واحد دون رجوع أو تنسيق مع المقاومة الفلسطينية وهذا خلاف.2012 مبادرة 2014 ربطت فتح المعابر بالأمن، في حين أنّ المنطقة برمّتها ليس فيها أمن، وهذا معناه ألّ تفتح المعابر على الإطلاق، في حين أنّ فتح المعابر في المبادرة السابقة لم يتمّ ربطه بشرط. الخطورة السياسية التي جاءت في ديباجة المبادرة (الفقرة الثانية)، عن الشروع في مفاوضات سلمية على حدود 9671 والالتزام بقرارات شرعية دولية تلزم المقاومة، وهذه مسلمّات ترفض المقاومة الإقرار بشرعيتها؛ ودفعت في سبيل رفضها هذا حصارًا وقَتلً واعتقالً؛ فالاعتراف بذلك في الوقت الحالي يعني أنّ ما عجزت إسرائيل وأميركا عن أخذه من إقرار واعتراف بشرعية وجودها على حدود 9671 من خلال الحصار والحروب المتكررة، مطلوب منّا أن نقبل به بمبادرة لوقف إطلاق النار، حال القبول والتوقيع. يحدّد الباحث حسين أبو النمل في قراءةٍ له الفرق بين مبادرت 2012 و 2014 ضمن النقاط التالية41: من ناحية الشكل فإنّ حجم الديباجة والآليات في مبادرة 2014 صار ضعف حجم المبادرة نفسها. تطالب ديباجة مبادرة 2014 المنظمات الفلسطينية بالاعتراف بأنّ عملها عنف اقتضى عنفًا مضادًّا. نصّت مبادرة 2012 على"وقف استهداف الأشخاص" عامةً بينما نصَّت مبادرة 2014 على "وقف استهداف المدنيين الفلسطينيين." توسيع مفهوم الأعمال العدائية ضدّ إسرائيل لتشمل تحت الأرض أو الأنفاق إلى غزّة ومنها في الاتجاهين. أسقطت مبادرة 2014 "عدم تقييد حركة السكان." وأضافت ربط فتح المعابر بالاستقرار الأمني. في 2012 تفاهم على "تهدئة - وقف إطلاق النار." بينما في 2014 بحث في "موضوع الأمن" بصورة عامة. قبلت إسرائيل مبادرة 2014 من دون شروط مسبقة لأنّ كلّ شروطها قُبلت مسبقًا. تلزم مبادرة 2014 مصر بتنفيذها وضبط مدخلات الأنفاق إلى غزّة وفقًا للمفهوم الإسرائيلي للأمن. حدّدت المبادرة المصرية وقت بدء وقف إط قاا النار في يوم 2014/7/15 الساعة التاسعة صباحًا، فأعلنت إسرائيل التزامها المبادرة ووقف إطلاق النار. بينما كان ردّ المقاومة رفض المبادرة. تجسّد ذلك في ساحة المعركة بإطلاق الصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية. وأعلنت المقاومة بجميع فصائلها أنّها لن تلتزم المبادرة المصرية بشكلها المطروح ما لم يَجْر تعديلها. من ناحيتها، رفضت مصر تعديل المبادرة دون أن تعطي سببًا مقنعًا لرفضها. تسبّب رفض المقاومة في حرج شديد لنتنياهو وأظهره بمظهر الفاشل حتى وصل الأمر ببعض أركان حزبه إلى اتّهامه علانيةً بالفشل والعجز، ما دفع نتنياهو إلى توسيع الحرب والبدء في شنّ الحملة البرّية. وصرّح قائلً: "حماس لم تُبق لنا بديلً، لهذا وسّعنا العملية العسكرية ضدّها، سوف تدفع حماس ثمنًا غاليًا على رفضها وقف النار،.....، وطالما لم يتوقف إطلاق النار سنردّ باستخدام النار"43. بدأت إسرائيل الحرب البرية في 2014/7/17 ظنًّا منها أنّها بذلك ستجبر المقاومة على القدوم إلى طاولة المفاوضات مرغَمة. لكنّ مجريات المعركة على الأرض واستعداد فصائل المقاومة الجيّد لهذه المواجهة عبر شبكة الأنفاق أوقعا الجنود في كمائن محكمة قلبت المعادلة وأوقعت خسائر ملموسة في جيش الاحتلال، ممّ دفع نتنياهو للاستعانة بحليفه الأميركي للخروج من مأزقه. بدأ وزير الخارجية الأميركي كيري التحرّك من أجل التوصّل إلى وقف إطلاق النار والوصول إلى تفاهم سياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. واقترح كيري في 2014/7/25 مبادرة تنصّ على: "وقف إطلاق النار من الجانبين ولمدة أسبوع ابتداءً من يوم 27 تموز/ يوليو. وبعد 48 ساعة من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تقوم القاهرة بتوجيه دعوة إلى إسرائيل والفصائل الفلسطينية للدخول في مفاوضات حول "وقف إطلاق نارٍ مستدام" و"حلٍّ دائمٍ " لما وصفته الوثيقة ب "الأزمة في غزّة"، وبما يتضمن ترتيبات لفتح المعابر، والسماح بدخول البضائع وحركة الناس، وضمان الأحوال المعيشية والاجتماعية لسكان غزّة، فضلً عن السماح بتحويل الأموال إلى غزّة لدفع رواتب الموظفين العموميين. كما أشارت الوثيقة المسرَّبة، إلى أنّه خلال "وقف إطلاق النار الإنساني"، فإنّ الأطراف كلها ستمتنع عن القيام بأيّ عمليات عسكرية أو أمنية تستهدف الطرف الآخر، كما أنّها ستسمح بإيصال المساعدات الإنسانية، والتي تتضمّن، من دون أن تكون مقتصرة
على، الطعام والدواء والمأوى للفلسطينيين في غزّة. وأكّدت وثيقة كيري أنّ أعضاء الأسرة الدولية، وتحديدًا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وقطر وتركيا وغيرهم، سيدعمون أيّ وقف لإطلاق النار بين الطرفين، وسيساهمون في المبادرات الإنسانية للاستجابة للحاجات العاجلة لشعب غزّة. وفي مقابل ذلك فإنّ وثيقة كيري أشارت إلى أنّ المفاوضات المقترحة في القاهرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدعوة مصرية "ستناقش كلّ القضايا الأمنيّة." وكان الرهان الأميركي على أنّ العبارة الأخيرة: "ستناقش كلّ القضايا الأمنيّة"، إضافةً إلى الإحالتين السابقتين ل "وقف إطلاق نارٍ مستدام" و"حلٍّ دائمٍ "، يمكن أن تسهم مجتمعة في تجاوز أيّ اعتراضات أو عقبات من قبل إسرائيل وحركة حماس. فحسب منطق مساعدي كيري عند تقديمهم تلك الوثيقة، قد تقرأ حماس مثل هذه الإحالات على أنّها تتضمن رفع الحصار عن قطاع غزّة، في حين يمكن لإسرائيل أنّ تقرأها على أنّها دعوة لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزّة"44. فوجئ كيري بالرفض الإسرائيلي المصري لمبادرته. وأعلنت الرئاسة والخارجية المصريتان رفضهما تعديل مبادرتها. أمّا إسرائيل فعلّلت رفضها المبادرة كونها لم تشر إلى أنفاق المقاومة التي تسبّبت في إيقاع الخسائر في صفوف جيش الاحتلال، وأنّها تقدّم لحماس إنجازات كثيرة، وقد يكون سبب رفض مصر المبادرة هو اعتقادها أنّها تمثّل حبل نجاة لحماس وهذا ما لا تريده، إضافةً إلى عقد اجتماع باريس في 2014/7/26 دون دعوتها أو دعوة السلطة الفلسطينية وإسرائيل؛ إذ اقتصر الحضور على خصوم القاهرة السياسيين، تركيا وقطر، إضافةً إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا45. خشية مصر من خسارة دورها بوصفها لاعبًا إقليميًّا فاعلً لمصلحة قطر أو تركيا، إضافةً إلى صمود المقاومة وإيقاعها خسائر بجيش الاحتلال، كلّ ذلك أجبرها على تغيير موقفها؛ فأشعرت حماس عبر أبو مازن أنّها على استعداد لتعديل مبادرتها46. ووافقت حماس على الذهاب إلى القاهرة من أجل خوض مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل على أساس تعديل المبادرة المصرية ضمن وفدٍ موحّد وأصرّت على أن لا يقتصر الوفد على فتح وحماس بل أن يضمّ بقية الفصائل الفلسطينية. واشترطت حماس أيضًا انسحاب القوّات البرية الإسرائيلية من قطاع غزّة. تحقّق ما طلبته حماس، فسحبت إسرائيل قوّاتها وجرى الإعلان عن هدنة لمدة 72 ساعة على الساعة الثامنة من صباح الثلاثاء /8/5472014. مع بداية المفاوضات ظنّت إسرائيل أنّ الوقت حان لتحقيق إنجاز سياسي، بينما أعلن خالد مشعل أنّ: "حماس لن توافق على وقف إطلاق النار دون رفع الحصار عن غزّة، فحماس لن توافق على هدنة تتضمن فقط وقف إطلاق النار، أيّ اتفاق يجب أن يتضمن حلًّ سياسيًّا طويل الأمد ومكاسب اقتصادية للفلسطينيين، يوجد للحركة ثلاثة مطالب أساسيّة:)1 وقف إسرائيل عدوانها على غزّة. 2) الإفراج عن المعتقلين في الضّ فّة وعن الذين تمّ اعتقالهم عقب قتل المستوطنين الثلاثة.)3 إنهاء حصار غزّة"48. تعنّتت إسرائيل في المفاوضات وقامت بالمراوغة، فامتنعت عن إعطاء شيء ملموس في مفاوضات القاهرة ما دفع كتائب القسام في بيان لها إلى إعلان أنّها ستستأنف هجماتها في حال انتهت هدنة ال 72 ساعة دون تحقيق تقدّم ملموس49. على ما يبدو استخفّت إسرائيل ببيان القسام ظنًّا منها أنّها قد استطاعت استنزاف حماس وأنّها لن تجرؤ على استئناف الحرب. مع انتهاء مدة الهدنة على الساعة الثامنة بتاريخ 2014/8/8 دون التوصل إلى اتفاق، فاجأت حماس جميع الأطراف عندما استأنفت هجماتها وأمطرت المستوطنات الإسرائيلية بوابلٍ من الصواريخ50. ودفع تفجُّر الأمور من جديد مصر إلى الإلقاء بثقلها خلف تجديد الهدنة مرةً ثانية لمدة 72 ساعة. وبالفعل جرى التوصّل إلى هدنة جديدة تبدأ من منتصف ليل الأحد/الإثنين 2014/8/11 وذلك من أجل إنقاذ المفاوضات المنهارة51. بعد انتهاء هذه الهدنة جرى الاتفاق على تمديد الهدنة لخمسة أيام إضافية. وقد وضّ ح رئيس الوفد الفلسطيني السبب بقوله: "لأنّ الوفد الإسرائيلي طوال 72 ساعة الماضية لم يقطن في القاهرة، مما تسبّب بعدم اكتمال الاتفاق وكان أمامنا خياران إمّا أن نقول لم نتوصل إلى اتفاق أو نتابع ويتم تمديد وقف إطلاق النار وبالفعل في اللحظات الأخيرة تم الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار 5 أيام أخرى على أمل التوصّل إلى إنجاز الاتفاق"52. وصرّح أبو مرزوق بأنّه لا يوجد أيّ اختراق في أيّ قضية
من القضايا وأنّ الشيء الوحيد الذي جرى الاتفاق عليه هو تمديد التهدئة53. وأوضح خليل الحية عضو الوفد المفاوض الموقف قائلً: " نستطيع أن نبرم اتفاقا، لذا أعطينا فرصة جديدة للتهدئة بالأمس، لمزيد من المشاورات ولتوجيه كلّ الضغوط نحو العدوّ لإجباره على الالتزام بمطالبنا، مازالت هناك فرصة حقيقية لإبرام اتفاق بشرط أن يكفّ الاحتلال عن التلاعب بالألفاظ التي تفقد مضامين مطالبنا، وسنبقى أمناء، سنواصل الحوار"54. مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة ونتيجة للمراوغة الإسرائيلية، بدأت حماس التهديد بحرب استنزاف طويلة في حال لم تستجب لشروط المقاومة55؛ ففي 2014/8/17 وقبل انتهاء هدنة الأيام الخمسة بيوم وعقب لقاء الوفد الفلسطيني مع الجانب المصري، اتّضح أنّ المفاوضات قد عادت إلى نقطة الصفر في ظلّ إصرار إسرائيل على إدخال تعديلات تنصّ على نزع سلاح المقاومة56. ودفع تعثر المفاوضات الوسيط المصري إلى التدخّل من جديد من أجل تمديد التهدئة ليومٍ إضافي، فوافق الطرفان حتى لا يتّهم أحدهما بإفشال مساعي التوصّل إلى وقف إطلاق النار مع قناعة الطرفين بصعوبة التوصّل إلى اتفاق57. على الرغم ممّ جرى إشاعته في وسائل الإعلام عن قرب التوصّل إلى اتفاق، فإسرائيل كانت تبيّت النية لإنهاء التهدئة، وقامت كما صرّح المستشار القضائي السابق للحكومة مايكل بن يائير بافتعال مسرحية خرق حماس التهدئة وادّعت أنّ حماس أطلقت صواريخ على بئر السبع وذلك لتبرير خرقها التهدئة من أجل القيام بمحاولة فاشلة لاغتيال قائد كتائب القسام محمد الضيف عبر قصف بيت تظنّ أنّه يتحصّن به58. ونتيجة محاولة الاغتيال الفاشلة سقط مجموعة من الشهداء من ضمنهم زوجة الضيف وابنه، وتفجّرت الأوضاع من جديد بعد أن ردّت كتائب القسام على هذه العملية باستئناف قصف تل أبيب والمستوطنات الإسرائيلية. وعلى إثر ذلك غادر الوفد الإسرائيلي القاهرة، فعلّق عزام الأحمد قائلً إنّ ذلك يدلّ على نيّة مبيّتة من جانب إسرائيل لإفشال المفاوضات وخصوصًا بعدما تسلّم الجانب الإسرائيلي الورقة المصرية المعدّلة ليبدي رأيه فيها، والتي تتضمّن رفع الحصار برًّا وجوًّا وبحرًا59.
توقّفت المفاوضات لعدة أيام. فاستغلّت إسرائيل قدراتها التدميرية من أجل إيقاع خسائر مادية هائلة بالفلسطينيين. وبدأت في هدم الأبراج السكنية المكتظة بالسكان من أجل إرغام حماس على العودة إلى طاولة المفاوضات ضمن الشروط الإسرائيلية، كما صرّح بذلك وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعلون60. ومرة أخرى أظهر الجمهور الفلسطيني صمودًا مذهلً أمام آلة الدمار الإسرائيلية. واستمرّت المقاومة في استهداف المدن والمستوطنات الإسرائيلية. تزايدت الضغوط الداخلية على نتنياهو من أجل إيجاد حلّ يضمن الهدوء لسكان إسرائيل؛ فإمّا أن يقرّر احتلال غزّة من جديد وهذا ما لا يستطيع تحمّل كلفته السياسية أو الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار. وبدأت أصوات الجمهور الإسرائيلي تتعالى معبّةً عن ضيقها وعدم قدرتها على الاستمرار في تحمّل حرب الاستنزاف التي تخوضها المقاومة ضدّ إسرائيل. وانعكس هذا الشعور في استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي أظهرت تراجع شعبية نتنياهو من %82 في بداية الحرب إلى %38 قبل انتهائها بيوم. لم يجد نتنياهو مفرًّا من القبول بالورقة المصرية المعدّلة التي لا تتضمّن أيّ إنجاز يذكر لإسرائيل. واضطرّ لمخالفة العرف السائد لدى الحكومات الإسرائيلية بالرجوع إلى وزرائه مستندًا إلى رأي المستشار القانوني للحكومة فأعلن موافقته
على وقف إطلاق النار دون الرجوع إلى المجلس الأمني المصغّر "الكابينت" الذي عارض نصف أعضائه "أربعة وزراء من ثمانية" اتفاق وقف إطلاق النار بصيغته المطروحة، والتي لا تتضمّن أيّ إنجاز سياسي لإسرائيل أو يحقّق أيّ هدف من الأهداف الإسرائيلية61. في 2014/8/26 أعلنت وزارة الخارجية المصرية التوصّل لاتّفاقٍ لوقف إطلاق النار وقالت في بيانٍ لها: "حفاظًا على أرواح الأبرياء وحقنًا للدماء واستنادًا إلى المبادرة المصرية 2014 وتفاهمات القاهرة 2012، دعت مصر الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى وقف إطلاق النار الشامل والمتبادل بالتزامن مع فتح المعابر بين قطاع غزّة وإسرائيل بما يحقّق سرعة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية ومستلزمات إعادة الإعمار والصيد البحري انطلاقًا من 6 ميل بحري، واستمرار المفاوضات غير المباشرة بين الطّرفين بشأن الموضوعات الأخرى خلال شهر من بدء تثبيت وقف إطلاق النار، وفي ضوء قبول الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بما ورد بالدعوة المصرية، فقد تحدّدت ساعة 900(1 بتوقيت القاهرة يوم 2014/8/26) لبدء سريان وقف إطلاق النار"62. بحسب موقع المركز الفلسطيني للإعلام فقد نصّ اتفاق وقف إطلاق النار على ما يلي: "وافق الطرفان على التعامل مع القضايا الأكثر تعقيدا والتي هي محور خلاف بينهما بما في ذلك الإفراج عن سجناء فلسطينيين ومطالب غزّة بميناء، عبر محادثات أخرى غير مباشرة تبدأ في غضون شهر. خطوات فورية: توافق "حماس" وفصائل المقاومة الأخرى في غزّة على وقف إطلاق كل الصّواريخ على "إسرائيل." توقف "إسرائيل" كلّ العمليات العسكرية بما في ذلك الضربات الجوية والعمليات البرّية. توافق "إسرائيل" على فتح المزيد من معابرها الحدودية مع غزّة للسماح بتدفّقٍ أيسر للبضائع، بما في ذلك المعونة الإنسانية ومعدات إعادة الإعمار إلى القطاع. في إطار اتفاق ثنائي منفصل توافق مصر على فتح معبر رفح على حدودها مع غزّة. يتوقع من السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس تسلّم المسؤولية عن إدارة حدود غزّة من "حماس." تتولّ السلطة الفلسطينية قيادة تنسيق جهود إعادة الإعمار في غزّة مع المانحين الدوليين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. ينتظر من "إسرائيل" أنّ تضيق المنطقة الأمنيّة العازلة داخل حدود قطاع غزّة من 003 متر إلى 001 متر إذا صمدت الهدنة. وتسمح هذه الخطوة للفلسطينيين بالوصول إلى مزيد من الأراضي الزراعية قرب الحدود. توسّع "إسرائيل" نطاق الصيد البحري قبالة ساحل غزّة إلى ستة أميال بدلً من ثلاثة أميال مع احتمال توسيعه تدريجيًّا إذا صمدت الهدنة. ويريد الفلسطينيون العودة في نهاية الأمر إلى النطاق الدولي الكامل وهو 21 ميلً. قضايا المدى البعيد التي ستبحث: تريد "حماس" من "إسرائيل" الإفراج عن مئات الفلسطينيين الذين اعتقلوا في الضّ فّة الغربية عقب خطف وقتل ثلاثة شبان إسرائيليين في حزيران/يونيو، وهوعمل قاد إلى الحرب. يريد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي يقود حركة فتح الإفراج عن قدامى المعتقلين الفلسطينيين الذين أسقطت فكرة الإفراج عنهم، بعد انهيار محادثات السلام بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية. تريد "إسرائيل" أن تسلّم "حماس" وغيرها من جماعات النشطاء في غزّة جميع أشلاء ومتعلقات جنود إسرائيليين قتلوا في الحرب. تريد "حماس" بناء ميناء بحري في غزّة يسمح بنقل البضائع والبشر إلى القطاع ومنه. وترفض "إسرائيل" هذه الخطط منذ وقت طويل. ولكن من المحتمل تحقيق تقدّم في ذلك الاتجاه إذا كانت هناك ضمانات أمنيّة تامة. تريد "حماس" الإفراج عن أموال تسمح لها بدفع أجور 40 ألفًا من رجال الشرطة والموظفين الحكوميين وغيرهم من العاملين الإداريين الذين لم يتقاضوا إلى حدٍّ كبير أيّ أجر منذ أواخر العام الماضي. يريد الفلسطينيون أيضًا إعادة بناء مطار ياسر عرفات في غزّة الذي افتتح عام 9981، ولكن أغلق عام 2000 بعد أن قصفته "إسرائيل."63
نجد أنّ بنود الاتفاق تشير للأمور التالية: استطاعت حماس تسجيل انتصار سياسي بمحافظتها على سلاحها وعدم تضمين الاتفاق أيّ بند يتعلق بنزع سلاح المقاومة أو إعادة تسليحها من جديد، كما أنّ الاتفاق لا يمنع الاستعداد عسكريًّا لأيّ مواجهة مستقبلية من قبيل حفر الأنفاق وتصنيع الصواريخ. مع أنّ الاتفاق اتّسم بعمومية الألفاظ بحيث لم يتضمّن بندًا واضحًا ينصّ على رفع الحصار بصورة كاملة عن غزّة، فتفاصيله تشير إلى ذلك كما ورد في البند الثالث الذي ينصّ على فتح المعابر ولا يضع قيودًا على تدفّق البضائع ومعدات إعادة الإعمار. حاولت إسرائيل عدم إعطاء حماس إنجازًا سياسيًّا متعمّدةً عدم ذكرها في أيّ ترتيب والإصرار على أن تكون السلطة الفلسطينية هي المسؤولة عن إعادة الإعمار وإدارة المعابر. لا يضير هذا الأمر حماس ولا ينتقص من قدرها خصوصًا أنّها وافقت على تسليم إدارة غزّة لحكومة التوافق بحسب "اتفاق الشاطئ"، بل إنّ ذلك يعدّ إنجازًا لأنّ مغزاه السياسي هو قبول إسرائيل التعامل مع حكومة التوافق بعد أن كانت ترفض ذلك. على الرغم من أنّ الاتفاق أجّل البحث في موضوع الميناء البحري، فإدراج الموضوع ضمن البنود التي سيجري بحثها بعد شهر يؤشّ إلى أنّ إسرائيل مستعدة من حيث المبدأ لبحث الموضوع إذا حصلت على ضمانات أمنيّة ملائمة. تأجيل موضوع الأسرى متوقّع في ظلّ التجارب السابقة التي تشير إلى المدة الطويلة التي يحتاج إليها التفاوض حول أيّ صفقة لتبادل الأسرى، فقد رفضت حماس ربط موضوع تبادل الأسرى والجثث بوقف إطلاق النار كما طلبت إسرائيل في أثناء المفاوضات64. عبر إصرارها على تزامن فتح المعابر مع وقف إطلاق النار، استطاعت حماس كسر معادلة هدوء مقابل هدوء التي كان نتنياهو يطمح لها، والتي نصّت عليها المبادرة المصرية قبل تعديلها. يعدّ الاتفاق في مجمله انتصارًا لحماس، فلو كان الاتفاق يحقّق مكاسب لإسرائيل لما عارضه نصف وزراء الكابينت الإسرائيلي، ولما اضطرّ نتنياهو لتمريره بهذه الطريقة المخزية. استطاعت حماس في مفاوضات هدنة الجرف الصّامد الجمع بين التفاوض والمقاومة بصورة متزامنة؛ فقبل إع ناا وقف إطلاق النار بخمس دقائق استطاعت حماس قصف المستوطنات والمدن الإسرائيلية؛ فأوقعت قتيلين في صفوف الإسرائيليين، أحدهما ضابط الأمن في كيبوتس نيريم. أخفقت حماس في تحقيق هدفها المعلن من المفاوضات، وهو إنهاء الحصار. وربّ ا يعود ذلك لعدم وجود ظروف دولية مواتية؛ فمصلحة حماس كانت في أن تكون المفاوضات بوساطة قطرية أو تركية، وقد بذل كلٌّ من قطر وتركيا جهودًا واضحة في هذا المجال تمثّلت في عقد اجتماع باريس. لكن إصرار إسرائيل على أن يكون الاتفاق عن طريق مصر حرم حماس من وجود وسيط مساند لمطالبها العادلة في إنهاء الحصار. فلولا التخاذل العربي الذي وصل إلى مستوى التآمر على المقاومة وسلاحها، لكانت إنجازات المقاومة أفضل وأعظم؛ فقد صرّح يوسي بيلين وهو أحد مهندسي أوسلو، بأنّ إسرائيل لا توجد لديها مشكلة مع إقامة ميناء بحري إذا ما جرى وضع ترتيبات أمنية ورقابة دولية، لكن مصر ترفض فكرة الميناء فهي متطرفة أكثر من إسرائيل في هذا الموضوع، (ربّ ا يكون هذا الدافع الأساسي لموسى أبو مرزوق لطرح فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل.) وأشار نتنياهو إلى تشكّل حلف عربي ضدّ حماس بقوله: "قد يفاجئ الجميع العلاقات المميزة مع دول الجوار، وهذا أمر مهمّ لدولة إسرائيل ومع استمرار العملية (الجرف الصامد) سيفتح لنا أبوابًا جديدة." وأكّد ذلك الناطق باسمه أوفير جندلمان بقوله: "يوجد لدينا ائتلاف إقليمي نعمل معه من أجل كبح "الأوكار الإرهابية" في القطاع،... حماس معزولة إقليميًّا." وقال ناطق آخر باسم الحكومة الإسرائيلية: "حماس معزولة في العالم العربي وإسرائيل اليوم لديها ارتباطات واتصالات بالعديد من دول العالم العربي، بعضها لم نعتد الحديث إليه". ربّ ا تفسّ هذه التصريحات وغيرها رفض إسرائيل الوساطة القطرية والتركية في المفاوضات وإصرارها على أن تكون مصر هي الوسيط فيها.
الخاتمة
بوصفها حركة تحرّر وطني، تسعى حماس للتخلّص من الاحتلال مضطرّةً للتفاوض مع عدوّها. وتطوّرت حماس في موقفها من التفاوض والعملية السلمية؛ فبعد أن كانت ترفض سياسيًّا نهج التفاوض (وإن كان بعض خطباء المساجد المحسوبين عليها يحرّمونه دينيًّا)، أصبحت ترى أنّ التفاوض هو وسيلة وأداة لتحقيق أهدافها. التطوّر الذي مرّت به حماس في موقفها من المفاوضات هو أمر متوقّع لأنّه شبيه بما يحدث مع حركات التحرّر الوطني، بل هو أقرب لما حدث مع حركة فتح التي خاضت اتصالات مع إسرائيل في السبعينيات وأبرمت اتفاقيات هدنة مع إسرائيل عقب اصطدامها عسكريًّا معها أثناء وجودها في لبنان، ثم المفاوضات غير المباشرة في الثمانينيات، وأخيرًا المباشرة بعد مؤتمر مدريد. ويكمن الفرق بين حماس وفتح في هذا الشأن في أنّ حماس كبّلت نفسها أيديولوجيًّا برفض شرط الانخراط في العملية السلمية وهو الاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود ونبذ "العنف." لذلك من غير المتوقّع أن تقبل إسرائيل مفاوضة حماس دون قبولها بهذه الشروط. في موقف حماس من المفاوضات المباشرة هنالك ثلاثة تيارات داخل حماس: يرى الأوّل أنّه لا بأس في خوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ويرى الثاني أنّ الأصل أن تكون المفاوضات غير مباشرة حتى لو دعت الحاجة إلى ذلك. أمّا التيار الثالث فيرى أن يجري توكيل السلطة و"منظمة التحرير الفلسطينية" بعملية التفاوض. ينصّالنموذج الذي تتبنّاه حماس للحلّ النهائي على دولةٍ واحدة تحت السيادة الإسلامية مع عودة اللاجئين. وفي ظلّ اختلال موازين القوى لمصلحة إسرائيل، أبدت حماس استعدادها للقبول بالحلّ المرحلي على أرض 9671 القائم على فكرة الهدنة. تدرك حماس أهمية التفاوض أداة من أجل التحرّر من الاحتلال. لذلك لا ترفض مبدأ التفاوض؛ ففي فكر حماس السياسي لا يوجد ما يمنعها من خوض مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي. لكن يوجد لديها مانع "نفسي" في خوض هذا النوع من المفاوضات. ترفض حماس تقديم تنازلات صريحة والقبول بشروط الرباعية من أجل الانخراط في العملية السلمية. لكنّها تقدّم تنازلات ضمنية من أجل الوصول إلى إستراتيجية وطنية موحّدة، مثل إعادة التأكيد على ما طرحه الشيخ أحمد ياسين بإقامة دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران، والتأكيد على أنّ هنالك أشكالً متعددة للمقاومة. في حال تعدّل ميزان القوى في الصراع الدائر بين إسرائيل وحماس لمصلحة الأخيرة، فلا يستبعد أن تخوض حماس مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. عبر المفاوضات استطاعت حماس اكتساب شرعية سياسية وتحصيل اعتراف ضمني من إسرائيل، إضافةً إلى تحصيل مكاسبَ سياسية ما كان لها أن تحقّقها من دون خوض المفاوضات. تدرّج الموقف الإسرائيلي من الرفض التام لمبدأ التفاوض مع حماس إلى القبول بالجلوس معها على طاولة المفاوضات والتعايش مع سيطرتها على قطاع غزّة. تغيُّ الموقف الإسرائيلي لم يكن ليتحقّق إلّ بعد امتلاك حماس بعض أوراق القوّة من قبيل الصواريخ، والجندي المأسور شاليت. يرى كلا الطرفين "إسرائيل وحماس" صعوبة التوصّل إلى حلّ نهائي للقضية الفلسطينية. لذلك التقت مصلحتهما في التوصّل إلى اتفاقات آنيّة ذات طابع أمني مطلبي دون التوصّل إلى حلّ سياسي؛ فإسرائيل لا ترغب في "التنازل" عن أيّ شيء لفائدة الفلسطينيين، ولا يوجد ما يرغمها على ذلك. وفي ظلّ اختلال ميزان القوى لمصلحة إسرائيل ترى حماس أنّ الأفضل هو إبقاء الصراع مفتوحًا دون إنهائه واللجوء إلى حلول موقّتة تحت مظلة الهدنة. الأصل أن يجري تطوير نموذج مفاوضات القاهرة أثناء حرب "الجرف الصامد." وحتى لا تستفرد إسرائيل بأيّ فصيل فلسطيني يجب تفعيل الإطار القيادي الموحّد ل "منظمة التحرير الفلسطينية" الذي جرى الاتفاق عليه في وثيقة الوفاق الوطني من أجل وضع إستراتيجية وطنية موحّدة لخوض المفاوضات. لا تتمثّل مشكلة التفاوض مع إسرائيل في طبيعة المفاوض الفلسطيني؛ فتغيير الجهة المفاوضة من السلطة إلى حماس لن يغيّ النتائج. بل تكمن المشكلة في أجندة التفاوض ومرجعيته.