المؤثرات الخارجية في المماحكات اليمنية

علي شعثان

الملخّص

تحاول هذه الورقة أن تحل ل مدى التأثير الخارجي في المماحكات اليمنية المُ نفذة بطرائق عديدة. فثمّ ة ثاثة مؤثرات، أولها يؤث ر انطاق ا من مبدأ تحقيق طموحات مدّ النفوذ وبناء الهيمنة، ويتخذ من التنوع الحاصل في اليمن وسيلة لإستراتيجية التنفيذ، وهذا ما تُِّقل ل من شأنه بعض القوى المحلية التي يدعمها المؤث ر الخارجي الثاني، كالاهتمام المتجانس وسدّ الثغرات من الجوار (المد الناصري سابق ا.) وبين طموحات مدّ النفوذ والاهتمام المتجانس، يبرز المؤث ر الخارجي الثالث المتمثل بنشاطه الدبلوماسي بوصفه حالة للحفاظ على مصالحه وديمومة تفرده القطبي. ويتضح التأثير الأول في عهد النظام السابق في اتخاذ الحكومة آنذاك كل مبادئ الدبلوماسية، بغية تجنب الحروب. وبما أن ها لم ت فلح في ذلك، نشبت ستُّ حروب، شارك المؤثِّر الخارجي الثاني فيها عسكريًّا خال الحرب السادسة. ويعمل المؤث ر الخارجي الثالث في هذه الحال، بما يوافق نتائج الدراسات البحثية لمراكزه الإستراتيجية الهادفة إلى ديمومته في الهيمنة السياسية والاقتصادية. وفي عقب ثورات الربيع في الوطن العربي عام 2011، تغيرت موازين اللعبة السياسية في اليمن بين صعودٍ وهبوطٍ بفعل تلك المؤثرات، وتتابعت المتغيرات؛ ما عزِّز ضعف هيبة الدولة، وهيَّأ للمكون المُ ساند من المؤث ر الأول السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء.

مقدمة

عندما تُوضع المماحكات اليمنية في سياق تحليل العوامل الخارجية، فإنّ نتائج ذلك التحليل تُشير إلى ثلاثة أدوار (إيراني، وسعودي، وأميركي)، ينتهز الدوران الأول والثاني منها خيار التنوع الحاصل في الجمهورية اليمنية، وفقًا لأهدافهما الإستراتيجية، ويُصنفان كخطين ينطلقان من قاعدة المعتقد ويتوازيان من جهة الأفكار المذهبية، ويختلفان من جهة نظام الولاية. فإيران تجعله وفق ولاية الفقيه المحصورة في السلالة. والمملكة العربية السعودية، وإن كان نظامها وراثيًّا، فإنها لا تنكر نظام الحُكم الكفء مقيِّدةً إيَّاه بمجموعة من الشروط. أمّا الدور الثالث الذي يعمل وفق الدراسات الإستراتيجية لمراكزه البحثية ونتائجها، فيُصنف كخطٍّ عمودي يرتكز على قاعدة حفظ المصالح والهيمنة السياسية. ويُلحظ ذلك جليًّا في تبعات الثورة السورية، وفي استغلال الأميركيين حقّ النقض المعروف ب "الفيتو" الذي اعتمدته روسيا ضدّ قرارهم بشأن ضرب نظام الأسد، وقايضت ذلك القرار بآخر يُلزم هذا النظام تسليمَ السلاح الكيماوي. وتتشكّل البنية السكانية لليمن من التنوع المذهبي الحاصل على مستوى الساحة اليمنية منذ قديم الزمن. وضمن هذا التنوع نذكر مذهبي الزيدية والشافعية، إضافةً إلى بعض الجماعات المذهبية ذات الأقلية، وكذلك التعدد السياسي المسموح بأفكاره الثلاثة (اليميني، والوسطي، واليساري)، وخصوصًا في عقب قيام الوحدة اليمنية في /22 /5 990.1 إلا أنّ عوامل التغيرات المتتالية التي تشير إلى الأدوار الخارجية، مكَّنت الجماعة الحوثية من السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء1، ومن مواصلة تمددها صوب الجنوب، وذلك بعد إدراج اليمن ضمن مضامين البند السابع الهادف إلى ردع معرقلي التسوية السياسية.

التنوع المذهبي في اليمن

يتمثَّل التنوع المذهبي الحاصل على مستوى الساحة اليمنية بمذهبي الزيدية والشافعية، إضافةً إلى بعض الجماعات المذهبية ذات الأقلية. فالزيدية تُشكّل نحو %30 من عدد السكان، وهي إحدى المذاهب الشيعية والأقرب إلى السنة في اعتدالها وابتعادها عن التطرف والغلو2. في حين يتمسك أئمتها الهاشميون مع الإثني عشرية بأحقية أهل البيت في الحكم وحصره فيهم. فها هو السيد بدر الدين الحوثي (والد مؤسس الجماعة الحوثية)، والعلامة المحطوري يجسدان ذلك التمسك بالإقرار، من خلال إجابتهما عن سؤال متعلِّق بموقفهما من حصر الولاية العامة في سلالة ما يسمى "أهل البيت." والزيدية ترفض التصوف رفضًا قاطعًا، إلا أنه يُلحظ حاليًّا أنّ الحوثيين يقيمون علاقات مع متصوفة اليمن – وهو أمرٌ إيجابي - لكنّ بعضهم يُعلِّل ذلك بعدم زيدية الجماعة الحوثية. أمَّا الشافعية، فهي تُشكّل، إلى جانب بعض الجماعات المذهبية، نحو %70 من عدد السكان، وهي أحد المذاهب السنِّية، أو مذاهب أهل السنة والجماعة الآخذة باتباع هدي الرسالة وأصحابها الأوائل؛ علمً، واعتقادًا، وقولً، وعملً، وأدبًا، وسلوكًا، فضلً عن مجانبة الابتداع في كلّ زمان ومكان4. لقد كان الامتداد المذهبي الزيدي والشافعي على مستوى الخريطة الطبيعية لليمن يُشكَّل سابقًا وفق مساحة جهوية مع تضمن هذين المذهبين للأقلية؛ من ذلك مثلً فرقة البهرة من الإسماعيلية في المنطقة الزيدية، والصوفية السنِّية في المنطقة الشافعية. وتمتد الزيدية من محافظة صعده في الشمال، وهي التي تُعدُّ المعقل الرئيس للزيدية، والتي نشر منها الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسّ زيديته الهادوية، إلى منطقة سماره بالقرب ممّ يُعرف ب "المناطق الوسطى لليمن." أمَّا الشافعية، فهي تمتد من السهل التهامي الساحلي غربًا إلى المهرة جنوبًا، ضامةًالمناطق المجاورة، بما فيها بعض أوساط اليمن. وفي العصر الحاضر لا يختصّ أيّ مذهب بمساحة مستقلة. ويعود الأمر في ذلك إلى سماح الدستور اليمني بحرية الفكر والتعدد السياسي. فقد أُسِّس مركز دار الحديث (التابع للسلفيين) بمنطقة دماج في محافظة صعده ذات البنية الزيدية. ثمّ جرى نقل هذا المركز إلى محافظة الحديدة، إثر مواجهات مسلحة بين الحوثيين وطلاب المركز.

  1. سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء بتزعمهم مطالب التراجع عن "الجرعة السعرية " للمشتقات النفطية، وإسقاط حكومة الوفاق الوطني، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني؛ إذ طُوِّقت أمانة العاصمة بجموعٍ مسلحة، وباعتصام في شارع المطار داخل العاصمة، إلى أن شعلت حرب خاطفة انتهت بالسيطرة على أمانة العاصمة في أ /1 /9 .2014
  2. للاستزادة، انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، المجلد الأول (الرياض: الندوة العالمية للشباب الإسلامي،.)1999 3 المرجع نفسه.

التعدد السياسي

عرف اليمن، أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات من القرن العشرين تحديدًا، عمليةً سياسيةً تنظيميةً ذات نشاط مُعارض بغية الإصلاح (في الشطر الشمالي من البلاد)، ونشاطًا قتاليًّا بغية التحرر (في الشطر الجنوبي منه)5. وتوَّج المساران نشاطهما النضالي بتفجير ثورة 26 سبتمبر 9621 في الشمال، وثورة 41 أكتوبر 9631 في الجنوب، وفق ستة أهداف ومبادئ ثورية واحدة، أهمها التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حُكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق بين الطبقات، إضافةً إلى هدف تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة. استمر الجهد الوحدوي من كلا الشطرين، وكُلِّل بالإنجاز في 990/5/221، وتحقق اندماج طبيعيّ ضمن مسمى "الجمهورية اليمنية"، واندماج سياسيّ ضمن نظام تعددي، وألغيَ ما كان يُعرف سابقًا ب "الجمهورية العربية اليمنية" شمالً و"جمهورية اليمن الديمقراطية" جنوبًا. ومع الكيان الجديد ودستوره المُتفق عليه، وُلدت حرية التعدد السياسي، ووُلد وخيار الديمقراطية6، فأعلن أكثر من خمسة وأربعين تنظيم سياسي عن نفسه خلال الفترة أيار/ مايو 9901 – كانون الأول/ ديسمبر 1992 7، وفق المَيْل المتعارف علية سياسيًّا (يميني، وسطي، ويساري)، بطريقة تحفظ القيم المجتمعية وخصوصياتها؛ بحسب الرؤى الفكرية لرموز التنظيم ومؤسّسيه، والواضعين إياها في النظام الأساسي كأسلوب برامجي. فالتيار اليميني يتمثّل بالمكونات ذات الأسس الانضباطية8، كما أنّ الوسطية تتمثّل بالجماعات ذات التوجهات الاعتدالية الداعية إلى التغيير نحو الأفضل، وقد أعلنتها في اليمن أغلب الأحزاب والتنظيمات السياسية. وبما أنّ اليسارية ذات سمة شاملة، ومتمثّلة بالاشتراكية، فإنّ مُنتهجيها في الوطن العربي عمومًا واليمن خصوصًا، يصفونها بالأسلوب العملي القاضي على بؤس الإنسان وشقائه. في حين أنّ معارضيها بوجهٍ عامٍّ، يرونها انفلاتًا من الضوابط، ومن الاعتراف بمحظورات الدين والأعراف الاجتماعية.

التأثير الإيراني

لم تستغلّ إيران وحرسها الثوري حالة التنوع الحاصل في اليمن فحسب، بل إنّها استغلت هذه الحالة في كلّ من لبنان (مؤازرة حزب الله)، والعراق (بناء نظام ما بعد صدام حسين)، وسورية (الوقوف إلى جانب نظام الأسد في حربة ضدّ المكونات الثورية)، إضافةً إلى البحرين (مساندة المطالبين بإسقاط الحكم)، وقد تستغلّها في أماكن أخرى تنفيذًا لإستراتيجية استغلال التنوع بوصفها خطَّ عبورٍ يمدُّ النفوذ ويحقّق طموحات إعادة المجد9 الذي أُنهيَ بانتشار الدعوة الإسلامية وفتوحاتها العادلة. ويبدو جليًّا أنّ الاستغلال الإيراني لتلك الحالة قد انتقل من الخفاء إلى العلن، ومن درجة الاعتقاد إلى الاعتقاد الجازم. من أجل ذلك أنشأت إيران سابقًا؛ نظرًا إلى طموحها الإقليمي تجاه اليمن، ما أطلقت عليه "المجلس الشيعي الأعلى في اليمن" برئاسة آية الله عصام علي العماد الذي يقيم في إيران، علاوةً على بنائها مع قوى أخرى غير شيعية (اليساريين) قطبيةً في المنطقة. وما يشير إلى ذلك زيارةُ السفير الليبي بصنعاء، خلال عهد القذافي لمحافظة صعده معقل الحوثيين. وخلال هذه الزيارة، رُصد مبلغ قدره خمسون ألف دولار، تقدمة ليبيا للحوثيين تحت خطاب إنشاء "منظمة أهل البيت." وهذا قد يُعلِّل ب "اشتراكية" نظام القذافي، وتدهور علاقاته بالسعودية آنذاك. ثمّ إنّ إيران لم تخُض غمار محاولة الهيمنة في هذا العصر، بل إنها خاضتها سابقًا. وفضلً عن ذلك، نشبت حروب عسكرية بينها وبين العثمانيين إثر محاولة كلّ طرف السيطرة على زعامة العالم الإسلامي. ولعل "معركة شماهي" التي انتصر فيها العثمانيون كانت آخرَ تلك الحروب. ومن خ لاا المسمى الشيعي، يجتمع الإيرانيون والحوثيون، إلا أنهما يفترقان مذهبيًّا. فإيران إثنا عشرية، والإثنا عشرية تتطاول على بعض الصحابة. في حين أنّ الحوثية زيدية، والزيدية ترضي عن

  1. للاستزادة، انظر: حميد أحمد شحرة، مصرع الابتسامة (اليمن: المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية،.)1988
  2. ورَد في نصّ المادة 9()3 من دستور دولة الوحدة ما يلي: "للمواطنين في عموم الجمهورية بما لا يتعارض مع نصوص الدستور الحقّ في تنظيم أنفسهم سياسيًّا ومهنيًّا ونقابيًّا، والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية، بما يخدم أهداف الدستور." ولكن مع التعديل الدستوري في /9/29 9941، جرى تعديل لتلك المادة؛ إذ ورد في المادة الثالثة ما يلي: "يقوم النظام السياسي للجمهورية اليمنية على التعددية الحزبية، وذلك بهدف تداول السلّطة سلميًّا."
  3. انظر على سبيل المثال: أحمد علي البشاري، 6 الأحزاب والتنظيمات السياسية في الجمهورية اليمنية: دراسة تحليلية وثائقية لبرامج العمل السياسي (صنعاء: كتاب الثوابت،
  4. لم تعلن السلفية في اليمن عن إنشاء أيّ تنظيم سياسي، بل أطَّرت نشاطها وفق جمعيات
  5. أهلية، إلا أنّ تداعيات نتائج مؤتمر الحوار الذي عُقد في اليمن ألزمت فصيّل سلفي إعلان كيانه ضمن مسمى "اتحاد الرشاد اليمني." 8 تهتم إيران رسميًّا بالثقافة الفارسية؛ فها هي تحتفل بما يُسمى "عيد النيروز" الذي ليس من الإسلام في شيء، كما أنها تستخدم التاريخ الفارسي بدلً من التاريخ الهجري.

جميع الصحابة. وما البروز الحالي للطموح الإيراني وأشياعه إلا بمنزلة حضور يجمع بين الأم (إيران) والابن (حزب الله)، ودعوة إلى الأخ غير الشقيق (الحوثيين.) وقد لبَّى الحوثيون هذه الدعوة، فكانت المراسلات لتمتين العلاقات بينهما. ففي رسالة من الحوثي إلى الشهرستاني في قم10، ورَدت إشارة إلى سعي الحوثي لبناء علاقات مع إيران. وقد أفصح الأب الروحي للجماعة (السيد بدر الدين الحوثي) في مقابلة صحافية يمنية عن أنه سافر إلى إيران إثر تداعيات حرب صيف عام 9941، بين فصيلة من الحزب الاشتراكي أعلنت الانفصال وقوى سياسية أعلنت الدفاع عن الوحدة11. ويتداول العامة أنّ بدر الدين الحوثي مؤسس الجماعة قد تحصّل على شهادة الماجستير من إيران، بعد تشبعه بالأفكار الإثني عشرية. وثمَّة تصريحات مفادها أنّ شعار الصرخة للحوثيين، هو ذاك الذي أوجده الإمام الخميني بدعوى استعماله أثناء الحج، إعلانًا للبراءة من المشركين. وكان الاتصال بين الطرفين بمنزلة انتفاع مُتبادل؛ فالحوثيون اتخذوه لبناء الجماعة كما أنّ الإيرانيين اتخذوه لبناء القطبية، ومنه انكشف التأثير الإيراني في اليمن، وقد لاحظت الحكومة اليمنية بوادر ذلك الاتصال منذ عام .2002 وأثناء ذهاب الرئيس السابق (علي عبد الله صالح) لأداء فريضة الحج عبْ موكب بريٍّ، مرّ بالمحافظة الحدودية مع السعودية صعدة، وتوقف بها لصلاة الجمعة، وفي عقب أداء الصلاة هتف أنصار الحوثي بشعار الصرخة، فعرف صالح المصدر، وكلَّف في /7 /3 2003 (أي قبل الحرب الأولى) وزير الخارجية (وهو أبو بكر عبد الله القربي)، والمغتربين آنذاك، بالتوجه إلى طهران، وقد حَمَّل القربي رسالةً إلى قائد الثورة الإيرانية - وخصوصًا مرشدها الأعلى - تتعلق بالموضوع الحوثي في صعدة، وبموقف إيران الرسمي من ذلك12. غير أنّ إيران لم تُراعِ مبادئ العلاقات الدولية، وواصلت تقديم الدعم، والمساندة المتعددة للحوثيين. وأصدرت الحوزة الشيعية بالنجف في نيسان/ أبريل 2005 بيانًا لها بعنوان "نداء إلى محافل حقوق الإنسان في العالم"، ويشير هذا البيان، في تلميح إلى الحرب الثانية على الجماعة الحوثية، إلى أنّ الشيعة يتعرضون لتصفيه جماعية لا سابقَ لها13. في عقب ذلك، نَحَتِ المساندة الإيرانية للحوثيين نحو التطوّر وبوادر العلن. فخرجت في طهران تظاهرات شعبية مُساندة للحوثيين، مطالبة بتغيير أحد شوارع طهران من اسم "شارع اليمن" إلى اسم "شارع حسين الحوثي"، بعد مقتلة، وتمَّ تلبية ذلك رسميًّا؛ ما اضطر مجلس الدفاع الوطني في الجمهورية اليمنية، إلى عقد جلسة في /9 /2 2007، بخصوص مناقشة إعادة النظر في علاقة اليمن الخارجية، في إشارة ضمنية إلى الجمهورية الإيرانية. ثمّ إنّ الحكومة اليمنية لاحظت اتصالً بين شقيق مؤسس الجماعة حسين الحوثي والبرلماني يحيى الحوثي بإيران، فرفعت عنة الحصانة البرلمانية بالقرار البرلماني الذي صوت عليه 881 عضوًا من أصل 013 عضو من إجمالي عدد أعضاء مجلس النواب اليمني، في الجلسة 14المنعقدة في /28 /2 2007، بتهمة الاتصال غير المشروع بدول أجنبية، ضِ من إشارة إلى إيران. فأعلن اللجوء السياسي بألمانيا، وهي الدولة التي اعتقلت الاستخبارات الأميركية على أرضها الشيخ محمد المؤيد، بتهمة تقديمه الدعم المالي لحركة المقاومة الإسلامية حماس15. لهذا دارت في محافظة صعدة ستة حروب إبان عهد النظام السابق ضدّ الحوثيين16، جرى فيها من مبدأ الإخاء وحقْن الدماء، تقدُّم دولة قطر الشقيقة بوساطة أخوية بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية، لم يستمرَّ أمدها طويلً. وقد علَّل بعضهم ذلك بأنّ الجماعة الحوثية قبلت الوساطة آنذاك بإلزام إيراني خوفًا من الاستئصال17. ويُعلِّل أنصار الرئيس صالح ذلك بالتسامح السياسي. ومن الحوادث التي تبعت ذلك، مشاركة الجماعة الحوثية في الاعتصامات الثورية عام 2011. وتجلَّت إثر ذلك نزعة إيرانية تطمح إلى مدّ نفوذها ودعم الحوثيين، بلغت مستوى المد والجذر في ما يتعلَّق بمفاوضات برنامجها النووي18. وقد أعلنت حكومة الوفاق الوطني، أواخر

  1. صحيفة 9 الثقافية، /29 9.2005/
  2. أعادت نشر المقابلة بعض المواقع اليمنية؛ منها حشد نت، في /9 /8 2004، انظر على الرابط:
  3. انظر: عبد الفتاح البتول، "الحوثيون، عفو السلطة وعنف الجماعة: محاولة للفهم "،
  4. المرجع نفسه.
  5. الحاشدي، ص.29
  6. للاستزادة، انظر: ناصر محمد علي الطويل، 14 الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن (صنعاء: دار الكتب اليمنية، .)2009
  7. دارت ستة حروب بمحافظة صعدة خلال عهد النظام السابق، ودارت في أكثر من محافظة أكثر من ستة حروب بعد عام .2011 16 انظر: عبد الفتاح البتول، "بعد اتفاق الدوحة: الحوثيون والسلطة من المواجهات المنتدى، العدد العسكرية إلى الحرب الفكرية، مجلة  111 .)2008(17 انظر: محمد المصري، "سياسات الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط"، سياسات عربية، العدد  7 2014()، ص .60
  8. hshd.net/print6162.html
  9. المنتدى، العدد مجلة  105 2007()؛ وانظر أيضًا: حسن الحاشدي، "فتنة تنظيم الشباب المنتدى، العدد المؤمن: الحوثية"، مجلة  061، آذار/ مارس - نيسان/ أبريل.)2007(

عام 2012، عن تمكُّن أجهزتها الأمنية في خفر السواحل من إلقاء القبض على السفينة الإيرانية (جيهان )1 محملةً بالعتاد والأسلحة العسكرية، لدعم الجماعة الحوثية.

التأثير السعودي

تؤثِّر السعودية في اليمن وفق مسارين أحدهما فكري والآخر قبلَي. فمن جهة دعم الجماعات السلفية التي لا تنازع الحاكم في ملكه، تعدُّ السعودية ذلك من مبدأ الاهتمام بكتاب الله وسنَّة رسوله، كما أنها ساندت سابقًا المعاهد العلمية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن إلى أن جرى دمجها في وزارة التربية والتعليم في عهد النظام السابق. وكانت قبل ذلك تمنح بعض الأقطاب المشيخية القبَلية في اليمن مبالغ ماليةً ومرتبات شهريةً؛ بهدف تأمين جنوبها، والتصدي للمد الثوري ذي المشروع الناصري في ستينيات القرن العشرين.

وبحسب مصادر بحثية، فإنّ بوادر الاهتمام السعودي بالسلفية في اليمن بدأت في عقب مشاركةٍ بين الشيخ مقبل بن هادي الوادعي وجماعة جهيمان العتيبي، من خلال الإعلان عن الخلافة في أوساط الحرم المكي19. وعُفِيَ عن الوادعي من حكم الإعدام الصادر في حقه، مقابل تخليه عن زيديته، وعودته إلى مسقط رأسه في صعدة ذات المذهب الزيدي، ونشره الأفكار السلفية فيها. يضاف إلى ذلك أنّ السعودية منحته رحلةً علاجيةً إلى الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا تحصّل الشيخ الوادعي على فرصةٍ مفضَّ لة في العيش، بدلً من العمل في السعودية، كما تحصّلت السعودية على بوابة أخرى إلى جانب بوابة المشايخ. وعاد الشيخ الوادعي من السعودية إلى اليمن في بداية الثمانينيات من القرن العشرين، وأسَّس مركز دار الحديث بمنطقة دماج محافظة صعدة (معقل الزيدية الهادوية)، وعمل على استقطاب الطلاب ونشْ العلوم وتقديم المحاضرات التي عدَّها أئمة المذهب الزيدي مناقضةً لطبيعة الفكر السائد في المنطقة. لهذا أشار الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا، في كتابه الإسلام السياسي في زمن القاعدة، إلى ما عرضته مجلة نوافذ اليمنية في زاوية عرض كتاب، ضمن عنوان: "الشوكاني والزبيري والإمام يحيى وإخوان اليمن"، من خلال القول: "إنّ طبيعة العلاقات بين أنظمة شبة الجزيرة العربية والاتجاه السلفي (الشيخ مقبل بن هادي الوادعي نموذجًا)، علاقة تصالح"20. هذا السياق، لا تُعدُّ السلفية في اليمن وفي  - بحسب توجهاتها – منضويةً إلى قيادة إدارية واحدة، وخصوصًا حين يتعلّق الأمر بقبول العمل الحزبي أو عدمه. فهي تُفرز وفق ثلاثة مكونات؛ هي الرفض، والقبول، والقبول المشروط. فأمّا المكون الأول، فيتزعمه الشيخ يحيى الحجوري، منذ وفاة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في تموز/ يوليو 2000. وقد كان الوادعي نفسة، يرى أنّ العملية السياسية والانشغال بتنظيماتها، من الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية. وأمّا المكون الثاني، فيتزعمه الشيخ محمد بن محمد المهدي، وهو يرى أنّه يمكن إجراء العملية السياسية من خلال ائتلاف يجمع أكبر عدد ممكن من الجمعيات والهيئات السلفية، فلا يشترط أن يُؤسّس حزب سلفي سياسي. وأمَّا المكون السلفي الثالث الذي يتزعمه الشيخ أحمد بن حسن المعلم، فيبدي انفتاحًا على العمل السياسي والنشاط التنظيمي، وفق قواعد شرعية ضابطة21. ومن انفتاح المكون السلفي الثالث، وضرورة المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي عُقد بناءً على المبادرة الخليجية لحلّ الأزمة اليمنية، أ نشئ ما يُسمى "اتحاد الرشاد اليمني"، بوصفه مكونًا سلفيًّا، برئاسة الشيخ محمد بن موسى العامري، زوج ابنة الشيخ مقبل الوادعي، مُحرِّم العملية الحزبية. وعلى الرغم من اتضاح التأثير السعودي في المستوى القبلَي المشيخي لليمن، فإنّ بوادر هذا التأثير تشير إلى أنه كان في عُقب ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 9621 التي قامت ضدّ حكم أسرة بيت حميد الدين (الإمامي) في الشطر الشمالي من البلاد، والتي ساندتها القيادة المصرية آنذاك (جمال عبد الناصر)، من وجهةِ نظرٍ مصريةٍ تحرريةٍ تواجه الهيمنة الغربية. وقد لاذت تلك الأسرة الحاكمة بالهرب صوب

  1. في /20 /10 9791، اقتحم جهيمان العتيبي ومئتان من أتباعه مسجد الحرم المكي، واستغرق وجودهم به أكثر من أسبوعين، وتمَّ القضاء عليهم بمساعدة شرطة خارجية. للاستزادة، انظر: فرانسوا بورغا، "السلفية في مواجهة الإخوان المسلمين"، صحيفة لوموند، السياسية اليمنية كملحق شهري، العدد الطبعة العربية المنشورة بالشراكة مع صحيفة  03،
  2. مجلة نوافذ اليمنية، العدد  66، شباط/ فبراير 2007()، ص 11 وما بعدها. 20 عبد الغني الماوري، مجلة مدارات إستراتيجية، العددان  0111 و، 2011()، ص .143
  3. حزيران/ يونيو .)2010(

السعودية؛ قصد إعادة بناء الصف ومواصلة الحكم. لكنّ هذا الأمر لم يتحقق، واستمرت المجابهة بين الثوار، وعناصر النظام الإمامي داخل اليمن المدعومة خارجيًّا، نحو خمس سنوات، إلى أن جرى التوصل عام 9671 إلى حلّ بينهما برعاية مصرية سعودية، وهو حلٌّ قائم على الاعتراف بالنظام الجمهوري وإعلان وقف القتال. لم تأمن السعودية الطموحات الناصرية آنذاك، والامتداد الثوري للقوات المصرية المساندة لثوار اليمن، فأوجدت في جهازها الأمني، ما يمكن أن نطلق علية اسم "ملف مشايخ اليمن"، ومن خلاله يُقدَّم الدعم لبعض الأقطاب المشيخية، في شكل مِنَح جزيلة، أو مرتبات شهرية. فقد أفصح الشيخ محمد بن ناجي الشايف، نجل كبير مشايخ اليمن وشيخ مشايخ قبيلة بكيل كبرى القبائل اليمنية في مقابلة تلفزية، عن أنّ والده يتحصّل على الدعم السعودي، مقابل تأمين الحدود. واستمرّ الدعم السعودي للمشايخ إلى أن قُلِّص أثر التوافق مع الرئيس صالح والنظام السعودي، خلال اتفاقية رسم الحدود بين البلدين سابقًا. وعلى الرغم من أنّ الحروب الستّ بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية، إبان حكم صالح في محافظة صعدة شمال اليمن، كانت تجرى عبْ قرار للبرلمان اليمني، فإنّ البرلماني يحيى الحوثي صرّح أثناء وجوده في ليبيا، بأنّ الضرب العسكري من جهة الجيش اليمني ليس سوى حرب بالوكالة تدفع تكلفتها مسبقًا المملكة العربية السعودية، وأنها صدَّقت صورة الإملاءات بخيار الفعل؛ من خلال مشاركتها في ضرب الحوثيين جويًّا أثناء الحرب السادسة22. وبانتهاء الحرب السادسة، هدأت قضية صعدة، إلى أن أُشعلت حرب قصيرة في دماج عام 2013 بين الحوثيين وطلاب مركز دار الحديث، وأُوقفت بناءً على اتفاق بين الطرفين مفاده نقْل المركز من محافظة صعدة الحدودية مع السعودية إلى محافظة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر. ومن جهتها، أدرَجت السعودية، إثر ذلك، الجماعة الحوثية ضمن قائمة الإرهاب، ودعت المجتمع الدولي إلى مساندتها في هذا الإدراج والاعتراف به. أمَّا الحوثيون فيبرّرون نقل مركز دار الحديث السلفي بدماج من محافظة صعدة إلى محافظة الحديدة، بأنّ السلفيين في هذا المركز وقعُوا ضحيةً لقوى خارجية كالسعودية، وداخلية كبعض المشايخ القبَلية (في إشارة إلى حرب الحوثيين القبَلية ضدّ آل الأحمر)، إضافةً إلى تعلُّلهم بسبب آخرَ مهمّ من وجهة نظرهم؛ هو توافد الطلاب الأجانب إلى هذا المركز، وخضوع الحكومة اليمنية لضغوط السعودية ودعمها من أجل تسهيل الإيفاد. وأبدى الناطق الرسمي للجماعة محمد عبد السلام، في أحد تصريحاته، انكشاف مؤامرات أجنبية عديدة تسعى - بحسب قوله - لإذكاء الصراع الطائفي في اليمن، ذاكرًا أنّ حسن زيد الأمين العامّ لحزب الحقّ (أحد مكونات أحزاب اللقاء المشترك الذي أُوجد من أجل خلق معارضة قوية ضدّ النظام السابق) هدَّد بكشف المؤامرة التي أدَّت إلى نزوح طلاب المركز23. وعلى الرغم من عدم ارتياح الحوثيين للمبادرة الخليجية، في حلّ الأزمة اليمنية بين النظام السابق وقوى الثورة الشبابية، ووصفهم إياها بمنقذة المسؤولين المواليين للسعودية24، وعلى الرغم من مقاطعتهم للانتخابات الرئاسية المبكرة عام 2012 التي اشترطتها المبادرة، بحجة التدخل الخارجي الراعي للمبادرة من جهة عشر دول، ضمنها الولايات المتحدة، فإنّ كلّ ذلك لم يعكِّر صفوهم مع الرئيس هادي الذي قاطعوا انتخابه، أو طالبوا بإزاحته كما طالبوا بإزاحة حكومة الوفاق المكونة من ثلاث قوى يمنية (المجلس الثوري، والمؤتمر وحلفائه، وأحزاب اللقاء المشترك)، برئاسة محمد سالم باسندوة.

التأثير الأميركي

يوضح فرانسيس فوكوياما، ضمن ما يُعرف بعنوان "أجندة الهيمنة السياسية والاقتصادية الأميركية"، أنّ التأثير الأميركي على مستوى المنطقة العربية والإسلامية بوجهٍ عامٍّ، يريدها حربًا داخل الإسلام تغيّ طبيعته، فتجعله ليبراليًّا يتسامح مع ألدّ أعداء الإسلام، وحداثيًّا يقيم قطيعةً معرفيةً كبرى مع ماضية، كما فعل ذلك أتاتورك في النموذج المتوطن بتركيا25. ومن هذا الإيضاح تشير الدلائل البحثية إلى استغلال الأميركيين عددًا كثيرًا من الهفوات، ودعم مبدأ التجزئة دعمً طائفيًّا؛ من أجل إذكاء الانقسامية وتعزيز مُبتكرٍ لقاعدة "فرِّقْ تسُدْ." فأوجد بعض مثقفي الغرب مصطلح الإسلام فوبيا، بوصفه صيغةً تخويفيةً تحذِّر من هذا

  1. خلال الحرب السادسة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، حدثت مواجهة عسكرية بين
  2. السلفيون ضحية الإصلاح والسعودية وأمريكا وأولاد الأحمر"، صحيفة 22 الهوية،
  3. أشير إلى ذلك في المقالة "وانقلب السحر على الساحر"، المرجع نفسه. 24 محمد عمارة "الحملة الجديدة على العالم الإسلامي"، مجلة المنار الجديد، العدد.)2003(21
  4. الجيش السعودي ومقاتلي الحوثي على الحدود، استخدمت فيها السعودية السلاح الجوي.

الدين. وبتغلغل اللوبي الصهيوني في الأوساط الأميركية بوجهٍ عامٍّ، ومن بينها الأوساط الثقافية والسياسية على وجه الخصوص، يُصوَّر العرب في أذهان عقلية عامّة الأميركيين بدوًا رُحَّلً مترصدين، والمهدّد الرئيس والمستمرّ للعبرانيين26. وتُرسم الأجندة الأميركية وفق أهواء اللوبي الصهيوني واستثماراته الراغبة في زعزعة أمن المنطقة، منفِّذين إياها من خلال سناريوهات التوصيات الختامية لدراسات المراكز الإستراتيجية في الولايات المتحدة التي يدير أغلبَها هذا اللوبي، ومن ذلك يُستبطن ما أشار إليه أحمد منصور في كتابة قصة سقوط بغداد، وفقًا لما نشرته صحيفة القدس العربي الصادرة من لندن في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، عن تقرير لصحيفة (هآرتس الإسرائيلية)، أنّ الولايات المتحدة ستعمل على تغيير أنظمة الحكم في الدول العربية، وعلى رأسها السعودية ومصر بعد الانتهاء من الحرب على العراق27. وقد ذكر مؤسس الجماعة الحوثية في إحدى محاضراته أنّ السعودية ستتعرض لمخططات عدائية لم يشُر إلى مصادرها. وفي ما يخص إيحاءات تنفيذ الدور الأميركي تجاه اليمن، فإنه يُصنَّف من خلال اجتماعات كبار المسؤولين اليمنيين إلى ممثلي السفارة الأميركية في العاصمة اليمنية صنعاء، تحت غلاف الغطاء الأمني (أحيانًا يُجرى أكثر من لقاء في أسبوع واحد، مع أكثر من مسؤول يمني.) وتوحي إشارات تلك الاجتماعات بعدم جدية الولايات المتحدة، بوصفها عضوًا في الأمم المتحدة، في حلّ الخلافات الناشئة بين الأوساط اليمنية؛ بغية التصعيد الداخلي والارتهان لهيمنتها، وتعزيز هذا الارتهان في المنطقة. اليمن. لذا، تتّضح من التدقيق البحثي التناقضات الأميركية مع الحوثيين المبدية للاستغراب. فرافع شعار الموت ضدّها يُ نح حقّ اللجوء السياسي، من ألمانيا الحليف إجباريًّا للأميركيين. أضف إلى ذلك عدم اكتراثها لتبني هولندا وبعض الدول الأوروبية المطالبة بإدراج تنظيم الشباب المؤمن (نواة حركة أنصار الله) في القائمة السوداء، وعدم عدّه ضمن المنظمات الإرهابية. وهذا ليس من اللامبالاة، بل إنه يوحي بتطمينات، وإن كانت من الحليف الخارجي للحوثيين. كما يلُاحظ في هذا الشأن تناقض الولايات المتحدة دبلوماسيًّا، من خلال ممثلي سفارتها بالعاصمة اليمنية صنعاء. فأحيانًا نُلفي تصريحًا داعمً للحكومة اليمنية في حربها ضدّ الحوثيين، وأحيانًا أخرى نسمع قولً مهدّدًا لمجموعة من الطلاب السلفيين المسالمين في الصراع معهم. لقد صرّح السفير الأميركي السابق توماس كراجيسكي، عند بوادر الحرب على الجماعة الحوثية، بدعم بلاده للحكومة اليمنية في المواجهات الدائرة آنذاك29، وسرعان ما سمعنا قولً تهديديًّا للقائمة بأعمال السفارة الأميركية بصنعاء كارين ساسا هارا مناقضًا لذلك التصريح؛ ذلك أنها التقت الرئيس عبد ربه منصور هادي لبحث الوضع، أثناء احتدام الصراع المسلح الدائر بين من حاربتهم الحكومة اليمنية، ومن ثمّة السلفيين في منطقة دماج بمحافظة صعدة، وتمخض هذا اللقاء عن قولها: يجب إخراج السلفيين من منطقة دماج بمحافظة صعدة إلى مكان آخر لأنهم يشكّلون خطرًا على الولايات المتحدة الأميركية، وطلبت إلى الرئيس هادي، في اللقاء نفسه، أن يبلِّغ قيادة الجماعة السلفية في مركز دار الحديث بدماج أنهم مستهدَفون من الطائرات الأميركية30. ومن دواعي الحفاظ على أمن البلاد والحدّ من دور المزعزعين له، أُدرج اليمن في مضامين البند السابع، وجرت بعد ذلك الإدراج بمحافظة عمران حروب بين الحوثيين وأولاد الأحمر، وبين الحوثيين ومستشار الرئيس للشؤون العسكرية والأمنية اللواء علي محسن بالعاصمة صنعاء، ولم يُدَنْ أيُّ طرف منهما أو يوضع ضمن عقوبات ذلك البند، وهو أمرٌ مثيرٌ للتساؤل، ويشير على الرغم من قلة السرد المتعلِّق بالتأثير الأميركي، إلى وجود أثرٍ واضحٍ في مسار الحوادث في

سيطرة الحوثيين على صنعاء بين نجاح التأثير الإيراني والتوافق الكليّ

يرى بعضهم أنّ سيطرة الحوثي على العاصمة صنعاء نتيجةٌ لنجاح التأثير الإيراني، وأنها باكورة أخرى تُضاف إلى حلفاء المشروع الإيراني، بعد لبنان، والعراق، وسورية. في حين يرى الإخوان أنّ تلك السيطرة

  1. للاستزادة، انظر: ميخائيل سليمان، صورة العرب في عقول الأمريكيين، ط  2(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2000
  2. للاستزادة، انظر: أحمد منصور، قصة سقوط بغداد الحقيقة بالوثائق، ط  6 (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون/ دار ابن حزم، .)2004
  3. مجلة المنتدى، المرجع نفسه؛ وانظر أيضًا: "نائبة السفير الأمريكي تؤكد وقوف بلدها مع حكومة ما يسمى بالوفاق في مواجهة الثورة الشعبية"، صحيفة الحقيقة الناطقة باسم الحوثيين، العدد 138، /28 /8 2014 (أي قبل سقوط العاصمة صنعاء.) 28  " السلفيون ضحية الإصلاح."...

نتيجةٌ لحالة التوافق الكليّ، من أجل إزاحة إخوان اليمن، مقارنين هذا السقوط بتلك الإزاحة التي حصلت للرئيس محمد مرسي في مصر.

فإيران أذابت جليد القطيعة بينها وبين الولايات المتحدة، ولا سيما بعد فوز الرئيس حسن روحاني، وعملت ضمن علاقاتها الغربية على فتح صفحة جديدة من التعامل، بخاصة مع واشنطن؛ ولذلك اختير محمد جواد ظريف المعروف باتصالاته الواسعة مع الأميركيين وزيرًا للخارجية31، وبادر الرئيس روحاني إلى إشاعة مناخ جديد على عكس سابقية خاتمي ونجاد، وخاطب الجمهور الغربي بكتابته مقالات في الصحف الأميركية، وإجرائه عددًا من المقابلات المتلفزة من خلال قنوات فضائيات أميركية ك ىرر، على أنّ السياستين الإيرانية والأميركية تتشابهان في سياسة المدّ (شأنَ الإصلاحيين والديمقراطيين)، وتتشابهان أيضًا في الجزْر (شأنَ المحافظين والجمهوريين)، وفي تأدية الرئيس المنتخب عمله من حيث انتهى سابقة، على عكس الأنظمة الجمهورية في الوطن العربي. ومن ثورة الإمام الخميني وبرنامجه البنائي، جرى نحْت مسار علاقة إيران الخارجية بالشرق تدعيمً للقطبية الثنائية، بدلً من علاقاتها بالغرب على غرار ما كان سائدًا في السابق. وقد استفادت إيران من الخبرات التكنولوجية الروسية، بالنظر إلى وجود دوافع مشتركة بينهما. ثمّ إنّ إيران ألغت الاعتراف بإسرائيل، تدعيمً للقومية الإسلامية خصوصًا، والعربية عمومًا، وقد هدّد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في أحد خطاباته، إسرائيلَ بإزالتها من الخريطة. وكلّ ذلك يشير إلى الأبعاد الإستراتيجية لإيران، إذا فرضنا أنّ سيطرة الجماعة الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء نتيجةٌ لتأثيرها. وفي حال توافق بين جميع المؤثرات، فإنّ تيار الإخوان بما يحمله من أفكار تحرريه على المستوى السياسي والقومي، وبما يحمله أيضًا من بوادر الصعود السياسي لأجنحته في عقب ثورات الربيع العربي، أفزع قوى محليةً، سواء كانت حاكمةً، أو معارضةً، وأفزع كذلك قوى خارجيةً. فعمدت القوة الداخلية إلى إزاحته (الحالة المصرية)، مدعومةً بالقوة الخارجية من خلال طرائق عديدة. كما دُعمّت سياسة إقصاء الطموح الإخواني بمهمّ ت شبة سرية تشير إلى تغافل إجراءات تنفيذ عقوبة البند السابع ضدّ المعرقلين (الحالة اليمنية)، وهذا ما أضعف هيبة الدولة، وهيَّأ لسيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، وقد أشار المتنافسون أنفسُهم إلى ذلك.

خاتمة

تُنفِّذ قوى التأثير الخارجي مسار أجندتها في اليمن، من مبدأ الاستغلال السلبي للتنوع الحاصل في الساحة اليمنية. ولعل زيادة الوتيرة تضاعفت في عقب ثورات الربيع العربي عام 2011. وللوقوف على ما قبل هذا العام، نجد أنه لم تُ نع أيُّ فصيلة يمنية من العمل السياسي، إلا أنّ كتله الحزب الحاكم في البرلمان دعت إلى إلغاء الفترة الزمنية المحددة بفترتين فقط، وجعلها مُطلقة للرئيس صالح؛ ما دفع الإخوان إلى الانخراط في ثورة 2011 الشبابية، وإلى خروج الحوثيين من "المعقل" (صعدة) إلى العاصمة صنعاء والمشاركة في الثورة. وفي هذا السياق، تغيرت الموازين وعلاقاتها؛ إذ سيطر إخوان اليمن على تحريك العمل الثوري، وظنّت العامة أنّ ذلك من بوادر التزعّم وأخْذ الحُكم، ولكن سرعان ما تراجع ذلك الظنّ، بظهور ملامح الخلاف مع الجماعة الحوثية بعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل، إضافةً إلى نشوب الحرب في منطقة دماج بمحافظة صعدة بين الحوثيين والسلفيين التي حايدها الإخوان لعدّة أسباب، وساندتها أطراف قبَلية، انتهت بنقْل المركز من دماج، إلى محافظة الحديدة الساحلية. ولم يكن ذلك، بالنسبة إلى الحوثيين، نهاية المطاف. بل إنهم زحفوا صوب العاصمة صنعاء بعدّه مطالب محركة للجماهير، مسيطرين على مناطق كثيرة قبل وصولهم إليها (من بينها محافظة عمران)، إلى أن تمَّت السيطرة على العاصمة صنعاء. فدُفع إخوان اليمن في مساء اليوم الذي سيطر فيه الحوثيون، إلى المشاركة في توقيع وثيقة السلم والشراكة الوطنية.