الموقف الروسي من الثورات العربية

نوار جليل هاشم *  - أمجد زين العابدين طعمه

الملخّص

تناقش هذه الورقة تحول روسيا التي لم تحدّد، منذ حقبة التسعينيات، مصالحها الوطنية ا وفاعلية في المنطقة في الشرق الأوسط والعالم العربي نحو انتهاجها سياسة أكثر نشاط، ولا سيما بعد مجيء فاديمير بوتين إلى السلطة. وكانت محاولات بوتين لتعزيز النفوذ الروسي في الشرق الأوسط بدافع من مزيج الحنين إلى تركة النفوذ السوفياتي السابق والمصالح الوطنية الإستراتيجية. مع تداعيات الربيع العربي أحست روسيا أنّ الثورات العربية قد تنتج تغيّرات جيوسترتيجية في الإقليم لا تتاءم وطموحها المتنامي، لذا كان الموقف الروسي مختلفّ ا إزاء كل حدث وحالة في دول الربيع العربي؛ إذ أبدت تحف ظات ومواقف مناوئة للتغيّر في ليبيا ومصر، وبفاعلية أكبر في سورية، إلى حدّ جعلها أبرز الاعبين المؤث رين في الأزمة السورية، بينما لم يكن موقفها مؤث رًا في اليمن وتونس والبحرين؛ والواقع يشير إلى أنّ دوافع الدور الروسي وحيثياته، ترجع إلى أمور عدّة؛ منها ما يتعلق بتخوّفها من تأث ر الوضع الداخلي الروسي بموجات التغيير الديمقراطي التي تجتاح المنطقة العربية، ومن إرهاصاته على مستقبل دول آسيا الوسطى، ولا سيما الدول الحليفة لها مثل (أذربيجان، وكازاخستان، وطاجكستان، وبياروسيا.) تناقش هذه الورقة كل هذه التشابكات على خلفية المشهد العربي الراهن.

(ليبيا، ومصر، وسورية أنموذجًا)

أهمية البحث

يثير الدور الروسي في المنطقة العربية - في الفترة الراهنة - العديد من التساؤلات والنقاشات؛ ذلك أنّ المواقف الروسية ظهرت في بعض الأحيان غير واضحة ومبطّنة، فهي لم تعتمد كثيرًا على الأسس التقليدية في الأداء السياسي الخارجي لروسيا المستند إلى أسس منهجية وضوابط معينة، لذا فقد ساهمت هذه المواقف في تغيير مسار الحوادث في ما يتعلق بقضايا مهمّة في المنطقة مثل الأزمة السورية، ثمّ سعيها إلى استعادة مكانتها دولةً عظمى في النظام الدولي، فمثل هذه المواقف تكون جديرة بالدراسة والاهتمام والتحليل والمتابعة من أصحاب الاختصاص، في ظلّ بيئة إقليمة مضطربة ومرشّحة لمزيد من الحوادث التي ستكون روسيا حاضرة فيها بلا شكّ.

فرضية البحث

لم تتبنّ روسيا سياسة موحّدة تجاه الثورات العربية؛ إذ تبنّت مواقف وسياسات استندت بالأساس إلى نهج واقعي (براغماتي) محدّد، يعتمد مبدأ الربح والخسارة والمصالح العليا، ويتعامل مع كل حالة على حدة، لذا يمكن القول إنّ روسيا ظهرت بموقف المستعد للاعتراف بالثورات الحاصلة في عدد من الدول دون التخلّ عن مصالحها مع الأنظمة التي قامت ضدها. لكن مع تطور الحوادث، اضطُرَّت روسيا إلى تبنّي تكتيكات إستراتيجية مرحلية، والاعتماد على نهج آخر امتاز بدرجة أكبر من المرونة يجمع بين الشيء ونقيضه، أكدّت من خلاله حرصها على استقرار الأنظمة العربية، لكنها قبلت بالتعاون مع قوى المعارضة الثورية.

منهجية البحث

تمّ اتباع المنهج التاريخي في تتبّع المصالح الروسية في المنطقة العربية، والمنهج التحليلي في تناول الموقف الروسي من الثورات العربية.

هيكلية البحث

تمّ تقسيم البحث إلى مقدمة وثلاثة محاور، تناول المحور الأوّل توجّهات السياسة الروسية تجاه المنطقة العربية، واهتمّ الثاني بدراسة السياسة الروسية تجاه الثورات العربية، أمّا الثالث فقد تناول رؤية مستقبلية للدور الروسي في ضوء تحولّات المنطقة العربية.

توجهات السياسة الروسية تجاه المنطقة العربية

شهدت العلاقات الروسية - العربية تفعيلً ملحوظًا على مدى الأعوام العشرة الماضية، بعد انحسارٍ وتراجعٍ واضحين خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين، ولمّا كانت روسيا تحاول ضمّ الشرق العربي برمّته إلى منطقة نفوذها، فإنّ ممّ يميّز (ترانزيت) موسكو العربي الحالي مايلي1: استخدام الطريقة المختبرة للتأثير الانتقائي في تلك الدول التي ما تزال توجد فيها المساحات القديمة للمناورة الروسية السياسية والاقتصادية. عودة روسيا إلى تلك البلدان العربية، حيث لا توجد الأرضية القديمة، والتي تظهر لديها بالتدريج الأرضية الجديدة، على شكل الرغبة في التعاون العسكري وموارد الطاقة؛ وهذا ما يسمح لموسكو بتوسيع قائمة أولوياتها، وتضمينها تلك البلدان التي لم تكن داخل مجال النفوذ السوفياتي سابقًا، وتشمل (دول الخليج، والمغرب، والسودان، وتونس.) لكن المدخل إلى هذا الاهتمام المتجدّد لم يكن من خلال الأيدلوجيا هذه المرة، بل من خلال الجيو- سياسية التي ارتسمت أولوياتها في المنطقة على النحو التالي2: الأوّلوية الأولى لتركيا وإيران لكونهما محاذيتين لها من جهة، ولأنهما تتمتّعان بقدر كبير من النفوذ التاريخي والثقافي والاقتصادي، من جهة أخرى. الأولوية الثانية كانت للخليج العربي، حيث كانت موسكو تسعى بشكل حثيث لممارسة سياسة توازن صعبة، أولّا بين العراق وإيران، ثم لاحقًا بين إيران والسعودية وبقية دول الخليج. فقد استطاعت موسكو إعادة إطلاق علاقاتها مع حلفائها التقليديين في المنطقة على

  1. س. غ لوزيانين، عودة روسيا إلى الشرق الكبير، هاشم حمادي (مترجم)، (بغداد: دار المدى للثقافة والنشر، 2012)، ص.49
  2. سعد محيو، ورقة عمل "روسيا والربيع العربي: الثوابت والمتغيّ ات"، في حلقة نقاشية عقدت في مقر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بتاريخ 2012/9/19، مجلة المستقبل العربي، العدد 405 (تشرين الثاني/ أكتوبر 2012)، ص.120

أسس جديدة، إلاّ أنّ اللافت للانتباه هو أنه على الرغم مما سبق ذكره، فإنه لم يظهر خلال العقدين الماضيين تطوّر ملحوظ في العلاقات الخليجية - الروسية، كما لم تكن روسيا نفسها تأمل في علاقات سياسية متطورة، بقدر ما كانت تأمل في تطوير العلاقات الاقتصادية في الحد الأدنى3. الأوّلوية الثالثة لمنطقة الصراع العربي- الإسرائيلي التي كانت تحظى بالأولوية من جانب الاتحاد السوفياتي السابق، بصفتها جزءًا من الحرب الباردة، لكنها أصبحت الآن مجرد ورقة من أوراق الضغط التي تستخدمها موسكو لتحسين وضعها في النظام الرأسمالي العالمي. ولقد كان وصول الرئيس الروسي الحالي (رئيس الحكومة السابق) فلاديمير بوتين وزياراته المتكررة للمنطقة العربية، نقطة تحول في العلاقات الروسية - العربية، وإيذانًا ببدء حقبة جديدة في السياسة الروسية تجاه المنطقة، تستعيد فيها مكانتها بصفتها فاعلً أساسيًا في شؤون هذه المنطقة وقضاياها التي تتزايد حدّة وتعقيدًا. ويستند عزم روسيا نحو دفع علاقاتها قدمًا بالعالم العربي إلى رؤيتها إيّاه جارًا مهمً ترتبط معه بعلاقات صداقة تقليدية واحترام متبادل، فروسيا لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ممارسة دور أمني أو عسكري، ينافس الوجود الأميركي المكثف في المنطقة العربية، وإنّ ا تسعى إلى شراكة إستراتيجية بالمعنى الاقتصادي والتقني، ذات عائد اقتصادي مباشر لروسيا، وعائد تنموي حقيقي لدول المنطقة4. وتنطلق الحسابات الجيوسياسية في علاقة روسيا بالعالم العربي والشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين من ثلاثة متغيرات، هي5: إشكالية النظام الدولي النابعة من اعتقاد روسيا بأنّ العالم والنظام الدولي، منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، يعيش مرحلة انتقالية، ومع تسليمها بأحادية النظام خلال هذه الفترة، لكنها تؤمن بامكانية العودة من جديد وتجاوز المرحلة. ولعل أكثر معضلات أزمة النظام العالمي، هي أنّ حالة الانحسار الجيوستراتيجي الروسي خلال العقدين الماضيين، جعلها محاصرة بأزمات عالمية، سواء بسبب الحرب في أفغانستان أو النزاع الحدودي بين باكستان وأفغانستان، أو الطلعات الجوية لحلف شمال الأطلسي(الناتو) المنطلقة من دول البلطيق. المتغيّ العسكري؛ إذ تحتلّ روسيا المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية في تصدير الأسلحة للعالم، إذ أنّ النسبة الأكبر من زبائن روسيا هم من الدول النامية وبنسبة تبلغ نحو%90، ويحتل العالم العربي المرتبة الثانية في محطات استقبال السلاح الروسي بنسبة %15 بعد الدول النامية الآسيوية التي تتلقّى نحو%62 من إجمالي الصادرات الروسية من السلاح. ومن الاتجاهات الواعدة بصدد التعاون العسكري الفني بين روسيا والدول العربية، تقديم التنسيق المعلوماتي والتقني بين أنواع الأسلحة الروسية وأنواع الأسلحة المنتجة في الدول الأخرى التي بحوزة الدول العربية اليوم.(((المتغيّ الديني؛ إذ يبلغ عدد سكان روسيا عام 2013 حوالى 451 مليون نسمة يمثّل المسلمون منه نسبة 16 - 17 %، أي ما بين 23 - 25 مليون نسمة، الأمر الذي أكسبها مقعدًا دائمًا - بصفة مراقب - في منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك في الاجتماع 23 لوزراء خارجية المنظمة الذي عقد في صنعاء عام 2005، ولعل المعادلة الروسية العربية ازدادت تأثّرًا بالعامل الديني منذ تفكّك الاتحاد السوفياتي. وعليه، يمكن القول إنّ هناك آفاقًا رحبة لتعزيز العلاقات الروسية العربية في ظلّ هذه التحولات الدولية6: المشهد الأوّل: يُعتقد أنّ هناك إمكانًا للتعاون وتعزيز الشراكة الروسية - العربية في مجالات الطاقة النووية وتكنولوجيا الفضاء وتطوير البنية الصناعية العربية، وهو التعاون الذي بدأ بالفعل علي نطاق محدود لا يتّفق مع احتياجات الدول العربية، ولا مع ما يمكن أن تقدّمه روسيا من دعم تقني في هذا المجال، ومثال ذلك الاتفاق بين روسيا وليبيا عام 9971، على تطوير مركز الأبحاث النووية في تاجورا، وتوقيع اتفاقية خاصة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية بين روسيا ومصر عام 2008، وبين روسيا والأردن عام 2009، فضلً عن التعاون القائم بين موسكو وعدد من الدول العربية مثل (الجزائر، والسعودية، والمغرب) في مجالات تكنولوجيا الفضاء، والذي يتضمّن

  1. رؤية في الموقف الإقليمي والدولي من الانتقاضة البحرينية"، مركز البحرين للدراسات في لندن، 2013/3/19، على الرابط: http://www.bcsl.org.uk/ar/studies/vision-in-regional-inter-situation-of-bah- revo
  2. حسين بهاز، "مستقبل العلاقات الروسية العربية في ظل التحولات الدولية الراهنة"، المجلة الأفريقية للعلوم السياسية، 2013/2/6، على الرابط:
  3. السياسة الدولية، العدد ‏الثورات‏ ‏العربية"، مجلة 861)القاهرة:.)2013
  4. http://bit.ly/1GDfUFW 7 بهاز. 6 قسطنطين سيفكوف، "العلاقات العربية – الروسية ولقاء المصالح المشتركة"، في ملتقى الجزيرة للدراسات حول العلاقات العربية الروسية، الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات، شباط/ فبراير 2009، ص 4.

إطلاق أقمار صناعية للاتصالات والملاحة والاستشعار عن بعد بواسطة صواريخ روسية، وقد تمّ في هذا الإطار إطلاق القمر الصناعي الجزائري "ألسات - "1 في تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، وكذلك إطلاق سبعة أقمار صناعية سعودية بواسطة الصواريخ الروسية إلى مدار حول الأرض، وهناك اتفاق بين البلدين على مواصلة التعاون في هذا المجال7. إن روسيا تنظر إلى دول الخليج، ولا سيما السعودية، بوصفها حليفًا لها في سوق الطاقة العالمية، ويتمّ التنسيق والتعاون بين روسيا والدول العربية في مجال الطاقة في إطار محورين أساسيين، أوّلهما، الحفاظ على استقرار السوق النفطية وضمان حد أدنى للأسعار؛ وذلك من خلال التحكم في حجم الإنتاج، خاصة أنّ روسيا تشارك في اجتماعات منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك" بوصفها مراقبًا. وثانيهما، الاستثمارات الروسية في قطاع النفط العربي والإقبال الشديد من جانب شركات النفط الروسية على الاستثمار في هذا القطاع في مختلف الدول العربية، من خلال المشاركة في عمليات البحث والتنقيب وتطوير الإنتاج8. المشهد الثاني: إلاّ أنّ هناك من يقلّل من مستقبل المصالح الروسية في المنطقة العربية، نظرًا للعديد من العوامل الآتية: في ما يخصّ النفط والغاز؛ إذ أنّ مصالح روسيا تتعارض مع مصالح الدول العربية المصدرة للنفط، وعليه، فهذا يمكن أن يطرح نوعًا من العلاقة التنافسية بين الطرفين؛ وذلك لأنّ الدول العربية لها مصلحة في ارتفاع أسعار النفط والغاز للحصول على مكاسب أكبر. يرى البعض أنّ تصدير السلاح أصبح من الأدوار والمصالح القديمة بالنسبة إلى روسيا؛ إذ كان الاتحاد السوفياتي السابق يقوم بتصدير كميات كبيرة من السلاح إلى الكثير من الدول العربية مثل (سورية، والعراق، ومصر، والجزائر... إلخ.) وعلى الرّغم من وجود مؤشّات لاستمرار نشاط صادرات السلاح الروسية لبعض الدول العربية، ولا سيما الأسلحة الخفيفة والصواريخ، فإنّ بوصلة تصدير السلاح الروسي قد تغيّرت باتجاه بعض الدول الآسيوية مثل الصين وتايلاند وبعض الدول الأخرى. علمً أنّ الصادرات الروسية من الأسلحة بلغت 41 مليار دولار عام 2012، ويوضّ ح الشكل)1(حجم الصادرات الروسية إلى الشرق الأوسط من 9921 إلى.2012 لم نعد نشهد من الناحية السياسية معادلة الثنائية القطبية؛ فمن الناحية العملية هناك دولة مهيمنة هي الولايات المتحدة الأميركية، قامت ببعض التقويض للسياسة الروسية وأفقدتها جزءًا من دورها حتى في محيطها، بعد أن تمركزت في بعض القواعد في المحيط الروسي 1(((، على الرغم من وجود رأي يخالف ما تمّ ذكره، ويطرح تساؤلات حول الدور الأميركي في المنطقة، مثل التجميد الفعلي لاتفاقيات الشراكة من أجل السلام بين الأطلسي وكازاخستان، وتلكؤ انضمام أذربيجان في العضوية إلى الناتو، والتدخل العسكري المباشر في جورجيا عام 2008 وتقسيمها، والتدخل الحالي في أوكرانيا، وسلسلة البنى التنظيمية التي أقامتها روسيا مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي وغيرها.

السياسة الروسية تجاه الثورات العربية

اتسمت السياسة الخارجية الروسية في ال قرر الأوسط، خلال ثورات الربيع العربي، بسمات رئيسة عدة، منها كونها سياسة عملية وواقعية، فضلً عمّ وصفها به بعض المتابعين من الثبات والاستقرار؛ نظرًا للأهمية الكبيرة التي توليها السياسة الروسية لمنطقة الشرق الأوسط9. ولا شك أنّه يوجد ضمن العوامل التي تتحكّم في المواقف الروسية تجاه ما تحمله الثورات العربية من متغيّ ات، ما يشير إلى أنّ القيادة الروسية الحاكمة تفضّ ل الاستقرار في المنطقة العربية، والركون إلى الاستثمار الذي تقدّمه تحالفاتها وعلاقاتها مع الأنظمة العربية المتقادمة، على الرّغم من بعض الإشارات المتفاوتة إلى مطالب الشعوب المحقّة واحتجاجاتها السلمية، فيما يشير واقع الحال إلى تفاوت الاهتمام الروسي بالانتفاضات والثورات التي عصفت بالأنظمة العربية منذ كانون الأوّل/ ديسمبر 2010، وأفضت إلى تغيير الأنظمة

  1. غ لوزيانين، ص.103
  2. الشيخ.
  3. بهاز.
  4. Muharrem Erenler, “Rusya’Nin Arap Baharı Politikası,” (Russia’s Arab Spring Policy) , Bilge Strateji , Cilt 4, Sayı 6 (Bahar 2012), pp. 172-173.

في كل من (تونس، ومصر، وليبيا، واليمن)، وما زالت رياحها تجتاح سورية10. ويرى ف. أحمدوف "أنّ السبب الرئيس لكلّ الثورات العربية هو سعي الشعوب العربية إلى التحرر من قبضة التبعية الخارجية، والحصول على الاستقلالية في حلّ المشكلات الداخلية والإقليمية11. لقد أربكت الثورات العربية بانفجارها المفاجئ، وانتشارها السريع، وشموليتها لدول لم تتوقع أن تنالَها رياح التغيير، حساباتِ القوى الإقليمية والدولية المختلفة، غيرَ أنّ الموقف الروسي والصيني لم يرتبك كثيرًا، إذ أيّدت الدولتان الأنظمة بشكلٍ شبه كامل، مع الحثّ على إصلاحات وحوار بين الحكومة والمعارضة، ورفض قاطع للتدخُّل الدولي12. يتّضح لنا أنّ موقف روسيا من الحراك الثوري العربي يرتكز على الدوافع والكوابح التالية13: طبيعة البيئة الداخلية، ولا سيما الهيكل السلطوي في الداخل الروسي الذي يسعى إلى فرض قبضة مركزية على الأقاليم التي تسعى للانفصال أو التمرّد، وعليه فإنّ قبول روسيا بالديمقراطية سيجعلها عرضة للانفصال أوالتفكك، أو احتمال نشوب صراعات (عرقية، وقومية، ودينية، وحتى مناطقية)؛ الأمر الذي قد يؤدّي إلى تفكك الاتحاد الروسي نفسه. تخشى روسيا من انتقال عدوى الثورة إلى أراضيها؛ خاصة أنّ هذا الحراك الثورى يؤثّر مباشرة في واقعها الداخلي، بسبب تشابه الدوافع في الداخل الروسي مع واقع التجربة العربية، وفي هذا السياق كانت دول آسيا موضوع نقاش في مجلس الدوما في 13 نيسان/ أبريل 2011، إذ حثّ نائب رئيس المجلس غريغوري كاراسين هذه الدول على إجراء إصلاحات سريعة من خلال تحسين مستوى معيشة السكان، وتطوير التعليم والعمل مع الشباب؛ خشية انتقال عدوى التغيير إليها14. تعتقد روسيا بحسب وجهة نظر رئيسها بوتين، بأنّ السياق الذي اندلعت فيه الثورات العربية يعبّ بوضوح عن أزمة المخطط الأم كيرر في عملية نشر الديمقراطية، وذلك بسبب طريقة فرضها15، مع الجهل بالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية للشعوب العربية، وعليه، فإنّ روسيا تتحرك تجاه الثورات العربية بحذر لأسباب عديدة تسعى من خلالها لتحقيق التوازن بين كل من الأنظمة العربية الحاكمة وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. لا ترغب روسيا في وصول قوى إسلامية أصولية، قد تدفع باتجاه إنشاء بيئة اقتصادية وإسلامية تهدّد تخومها في القوقاز وآسيا الوسطى، فضلً عن أنّ تعاطي روسيا مع الثورات العربية يأخد في الحسبان الوزن الديمغرافي والاقتصادي للمسلمين فيها. لا تملك روسيا القدرات العسكرية البحرية التي تمكّنها من إدارة متوازنة للصراع في المياه الإقليمية العربية، في ظلّ سيطرة الأساطيل الأميركية على كلّ من شرقي البحر المتوسط والخليج العربي. يبدو أنّ المعلم الأساس للسياسة الخارجية الروسية هو (البراغماتية السياسية)، ولا سيما بعد تخلّيها - منذ تفكّك الاتحاد السوفياتي - عن الرسائل الأيديولوجية ومبادئ الماركسية المنادية بتأييد الحركات الثورية للشعوب16. المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية الروسية في عدد من الدول العربية، إذ تمتلك روسيا علاقات سياسية متينة مع بعض الدول العربية، فضلً عن المصالح والاستثمارات الاقتصادية والتعاون العسكري والتقني والتي تقدر بمليارات الدولارات. الموقع الجغرافي والإستراتيجي لعدد من الدول العربية، والتي يُعدّ البعض منها مناطق نفوذ روسية في ظلّ الأنظمة السياسية العربية القائمة، فمن المؤكّد أن تسعى روسيا إلى حماية مناطق

  1. عمر كوش، "تساؤلات عدة حول الموقف الروسي من ثورات الربيع العربي"، 12 الاقتصادية، 2011/9/9، على الرابط: http://www.aleqt.com/2011/09/09/article_578096.html
  2. لمزيد من التفاصيل انظر: "المستعرب الروسي الدكتور فلاديمير أحمدوف في حوار حول الثورة السورية: المعارضة السورية لم تكن جاهزة للثورة"، أجرى المقابلة وترجمها للعربية
  3. هاني شادي، "تناقضات الموقف الروسي من الربيع العربي"، موقع 14 المشهد، 2011/7/23،
  4. بهاز. 16  Stephen Blank, “Russia and Central Asia Fight The Arab Revolutions,” CACI Analysis (accessed 6/7/2011), at: http://www.universalnewswires.com/ centralasia/viewstory.aspx?id=10216 17  Mark N. Katz, “Russia and the Arab Sprin”, Russian Analytical Digest, No. 98, (6 July 2011), p. 4
  5. بيروت أوبسرفر محمود الحمزة،، 2013/6/15، على الرابط: http://bit.ly/1sbTlyr
  6. على الرابط: http://www.al-mashhad.com/Articles/3769.aspx
  7. بهاز.

نفوذها ومصالحها، والدفاع عن الوضع القائم، والوقوف ضد أي تغيير قد يؤدّي إلى تهديد نفوذها في ضوء مساعي الدول الغربية لاختراق هذه المناطق والهيمنة عليها. اعتمدت روسيا الاتحادية - ومنذ تفكك الاتحاد السوفياتي - مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، توجّهًا عامًّا حكم السياسة الخارجية الروسية منذ ما يزيد على العقدين من الزمن، وسعت باتجاه تحقيق مصالحها وحمايتها عن طريق توثيق العلاقات مع الدول العربية والتعاون والشراكة معها، والابتعاد عن مفهوم الهيمنة أو التدخل المباشر في شؤونها. في ضوء طبيعة الوضع الداخلي لعدد من الأقاليم الروسية، والتي تشهد حالة من عدم الاستقرار ولمدة زمنية ليست بالقصيرة، واعتماد روسيا وسائل مختلفة لإعادة الاستقرار إليها بما فيها القوة؛ جعل من الصعب أن تنتقد موسكو النظم السياسية العربية القائمة التي تستخدم أسلوبها نفسه أو تقف ضدها، وهو ما يعني انتقادًا للنظام القائم في روسيا نفسه. ارتبط الموقف الروسي وتأثّر إلى حدّ ما بمواقف الدول العربية والإقليمية ذات التأثير في المنطقة، فعلى سبيل المثال، في الحالة الليبية أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أنّه "من دون وجود موقف واضح لجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، واللذين تُعدّ ليبيا عضً وا فيهما، فإنّ موسكو لا تستطيع النظر في أيّ خطوات مستقبلية." الانتقادات الداخلية، ولا سيما التي وجّهها عدد من كبار الساسة الروس إلى الرئيس السابق ميدفيدف، نتيجة موقفه من الملف الليبي وعدم استخدامه الفيتو في تعطيل القرار رقم171.973 وتربط موسكو موقفها أيضًا بأهمية الحفاظ على الاستقرار في الدول العربية، وهو ما يعني في التفكير الروسي الرسمي ضرورة الحفاظ على الأنظمة القائمة بغض النظر عن استبدادها وفسادها، طالما أنّ هذه الأنظمة تحقّق لها بعض المكاسب، ولكن هذا لا يمنع القيادة الروسية من التعامل ببرغماتية شديدة مع نتائج الثورات العربية في محاولة للحفاظ على مصالحها18. وبناءً على ذلك، فإنّ الدور الروسي في المنطقة العربية - في الفترة الراهنة – يثير العديد من التساؤلات والنقاشات؛ ذلك أنّ المواقف الروسية ظهرت وكأنها تبطن العداء والممانعة، أو على الأقل عدم الارتياح تجاه ما يحمله الربيع العربي من تطوّرات ومتغيّ ات جديدة19. كما أنّ المتتبع للموقف الروسي، يلاحظ أنّ ما حدث في تونس من ثورة وتغيرات لم يلقَ الاهتمام الكافي من الساسة الروس، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حوادث البحرين، أمّا تجاه الأزمة وتداعياتها في اليمن، فقد أعربت روسيا عن تخوفّها من سير الحوادث، بحجة أنّ المعارضة اليمنية "مسلحة تضمّ عناصر إرهابية"، وكشفت تصريحات المسؤولين الروس عن تحفظّات جوهرية حيال الثورة اليمنية وطبيعة الصراع القائم حول السلطة. وفي المقابل أولت روسيا اهتمامًا أكبر للمتغيّ ات التي طالت كلً من مصر وليبيا وسورية؛ ذلك أنّ الأهمية السياسية والعسكرية والاقتصادية والوزن الإقليمي والدولي متباينة بين هذه الدول؛ يفسّ في جانب معين مستوى التباين في الاهتمام. ومن خلال تلك المعطيات سنحاول أن نفرد كلّ حدث بتحليل مفصّل، لتوضيح الموقف السياسي الروسي منه.

الموقف الروسي من الثورة في ليبيا

كانت المواقف الروسية من الثورة في ليبيا ممانعة حيال المتغيّ ات الجديدة، وأعلنت موسكو في أكثر من مناسبة أنها لن توافق على أي قرار دولي حول ليبيا؛ نظرًا لخشيتها من أنّ أي تدخل عسكري فيها، سيدخلها في أتون الحرب الأهلية. وحاولت روسيا منع صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 9731 الذي فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، فضلً عن فرضه عقوبات على نظام القذافي، وامتنعت عن التصويت لصالح القرار، لكنها لم تستطع منعه (البعض يقول إنها أخطات في تقدير الموقف الغربي)؛ نظرًا للإجماع الدولي، ولكونه جاء وفق مبدأ التدخل الإنساني وحماية المدنيين، ثم اضطرت لاحقًا لإعلان التزامها به، ولم تقطع علاقاتها مع الحكومة الليبية، مقابل انتقاد

  1. محمد عبد الرحمن يونس العبيدي، "موقف روسيا الاتحادية من الثورات العربية، مجلة مركز الدراسات الإقليمية، العدد الثورة السورية أنموذجًا"، 10، 2012/9/22، ص.35
  2. هاني شادي، "روسيا والانتفاضات العربية"، موقع 20 دمشق، 2013/7/9، على الرابط: http://www.dimasheq.com/ar/articles بسام العمادي، السفير السوري السابق في السويد، موقع 21 كلنا شركاء، 2013/3/4، على الرابط: http://www.all4syria.info/Archive/73515
  3. لتفاصيل أكثر انظر سلسلة الوثائق الروسية الخاصة بالأمن القومي، والتي نشرها بوتين بين عامي 2008-2002 وسلسلة مقالاته عام 2010، على الرابط: http://www.siis.org.cn/en/zhuanti_view_en.aspx?id=10124

معارضيها والتشكيك في قدراتهم ونواياهم. وقد تلقّى ميدفيدف انتقادات حادة من بوتين، لعدم استخدامه حق النقض (الفيتو) لمنع صدور القرار الدولي الآنف الذكر، كما أنّ بوتين عدّ القرار ''معيبًا وخاسرًا ويُذكّر بدعوات القرون الوسطى إلى شنّ حملات صليبية، ويجيز التدخل في شؤون دولة ذات سيادة''، بل واعتبر عمليات الناتو ''حربًا صليبية بالفعل''20، فيما كانت ردة فعل ميدفيدف من خلال تصريحه: " بأنه أمر لا يُغتفر على الإطلاق استخدام التعبيرات التي تؤدّي إلى صدام الحضارات مثل الحروب الصليبية، وهذا أمر غير مقبول." إنّ هذه التصريحات المختلفة تبدو متناقضة في ما بينها21. ويتوافر أمران يمكن أن يفسّا الموقف الروسي الجديد بعيدًا، عن القول بأنه موقف مبدئي: أوّلهما، أنّ روسيا أدركت أنّ العقيد "بصدد تقطير ساعاته" كما يقول المثل التونسي، وأنّ "العطار لم يعد ليصلح ما أفسده الدهر" كما يقول مثل آخر. وثانيهما، أنّ روسيا لا تريد أن تكون آخر الملتحقين وربما بعد الوقت الملائم، فتخسر تمامًا كلّ موقع يؤهّلها لاحقًا للحصول على مكاسب، عندما يحين موعد إعادة إعمار ليبيا بعد الدمار الذي أصابها22. وحاولت روسيا القيام بمبادرات ووساطات بين القذافي والمجلس الانتقالي الليبي، لكنها لم تنجح، ولم تلقَ أي قبول من الثوار، وهكذا لم تتمكّن الدبلوماسية الروسية من العودة إلى المسرح الليبي، واضطرّت في نهاية الأمر إلى تغيير موقفها بعد دخول قوات المعارضة العاصمة طرابلس، فاعترفت بالمجلس الليبي الانتقالي الوطني23، طرفًا مفاوضًا وشريكًا شرعيًا في المحادثات حول مستقبل ليبيا24. يقودنا هذا إلى جزء آخر يتعلّق بالمصالح الإستراتيجية للبلدين التي كانت من بين العوامل المؤثّرة في موقفهما من الثورات العربية، كما ذهب إلى ذلك العديد من المراقبين، إذ عُدّ الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي، والدعوة للمفاوضات مع القذافي تغيّرًا في الموقف الروسي، ومحاولة للتوازن بين الطرفين؛ بحثًا عن المصالح الاقتصادية في انتظار ما تؤول إليه الأمور أخيرًا في طرابلس؛ غير أنّ التنديد الروسي بعمليات (الناتو) خلال الحرب كما سبقت الإشارة، والدعوة إلى التحقيق في دور الحلف في قتل القذافي تحديدًا، إذ شكّك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في ملابسات موت القذافي، ودعا لإجراء تحقيق دولي في عمليَّة القتل25، قد أخلّ بالمصالح الروسية. ويرى بعض المختصين والمراقبين ومنهم اينا ميخائيلوفنا رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي، أنّ أسباب تأرجح الموقف الروسي تعود إلى عاملين، أوّلهما التشكيك في النوايا الأميركية والغربية خاصّة بعد الأزمة العراقية، وكذلك تعرّض روسيا لحرب مربكة في شمال القوقاز، استهدفت بالدرجة الأولى فصل هذا الإقليم عنها من أجل إفشال مشاريعها الاقتصادية الخاصّة بالسيطرة على طرق نقل الطاقة ومنابعها. أما العامل الثاني، فترى ميخائيلوفنا بأنه يتمثّل في ما سمّته تنامي القناعة لدى بعض القطاعات داخل دوائر الحكم في روسيا، بأنّ ما يحدث في الشرق الأوسط يمكن أن يؤدّي لسيطرة القوى المتطرفة دينيًّا، والتي ما زالت تهدد أمن روسيا، لكنها بالمحصّلة ترى أنّ هذا التقييم يخلو من الموضوعية والرؤية العلمية، لأنه "يتجاهل حجم التيارات الدينية المعتدلة، والتي غابت عن مجمل الحوادث التي تعرفها المنطقة العربية." كما أنّ هذا التقييم يغاير المنهج العلمي لأنه "يرفض أن يكون النهج الديمقراطي هو السبيل لتصفية الاتجاهات المتشدّدة، ويتمسّك بأساليب القوة والقمع في محاربتها"26. وفي ما يتعلق بليبيا، فإنّ خسائر روسيا تمثّلت في فقدانها عقدًا لتوريد أسلحة بمبلغ 81. مليار دولار، جرى التوقيع عليه في كانون الثاني/ يناير 2010، وعقود أخرى افتراضية نُوقشت مع النظام الليبي السابق، تتعلّق ببيع طائرات حربية وأخرى للنقل العسكري ومنظومات للدفاع الجوّي بمبلغ 4.5 مليار دولار، كما أنّ شركة السكك الحديدية الروسية فازت بمناقصة لبناء خط سكك حديدية سريع في ليبيا بمبلغ إجمالي قدّر ب 2.2 مليار يورو عام 27. 2008 وكان من الملائم لروسيا العمل على المسار الليبي، ليس بصفتها وسيطًا يتدخّل في شؤون الأطراف المتخاصمة ويمارس الضغوط عليها - بكلّ

  1. الطيب الزين، "انتقاد الموقف الروسي حيال ليبيا"، 28 الجزيرة نت، 7/3/20111، على http://bit.ly/1zIZdH3
  2. Erenler, p.174.
  3. بكل هدوء كيفية قراءة انقلاب الموقف الروسي؟"، 24 الشروق،.2011/05/31
  4. كوش.
  5. الشيخ.
  6. شادي.
  7. 22 كوش. الرابط:
  8. هاني شادي، "روسيا والربيع العربى مصالح ومخاوف"، 29 الأهرام الرقمي، 2012/4/1، على الرابط: http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=892045

ما يرتبط بهذا من التزامات ومسؤوليات- بل بصفتها منسّقًا، يتابع تطوّر الحوادث باهتمام، ومع هذا التوزيع للقوى تحصل روسيا على الفرصة، لكي توجّه عبر مختلف القنوات الانتقادات المدعومة بالحجج إلى النموذج الغربي؛ لفرضه الديمقراطية قسرًا عن طريق الإطاحة بالأنظمة غير الموالية باستخدام القوة العسكرية28.

الموقف الروسي من الثورة في مصر

أطلق الساسة الروس تصريحات حذرة، مع بداية الثورة المصرية، تعبّ عن عدم رضاهم وانتقادهم لما يجري من حراك احتجاجي، وعن الخشية ممّ تحمله الثورة من متغيّ ات. وكان المفترض أن تشكّل الثورة المصرية فرصة للحكومة الروسية، في أن تعيد ترتيب علاقاتها مع الشعب المصري، وأن تساهم في المساعدة على ولادة نظام جديد يختلف عن النظام السابق الذي لم يكن تربطه بموسكو أي علاقات مميزة، إلاّ أنّ القادة الروس ظنّوا أنّ الرئيس المصري السابق حسني مبارك باق على الرغم من كل شيء، فلم يقطع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف اتصالاته معه، وأرسل إليه مبعوثه الخاص للتعبير عن دعمه له، وذلك قبل يومين من تنحّيه عن السلطة29. إنّ الموقف الرسمي الروسي وحسب تصريحات المسؤولين في وزارة الخارجية، أكّد أكثر من مرة ثبات موقف بلاده تجاه تأييد تطلّعات الشعب المصري نحو حياة أفضل في ظلّ الحرية والديمقراطية30. ولا شكّ أنّ تصاعد الحوادث فى مصر يثير قلقًا شديدًا لدى موسكو، خاصّة ما يحدث فى شبه جزيرة سيناء، والظهور القوي للجماعات المسلّحة المتطرّفة، وحينذاك لا نعتقد بأنّ الموقف الروسى سيظلّ على صمته وسلبيته، بل ربما نفاجأ بتدخّل روسى قوي وحادّ، لأنّ روسيا لن تسمح بانهيار مصر، وصمتها الآن أكبر دليل على قلقها واهتمامها البالغ"31. إنّ الحسابات المتعلّقة بالتقارب الروسي المصري، بلغت مبلغ التفكير في إمكان تحوّل روسيا إلى حليف إستراتيجي لمصر بديلً عن الولايات المتحدة الأميركية، وقعت في أسر رؤية اتسمت بالقصور والمحدودية، يمكن توضيحها من خلال32: الاعتقاد في أفول زمن العلاقات الخاصة بين القاهرة وواشنطن بما يستوجب البحث عن شريك أو حليف أو صديق دولي بديل، عساه يكون أشدّ قربًا للقاهرة وأكثر إفادة لها من واشنطن. الظنّ بأنّ موسكو تتحيّ الفرص لاحتلال موقع واشنطن لدى مصر، ومع ذلك لا تبدو موسكو مستعدة أو حتى راغبة في الدخول في مصادمات أو توتّرات إضافية مع واشنطن جرّاء مصر أو سواها. أنّ روسيا لا ترمي إلى التدخل في الشأن المصري، أو ممارسة الضغوط، أو المشروطية السياسية، أو حتى الابتزاز السياسي والإستراتيجي على صنّاع القرار المصريين لتحقيق مآرب إستراتيجية روسية؛ وإلاّ بماذا نفسر المساعي الإسرائيلية الرّامية إلى عرقلة أي تعاون عسكري عالي المستوى بين موسكو وعواصم عربية وإسلامية عدّة من بينها القاهرة؟ التغافل عمّ يجول بأذهان الروس حيال مصر، فهم يعتقدون أنّ التوجّه المصري صوب بلادهم غالبًا ما يكون ظرفيًا واضطراريًا بعد أن توصد في وجههم الأبواب الغربية، وهو ما يراه مراقبون روس حاصلً هذه الأيام؛ إذ لم يفكر المصريون في التقارب الإستراتيجي مع روسيا، واستحضار إرث الماضي وذكرياته، إلاّ بعد تنامي التوتّر بين القاهرة وواشنطن وتجميد جزء من المساعدات العسكرية المخصصة للقاهرة. الاستخفاف بعقلية الروس؛ فعلى الرغم من أنّ التعاون العسكري بين مصر وروسيا لم ينقطع تمامًا بموجب اتفاقيات ثنائية مبرمة ومعلنة، وما زالت سارية بين البلدين تخصّ بالأساس منظومة الدفاع الجوي، وعلى الرغم من إدراك موسكو حاجة مصر الملحّة إلى تنويع مصادر التسليح على غرار ما فعلت الهند مؤخّرًا بجمعها بين السلاحين الروسي والأميركي، فإنّ روسيا تعي جيدًا أنّ مصر تتبنّى حاليًا سياسات خارجية هي عبارة عن ردّات فعل؛ ذلك أنّ المرحلة الانتقالية وارتباك الوضع الداخلي، وعدم

  1. المصالح الروسية في منطقة الشرق الأوسط"، مركز صوت الجنوب العربي (صبر) للإعلام والدراسات، 2012/6/22، على الرابط: http://bit.ly/10lT447
  2. كوش.
  3. سامي عمارة‏، "روسيا لم تحسم رسميا موقفها من الحوادث في مصر"، 32 الأهرام، 2013/6/25، السنة 713، العدد.46252
  4. مغازي البدراوي، "روسيا ومصر والصمت المسموع"، 33 العربية نت  ، 2013/8/6، على الرابط: http://bit.ly/1B06Pqf
  5. بشير عبدالفتاح، "الاتصالات الروسية - المصرية: موسكو ليست بديلً من واشنطن"، الحياة، 2012/12/2، على الرابط: http://alhayat.com/Details/577970 الرابط:

انتقال مصر من الثورة إلى الدولة، لا يجعل الأجواء مواتية لصنع سياسة خارجية نمطية واضحة المعالم. تجاهل متلازمة "المشروع غير المكتمل" أو "التحرك المنقوص" عند المصريين، والتي تلقي بظلالها على المساعي المصرية للتقارب مع روسيا. التعامي الفجّ عن ثوابت السياسة الخارجية الروسية حيال المنطقة، ومواقف موسكو المثيرة للقلق إزاء قضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان؛ فعلى الرغم من دعم موسكو لخارطة الطريق المصرية، فإنّ غموضًا هائلً ظلّ يلفّ المواقف الروسية من الثورات العربية. فالأرجح أنّ التقارب المصري-الروسي ليس نتاج رغبة مصرية وحسب، بل وتشجيع سعودي - إماراتي أيضًا، بهدف توجيه رسالة احتجاج إلى الحليف الأميركي، وإيجاد طريقة للتوصّل إلى حلّ للأزمة السورية، بتعاون من روسيا33. وأكّد المفكر المصري سعد الدين إبراهيم، أنّ الروس يحاولون العودة إلى منطقة العربية بقوة، إذ حدث ذلك فى سورية، والآن يحاولون العودة من خلال البوابة الأكبر للعالم العربي وهى مصر، وهم مستعدون لملء أي فراغ في العلاقات المصرية - الأميركية، سواء في التسليح أو المساعدات34. إذن، يمكن القول في النهاية إنّ التباين وتذبذب المواقف الذي هيمن عليه تراجع في الرؤية والحسابات الإستراتيجية، هي سمات السياسة الروسية حيال الثورة في مصر.

الموقف الروسي من الثورة السورية35

يعدّ الروس سورية هي مفتاح المنطقة وليس العراق، فالتغيير الجيوسياسي لم يتحقق في الشرق الأوسط عبر بوابّة بغداد كما توقّع وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول، فهذا التغيير يمكن أن يحصل فقط من البوابة الدمشقية، وهذه الأسباب قد تكون خلف ظنون موسكو بأنّ القضية السورية هي فرصتها السانحة لاستعادة دورها الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا36. ومنذ عام 2000، سعى بوتين إلى استعادة مكانة روسيا "قوة عظمى"، مُجسّدًا سياستها ضد الولايات المتحدة الأميركية في شكل لعبة محصّلتها صفر من أجل وضع روسيا ثقلً موازنًا للغرب في الشرق الأوسط37. ووفقًا لصحيفة "موسكو تايمز"، فإنه فضلً عن الأسلحة، فقد استثمرت الشركات الروسية ما مجموعه 20 مليار دولار في سورية منذ عام 2009. وإذا فقد الأسد السلطة، فيمكن أن يتمّ إلغاء هذه العقود39. "نحن لا ندعم نظام بشار شخصيًّا، أو نسعى لإبقائه كما هو، ولكننا ضد التدخل في شؤون الدول"، هكذا استهلّ المفكر الروسي فيتالي نعومكين، حديثه عن موقف روسيا من الأزمة في سورية، مشيرًا إلى أنّ هذه الرؤية تتماشى مع المبدأ العام للسياسة الخارجية الروسية وهو "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول"، وليس لوجود مصالح تجارية أو إستراتيجية روسية داخل سورية، كما يزعم البعض"40.

  1. 38 ناصرزيدان، دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ط 4 (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2013.296)، ص
  2. م، رر حسابات الانعطافة الروسية"، تقدير موقف، مركز الجزيرة للدراسات، /21 2013/11، على الرابط: http://studies.aljazeera.net/ResourceGallery/media/Documents/2013/11/21/
  3. 41 في لقاء خاص بالمركز الإقليمي: "فيتالي نعومكين يناقش الدور الروسي في المنطقة بعد الثورات"، 9 2013/4/، المركز الاقليمي للدراسات الإستراتيجية، القاهرة، على الرابط: http://bit.ly/1zvQVSR
  4. ترجع علاقات نظام الأسد بروسيا إلى عام 9701، عندما قام حافظ الأسد، والد الرئيس الحالي بشار الأسد بانقلاب، وجعل سورية تنحاز إلى معسكر الاتحاد السوفياتي. في أوهام القوة العالمية التي يحتاج بوتين إلى خلقها، يرى فريدمان أنّ سقوط الأسد يقوّض إستراتيجيته بشكل كبير، إلا إذا وجّه الولايات المتحدة إلى صراع آخر لفترة طويلة مكلِّفة في الشرق الأوسط، انظر: جورج فريدمان: "إستراتيجية بوتين رؤية أميركية للصراع بين موسكو وواشنطن في سورية"، السياسة الدولية عرض طارق راشد عليان،، 2013/9/15، على الرابط: http://www.siyassa.org.eg/NewsQ/3280.aspx
  5. انا بورشفسكايا، "مصالح روسيا الكثيرة في سورية"، معهد واشنطن، 2013/1/24، على http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/russias-many- interests-in-syria 40 المرجع نفسه.
  6. 20131121105032157580Eygpy%20&%20Russia.pdf
  7. 36 سعد الدين إبراهيم، "روسيا عززت موقف الجيش في مواجهة ضغوط أميريكا وأوروبا "، الشروق، 2013/8/1، على الرابط: http://bit.ly/1tXn9ln

إذن، فلا وجود لمصالح أو رغبة بزيادة النفوذ وراء الدعم الروسي للنظام في سورية، والكلام لنعومكين، ولكن هناك مجموعة من المرتكزات التي لا بدّ من التأكيد عليها، وهي: لا بدّ من بقاء سورية دولة موحَّدة. عدم التدخل هو أساس السياسة الروسية. لا بدّ وأن تُحلّ الأزمة بين السوريين أنفسهم. العودة إلى اتفاقية جنيف التي وقّعتها روسيا والخاصّة بتنظيم المرحلة الانتقالية في سورية. أن يقرّر الشعب السوري مصيره بنفسه، وليس واشنطن أو الرياض أو الدوحة. أنّ هناك حربًا أهلية تدور رحاها في سورية، وأنّ الجيش السوري لا يزال متماسكًا حتى الآن، وهو ما يوحي بوجود موالين للنظام. وعدّد نعومكين أسبابًا إنسانية في سورية، تبلور موقف روسيا من الأزمة الجارية، وعلى رأسها: الحرص على المسيحيين الأرثوذكس الموالين للنظام، خاصة أنّ الكنيسة الأرثوذكسية في سورية أقدم من مثيلتها في روسيا. هناك أقلية شركسية من حوالى 001 ألف شخص، يهربون من الحرب الأهلية، وقد طلبوا المساعدة من روسيا، ولكن ليست لدينا الآن الإمكانات التي تساعد على استقبال هؤلاء، كما أنّ هناك أقلية أرمينية، ونحن حريصون على مصير هؤلاء ومستقبلهم. واختتم حديثه بالقول، ليس معقولً تحميل هذه المأساة في سورية لطرف واحد فقط، فالمسؤولية موزّعة على كلّ الأطراف، وتسليح المعارضة طريقة غير صحيحة للوصول إلى المصالحة الوطنية، فالموقف الروسي ليس دعمً لشخص (ولكنه دعم لفلسفة علاقات دولية مبنية على عدم التدخل، ووقف العنف، ودخول كلّ الأطراف في المفاوضات)41. ويمكن رصد معالم الموقف الروسي بشكل واضح من الأزمة السورية من خلال ما يلي42: تصريح وزير الخارجية الروسي"سيرغي لافروف"، الذي دعا فيه السلطات السورية إلى معاقبة المسؤولين عن مقتل المتظاهرين خلال مواجهات مع قوات الأمن السوري. مواقف روسيا السابقة التي تعارض وتحاول الدخول بوساطة، ولكنها في النهاية لا تعارض القرارات الدولية، وكلّنا يذكر جيّدًا موقف روسيا من العقوبات الاقتصادية على إيران، والتي أيّدتها موسكو ولم تبد أي معارضة للمجتمع الدولي. روسيا التي تحاول أن تفعل شيئًا، قبل فوات الوقت، للنظام في سورية، والذي كان محسوبًا عليها. تعمل روسيا بالدرجة الأولى لحساب مصلحتها الأساسية، التي من خلالها تحاول أن تفرج عن شيء مقابل شيء خاص بها، وهذا هو قانون الدبلوماسية العالمية، وروسيا أصبحت ماهرة في إدارة العلاقات الدبلوماسية الدولية. ولكي نستطيع فهم الموقف الروسي، ثم محاولة تقييمه، علينا أّولًا إدراك بعض المعطيات الأساسية، أهمها من جهة أنّ الموقف الروسي هو من جهة ردة فعل على الموقف الغربي، وهو ارتداد لما تعرّض له النظام الدولي لما يشبه الزلزال في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى؛ هذا النظام الذي مازال يبحث له عن توازن واستقرار، أو يحاول البحث عن قواعد يستطيع أن يقوم عليها وتحكمه على مدى سنوات عديدة مقبلة، فأخذ كلّ طرف يسعى إلى فرض إرادته بصورة ما، واضعًا مصلحته أوّلً، بغية تحقيق مكاسب أو مواقع على خريطة النفوذ التي أخذت تتّضح معالم حدودها مع بداية الربيع العربي43. وأشار وزير الخارجية الروسية لافروف إلى أنّ سورية من أهمّ الدول في الشرق الأوسط، وأنّ زعزعة الاستقرار هناك ستكون لها عواقب وخيمة في مناطق بعيدة جدًّا عن سورية نفسها. فروسيا ترى أنّ دمشق بمنزلة "حجر زاوية" في أمن منطقة الشرق الأوسط، وعدم استقرار الوضع فيها أو نشوب حرب أهلية سيؤدّي بدوره حتمً إلى زعزعة الوضع في بلدان مجاورة، ولا سيما في لبنان، ويؤدّي إلى صعوبات في المنطقة كلّها، وتهديد حقيقي للأمن الإقليمي44. وهكذا، نجد أنّ دعم روسيا لنظام الأسد لا يلين ولا يتغيّ، وإمداداتها من الأسلحة غير محدودة على ما يبدو، بيد أنّ موسكو تدعم دمشق

  1. المرجع نفسه.
  2. خالد ممدوح العزي، "الثورة السورية: والتعاطي الروسي الجديد... دارسة لمواقف روسيا تجاه الثورة السورية"، موقع التواصل، على الرابط: http://bit.ly/1oFBnIj
  3. محمد بزيان، "الموقف الروسي من الثورة السورية..هل تخرج موسكو من المستنقع؟ "، القدس العربي،.2012/7/27 45 الشيخ.

ليس فقط من أجل النظام نفسه، إذ يشكّل الدعم الروسي، بدل من ذلك، وسيلة لجعل بوتين الحازم وسيطًا رئيسًا في النظام العالمي الجديد، كما أنّ دور بوتين بوصفه زعيمً عالميًا، كما يتّضح من رئاسته لاجتماعات قمّة العشرين الأخيرة، يستدعي حدًّا أدنى من الاحترام46. ولا بدّ من البحث في أسباب تبنّي روسيا لهذه المواقف من الأزمة السورية، وكذلك كيف يمكن لواشنطن وحلفائها عكس ذلك الدعم، فهناك العديد من الدوافع، بعضها واضح وبعضها أقلّ ظهورًا، ومن بين العوامل الأكثر شيوعًا، رغبة روسيا الدائمة في معارضة النفوذ الأميركي والاتحاد الأوروبي، ومعارضتها "المنهجية" للتدخل الغربي في الاضطرابات الداخلية في الدول الأخرى48. وهناك من يعدّ ذلك الموقف منطلقًا من المصالح الروسية في موضوع السلاح والقاعدة البحرية في طرطوس، وبعض المصالح الاقتصادية الأخرى؛ وهناك من يذهب في تحليله إلى إضافة إيران على خط المصالح الروسية، ويبني تحليله على تقاطع المصالح الكبير بين البلدين وضغط إيران على روسيا من أجل حماية النظام السوري؛ وعليه تحتفظ روسيا بمصالحها وربما تحظى بالمزيد. ويذهب فريق آخر إلى القول أنّ روسيا تربط مصالحها بمعطيات إستراتيجية، تريد أن تقايض الملف السوري بملفات إستراتيجية أخرى بيد الغرب كملف الدرع الصاروخي، متناسيًا أنّ الغرب غير مستعد أن يقايض بمصالحه الإستراتيجية حتى وإن كان ذلك على حساب الشعب السوري. وينطلق شقّ آخر من المحلّلين من مبدأ صراع الحضارات، ويقول إنّ روسيا تريد بناء تحالف حضاري مع الصين ودول أخرى كالهند والبرازيل في وجه الحضارة الغربية، وتريد إثبات ذلك في أوّل فرصة لها وجاءت هذه اللحظة في الأزمة السورية، متناسين التناقضات الهائلة بين أعضاء حلف بريكس، فالهند تعدّ الصين منافسها اللدود، والصين بالمقابل تعدّ الاقتصاد هو منفذها إلى العالم، مختلفة بذلك عن روسيا التي ترى أنّ التوازن العسكري هو ما يخلق لها هذه المكانة، والبرازيل خارج هذا السرب، وجنوب أفريقيا تابعة للغرب49. وبغضّ النظر عمّ سبق فإنّ سورية بوصفها الحالي ومكانتها ودورها تمثّل نقطة ارتكاز إستراتيجية لروسيا، وفي حال سقط النظام السوري، أو في أسوأ السيناريوهات، انقسم البلد إلى كيانات عدّة، ستخسر روسيا حليفتها المقربة الأخيرة في المنطقة، وهو ما سيجعلها أضعف بكثير في المنافسة الجيوسياسية الدولية مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا50. لم يتوقّف الروس عن الإفصاح عن مواقفهم الداعمة للنظام السوري، وكلمّا ضعف النظام قليلً قالوا إنهم لا يتمسّكون بالأسد ويعنيهم النظام والاستقرار، وكلمّا استعاد النظام بعض المناطق، عادوا للكلام عن رفضهم للثورة وتأكيدهم على الحلّ السياسي51. وعليه، ينطلق تحليل المقاربة الروسي تجاه سورية بأفضل صوره من أربعة مستويات، وفقًا لأهميتها نزولً52 كالآتي: النظام الدولي والربيع العربي ومصالح روسيا المادية وأخيرًا دور الدين.

  1. عمّ ر ديّوب، "ثبات الموقف الروسي وضعف الغرب"، 50 العرب اليوم  ، 2013/08/06، على الرابط: http://xghu.alarab.co.uk/?id=878
  2. تملك روسيا مصالح اقتصادية مهمة في سورية، فعلى سبيل المثال، تشتري سورية %10 من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية؛ الأمر الذي يجعلها ثالث أكبر شارٍ للأسلحة الروسية بعد الهند وفنزويلا، كما أن 90٪ من السلاح السوري مصنوع في روسيا، وجرى توقيع العديد من العقود مؤخرًا لتزويد سورية بطائرات قتالية حديثة وصواريخ مضادة للطائرات ودبابات.. إلخ. علاوة على ذلك، وقّعت العديد من شركات النفط والغاز الروسية عقودًا ضخمة مع الحكومة السورية، بما في ذلك صفقات لبناء (الجزء السوري من خط أنابيب غاز عربي، ومصنع لمعالجة النفط قرب تدمر) وتساهم شركات روسية عدة في تطوير احتياطي النفط والغاز السوري. " قراءة في الموقف الروسي من الثورة السورية"، المندسّة السورية، 2012/6/11، على الرابط: http://the-syrian.com/archives/80003
  3. ألكس خلبنيكوف، "لماذا تقف روسيا إلى جانب سورية؟"، مختارات من الصحف العبرية، تحرير رندة حيدر، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ملحق خاص.2011/9/30
  4. 46 مارك بيريني، "الحرب السورية في ثلاث عواصم"، معهد كارنيغي للشرق الأوسط، 2013/10/29، على الرابط: http://ceip.org/JYj52e
  5. ديفيد بولوك، "فصل ارتباط الأسد بروسيا"، معهد واشنطن، 47 المرصد السياسي 1885، 2011/12/22، على الرابط: http://bit.ly/1oxBW6S
  6. 51 لمزيد من التفاصيل انظر: ديمتري ترينين، "التحالف الافتراضي: السياسة الروسية تجاه سورية"، معهد كارنيغي للشرق الأوسط، 2013/4/15 على الرابط،: 10hpRaq/http://ceip.org

رؤية مستقبلية للدور الروسي في ضوء تحولات المنطقة العربية

يرى الكسندر دوجين المفكر والمنظر الجيوسياسي وزعيم حركة أوراسيا الروسية أنّ الولايات المتحدة تؤسّس لشرق أوسط جديد انطلاقا من منظور مصالحها، وتحديدًا عبر نشر الفوضى، ودون أن تأخذ في الحسبان مصالح الدول الأخرى. ويقول دوجين "إنّ مصالح روسيا تكمن في منع تأسيس عالم أحادي القطبية، والسعي لبناء عالم متعدّد الأقطاب بغضّ النظر عن ورؤى الولايات المتحدة ومصالحها"53. تبدو هواجس روسيا واضحة من مغبّة انتصار الثورة في سورية، والتي هي في الواقع حلقة في سلسلة الربيع العربي التي بدأت في تونس ولن تنتهي ربما في سورية54؛ إذ تتخوّف روسيا من إمكان انتقال عدوى الثورات إلى مناطق نفوذها القديمة الجديدة في جمهوريات آسيا الوسطى، والتي تتشابه في أنظمتها السياسية مع الأنظمة العربية، أمّا الهاجس الآخر فهو نفوذ تركيا الذي كبر وامتد بعد إحرازها للنجاح الاقتصادي الكبير خلال السنوات الاخ ةرر، لتصبح منافسًا للدول الصناعية المتوسطة، ولايخفى أنه على الرّغم من التقارب السياسي والعلاقات الاقتصادية الكبيرة بين روسيا وتركيا، فإنّ هذا التقارب الذي تغلب عليه المصالح المشتركة يخفي وراءه تنافسًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، خاصة أنّ تركيا من أكثر الأعضاء أهمية في حلف الناتو؛ لما لها من جيش كبير العدد والقوة، ومميزات جغرافية مهمّة55. قد تساهم الضغوط الأميركية والأوروبية والعربية الشديدة على روسيا في تغيير هذا الموقف، وأشير خاصة إلى الضغوط الفرنسية في أوروبا، والضغوط الخليجية في البلدان العربية، فقد يقايض الأميركان السياسة الروسية على تقديم ثمن لها مقابل تغيير موقفها، مثل عدم العمل على إدخال جمهوريات سوفياتية سابقة في حلف شمال الأطلسي، أو اتخاذ موقف جديد يتعلّق بالقواعد الصاروخية المحتمل إنشاؤها في بولونيا، أو أي تنازل آخر في منطقة أخرى أو موضوع آخر ضمن القضايا الدولية (الملف النووي الإيراني على سبيل المثال)56. وتعتمد هذه الرؤية، التي يبدو أنها باتت روسية أميركية مشتركة حاليًا، على إبقاء جزء من النظام السوري الحالي فاعلً في أي تسوية سياسية مقبلة مع تطعيم هذا النظام مستقبلً بعناصر من المعارضة السورية، ولكن هذا الحل «المفترض» يواجه معضلات عدة، منها صعوبة ضمان موسكو لتنحّي الرئيس السوري عن السلطة، وإغفال وجود لاعبين إقليميين باتت لهم قدرات كبيرة على التأثير في الوضع الداخلي السوري، والأهم، في رأينا، أنّ هذا الحل يتجاهل طموحات السوريين، الذين انتفضوا من أجل تغيير النظام وبناء الدولة الديمقراطية المدنية57، وبناءً على هذا التصور، يجد فلاديمير بوتين أوجه شبه بينه وبين بشار الأسد؛ ذلك أنّ كليهما يرى نفسه ضحية مؤامرة خارجية، كما يقول الكسندر شوميلين، الخبير في شؤون العالم العربي. وعليه، تعيد الانتفاضة السورية إلى أذهان الروس صورة الثورات الملوّنة في جورجيا وأوكرانيا58. والملاحظ أن الموقف الرسمي الروسي من الثورات العربية لا يتفق بالكامل مع رأي الشارع الروسي، ونسبة أقل تعدّ الإسلاميين قوّة دافعة لهذه الثورات، ولكن الأخطر بالنسبة إلى روسيا أن %49 من الروس الذين شاركوا في الاستطلاع عبّ وا عن استعدادهم للخروج إلى الشارع للاحتجاج ضد السلطات الرسمية بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية في روسيا59. ويؤكّد رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف أنّ الثورات العربية فاجأت الغرب وروسيا؛ ويقول " لقد ظننا أنّ الثورات الاجتماعية ضد الأنظمة الاستبدادية باتت من الماضي، ولم نأخذ في الحسبان التطورات التي جرت في العالم مثل تطور الأنترنت والاتصالات عبر الهاتف المحمول"60. الأكيد أنّ روسيا عائدة إلى النظام الدولي بقوة ولو كان في هذه العودة نوع من التدرّج كما يجمع العديد من المختصين في الشؤون الدولية، وهكذا تبقى تصورات مستقبل العلاقات الروسية العربية قائمة على الارتباط المصلحي والشراكة والطرح الواقعي والمصالح الإستراتيجية،

  1. شادي.
  2. أحمد العالم، "قراءة في الموقف الروسي من الثورة السورية"، 53 سما الإخبارية، 2013/5/14، على الرابط:
  3. 59 المرجع نفسه.
  4. حسين العوادات، "الموقف الروسي من الثورة في سورية: محاولة استعادة موقف أخلاقي مفقود"، غلوبال عرب نتورك، 2012/10/20، على الرابط: https://www.globalarabnetwork.com/studies/8729-2012-10-20-01-41-42
  5. شادي.
  6. سليم نصار، "محاولة لتفسير الموقف الروسي الداعم للنظام السوري"، 57 الأيام، 58 شادي، "تناقضات."
  7. http://www.samanews.com/ar/index.php?act=post&id=159132
  8. 54 العمادي.

وليس من باب المجاملة، وهنا يمكن التمييز بين أوجه هذه العلاقة من خلال المسلّمتين التاليتين: أوّلًالمسلّمة السياسية والاقتصادية، وثانيًا المسلّمة الثقافية والإعلامية: إنّ روسيا لديها رؤية إيجابية لإمكانات التعاون مع الدول العربية، ولديها رغبة فى تقديم المساعدة إليها فى حالة وجود صيغة واقعية تستند إلى المصالح المشتركة، ويمكن لروسيا أن تمثِّل شريكًا أساسيًا فى تحقيق بعض الأهداف العربية ذات الأهمية سواء بالنسبة إلى كلّ دولة على حدة أو لمجمل الدول العربية، لكن على هذه الدول أولّا فهم معطيات هذا التعاون، من خلال عملية إعادة إدراك وجود إمكانات حقيقية لدى روسيا يمكن استنادا إليها إرساء علاقات قوية، تدعم قطاعات حيوية داخلها، وليس المقصود بذلك القطاعات العسكرية فقط، كما يجب تحديد ما الذى تريده الدول العربية بالضبط، وكيف يمكن إقامة علاقات التعاون على النحو الذى يحقّق مصالح الطرفين العربى والروسى61. في مقاله "روسيا والعالم المتغيّ " يفصح بوتين بوضوح عن هواجسه من تأثير الربيع العربي في المصالح الاقتصادية الروسية في البلدان العربية، فيقول" إنّ الشركات الروسية تفقد مواقع عملت من أجلها خلال عشرات السنين في أسواق البلدان التي اجتاحها الربيع العربي، ويتمّ تجريدها من عقود ربحية كبيرة في هذه الأسواق مثلما حصل في العراق في وقت سابق على أي حال، فإننا لا يمكن أن ننظر نظرة هادئة إلى هذا، ونعتزم أن نعمل مع السلطات الجديدة في البلدان العربية على استعادة مواقعنا الاقتصادية في وقت سريع"، يُظهر مقال بوتين بوضوح أنّ الموقف الروسي من الثورات العربية يتعلّق بأسواق فقدتها أو قد تفقدها روسيا بسبب هذه الثورات، وأنها تسعى حاليا باحثة عن طرق لاستعادة هذه الأسواق بما في ذلك إمكان التعامل مع الحركات الإسلامية الصاعدة في المنطقة، والتي عبّ بوتين مرارًا وتكرارًا عن خشيته منها على القوقاز، وربما يفسّ هذا جزئيًا تشدّد روسيا تجاه الثورة السورية، فالأمر يبدو وكأنه يتعلّق بحصول موسكو على ضمانات كافية للبقاء في السوق السورية وغيرها من البلدان العربية62. بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها اتخاذ خطوات عديدة للحد من المخاوف التي تدفع روسيا لدعم الأسد؛ فينبغي لواشنطن أن تشجّع تركيا على طمأنة موسكو بأنها لا تنوي منع روسيا من أداء دور في سورية ما بعد الأسد، كما أنه على واشنطن أن تشجّع المعارضة السورية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، على القيام بالشيء نفسه، كما أنه ينبغي للمسؤولين الأميركيين أن ينقلوا بهدوء تلك الرسالة بأنفسهم إلى موسكو. وحتى وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي يتمتّع بصدقيّة نادرة في روسيا، يمكنه أن يعزّز هذه الرسالة الإيجابية63. وهذا الخلاف الروسي- الأميركي كان من أبرز تجلياته اعتراض روسيا صحبة الصين على أربعة قرارات لمجلس الأمن، كانت تستهدف بالأساس فرض عقوبات على النظام السوري، وهو ما يحول دون إمكان فرض عقوبات أممية على سورية في المستقبل. هذا التباين في الرؤيتين الأميركية والروسية قد أدخل العلاقات بينهما في مرحلة تشنّج لافتة، أدّت إلى تأخّر الاتفاق على موعد محدد لمؤتمر جنيف 2 64. ربما سيحاول الرئيس بوتين قدر المستطاع الدفاع عن الأسد، وبأضعف الإيمان ضمان حمايته وعدم معاقبته، ولكن السؤال هنا، هل سيرضخ بوتين في نهاية الأمر للاتجاهات الدولية الداعية لاسقاط النظام؟ ويتوافر عدد من المؤشرات التي تدعم هذه الطروحات، منها على سبيل المثال65: أنّ الأسد تحوّل من حليف إلى عبء؛ إذ ساهمت سياسات الرئيس السوري المرفوضة من جانب أغلب أعضاء المجتمع الدولي في استعداء العالم له ولكل الأنظمة التي تسانده، وهو الأمر الذي أصاب السمعة والمكانة الروسية في منطقة الشرق الأوسط بأضرار بالغة. تطمح روسيا لموقع في النظام الدولي يفوق قدراتها القومية، وقد وجدت أنّ الثورات العربية قد تنتج تغيّ ات جيوستراتيجيّة في الإقليم، لا تتلاءم وطموحها المتنامي في عهد أوباما، فأنتجت تحفّظات ومواقف مناوئة لحصول التغيير في ليبيا، وبفاعلية أكبر في سورية، إلى حد جعلها أبرز اللاعبين المؤثّرين في الأزمة السورية، وترى روسيا دورها في الشّق الأوسط من المنظور الإستراتيجي الأمني؛ نظرًا لغيابها في المنطقة جيواقتصاديًا. وعليه، تستطيع في المدى المنظور بحكم الانكفاء الأميركي تعزيز

  1. بهاز.
  2. شادي، "روسيا والربيع العربى."
  3. بولوك.
  4. أحمد زكريا الباسوسي، "تصعيد حذر: هل تؤدي الخلافات الروسية  - الأميركية إلى حرب؟ "، السياسية الدولية باردة جديدة،.2013/8/25
  5. أحمد أبوزيد وبلال عبدالله، "الموقفان الروسي والصيني وأزمة كيماوي الأٍسد! خارطة ومحددات الموقف"، معهد العربية للدراسات، 2013/9/24، على الرابط: http://bit.ly/1tWp6jh

حضورها ودورها، من دون أن يتّسم هذا الحضور بالقدرة على الاستدامة، لمحدودية القدرات القومية الروسية، والتي تمكّن روسيا من حضور أكبر أمام الولايات المتحدة ولكن في ساحاتٍ جغرافية أخرى66. وتتمثّل المهمة الملحّة بالنسبة إلى روسيا في بناء علاقات مع المنظمات الإسلامية التي أتت أو تأتي إلى السلطة في البلدان العربية، فمن جهة، على روسيا أن تُقيم، انطلاقًا من الواقع، التعاونَ مع الحُكَّام العرب الجدد، بالاستناد إلى التجربة الإيجابية السابقة للاتصالات مع المنظمات والحكومات الإسلامية، ومن جهة أخرى، على موسكو أن تبدي يقظة تجاه المحاولات المحتملة لنشر نفوذ الإسلاميين، ولا سيما نفوذ السلفيين الذين يزدادون قوة بين أقرب جيران روسيا وحلفائها في آسيا الوسطى، وكذلك في مناطقها الإسلامية. وإذا تمكّنت موسكو من خلال تطوير العلاقات المتبادلة النفع، وربما تقديم المساعدة للتغلب على الصعوبات الاقتصادية، أن تجعل الخط المعتدل هو السائد بين الإسلاميين العرب، وتوجههم اللاحق صوب التحديث، فإنّ ذلك سيساعدها على حلّ المشكلات التي تظهر في المناطق المسلمة في روسيا67.

خاتمة

لا بدّ أن نشير في النهاية إلى أنّ روسيا عملت على تبنّي سياسة تقوم على قدر من التوازن بين مصالحها ورغباتها في تبوّء مكانة مهمة في القضايا الدولية، وبين علاقاتها بالمجتمع الدولي السائر في معارضته؛ إلّ أنّ صانع القرار الروسي يدرك جيدًا أنّ مصالح بلاده يمكن أن تدخل في وضعية من الخطر والتراجع في هذه المرحلة، لذا فإنّ روسيا تعتمد التكتيك الإستراتيجي المرحلي الذي يحاكي الحوادث وتحولّاتها بالقدر الذي يضمن المصالح العليا ويديم حضورها على الساحة الدولية بفاعلية. إجمالً، لا يمكن إنكار حاجة الطرفين الروسي والعربي إلى التعاون في ما بينهما، بصرف النظر عن تباين المصالح والأهواء الخاصة بكل منهما، فالطرف الروسي يمكن أن يمثّل شريكًا أساسيًا في تحقيق النهضة العربية؛ إذ أنّ روسيا لديها الخبرة التكنولوجية والرغبة في تقديم المساعدة، فضلً عن أنها أكثر ميلً واستعدادًا للتعاون مع العالم العربي بصفته كيانًا إقليميًا، وهي بذلك تختلف في موقفها عن دول كبرى أخرى68. من خلال ما تقدّم نلاحظ أنّ روسيا تواجه أربعة تحديات خطيرة،

الخوف من الاضطرابات الداخلية التي لا تتّخذ الحلول السياسية السلمية وتتجاوزها باتجاه تأجيج التمرّد والثورة، ولا سيما في مناطق مثل شمال القوقاز. يكمن القلق الروسي في إمكان انتشار نموذج الثورات العربية إلى آسيا الوسطى. يتعلّق قلق روسيا بتكرار تجربة الناتو السابقة في دعم المتمردين في ليبيا، لتشمل سورية أيضًا. القلق من الأوضاع في ليبيا؛ والسبب هو أهمية ليبيا في إستراتيجية الطاقة الروسية. أضف إلى ذلك الخوف من أن تقدّم هذه الانتفاضات مبررًا للتدخلات الإنسانية التي يقودها الغرب، وفرصة لحلف شمال الأطلسي للتوسّع في أراضي شمال أفريقيا والشرق الأوسط بعد محاولاتها لاختراق أوكرانيا وجورجيا69. وممّ لا شك فيه أنّ موسكو كانت تفضّ ل أنّ الربيع العربي لم يكن ليحدث على الإطلاق، وبقاء الأنظمة سواء المؤيّدة للولايات المتحدة الأميركية أو المناهضة لها؛ ويرجع هذا القلق جزئيًا إلى خوف الكرملين من احتمال أن يجهز النفوذ الأميركي والغربي على ما تبقى من النفوذ الروسي في البلدان التي تكون حاضرة فيها70. وبالنتيجة نرى أنّه: لايمكن تجاهل دور روسيا، ولايمكن للدول الغربية التعامل مع موسكو وفقًا لشروطها.

  1. التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة"، وحدة تحليل السياسات في المركز، نيسان/ أبريل 2102، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات.
  2. التحولات في العالم العربي والمصالح الروسية"، التقرير التحليلي لمنتدى فالداي، موسكو، حزيران/ يونيو 2012، ص 29، على الرابط:
  3. باسم راشد مطاوع، "الاق اررب الحذر: هل يعيق الصعود الروسي نجاح الثورات تحولات إستراتيجية، ملحق مجلة السياسة الدولية، العدد العربية؟"، 901، تشرين الأول/ أكتوبر 2012، ص 15، على الرابط: http://bit.ly/1y7JRYy
  4. Stephen Blank, “Russia’s Anxieties about the Arab Revolution ” , Foreign Policy Research Institute , E-Notes, Distributed via Email and Posted at: www. fpri.org , July 2011.
  5. Roland Dannreuther, “Russia and the Arab Revolutions ” , Russian Analytical Digest, no. 98, (6 /7/2011). 70  Mark N. Katz, Ibid. الشكل)1(صادرات الأسلحة الروسية والصينية والأميركية للشرق الأوسط للفترة 1992 - 2012 (مليون دولار) http://visual.ly/arms-exports-middle-east المصدر:
  6. http://bit.ly/1Ahl0H9 هي:

يتعيّ على الغرب تبنّي التعاون مع روسيا على أساس المصالح المشتركة؛ ففي سورية لايرغب الأميركيون ولا الروس، بغضّ النظر عن مدى قوة الخلافات بينهما بشأن رحيل الأسد من السلطة، في حدوث فوضى أو إقامة نظام إسلامي راديكالي. على الرغم من أنّ توماس غراهام وهو كبير مديري مؤسسة كيسنجر يرى أنّ الربيع العربي سيزيد من حدّة الخلافات في العلاقات الروسية الأميركية71. ينبغي للدول الغربية الاستفادة من منظور روسيا الفريد والبراغماتي في الشرق الأوسط بشكل عام وفي سورية بشكل خاص؛ فقد كانت رؤية موسكو في بعض الأحيان أقرب إلى الواقع من الحماس واليأس الغربيين. على الولايات المتحدة وأوروبا الإعتراف بأنّ النظام العالمي بدأ بالتحوّل؛ فروسيا ليست، ولن تكون، جزءًا من الغرب، لكنها ترى نفسها قوة استقرار، وتُقدِّم التقاليد والقواعد الإجرائية على العاطفة والأيديولوجيا.