تركة مبارك لا تزال تحكم مصر
الملخّص
ترصد هذه الورقة مأزق خريطة الطريق واستحقاقاتها الانتخابية التي أُعلنت في مصر عقب إطاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي بعد عام واحد من تول يه السلطة. وتعرّج في هذا الخصوص على معضلة غياب حزب جماهيري، وإمكانية تعويضه عبر بناء تحالفات حزبية قوية. وتعالج المسائل الخاصة برسم قواعد الممارسة السياسية وطبيعة التشريعات ا لدستور التي جرى رسمها وفق 2014. وتخلص الورقة إلى أنّ المنظومة الانتخابية قد عادت إلى قواعدها الأولى التي تكرَّست في عهد مبارك، والتي تغلب عليها ملامح ضعف الفاعلية الحزبية واختفاء شروط التعددية السياسية الملازمة للديمقراطية؛ فعلى الرغم من تسارع الخطى نحو بناء تحالفات حزبية وتوافقات انتخابية، لا تزال هناك عقبات هيكلية تَحُ ول دون تأسيس حياة نيابية حقيقية؛ يتعلق بعضها بحال ضعف الأحزاب نفسها، وبعضها الآخر بانغلاق البنية التشريعية والإجرائية لعمل الأحزاب وتحجيمها المجال السياسي.
إلى أيّ وجهة تأخذنا الانتخابات البرلمانية المقبلة؟
مقدمة
تقف الانتخابات البرلمانية في مصر في مهبّ الريح؛ فقد جاء حكم المحكمة الدستورية بقبول الطعن في قانون الدوائر الانتخابية ليعرقل إجراء الانتخابات التي أُعلن عن القيام بها في نهاية آذار / مارس الجاري1. عزّز الحكم الجدل المحتدم بخصوص "خريطة الطريق" التي أُعلنت في تموز / يوليو من العام الماضي2؛ فانتخاب برلمان جديد بعد عامين من تغييب سلطة التشريع وانفراد التنفيذيين بوضع حدود المجال السياسي، بما فيها تلك القوانين التي تحكم الحياة البرلمانية، يأتي وسط تنامي المؤشرات على غياب ضمانات التطبيق الصحيح لشروط العملية الانتخابية ومحدداتها3. والشروط التي صاغتها السلطة واحتكرت إصدارها، لم تلتفت لموجبات الالتزام بها خلال الانتخابات الرئاسية التي انتهت بفوزٍ قارب المئة في المئة لعبد الفتاح السيسي، رآه المراقبون أبعد عن أن يوصف بالنزاهة4. كان التأجيل متوقّعا وبشدة، على الرغم من إعلان اللجنة العليا للانتخابات فتح باب الترشح، والبدء الفعلي لحملات الدعاية في الشارع المصري؛ فمنذ شهور تتصاعد دعاوى قضائية أمام المحاكم تطلب التأجيل استنادًا إلى "عدم جاهزية الأوضاع الأمنية لإجراء الانتخابات"5. وجرى إشهار سلاح دستورية القوانين الذي انتهى بحكم المحكمة الدستورية. وعلى الرغم من أنّ السلطة "حاربت" من أجل تمرير هذه النصوص بقرارات رئاسية، أعاقت الطعون في مواد القوانين الثلاث الرئيسة التي تحكم العملية الانتخابية، المسار. وألقت بغيومها على الموقف6. ثم جاء حكم المحكمة الدستورية ببطلان المادة الثالثة في قانون الدوائر الانتخابية ليجعل من تأجيل الانتخابات أمرًا وجوبيًا لحين إصدار قوانين معدّلة تتلافى المعايب الدستورية في القانون7. من جهتها، خاضت القوى السياسية المنضوية تحت "تحالف الثلاثين من يونيو" مفاوضات عسيرة علّها تعوّض غياب حزب جماهيري قادر على جمع كلمة الأغلبية، وتحقيق الاستقرار للبرلمان. وكان الأمل يحدوها في إقرار تحالف حزبي واسع، ييسّ لها خوض الانتخابات بقائمة انتخابية موحدة، أو بعدد قليل من القوائم على نحوٍ يمكّنها من مواجهة هاجس صعود الإخوان والحزب الوطني مرةً أخرى. لكن بعد مراحل متتابعة من التفاوض8، لم تتمخّض الحال عن اتفاقات
يمكن وصفها بالمعتبرة. واستدعى جمود الموقف التدخّل الرئاسي قبل فتح باب الترشح. ومن بعده ظهرت إلى العلن قوائم جرى التقدّم بها للجنة الانتخابات. والظاهر أنّ ثمّة انتظارًا من الجميع لطرح جولة مفاوضات حاسمة ترسم خريطة نهائية للتحالفات، يقوم فيها الرئيس بنفسه بدور الحكم9. في حين بقيت أبرز ملامح هذا المشهد الحزبي المأزوم، كما يلي: في منتصف شهر كانون الثاني / يناير، أعلنت ثمانية تحالفات حزبية خوضها الانتخابات (أو جرى تداول الحديث الإعلامي عنها خلال الأسابيع الماضية)10. وعلى رأس كلٍّ منها حزب كبير، تلتئم من خلفه أحزاب وتنظيمات أصغر. وتعمل هذه التحالفات الجزئية على اتفاقيات للاندماج بين بعضها البعض. وبعد مرور شهر وإخفاق عدة جولات، بدَا أنّ قائمة باسم "صحوة مصر" تضمّ عسكريين، قد ائتلفت وتحظى بمباركة الرئاسة، وقوامها عدة أحزاب خرجت من عباءة الوطني المنحلّ، إضافةً إلى رجال أعمال وقيادات عشائرية مقرّبين من النظام، ويدفع بها إلى التحالف مع قائمة "تحالف الوفد" التي يقودها السيد البدوي. قررت بعض الأحزاب البحث عن صيغٍ أخرى للتحالف، بينما بقي حزبَا "النور" و"المصريين الأحرار" بعيدَين عن أيٍّ من التحالفات المشار إليها، ما يعزز توقّع خوضهما الانتخابات منفردَين، كلّ في قائمة تخصّه أو الاكتفاء بالمنافسة القوية على المقاعد الفردية خصوصًا "حزب النور" الذي ترتفع حظوظه في هذا المضمار. وعلى الرغم من كون الحزب السلفي الكبير حليفًا أساسيًا في النظام الجديد، فقد قبل ترك ساحة التصارع على خُمس مقاعد البرلمان المقرَّرة للقوائم لمصلحة بقية الأحزاب؛ لتلافي النقد الواسع للإسلاميين وتصعيد المخاوف من توسّع أدوار القوى السلفية. بمنأى عن صراع الأحزاب على القوائم وانتقادات تشكيلها، وتدخّل السلطة، سواء الصريح أو عبر العسكريين السابقين المعاد تدويرهم سياسيًا، تَقدّم عددٌ من التنظيمات الشبابية بما عُدّ قائمة باسم فئة الشباب لخوض الانتخابات. لكن سرعان ما خَفت صوت هذه الفئة، في خضمّ الخلافات بخصوص القوائم، ما يشير إلى استمرار الأزمة بين القوى السياسية التقليدية وفئة الشباب، حتى من المحسوبين على تحالف 30 يونيو.
سارع المقاطعون من القوى المحسوبة على ثورة 25 يناير ك"التيار المصري"، و"الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي"، و"مصر القوية"، و"التيار الشعبي"، إلى التشكيك في جدوى الانتخابات، مبرزين افتقادها ضمانات النزاهة.
العودة إلى قواعد "الهامش الديمقراطي" مرة أخرى
يتنزّل بدء الجولة الانتخابية لمجلس نيابي جديد في إطار تعاظم الأزمة التي تمرّ بها البلاد على المستويين السياسي والاقتصادي: موجة غلاء حادة تضرب معيشة الفقراء؛ وهم من كانوا وقود الثورة وأصحاب الطموح الواسع في التغيير الذي دعت له. جرى حفْز غالب هؤلاء عبر دعاية سياسية مكثّفة قوامها وعود اقتصادية استُخدمت بكثافة سواء خلال الحشد لتظاهرات الثلاثين من حزيران / يونيو، وتأييد إقدام السيسي والقوات المسلّحة على خلع مرسي، أو في تلك التظاهرات التي عُرفت ب "تظاهرات التفويض"، خلال التعبئة الجماهيرية لانتخاب السيسي رئيسًا11.
بالتوازي مع تفاقم المعاناة المعيشية للقطاع الأغلب من المصريين، استمرت حالة عدم الاستقرار السياسي، تحرّكها موجةٌ من الشد والجذب العنيفيَن مع جماعة الإخوان التي تقلَّص لفترةٍ وتيرة حراكها في الشارع، في الوقت الذي بقيت فيه على "سخونتها" إعلاميًا. وسرعان ما انفجرت موجة عنف مع حلول الذكرى الرابعة للثورة، نَسبتها السلطة إلى الإخوان12. وبقيت الحال بين نظامٍ يصوّر ما يجري من أحداث باستخدام مصطلحات الحرب على الإرهاب وديباجتها الدعائية، مدفوعًا بغايات المكوّن الأمني الأعلى صوتًا في السلطة الجديدة، ومعارضة سياسية طريدة لم تجد لها سبيلً في العمل السلمي، فاختارت الاشتباك العنيف مع النظام، أو دفعت نحوه دفعًا بحسب ما يردّد مناصروها. ولم يعد مستغرَبًا أن يمتد التضييق والقمع إلى بعض من كانوا ضمن تحالف الثلاثين من يونيو من المناوئين لحكم مرسي. يجيء التوسّع في تعزيز المكوّن الأمني وعودة تدخّله في الشأن السياسي وهيمنته على القرار، معززًا ممارسات "أمننة المجال السياسي"13 التي تتضخم بذريعة مكافحة الإرهاب ومنع عودة الإخوان وغيرهم من الموصوفين "بقوى التخريب" من الوصول إلى فضاء المنافسة السياسية. أمّا الخطاب الإعلامي الأمني الموجَّه للناس، فقد لخّصه أحد الحقوقيين بمسمّى "دولة الخوف"، واصفًا اللحظة: "ما بين الخوف على الدولة والخوف من الدولة ستُجرى الانتخابات المقبلة." وتساءل: "أيّ برلمان هذا الذي سينتخبه الخائفون من الحرية والخائفون عليها"14 يبدو المجتمع الدولي متحفّظًا عن أداء نظام السيسي. ولا تزال بعض الدول الغربية ذات العلاقات الوثيقة بمصر تطرح تحفّظات عليه، وإن تغيّ ت الحال نسبيًا في ظلّ التطورات الجديدة من صعود "داعش" في العراق والشام، وتفاقم الأزمة في ليبيا إلى حدود التهديد بتدخّل مصري صريح فيها بعد قتل مصريين من الأقباط على يد مقاتلي ما يسمّى بولاية ليبيا. ومن قبلها كانت حادثة جريدة "شارلي إبدو" في فرنسا، وعدة حوادث أخرى تعزّز هذا القبول الدولي بخطاب الحرب على الإرهاب بصيغته المصرية. خفّف الخطر الداعشي كثيرًا من ضغط المطالب الغربية على مصر، وخفوت شروطها التي ظلت تعلّق التعاون مع النظام في مصر باحترام خريطة الطريق الديمقراطية، والعمل على تخفيف حدة التوتر السياسي الداخلي، ووقْف صور القمع الواسع التي تنتهجها السلطة الجديدة. رافقت إجراءات غلق المجال السياسي حزمة من القوانين السلطوية، تعمل جميعها على الحدّ من حرية التنظيم، وحركة القوى السياسية وإعاقة مبادرات المجتمع؛ فمن تأميم للحقّ في التظاهر عبر قانون جائر، إلى التضييق على حرية التنظيم الأهلي والنقابي بقانون لم يحظَ بأيّ مستوى مقبول من رضا المجتمع المدني، وطرح إجراءات ومؤسسات غايتها إعاقة الإتاحة الحرة للمعلومات، وقمع الدعوة العلنية للأفكار والحقّ في التعبير عنها بما ألغى تقريبًا الصوت المعارض من الإعلام الحكومي والمستقل. تأمل السلطة الجديدة من هذه الانتخابات إحداث استقرارٍ للنظام، لكن بما لا يبعدها عن معادلة "المباركية" الموروثة؛ بحيث تنضبط الممارسة وفقًا لشكلانية ديمقراطية، تلزم الفعل السياسي ب "هامش" يضيق باستمرار، ويجري التحكّم فيه بواسطة تشريعات وتدخلات إدارية سلطوية الهوى15. يجدر هنا التذكير بأنّ باب رفض الهامش الضيّق كان وراء تصعيد مطلب إجراء انتخابات حرة وفقًا لنظام انتخابي يتّسم بالنزاهة والعدل على رأس قائمة مطالب ثورة الخامس والعشرين من يناير. ظلّت المجابهة مع سيطرة المال السياسي والمطالبة بحصارها
إلى أدنى حدّ، ووضع قواعد منفتحة للتنظيم الحزبي، وإنشاء نظام انتخابي يتّسم بالحرية والنزاهة، تشكّل خطاب قوى الثورة. ويلحظ متابع جدالات التعديل والتنقيح التي طرحتها الأحزاب والقوى السياسية سواء في مرحلة تعديل الدستور في 2011 التي تلت الثورة مباشرةً، أو خلال مرحلة دستور 2012، أو حتى مع الدستور الأخير في 2014، مدى سيطرة هاجس عودة منظومة الانتخابات "المباركية" تلك. كان مفهومًا لدى القوى الثورية أنّ تخليق مجال سياسي طبيعي يقوم على توازن السلطة بين مؤسسات فاعلة ومستقلة، هو التحدّي الحقيقي في مواجهة استبدادٍ مكرّس، تعمد قواه إلى تقليص المجال السياسي وتقليل صعود الجماهير التي حفزتها الثورة. إنّ السلطة التي خلعت الرئيس المنتخب وأعلنت خريطة طريق منحتها صفة الديمقراطية، قد صادرت في معرض صراعها مع المعارضة وبخطوات محسوبة، جزءًا معتبرًا من المجال السياسي، حين فرضت حزمة قوانين أمنيّة الهوى، خلال الأيام الأخيرة للرئيس المؤقّت عدلي منصور. ومثّلت هذه القوانين هي وما تلاها من إجراءات اتّخذها السيسي وحكومة إبراهيم محلب منذ لحظة تولّيهما، ترسيمً جديدًا للمجال السياسي يردّه إلى تخوم ما قبل الخامس والعشرين من كانون الثاني / يناير .2011
إعادة ترسيم المجال السياسي على المقاس "المباركي"
خطّت القوانين الجديدة التي وضعتها السلطة نظامًا انتخابيًا مختلطًا يجمع بين الانتخاب بالقائمة المغلقة، والانتخاب الفردي. كان الغرض الأساسي من هذا النظام المزدوج ضمان تمثيلٍ أوسع للأحزاب السياسية يتيح لها المنافسة بقوائمها (فرادى، أو في تحالف) في أربع دوائر انتخابية تضمّ كلٌّ منها عددًا من محافظات الجمهورية. تقوم فلسفة الدستور في اعتماد نظام القائمة على التمييز الإيجابي لبعض الفئات التي يُخشى من تهميشها. وقد سمّى الدستور سبع فئات يمنحها حصةً من مقاعد كلّ قائمة؛ وهي النساء والأقباط والعمال والفلاحون والنوبيون وذوو الاحتياجات الخاصة، ومصريو المهجر16. إلا أنّ القانون الذي طرحه عدلي منصور قد خالف توقّعات الأحزاب وضرب بمطالبها عرض الحائط؛ إذ آثر الانحياز لنظام الانتخاب الفردي، على حساب نسب المقاعد المخصَّصة للمنافسة وفقًا لنظام القائمة، وغلق القائمة بقاعدة الفائز يحصل على كلّ المقاعد. وتحذّر الأحزاب من أنّ هذا النظام يكرّس العجز الديمقراطي؛ إذ يصعب معه افتراض التمثيل الحقيقي لإرادة الناخبين، مع جعل المنافسة ضمن أربع دوائر انتخابية، منها دائرتان كبيرتان تجري المنافسة فيهما على تسعين مقعدًا، ودائرتان صغيرتان تتنافس قوائمهما على خمسة عشر مقعدًا للدائرة الواحدة. ويبدو أن الغرض من هذا التصميم هو إفساح المجال مجدّدًا لرجال الأعمال وممثلّي العشائر للهيمنة على الحياة السياسية17. نظام تقسيم الدوائر ذاته غير مفهوم؛ فلا يوجد منطق إحصائي يُحكم التوزّع الديموغرافي للناخبين، ولا وجود لضمان تكافؤ الفرص بين مناطق الحضر والريف18. وتبقى العيوب الموروثة الأخرى التي تجرح النزاهة، والتي تخصّ كفاءة الرقابة على أعمال التصويت وإدارة مراكز الاقتراع (اللجان الانتخابية)، وفساد طرق فرز الأصوات وحسابها.
كان غريبًا مع السيسي رِضا الأحزاب بقواعد الانتخابات المضيّقة للمجال السياسي التنافسي؛ وهي ذاتها التي حملت حملة شعواء على منصور منتقدةً خطواته – بوصفه رئيسًا مؤقتًا – أن يندفع قبيل أيام من انتهاء فترته الرئاسية نحو طرح قوانين على درجةٍ بالغة من الأهمية كهذه، ودون مشاورة معقولة أو أدنى اهتمام بآراء الأحزاب وتوافقاتها العريضة بخصوص تصميم منظومة الانتخابات خلال الأعوام الثلاثة التي خلَت. حين خاطبت الأحزاب السيسي بخصوص هواجسها من هذه القوانين، بوصفه المالك الجديد لسلطة التشريع المؤقت في غيبة البرلمان، وطالبته بإعادة طرح هذه القوانين للتداول والنقاش، سدّ السيسي أذنيه عنها، وأعلن صراحةً أنّه لا نيّة لتغيير هذه القوانين أو طرحها لأيّ نقاشٍ عام19. وفي النهاية بعد استنفاد تهديداتها الكلامية ومحاولات الضغط والتوافق، رضخت جميعها لسلطة الأمر الواقع، وقبلت بالانخراط في العملية السياسية المحكومة والمحدودة، بل والمفصّلة لفائدة سلطة المال ودوائر رجال الأعمال ممّن صنع وجودهم السياسي نظام مبارك ومصالحه.
ولعلّ السرّ في تحذير الأحزاب المعارضة من عودة سطوة رجال الأعمال20، تكشفه التجربة الانتخابية البرلمانية في جولات 2000، و 2005، و 2010؛ فقد أظهرت سطوة المال السياسي، قدرته على التغلّب على الأحزاب جميعها بما فيها حزب السلطة المهيمن، والمدعوم من بيروقراطية الدولة. في هذه الجولات، أجاد رجال الأعمال استخدام ممارسات "الزبائنية السياسية" التي كرّستها السلطة في مواسم الانتخابات؛ بتعمّدها التقتير على الناس وتعطيش الأسواق، قبل اقتراب موسم الانتخابات. ومع حلول الموسم بفتح باب الترشح، تقوم بتقديم الخدمات المحلية والسلع المدعمة وغير ذلك من صور إغواء الفقراء للتصويت لحزبها. عمد المستقلون المنتمون لطبقات الملاك والبرجوازية العليا وبيروقراطية الدولة، وبسلطة المال والعلاقات العشائرية، إلى الحلول محلّ حزب السلطة في هذا المضمار. واستطاعوا، بما أتاحته لهم منظومة الاقتصاد الاحتكارية الطابع، توجيه مخصصات مالية ضخمة لتعبئة الأصوات التي تكفي لحسم المنافسة على المقاعد. وتبدأ بهذا الحسم المفاوضة على صيغة علاقة بين هؤلاء وبين حزب السلطة، كانت تنتهي عادةً بانضواء العضو المنتخب بوصفه مستقلً تحت الهيئة البرلمانية للحزب بما يدعم نسبة تمثيله في المجلس، مقابل الحصول على المناصب القيادية في أفرع الحزب، أو تحصيل مزايا مادية وعقود خدمات ومقاولات وتوريد في النطاق المحلّ للعضو. كانت هذه النوعية من النوّاب ممّن سمّوا "نواب الخدمات"، تعنيها الحصانة البرلمانية، ونوعية خاصة من العلاقة مع الدولة. وكان كذلك بعض الدوائر الطفيلية من رجال أعمال الدولة، ممّن أتيح لهم العقود الاحتكارية ومخصصات الأراضي، والحصانة القضائية والأمنيّة من صور الملاحقة لدى فسادهم، وسمحت السلطة لهم بتكوين دوائر ولاء واسعة ضمن بيروقراطية الدولة، ومجموعات نوّاب خاصة. كان هذا الصعود يعني تحويل البرلمان "بيت حصانات" ليس إلّ. ولم يكن غريبًا مع هؤلاء تجاهل العمل البرلماني الموكول للنائب؛ فعلى الرغم من خوضهم المعارك الانتخابية بعنفٍ وصخب21،
لم يكن هؤلاء النوّاب يحضرون مداولات البرلمان، حتى في الجلسات التي ناقشت أهمّ القوانين وأخطرها؛ فالحصانة والعلاقة الخاصة التبادلية مع المسؤولين في الحكومة، كانتا هما المطلوبتان؛ فمن جهة المسؤولين كانت الغاية أن يضمنوا دعم عدد من النواب لهم في المجلس، يستطيع وحده تمرير أيّ استجوابات وإحاطات رقابية تُطلب منه في البرلمان، والإسهام في لحظات طلب تجييشهم لحماية الحكومة من أي احتمال لسحب الثقة منها. والمقابل بسيط، يستطيع الوزير تقديمه عبر سلطة واسعة له في تخصيص الموارد وإسناد الأعمال بالأمر المباشر، والطروحات الصورية لمناقصات المقاولات، علاوةً على جائزة الحماية السياسية والأمنيّة. لهذا نشط ما عُرف ب "مكاتب الاتصال السياسي والعلاقات البرلمانية" في أغلب الوزارات، لتقوم بحملات العلاقات العامة وحشد النوّاب وتسهيل المبادلات النفعية بين الوزير والنائب. وكان من أثر ذلك أنّ استجابة بعض الوزراء لطلبات حضورهم المجلس لاستجوابهم، ضعيفة، وبعضهم لم يكن يلتفت إليها، ويغيب على الرغم من لوم البرلمان له.
ولم يكن غريبًا في هذا النظام أن تتضاءل أهمية الدعوات الإصلاحية، وصوغ البرامج الحزبية الداعية لسياسات عامة جديدة، لمصلحة الفئة المهيمنة على القرار، وبإعراضٍ صريح عن تمثيل الفئات الأكثر تهميشًا. وحتى الفئات الواسعة كالعمال والفلاحين، فقد جرى تغييب صوتها وإضعاف أيّ ضغوط من النقابات على الحكومة أو من مجموعات برلمانية أو حزبية مناصرة لحقوقهم. عزّز ذلك غياب صور الرقابة وضعف آلياتها في المجلس، وتحوُّل سلطة البرلمان إلى مناشدات صورية تنتهي بخدمات محلية ضيّقة. فقَد البرلمان دوره بوصفه ممثّلً للأمّة، بفقدانه تكوين منابر حقيقية وممارسة الأدوار الرقابية أو تلك الداعية للإصلاح الواسع. وكانت المحصّلة إلحاقًا جديدًا للبرلمان بالسلطة. وفي الوقت الراهن، لا توجد أدنى ضمانات للوقاية من عودة هذه الممارسات، بل المرجّح أن تعود على نطاقٍ واسع وسافر، لتشكّل بذاتها تمهيدًا لحلّ معضلة الحزب الجماهيري التي تواجه شعبية السيسي. وهو ما سنتناوله في النقطة التالية.
معضلة الحزب الجماهيري
لا تشير التحالفات التي تبرز على السطح إلى أيّ إمكانية لاستمرارها في فترة الانتخابات ذاتها، فضلً عن استمرارها خلال انعقاد المجلس التشريعي؛ فهي تحالفات تبدو وقتية شديدة السيولة، لا يتوقّع أن تسفر عن ائتلاف وتكتلات سياسية حقيقية. وفي المقابل يتمدد الفراغ التمثيلي الناجم عن ضعف المكوّنات الحزبية. تحيط الشكوك بقدرة الأحزاب على تمثيل إرادة الجماهير ومطالبها، بسبب عيوب هيكلية، بعضها داخلي مرتبط بطبيعة تكوّنها النخبوي والمدني، وضعف كوادرها في التجذّر العضوي في الأرضية الشعبية، وبعضها خارجي يتمثّل في عراقيل وضعتها السلطة على الحياة الحزبية، تضيق المنافسة على مقاعد البرلمان في نسبة الخمس المخصَّصة للقوائم الانتخابية الحزبية. بهذه النسبة أضعَف قانون مجلس النواب دور الأحزاب لمصلحة المستقلين، وقفز على هدف القضاء على المظاهر الزبائنية والعشائرية في موسم الانتخابات22. وآثر أن يغازل أصحاب القدرات المالية ومن يتمتعون بروابط عشائرية، على نحو ما كان يجري أيام مبارك. ليست المنافسة على هذه النسبة الضئيلة ذاتها قصرًا على الأحزاب، بل يحقّ للمستقلين تجميع أنفسهم ضمن قوائم. لهذا فالباعث من وراء التحالفات هو تعويض الأحزاب التي ابتلعت القبول بالنظام الانتخابي المقلّص وجودها. في ما يتعلق بالضعف الذاتي، فهذه الأحزاب الموروث غالبها من عهد مبارك، فقدت قواعدها الجماهيرية بعدما سحبت منها البساط حركات اجتماعية أكثر حيوية وقدرةً على إقناع الجماهير بخطابها المعارض لمبارك. أمّا الأحزاب التي نشأت بعد الثورة، فقد خفت بريقها مع تعثّ المسارات الثورية ذاتها وخفوت المطالب الاجتماعية والسياسية؛ إذ ارتبطت برامجها بهذه المطالب، علاوةً على ظهور بعضها بمظهر انتهازي ومخاتل نفّر منها الجماهير. وفي واقعها الراهن، عجزت جميعها عن ملء الفراغ السياسي؛ إمّا لافتقارها إلى قوة المال وعجزها عن تطبيق نموذج للزبائنية السياسية ينافس ما اتّبعه "الحزب الوطني"، من تشكيل قواعد شعبية عبر الخدمات الموسمية المجلوبة من السلطة نفسها، أو عبر مؤسسات التطوّع الخيرية التي تنشط في مواسم الانتخابات كما فعل الإخوان.
أفضى إنكار هذه الأحزاب ملامح ضعفها، وجعلها ترفع سقوف مطالباتها خلال التفاوض إلى حدٍّ يتعدّى قدراتها على الحسم الميداني في الانتخابات، إلى استحالة وضع اتفاق يقرّ قواعد معقولة لرسم القوائم المشتركة، والتمهيد لما يُعرف في الثقافة الانتخابية المصرية ب"إخلاء" الدوائر بصورة تبادلية. ولعلّ ما أضاف إلى هذا العجز، هو طرح عدد من هذه الأحزاب الرهان على اجتذاب عناصر النظام القديم، ابتغاء تعبئة موارد مالية وقدرات تعبوية عشائرية تمكّنها من حشد أصوات القطاعات الأكثر فقرًا التي جرى العرف على استمالتها بالمال والخدمات في موسم الانتخابات23. كان هذا الرهان بمنزلة بارود فجَّر أيّ قدرةٍ على تكوين تحالفات حزبية ذات قيمة؛ فقد خشي الكثير من الأحزاب المحسوبة على الثورة الاندماج مع هذه الوجوه، ما يتسبّب في مسلك تصويتي عقابي تسلكه الجماهير بما يزيد من إضعاف مواقفها. وبعضها الآخر الواثق بقدرته المنفردة ك"حزب النور"، يستخدم هذه الهرولة ضدّ خصومه.
ولا ننسى أنّ هذه الأحزاب التي ساهمت في اختلاق "كاريزما" السيسي لم تدرك أنّ صعوده بخطاب الإنقاذ وحماية الدولة، هو بذاته ما أضعف وجودها السياسي؛ فقد حوّلت المجال السياسي كلّه ساحة انتظار ل"البطل" وهو ما يقطع عليها الطريق لمعارضة إرادته، أو منافسة من يميل لهم ويرعاهم، أو حتى الحزب الذي قد يقرِّر إنشاءَه. ولعلّ في هذا الضعف ما يفسّ تنامي الدعوات في أوساط الإعلام التابع للسلطة التي طالبت السيسي بإنشاء حزب يضمّ أنصاره24.
الوطني: تأثير المال وهواجس عودة الفلول
مع اندلاع الثورة، ومنذ حرق مقرّه الرئيس، والزجّ بقياديّيه الأبرز في السجن، بقي الهاجس الأكثر بروزًا في أزمة المشهد الحزبي المصري الراهنة هو عودة "الحزب الوطني"؛ فمن يسمّون بالفلول - ذلك الوصف الذي استخدمته قوى الثورة لوصف البطانة السياسية لمبارك وقادة حزبه - عادوا إلى الصعود وتصدُّر المشهد رويدًا رويدًا. وقد تمّ لهم ما أرادوا مع صدور حكم المحكمة الإدارية بأحقّية أعضاء الحزب الوطني السابق في الانتخاب، لينقض القرار الذي صدر في أعقاب الثورة بحلّ الحزب الوطني25. كان الحراك الثوري كفيلً بمنع قياديّي الحزب الوطني من الترشّح في الاستحقاقات الانتخابية التي جرت عقب الثورة، ودفع بغالبهم إلى الاعتزال أو الكمون والتلوّن. كان قرار الحلّ مطلبًا شعبيًا أساسيًا في ما عُرف وقتها بالعزل السياسي، والذي نُظر إليه بوصفه إجراءًانتقاليًا يضمن عدم عودة نظام مبارك إلى الحكم26. إنّ إحجام السيسي عن إنشاء حزب سياسي على غرار السادات في 1977 هو خلاصة تراكم هواجس تتعلق بالحزب الوطني وتسبُّب سياسات احتكاره المجال السياسي في نشوب ثورة جماهيرية. ولعل من الأسباب التي تعضد هذا الإحجام: حصول السيسي على ما يقارب المئة في المئة من الأصوات %97.3() في جولة الانتخابات التي جرت في حزيران / يونيو الماضي ما يخفّف عنه ضغوط غياب كتلة حزبية واضحة تقوم بالمنافسة وتحقيق أغلبية مريحة لمصلحته في مجلس النواب؛ فاعتماده على جماهيريته الشخصية يؤجّل الاستجابة للدعوات التي تطالبه بتدشين حزب سياسي. لكن لا أحد يراهن على أن تصمد هذه الجماهيرية الفردية التي صنعها له الإعلام والخطاب
الأمني بمكافحة الإرهاب وإنقاذ الدولة في مواجهة المعضلات الاقتصادية المتعاظمة والإخفاق الواضح لبيروقراطية الدولة في الاستجابة لمطالب الناس، وهم بالضرورة يتوقّعون وسط هذا الإلحاح على أهمية الاحتشاد في انتخابات المجلس النيابي، أن يؤدّي المنتخبون دورًا فاعلً في معالجة تلك المعضلات وتوجيه السياسات لإصلاح الوضع فيها. يحطّ من شعبية السيسي الراهنة ثبوت ما اتُّهم به من إحياء للحزب الوطني في ثوبٍ جديد، خصوصًا وأنّ غالبية واضحة من قيادات الوطني السابقة قد أيّدته علنًا وعملت على حشد الأصوات له خلال الاستحقاق الرئاسي. وربّ ا لا تزال ماثلة أمام عينيه النصيحة التي وُجّهت لمبارك بأن يكون "فوق الأحزاب" بعدما وُجّهت اتهامات الفساد لغالب رؤوس حزبه، خصوصًا من رجال الأعمال، وباتت تطرق باب قصره، وتتعلّق بذمّته هو شخصيًا. وفي ظلّ هيمنةٍ واضحة من السيسي على توجهات القضاء، خرج الحكم الإداري بعودة مرشّحي الوطني، ليدفع بهذه التكهنات قبل أسابيع قليلة من إعلان فتح باب الترشح. وممّ يكمل الاتهام هذه الصورة التي رسمها أحد قادة الحزب الوطني المعروفين، والذي صرّح بأنّ الوطني "لم يغادر الحياة السياسية." وأضاف مزهوًا بأنّ الحزب قد "وقف وقفة قوية خلف السيسي في الانتخابات الرئاسية"27. قد يتناقض ما نقوله مع كون الحزب الوطني حزبًا مصلحيًا، وأحد تمثلات الزبائنية السياسية، فلم يجمع أعضاءَه توجّهٌ فكري أو نضالي من أيّ لون، بل خليط واسع من الأفكار التي تراوح بين الوطنية المصرية الضيّقة، والزعامة القومية. وظلّ وجوده مرتبطًا بأدوار ترسمها له السلطة، وقد زال بزوالها. لكن الأمر متعلق ببقاء المصالح ذاتها التي جمعت رموزه من أصحاب المصالح الرأسمالية ممّن تلزمهم هذه المصالح بعلاقة طفيلية مع الدولة، وتلزمهم عوامل نشوء ثرواتهم بخدمة البنية الاحتكارية للاقتصاد، وطبقة الطفيليين/ المحاسيب التي رعاها مبارك، وصاروا خلال عقدين مهيمنين على الاقتصاد، ونجحوا في السنوات الأخيرة من حكمه إلى حدٍّ كبير في توجيه أدوات المال السياسي في نطاق مجتمعات الفقر والعشائريات بما ضمن لهم حضورًا عريضًا يفوق الأحزاب جميعها، سواء مستقلين أو أعضاء في الحزب، وأنتج لهم مقاعد نيابية وحصانات برلمانية، نظر لها الشعب المصري بوصفها أدوات للفساد، وليست أدوات تحصين لممثلّي الشعب وتعزيز سلطتهم الرقابية28. لم يبارح هؤلاء تموقعهم الاقتصادي، ولم يَجْر تعديل أيّ من قواعد الاقتصاد المسؤولة عن تنامي ثرواتهم بهذه الطريقة، بل العكس هو الصحيح. وبان بجلاء استخدامهم المال السياسي خلال انتخابات الرئاسة، ما لم يُخْفه القيادي في الوطني.
إلى الآن، لم يبادر السيسي بدورٍ غير دور "الرئيس فوق الأحزاب" مؤْثرًا ترك موقع اللاعب داخل المشهد الحزبي، هذا دون أن يبعد عن السيطرة عليه، بعدما أنجز رسم قواعد للعبةٍ تصبّ فوائدها عنده هو؛ إذ تضمن له ولاءات حزبية وتكتّلً من الحلفاء السياسيين، دون التورّط في تأسيس حزب جماهيري. يبدو استناد السيسي على أحزاب موالية إستراتيجية موقّتة، لن يكتب لها الصمود طويلً، في ظل وجود قواعد لتنظيمَي الإخوان وقواعد الحزب الوطني القديم. من هنا، فإنّ السيسي قد يعمد مستقبلً لاستثمار عملية صنع الائتلافات والتحالفات الحزبية الراهنة، والاستفادة من الاختبار العملي في الانتخابات البرلمانية لقوة هذه الائتلافات، وثبوت أنّها تتمتع بقواعد شعبية حقيقية. فمن مخرجات هذه الانتخابات يمكنه ضمّ تحالف الناجحين هذا، ليكوّن حزبه الجديد الذي يستطيع أن يحيي به نموذج حزب السلطة المهيمن. إلى جانب الأحزاب الموالية التي جرى تخليقها وينظر إليها بوصفها إعادة إنتاج لنتوءات ودوائرَ من قيادات الوطني خلال الأعوام الثلاثة الفائتة، يرشَّح للانضواء إلى هذا المكوّن أحزابٌ عقائدية خصوصًا من القوى الناصرية التي لا ترى السيسي غير ناصرٍ جديد، وبعض القوى الليبرالية الصغيرة التي تريد استعادة
بعض بهائها السياسي القديم، وأحزاب مصلحية نشأت عقب الثورة. ومن هنا، لن يكون الأمر إنشاء حزب جماهيري خلف السيسي، بل إعادة رسم للمجال السياسي؛ بتخليق منابره وإعادة تنظيمها لتقديم ممارسة ديمقراطية شكلانية فيها سلطة ومعارضة وأدوات سياسية. يحتاج السيسي وبشدة إلى نفي الطابع العسكري عن نظامه، وإخفاء معالم هيمنة العسكريين على مفاصل الدولة، وعلى المجال السياسي.
الإسلاميون: المراوحة الإستراتيجية بين المناورة وحرب المواقع
لا يزال أمر عودة الإخوان إلى الحياة السياسية ملتبسًا؛ فهناك من ظل يتصوّر إمكانية قبول السلطة الراهنة بعودة حزب "الحرية والعدالة" إلى الحياة الحزبية حتى آب / أغسطس الماضي إلى أن أصدرت المحكمة الإدارية حكمها بحلّ الحزب، بعد انقضاء مدة طويلة زادت عن العام بعد إطاحة مرسي29. كان هذا التصوّر بعيدًا عن الواقع، في ظلّ تطورات الأحداث وطبيعة مكوّن السلطة الحالي. صحيح أنّ حزب جماعة الإخوان ظلّ يحظى بشعبية جعلته يحصد الأغلبية في الاستحقاقات السياسية التي تلت الثورة ومع برلمان 2012، لكن الحال تغيّ ت، ولا توجد أيّ مؤشرات على احتمال طرح صيغة توافق ومصالحة تقرّ بالمحاصصة بين السلطة القائمة والجماعة قبيل الانتخابات. تضيف الظروف الراهنة أكثر لاستبعاد أيّ عودة - حتى لو كانت غير رسمية - للحزب أو لمرشحين عن الإخوان مستقليّن أو على قوائم لأحزاب أخرى، على منوال ما كان يجري في عهد مبارك. وقطَع الطريقَ على هذا الاحتمال تبنّي الإخوان إستراتيجية تصعيد مع الذكرى الرابعة للثورة. كان التصعيد إرادة الطرفين؛ النظام والجماعة. وراهن من كانت تحدوهم الآمال في إيجاد مسار بديل (على الرغم من الاعتراف بالتناقضات الراهنة، وتسيّد أجواء الاستقطاب العنيف)، على أن استعادة هامش ديمقراطي ستسمح للإخوان بطريق ما للممارسة السياسية. لقد بُني الرأي الذي يبدو مرجّحًا بحسابات تخصّ مصلحة النظام القائم في إغواء الاخوان لوقف تحدّيهم له مقابل الدخول إلى الانتخابات من أبوابها الخلفية، على حاجة السيسي إلى الظهور بمظهر بجزء من يقبل بالمعارضة السلمية، ويَفي - ولو بصورة شكلية - من تعهّداته للدول الغربية، خصوصًا الولايات المتحدة؛ بإتاحة منافسة سياسية مفتوحة، وتَرْك المجال للقوى غير العنيفة للانخراط فيها. لكن الحال لم تعد هكذا30. هل ثمّة إمكانية لإرساء الديمقراطية في مصر دون استيعاب الإخوان مرةً أخرى في الفضاء السياسي؟ لكن طرح السؤال في بيئة استقطاب وتحفّزٍ أمني كالتي تعيشها مصر الآن، بقي أمرًا عالي الكلفة. وعلى الرغم من تداول توقّعات بالمصالحة عبر نصف العام الفائت، وارتباطها بتطورات المصالحة المصرية - القطرية، والمصالحة الخليجية - الخليجية، وعلى الرغم ممّ أبدته أصوات عدة بين السياسيين المستقلين (وبعضهم ينظر إليهم بوصفهم حكماء) من ضرورة فض الصراع الحالي بين السيسي والإخوان، والإقرار بالأوضاع التي خلّفتها تظاهرات الثلاثين من حزيران / يونيو من جهة الإخوان في مقابل رفع الحصار وممارسات الملاحقة عن الجماعة وقياديّيها، لم يحصل من هذه التوقعات شيء، بل حصل التغييب الكامل لحزب الحرية والعدالة الذي يمثّل ذراع الجماعة السياسية، مخلّفًا ما يمكن وصفه بفراغ حزبي، تعمد الأحزاب المنضوية تحت تحالف الثلاثين من يونيو إلى محاولة مَلْئه.
أمّا الرأي المستند إلى حسابات البراغماتية السياسية، والذي يرى إمكانية جعل الانتخابات ساحة لتلاقي إرادة الوجود ومصالح البقاء بين السلطة والإخوان، فقد بدَا خافتًا. لا يرى الواقعيون أنّ التلاقي في ساحة الانتخابات يعني بالضرورة حسم المشكلات القائمة بين الطرفين، بل هو فقط تخفيض لحدّة المواجهة، يمهّد المجال ويخلق الفرص لإيجاد صيغة تُوقف الصدع السياسي، وتضمن نوعًا من التعايش
المؤقت. بينما المصلحة الواضحة للفصيل الأبرز في الحكومة الحالية وجلّه من الأمنيين، تدفع صوب منع تحقُّق استيعاب للإسلاميين بنسبة تنافسية عالية، والحملة الواسعة أمنيًا ودعائيًا على الإخوان راكمت ما يكفي لقطع الطريق على أيّ طرحٍ جدّي يعيد الإخوان إلى اللعبة السياسية، فضلً عن أنّها تضع حزب الحرية والعدالة في موقع الحزب الجماهيري من جديد. وترجّح القراءة المباشرة للّحظة الراهنة في ظلّ هذا الكمّ من الاستقطاب والعنف، اتّجاه السلطة للاستمرار في مسعاها لكسر شوكة الإخوان وإجهاض تحركاتهم، مع توجيه ضربات قوية للتنظيم وموارده والاستمرار في الملاحقات الأمنية لقياداته، وكيْل الدعاية لها وتحميلها تهمة الإرهاب. لا تزال السلطة ترى مبرّرَ شرعية تحالف الثلاثين من يونيو قائمًا بالأساس على إنجاز هذه المهمة، وأن لحظة التفويض في تموز / يوليو 2013 صنعت صورة السيسي المحارب للإرهاب الإخواني. ينفي هذا أيّ احتمالية – حاليًا على الأقل - للقبول بطروحات ترفع رايات عدم الإقصاء، وحقّ القوى السلمية في العمل السياسي، وغير ذلك من طروحات غايتها إعادة استيعاب الإخوان ووقف التنازع الراهن، أو على الأقلّ إحالته من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي31. يلقي هذا التوجّه بظلاله على مشاركات أحزاب تصنَّف على أنّها مقرَّبة من الإخوان، سواء "حزب مصر القوية" الذي يواجَه اليوم بدعوات للحلّ، أو "حزب النور" الذي لم يسلم من هذه الدعوات، وإن بدا أكثر قدرةً على إدارة علاقته بنخبة الحكم الحالية بوصفه حليفًا قويًا له وجود شعبي. تسير غالب الأصوات المحافظة بين رجال الأعمال هي الأخرى على خطى التفكير الأمني، وتُظهر قلقًا من هذا السيناريو التفاوضي الذي قد يترك مساحة للإخوان – ظاهرة أو مبطنة - للمنافسة في الانتخابات. ويرون أنّ منح حصة "تنفيس" للإخوان والقوى الإسلامية في حدود أقلّ من الخمس، جريًا على درس مبارك، ونجاح إدارته المجال السياسي على نحوٍ قلّص فرص وصول الإخوان إلى السلطة، قد يكون الوهم بعينه؛ فما قبْل الثورة غير ما بعدها، وما يصدق قبل تذوُّق الإخوان طعم السلطة ومعرفة دروبها الدقيقة، يختلف حتمً عمّ بعده. لكن بعيدًا عن هذا السرب جاء تصريح أبرز رجال الأعمال المصريين الداعمين السيسي محذّرًا من مغبّة الاستمرار في الخط الأمني32.
أمّا عن صقور الجماعة ممّن ساد صوتهم في ضرورة استمرار مسار تحدّي الانقلاب وسلطته، فربّ ا نجادل بأنّ هؤلاء أنفسهم ظلّت تحكمهم في الأصل نظرة واقعية وخبرة تعامل مع مجال سياسي سلطوي يحدّ من حرية حركتهم، وقد حققوا بالفعل نجاحات في الماضي عند العمل ضمن أطره الضيّقة والمحدودة للممارسة السياسية. فإن برز طرحٌ جديد مغاير، وشيء أقرب إلى هدنة مع إجراءات بناء ثقة بسيطة، ربّ ا يتغير توجّههم الإستراتيجي ويجد نقطة توازن سياسي جيدة تدفعه إلى التراجع عن التحدي الشامل لنظام السيسي وتخفيض سقوف الصراع بعيدًا عن الاستهداف العنيف33. أمّا عن عبور الإخوان من العباءة الفضفاضة لأحزاب التيار الإسلامي، ذلك الهاجس الذي تطرحه بعض أبرز الأحزاب المنضوية تحت تحالف الثلاثين من يونيو وحذّرت منه علانية، فهو أمر يبدو بعيدًا؛ فمن يشيرون إلى حزب "مصر القوية" القريب من الإخوان بقيادة
القيادي السابق في الجماعة عبد المنعم أبو الفتوح، وحزب "الوسط الإسلامي" الذي تشكَّل من قيادات إخوانية سابقة، بعضها لا يزال معتقلً مع قيادات الإخوان، أو يرجّحون مرور الإخوان عبر قناة الأحزاب السلفية خصوصًا "حزب النور"، استنادًا إلى أخوّة المنهج، لا يقدّمون الدليل على حدوث ذلك. ربّ ا على المستوى النظري، سيكون من مصلحة حزبٍ قادر على المنافسة كحزب النور استثمار القاعدة الشعبية لحزب الحرية والعدالة بإدماج بعض قياداته على قوائمه، خصوصًا ممّن لهم ميول داخل تنظيم الإخوان إلى السلفية. لكن عمليًا الأمر أكثر تعقيدًا34. ما تراكم عن الحملة الأمنية العنيفة على التنظيم، واستمساك قيادة التنظيم بالموقف المبدئي الرافض للانقلاب، يرسمان شرعيتهم الراهنة وشرعية النخبة الجديدة الصاعدة. وتبدو تركة الدم التي نشأت بين النظام والإخوان، ثقيلة لدى قطاعٍ من الجماعة، وثمنها أهمّ بكثير من أيّ أهداف تكتيكية. ويُخشى أن يهدّد أيّ اتجاه تصالحي كيان الجماعة، ويدفع بقطاعها الغاضب إلى الانسلاخ نحو الفصائل الأكثر راديكالية. من جهة أخرى، ومن منظور واقعي، لا تزال هناك رغبة لدى قطاعٍ في التنظيم في استثمار الموقف الدولي (الذي إن لم يكن رافضًا النظام الجديد، تحت تأثير الرغبة في الحفاظ على علاقات مصلحية ممتدة مع بلدٍ مهمّ كمصر، فهو على الأقلّ متحفّظ عنه.) وهناك بين الرأيين من يريد الاستمرار في ممارسة الضغوط من خارج العملية السياسية، بما يدفع النظام إلى عرض تسوية سياسية واسعة وأكثر قبولً، وبسقوف مرتفعة تسمح بوجودٍ سياسي للجماعة وحزبها، ودون ذلك لا مخرج إلا الاستمرار في جهود إسقاط النظام بقوة دفع موجة ثورية جديدة يكون في طليعتها الإخوان. وهو ما لا نجد دليل على إمكانية حدوثه في المستقبل القريب.
خلاصة
وفقًا لهذا التحليل لساحة الممارسة السياسية الراهنة، تسيطر التوقعات المتشائمة على مصير الاستحقاق الثالث من خريطة الطريق التي أُعلنت قبل عام ونصف، على إثر الانقلاب على محمد مرسي؛ فغالب القوى السياسية المنضوية تحت هذه الانتخابات، على الرغم من إقرارها بقواعد انتخابية تحاصر المجال السياسي وتخنق فرصها في تمثيلٍ واسع، ستستمر في خوض التجربة، باعترافٍ واضح بانخفاض سقوف الأمل من ورائها، سواء في تخطّي الأزمة السياسية الراهنة، أو في الحدّ من عودة الملامح "المباركية" إلى المجال السياسي مرةً أخرى35. ونتيجةً لتسيّد الأجندة الأمنية على عملية ترسيم المجال السياسي، ضعفت تطلعات القوى المشاركة في تحالف الثلاثين من يونيو من قوى وأحزابٍ سياسية لتأسيس ديمقراطية، ولو جزئيًا. وزاد هذا الحضور الأمني اللصيق في ساحة الترتيب للانتخابات، من تهميش القوى السياسية.
وفي هذه الأجواء المشوبة بالإحباط، يتوقّع استمرار ظاهرة عزوف فئة الشباب وبقاء المشكلات الهيكلية للمنظومة الانتخابية المصرية التي تهمّش الأقليات والمرأة36، وتهمّش ملامح العقلانية السياسية ودور البرامج الحزبية، لمصلحة الممارسات الزبائنية. صحيح أنّ الشواهد لا تؤيّد هاجسَ عودة الإخوان إلى الحياة السياسية أو الصعود الواضح للحزب الوطني، لكن عملية ملْ ء فراغ الساحة الحزبية ستبقى هي الشغل الشاغل بعد الانتخابات. وربّ ا ضمن هذه البيئة المرتبكة، سيمهّد السيسي لطرح مكوّن سياسي جديد يعيد اجتذاب كبار البيروقراطية والعشائريين ورجال الأعمال، في صورة حزب مهيمن يعيد إنتاج صيغة حزب دولة يوليو المسيطر الموروث، حيث ديناميات خلْق هذه الصيغة لم تُلغَ بعد، ومقدماتها رسمت وموْروثاتها مستمرة، في ظلّ تنامي خنق المجال السياسي لمصلحةٍ سلطوية على الطريقة "المباركية."