الانتخابات السودانية

النور حمد

الملخّص

تناقش هذه الورقة نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة التي جرت في السودان، في منتصف نيسان/أبريل 2015. تستعرض الورقة التحولات التي حدثت في الدورة الرئاسية الأخيرة للرئيس البشير 2015-2010() التي شهدت بدايتها انفصال الجنوب وفقدان السودان ثلثي نصيبه من عائدات النفط، ودخوله في أزمة اقتصادية طاحنة، إضافة إلى اشتعال الحرب في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، مع استمرار الاضطرابات في ولايات دارفور. كما تستعرض الورقة تشظي كيان الإساميين في السودان، وتراجع دور الحركة الإسامية في العملية السياسية، وإقصاء الرئيس البشير قيادات الإساميين الذين سبق أن انشقوا عن الشيخ حسن الترابي، وصعود العسكريين وجهاز الأمن إلى مركز السلطة، وسيطرتهم على قيادة الحركة الإسامية نفسها. تعرض الورقة أيض ا دلالات المقاطعة الواسعة لانتخابات، وفقدان الثقة بالمفوضية القومية لانتخابات، ومغزى ازدياد عدد المرشحين المستقلين. كما تتطرق الورقة لابتعاد السوداني عن إيران، ومحاولة العودة إلى الصف العربي بوصفها ورقة أخيرة في محاولة شراء سنوات اضافية لنظام الحكم.

بين التحوّل الديمقراطي وتكريس سلطة الفرد

في ظهيرة يوم الإثنين 27 نيسان / أبريل 2015، أعلنت اللجنة القومية للانتخابات في السودان فوز الرئيس الحالي لجمهورية السودان، عمر حسن أحمد البشير، بدورةٍ رئاسية جديدة مدتها خمس سنوات. وبإكماله هذه الدورة الجديدة التي تنتهي في عام 2020، سوف تبلغ سنوات الرئيس السوداني عمر البشير، في كرسي الحكم في السودان، ما يزيد على الثلاثين عامًا.

حصل الرئيس البشير، وفقًا لما أعلنته المفوضية القومية للانتخابات، على نسبة أصوات بلغت 94.5 في المئة من جملة من قاموا بالاقتراع. وقد بلغ عدد الذين أدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات 6.091.412 ناخبًا. وبلغ عدد من كانت أصواتهم صحيحة 5.584.863. ولم تذكر اللجنة على موقعها الإلكتروني العدد الكلّ للناخبين الذين سجّلوا لهذه الانتخابات، وإنّ ا قامت بإثبات نسبة الذين أدلوا بأصواتهم فقط من جملة المسجّلين. وهي نسبة بلغت، بحسب ما أعلنته اللجنة، 46.4 في المئة1. ولقد جرت انتقادات كثيرة للمفوضية القومية للانتخابات، بسبب اعتمادها على تسجيلات عام 2010 من غير تنقيح. وهي تسجيلات ورد فيها أنّ عدد من سجّلوا بلغ ثلاثة عشر مليون شخص. ومعلوم أنّ سجلّ ت انتخابات عام 2010 ضمّت أعداد المواطنين الجنوبيين الذين كانوا في الشمال، قبل الانفصال. وهي أعداد كبيرة. ولمّا كانت الانتقادات للمفوضية بخصوص التسجيل دامغة، لم يجد كبار أعضاء الحزب الحاكم مناصًا من المشاركة فيها2. نافس خمسة عشر مرشحًا آخر الرئيس البشير على مقعد الرئاسة. وقد أجمعت كلّ استطلاعات الرأي العام التي أجرتها وسائل الإعلام على أنّهم، في غالبيتهم العظمى، أشخاص مغمورون، لم يسمع بهم السودانيون من قبل. وليس لغالبيتهم أيّ إسهام معروف في الحياة السياسية أو الفكرية أو الثقافية في السودان. والشخصية الوحيدة المعروفة للجمهور، على نطاق واسع، ضمن هؤلاء الخمسة عشر مرشحًا، هي فاطمة عبد المحمود التي كانت وزيرة في فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري. يليها في الشهرة، محمد عوض البارودي، الذي عمل وزيرا للإعلام في حكومة ولاية الخرطوم لفترة قصيرة. وبالفعل، دلّلت النتيجة النهائية لهذه الانتخابات لمقعد الرئاسة ولمقاعد البرلمان، على افتقارها الشديد إلى المنافسة3؛ ففي حين حصل الرئيس عمر البشير على أكثر من خمسة ملايين صوت، حصل المرشح الذي أتى بعده مباشرةً، من حيث عدد الأصوات على 70.779 صوتًا فقط؛ بنسبة لم تتعد 1.43 في المئة من أصوات الناخبين، مقارنة بالرئيس البشير الذي حصل على 94.5 في المئة. فالمرشحون الخمسة عشر المنافسون للرئيس البشير لم يحصلوا جميعهم سوى على 5 في المئة من جملة الأصوات. أمّا على مستوى عضوية البرلمان الجديد (المجلس الوطني)، فقد فاز حزب المؤتمر الوطني الحاكم بأغلبية المقاعد البالغ عددها 426 مقعدًا؛ إذ حصل على ما مجموعه 323 مقعدًا. وأتى بعد حزب المؤتمر الوطني الحاكم مباشرةً، من حيث عدد المقاعد، الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل)4 الذي يقوده محمد عثمان الميرغني؛ إذ حصل على خمسة وعشرين مقعدًا. والحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل)، هو الحزب التقليدي الكبير الوحيد الذي لم يقاطع الانتخابات. وجاء المستقلون في المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد؛ إذ حصلوا على تسعة عشر مقعدًا. أمّا الحزب الاتحادي الديمقراطي، بقيادة جلال يوسف الدقير المنشقّ عن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، فقد حصل على خمسة عشر مقعدًا. تحوّل فرع الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يقوده جلال يوسف الدقير، إلى حزب حليفٍ للمؤتمر الوطني. حتى إنّه ليصعب على الراصد أن يجد في كلّ ما يأتي ويدع هذا الحزب، مسافةً تفصل بينه

  1. المفوضية القومية للانتخابات في السودان موقع، 2015/4/27، شوهد في 2015/4/29، على الرابط: http://goo.gl/ceKoWs.
  2. السجل الانتخابي يعيد التشكيك في انتخابات السودان"، الجزيرة نت، 2015/4/24،
  3. راجع تقرير: علوية مختار، "السودان: أسبوع ثالث من الحملات الانتخابية بلا منافسة"، العربي الجديد، 2015/3/13، حيث كتبت: "تدخل الحملات الانتخابية الرئاسية والتشريعية في السودان أسبوعها الثالث، في غياب أيّ منافسة تُذكر للحزب الحاكم. وغابت عن شوارع العاصمة الخرطوم، الملصقات التي تحمل صور المرشحين، كما خفّت الندوات والخطابات، عكس ما جرى في انتخابات العام 2010 التي شاركت فيها جميع الأحزاب، بما فيها المعارضة التي انسحبت قبل بدء عملية الاقتراع، لتشكيكها بنزاهة العملية الانتخابية"؛ راجع أيضًا: "منافسة صورية للبشير"، سي إن إن العربية، 2015/4/13، شوهد في 2015/4/26، على الرابط: http://arabic.cnn.com/middleeast/2015/04/13/sudan-presidential- parliamentary-election 4 يميز هذا الحزب نفسه بكلمة (الأصل)، لأنّ الحزب قد حدثت فيه انشقاقات، واختار المنشقّون أن يحملوا الاسم نفسه. بين التحوّل الديمقراطي وتكريس سلطة الفرد
  4. شوهد في 2015/5/1، على الرابط: http://goo.gl/jkzJXE

وبين حزب المؤتمر الوطني؛ فعلاقته بالمؤتمر الوطني علاقة محاصصة محدودة متفق عليها وفقًا للعبةٍ استمرت لسنوات. أحرز هذا الحزب في الانتخابات الأخيرة، مقاعدَ أقلّ من غريمه (الاتحادي الأصل)، ما دفع بزعيمه جلال يوسف الدقير إلى اتهام حزب المؤتمر الوطني الحاكم ب "خيانة العهود"، مضيفًا أنّ الحزب ربما يمتنع عن المشاركة في الحكومة المقبلة، و"التحوّل إلى حزب معارض شريف"5. وعبارة "خيانة العهود" التي أفلتت من لسان جلال الدقير، تدلّ على اتفاق المحاصصة؛ بمعنى أن يسمح له الحزب الحاكم والحكومة بإحراز عدد محدّد من المقاعد. ويلقي هذا، بطبيعة الحال، بظلال كثيفة على صدقية الانتخابات؛ فالعبارة تشير من طرفٍ خفيّ إلى أنّ الانتخابات ليست حرة تمامًا، ولا تقوم على منافسة شريفة حقيقية. وتدلّ أيضًا على أنّ الحزب الحاكم يتحكّم في نتائجها مسبقًا، فيمنح الأحزاب أوزانًا، وفقًا لاتفاقات وعهودٍ مسبقة.

المقاطعة وضعف المشاركة

قاطع هذه الانتخابات حزب الأمة، بقيادة السيد الصادق المهدي، وحزب المؤتمر الشعبي، بقيادة الشيخ حسن الترابي، إضافةً إلى الحزب الشيوعي السوداني. وقاطعتها أيضًا الحركة الشعبية قطاع الشمال التي تقاتل في جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، إضافةً إلى الحركات المسلَّحة التي تقاتل في ولايات دارفور، فضلً عن أحزاب أخرى أقل حجمً، تدخل ضمن ما يسمّى بقوى الإجماع الوطني. ويرى كثير من المراقبين، ومنهم شهود ممّن عملوا في مراكز الانتخابات، أنّ نسبة المشاركة التي أعلنتها المفوضية القومية للانتخابات ليست صحيحة؛ فالمشاركة في حقيقتها أقلّ من ذلك. وفي تصريحات للصحفيين، قال الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو الذي شهد الانتخابات، بوصفه رئيسًا لبعثة الاتحاد الأفريقي المكلَّفة بمراقبتها، إنّ ثلث الناخبين المسجلين فقط أدلوا بأصواتهم. وتلك نسبة أقل بكثير ممّ أعلنته المفوضية القومية للانتخابات التي زعمت أن النسبة 46 في المئة6. وقد أوردت صحيفة التغيير الإلكترونية تصريحًا للدكتور آدم محمد أحمد، عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الزعيم الأزهري، أدلى به لوكالة الأناضول، يقول فيه بخلاف ما زعمه مسؤولون في الحزب الحاكم، إنّ عملية الاقتراع تشهد "إقبالً كبيرًا"؛ إذ قال: "الواقع يؤكد أنّ نسبة الاقتراع لم تتعدَّ ال %15، وهذا على الأقلّ ما شاهدته في الخرطوم"7. وأيد هذا التقدير ما أوردته صحيفة الجريدة السودانية من تصريحات أدلى بها بعض مسؤولي مراكز الاقتراع في الخرطوم8. وعمومًا كانت نسبة الاقتراع في الخرطوم هي الأقل بالنسبة إلى بقية ولايات السودان. وفي حين تنسب قوى المعارضة ضعف الإقبال على التصويت إلى حملة "ارحل" التي جرى تدشينها على المواقع الإلكترونية، قبل الانتخابات بشهور، وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ترى وسائل الإعلام وكلّ استطلاعات الرأي التي أجرتها أكبر القنوات الفضائية العالمية والإقليمية، أنّ ضعف الإقبال لم يكن بسبب دعوة قوى المعارضة للمقاطعة؛ إذ نَسَبته إلى الفتور وسط الجمهور وإحساسه أنّ نتيجة الانتخابات بالصورة التي ستجري بها، مسألة محسومة سلفًا. يضاف إلى ذلك حالة الانسداد في الأفق السياسي، وتنامي زهد الجمهور في كلٍّ من الحكومة والمعارضة.

كان انفصال الجنوب أيضًا، وما ترتّب عليه من نتائج كارثية، نقطة تحوّل في نظرة الجمهور نحو النظام. وعلى الرغم من التطمينات التي أذاعتها الحكومة، بُعيْد الانفصال، لتخفّف من صدمته على المواطنين، بتأكيدها أنّ أحوال السودان الاقتصادية عقب الانفصال، سوف تصبح أفضل ممّ كانت عليه، فالتجربة العملية سرعان ما أوضحت خطأ الحسابات الحكومية؛ بخاصة تعويلها على سدّ الفجوة الناتجة من فقدان ثلثَي البترول المنتج في البلاد لفائدة الجنوب، عن طريق فرض رسوم عبور على النفط الجنوبي المتّجه إلى ميناء التصدير في جمهورية السودان. فقد تعثّت المحادثات في ذلك الصدد. ووصل الأمر إلى حد

  1. حزب 'الدقير' يتجه لفض الشراكة مع الوطني ويتهمه بخيانة العهود"، صحيفة المجهر السياسي السودانية،.2014/4/29
  2. عثمان ميرغني، "لماذا احتفل السودانيون"، الشرق الأوسط،.2015/4/30
  3. خبراء: ضعف التصويت يحرج 'المؤتمر الوطني' ولا جدوى من تمديد أيام الاقتراع"، صحيفة التغيير (سودانية إلكترونية)، 2015/4/16، شوهد في 2015/4/23، على الرابط: http://www.altaghyeer.info/ar/2013/news/7207/
  4. رؤساء مراكز بالخرطوم يقرون بضعف الإقبال على التصويت، صحيفة الجريدة السودانية،.2015/4/16

إغلاق الأنابيب في وجه النفط الجنوبي المتّجه إلى ميناء الشمال؛ ما عاد على البلدين بأضرار اقتصادية جسيمة. نتج من انفصال الجنوب وفقدان ثلثَي عائدات النفط، تراجعٌ حاد في عائدات العملة الحرة في جمهورية السودان. وتراجع أيضًا سعر الجنيه السوداني؛ ففقد أكثر من نصف قيمته أمام الدولار الأميركي، ما أحدث حالةً من التضخّم والغلاء غير مسبوقة. وارتفعت أسعار السلع الأساسية أيضًا. وتراجعت الخدمات تراجعًا حادًا. ودخلت البلاد في أزمة مالية طاحنة. وقد اضطرت الأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة، الحكومة السودانية إلى رفع الدعم عن المحروقات؛ ما أثار سخطًا شعبيًا، وأدّى إلى تظاهرات شعبية كبيرة في عامَي 2012 و 2013. وقد كانت تظاهرات أيلول / سبتمبر 2013 الأشدّ والأوسع نطاقًا. فواجهتها الحكومة بعنفٍ شديد ذهب ضحيته ما يقارب الثلاث مئة شابّ وشابة. يضاف إلى كلّ ذلك استمرار الحرب في ولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وتفاقم حالة الانسداد في الأفق السياسي.

الإشراف الدولي

اتّسمت انتخابات نيسان / أبريل 2015، مقارنةً بانتخابات 2010، بضعف الإشراف الدولي. وعلى الرغم من أنّ الإشراف الدولي المكثّف على انتخابات 2010 وقف وراءه الغرض الغربي في فصل الجنوب، ففصل الجنوب أبان للغربيين من الناحية العملية تعجّلهم؛ فقد انتهى الجنوب بعد فترةٍ قصيرة من الانفصال، إلى حربٍ أهلية شاملة ودولةٍ فاشلة. ويبدو أنّ المجتمع الدولي أصبح أكثر ميلً في هذه المرة، إلى أن تصل الحكومة السودانية إلى وفاقٍ وطني مع قوى المعارضة المدنية من الأحزاب، ومع المعارضة المسلّحة، وأن تعطي الحوار الوطني الأولوية، وليس إجراء الانتخابات. غير أنّ الحكومة تعلّلت بأنّ إجراء الانتخابات في موعدها، استحقاق دستوري لا يحتمل التأجيل. وقد أثار هذا التعلّل انتقاداتٍ واسعة من جانب الأحزاب والكتّاب والمعلّقين السياسيين الذين قالوا إنّ الحكومة تتعامل مع الاستحقاقات الدستورية بانتقائية عجيبة؛ فهي تكتم أنفاس الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وتقوم بمضايقة الصحف والصحفيين بصورة يومية، وتقول في الوقت نفسه إنّ الانتخابات استحقاق دستوري لا يقبل التأجيل. لقد عبّ ت دول الاتحاد الأوروبي وكندا وأميركا، عن رفضها المسبق نتيجة هذه الانتخابات. ورفضت أيضًا تمويلها ومراقبتها. غير أن ممثّلين عن جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، سجّلوا حضورًا بوصفهم مراقبين. وراقبت إلى جانبهم سبعٌ وثلاثون منظمة مجتمع مدني محلية. وذكرت المعارضة أنّها لا ترى هذه الرقابة رقابة جدّية؛ فوجود ممثّلين للاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ليس كافيًا. وذكرت المعارضة أنّ منظمات المجتمع المدني المحلية، منظمات أوجدتها الحكومة، وهي تتبعها، لذلك لا يعتدّ بمراقبتها، بخاصة أن جهاز الأمن أغلق في السنة الماضية، عددًا كبيرًا من منظمات المجتمع المدني المستقلة9. وقد ذكر الرئيس النيجيري الأسبق أوباسانجو، في محاضرةٍ ألقاها في معهد السلام الأميركي، عقب إنهائه مهمته بوصفه مندوبًا للاتحاد الأفريقي، لمراقبة الانتخابات السودانية، أنّهم بعثوا في شهر آذار / مارس الماضي بعثة استطلاعية إلى السودان، كان ملخّص تقريرها الذي رفعته إلى رئاسة الاتحاد الأفريقي أنّ الأجواء السياسية في السودان غير مواتية لإجراء انتخابات شفافة، ونصح بالتأجيل. غير أنّ الاتحاد الأفريقي قرّر، على الرغم من ذلك، إرسال بعثة مكوَّنة من عشرين مراقبًا برئاسة أوباسانجو. وقد جرى إرسال تلك البعثة، قبل خمسة أيام فقط من موعد إجراء الانتخابات. وأضاف أوباسانجو، في محاضرته في معهد السلام الأميركي، أنّه لا يدري شخصيًا، لِم جرى إسناد تلك المهمة إليه10.

المفوضية القومية للانتخابات

ورد في المبادئ والسياسات العامة للمفوضية القومية للانتخابات المثبتة على موقعها الإلكتروني على شبكة الإنترنت، أنّ المفوضية: "جهاز دستوري مستقل، أنشئ وفق المادة 141 من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 م... يتمّ اختيار أعضاء المفوضية بواسطة رئيس الجمهورية وموافقة المجلس الوطني، وأجل الأعضاء ستّ سنوات قابلة للتجديد لولاية أخرى." وبطبيعة الحال، لن يفوت على أيّ عقل محايد أن يرى التناقض البيِّ بين القول إنّها "جهاز دستوري مستقل"، والقول: "يتمّ اختيار أعضاء المفوضية بواسطة رئيس الجمهورية"؛ فالمفوضية تابعة لرئاسة الجمهورية، وتقول اللافتة المثبتة على مبناها في وسط الخرطوم، يوم جرى إنشاؤها، إنّها تابعة لرئاسة الجمهورية.

  1. أحمد يونس، "الانتخابات السودانية: صراع الشعبية المفقودة"، الشرق الأوسط،
  2. محاضرة ألقاها الرئيس النيجيري الأسبق أوباسانجو، رئيس بعثة الاتحاد الأفريقي لمراقبة انتخابات السودان، في معهد السلام الأميركي في واشنطن، في 2015/4/23، عقب إنهاء مهمته في السودان، شوهد في 2015/5/2، على الرابط: https://youtu.be/R0BEL4zDZvE. بين التحوّل الديمقراطي وتكريس سلطة الفرد

وما من شكّ في أنّ مثل هذا الوضع لا يسمح للمفوضية بأيّ استقلالية. وأيّ حديث عن استقلالها، وهي بهذه الصورة، لا قيمةَ له. ولكن، مادام رئيس الجمهورية يعيّ أفراد الجهاز القضائي ويعزلهم، فأي غرابة في أن يعيّ أعضاء مفوضية الانتخابات؟ ولا بدّ من القول هنا إن تعيين السلطة التنفيذية أعضاء الهيئة القضائية، لا يعود إلى سياسات حكومة الرئيس البشير وحدها؛ فقد عانت الدساتير السودانية منذ الاستقلال، كتابتها بصورة تفرغ استقلالية القضاء من معناها11. ولم تقم المفوضية أيضًا بتنقيح السجلّ الانتخابي الموروث من انتخابات 2010. ومعلوم أنّ ذلك السجلّ الموروث من انتخابات 2010 كان يضمّ أعدادًا كبيرة من الجنوبيين الذين كانوا يعيشون في الشمال، قبل انفصال الجنوب. وقد رأى كثيرون أنّ ذلك الإخفاق، سواء كان مقصودًا من أجل إتاحة فرصة للتزوير، أو أنّه جرى نتيجة لتقصير غير متعمّد من جانب المفوضية، مثّل ثغرة كبيرة تطعن في صدقية نتائج هذه الانتخابات؛ فقد حدثت وفيات، وحدثت تحركات نزوح كثيرة، وعاد جنوبيون بمئات الألوف مرةً أخرى إلى جمهورية السودان، بعد أن اضطربت الأحوال في الجنوب ودخل في حرب أهلية طاحنة12.

كان المعلن أنّ الانتخابات سوف تجري في أرجاء البلاد كافة في وقت واحد، ولمدة ثلاثة أيام. غير أنّ المفوضية القومية للانتخابات قررت، بعد أن بدأ الاقتراع، أن تمدّد مدة التصويت ليوم كامل إضافي في كل الدوائر، ولمدة يومين إضافيَيّن في ولاية الجزيرة. وقد أجمع الجمهور والمراقبون ووسائل الإعلام على أنّ الضعف الشديد على الإقبال على التصويت، هو الذي حدا بها إلى تمديد الاقتراع في كلّ الدوائر، ليوم إضافي13. أمّا التمديد لمدة يومين في ولاية الجزيرة، فقد برّرته المفوضية ب "أخطاء إدارية" حدثت وأدّت إلى تأخير البدء في الاقتراع في تلك الولاية. وقد أثارت تلك التمديدات تساؤلاتٍ كثيرة كانت في جملتها تساؤلات مبرّرة. وقد علّق آدم محمد أحمد عميد العلوم السياسية في جامعة الزعيم الأزهري، لوكالة الأناضول للأنباء التي سبق أن اقتبست جزءًا ممّ أدلى به، بقوله: إنّ التدنّ الشديد في الإقبال على الاقتراع أحرج الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)؛ وذلك هو السبب الرئيس في التمديد14. وتساءل أيضًا الكاتب والمحلّل السياسي عبد الوهاب الأفندي، عن قانونية مثل ذلك التمديد؛ فالتمديد الذي يجري بعد أن يبدأ الاقتراع يلقي بظلالٍ من الشكّ على صدقية العملية وجدّيتها. وقد لاحظ الأفندي أيضًا، إخفاقات المفوضية، وإظهارها التحيّز؛ وذلك حين لم تطبّق قرارها بإيقاف الدعاية الانتخابية قبل يومين من الاقتراع على التلفزيون الحكومي. فعلى الرغم من إعلانها، بقي التلفزيون الحكومي يبثّ دعوات متكررة وأغانيَ تحضّ الناس على التصويت. وكان يبثّ أيضًا تغطياتٍ مكثّفة تتغنى بنزاهة الانتخابات والإقبال المزعوم عليها. وبما أنّ المعارضة دعت إلى مقاطعة الانتخابات، فإن الدعاية للمشاركة في الانتخابات، من الناحية العملية، دعاية للحزب الحاكم وحلفائه. وكان ينبغي أن يسري عليها الحظر. ولاحظ الأفندي أنّ الأجهزة الإعلامية الرسمية المملوكة للشعب والمموّلة من المال العام، لم تسمح لدعاة المقاطعة، ولا بدقيقة واحدة من وقت التغطية؛ لا قبل الصمت الانتخابي، ولا بعده15. لم يكن مختار الأصم الذي أُسندت إليه رئاسة المفوضية شخصًا مناسبًا؛ فهو شخصية مثيرة للجدل. وهو ممّن عملوا مع الرئيس الأسبق جعفر نميري في وظيفة وزير دولة للحكم المحلي، وقد عرف في تلك الفترة بتنظيره للنظام الشمولي. كان مختار الأصم عضوًا في المفوضية السابقة التي أشرفت على انتخابات 2010. وقد ثارت حوله، حينها، اتهامات بالفساد المالي؛ فقد فاز مركز تدريب تابع له بعقد للتدريب طرحته المفوضية القومية للانتخابات التي هو عضو فيها. وقد ثار جدل حول هذا الأمر على صفحات الصحف. ودافع الأصم عن حصول مركزه

  1. راجع مقالة: لؤي عبد الغفور تاج الختم، "الدساتير السودانية واستقلال القضاء"، صحيفة ا لراكوبة الإلكترونية، نقلً عن صحيفة الميدان، 2013/2/4، شوهد في 2015/4/30، على الرابط:
  2. حسن يحي محمد أحمد، "السجل الانتخابي نقطة ضعف انتخابات ٥١٠٢ م"، صحيفة اليوم التالي،.2015/4/24
  3. راجع، على سبيل المثال: "تمديد الاقتراع في انتخابات السودان يوما إضافيا"، موقع بي بي سي العربية، 2015/4/15، شوهد في 2015/4/25، على الرابط: http://goo.gl/uOqsm5. وراجع: "تمديد الاقتراع للانتخابات العامة في السودان"، سكاي نيوز العربية، 2015/4/15، شوهد في 2015/4/24، على الرابط: http://goo.gl/IiPivG " 14 خبراء: ضعف التصويت يحرج ' المؤتمر الوطني "...'.
  4. http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-92836.htm.
  5. الوهاب الأفندي، "بلاغات حول الانتخابات السودانية عبد "، القدس العربي،

على العقد، ودافع عن ذلك الإجراء أيضًا رئيس المفوضية، وقتها، أبيل ألير16. وبغضّ النظر عن صحة دفاع الأصم، ودفاع رئيس المفوضية، أو عدم صحّتهما، عن ذلك الإجراء، فإنّ اختيار الرئيس البشير الأصم رئيسًا للمفوضية، أثار الشكوك حوله منذ الوهلة الأولى؛ فما ثار من شبهاتٍ حول ما جرى من الأصم، حين كان عضوًا في المفوضية السابقة، كان كافيًا جدًا أن يبحث الرئيس البشير عن شخص آخر. ففي السودان المئات إن لم نقل الآلاف من المؤهّلين الذين يصلحون لهذه الوظيفة، ممّن لم تحُم حولهم شبهات. وقد أثار حرص الرئيس البشير على تعيين الأصم رئيسًا للمفوضية، الشكوك حول المفوضية، وحول نزاهة الانتخابات منذ البداية.

ولاية رئاسية مضطربة

اتّسمت الولاية الرئاسية للرئيس البشير 2010(- 2015) التي سبقت انتخابات نيسان / أبريل 2015، بالاضطراب وبالتغيرات السريعة. ويمكن القول إنّ أكبر ما واجه الدورة الرئاسية المنقضية محاولة الانقلاب التي أسمتها الحكومة "المحاولة التخريبية" التي جرى فيها اعتقال الفريق صلاح قوش، رئيس جهاز الأمن، والعميد طلق سراح الرجلين لاحقًا، بعد حبس طويل محمد إبراهيم. وقد أ، بلا محاكمة. واتّسمت دورة الرئيس البشير السابقة أيضًا، بابتعاد عددٍ من رموز الحركة الإسلامية، واختفاء أفرادها ذوي التأثير الكبير في مؤسسات الحكم، إضافةً إلى اضمحلال دور الحركة الإسلامية صاحبة الانقلاب الذي أتى بالرئيس البشير إلى دست الحكم في عام 1989. وتغيّ ت أيضًا الشخصيات التي مثّلت واجهات الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني.) ويمكن أن نلاحظ، وبسهولةٍ شديدة، أنّ الفترة الرئاسية الماضية اتّسمت في جملتها، بتركيز السلطات في يد الرئيس البشير وجهاز الأمن؛ ففي الأسبوع الأول من كانون الأول / ديسمبر 2013، أعلن الرئيس البشير عن تغييرات داخل الحكومة، وداخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم. وقد عُدّت تلك التغييرات الأوسع من نوعها التي يجريها الرئيس البشير، وسط الشخصيات المركزية في نظام حكمه، منذ وصوله إلى السلطة في حزيران / يونيو.1989 أبعد الرئيس البشير في تلك التعديلات عددًا من الشخصيات التي مثّلت لسنوات طويلة جدًا، مراكز للقوة والنفوذ السياسي والاقتصادي والأمني؛ فقد جرى إعفاء علي عثمان محمد طه من موقعه بوصفه نائبًا أول للرئيس، وحلّ محلّه الفريق أول ركن بكري حسن صالح. وجرى إبعاد نافع علي نافع الذي يعدّ أحد صقور نظام الإنقاذ، من موقعه بوصفه مساعدًا للرئيس، وحلّ محلّه البروفسور إبراهيم غندور. وحلّ غندور أيضًا محلّ نافع علي نافع، في موقعه الحزبي بوصفه نائبًا لرئيس الحزب للشؤون الحزبية. وجرى أيضًا إبعاد وزير النفط عوض الجاز الذي ظلّ يتنقّل من وزارة إلى أخرى، من دون انقطاع منذ عام 1991. وجرى إعفاء وزير الريّ والسدود، أسامة عبد الله، ووزير المعادن كمال عبد اللطيف. وشمل الإبعاد أيضًا رئيس المجلس الوطني (البرلمان)، أحمد إبراهيم الطاهر الذي ظلّ في منصبه هذا منذ عام.2000 يلاحظ في ذلك التعديل أنّ العسكريين زحفوا إلى قمة هرم السلطة، كما زحفوا في الوقت نفسه إلى قمة هرم الحركة الإسلامية؛ فقد أصبح البشير رأسًا للحركة الإسلامية، وجرى اختيار الزبير أحمد الحسن أمينًا عامًا للحركة، وأصبح النائب الأول للرئيس، الفريق بكري حسن صالح، نائبًا للأمين العام للحركة الإسلامية. وكانت التكهنات تشير إلى احتمال أن يتولّ غازي صلاح الدين منصب الأمين العام للحركة الإسلامية. وقد كان شباب الإسلاميين ينتظر أن يجري إسناد قيادة الحركة الإسلامية لغازي صلاح الدين. غير أنّ كثرة انتقاداته للسلطة الحاكمة، وتغريده المتزايد خارج سرب نظام الإنقاذ، أبعداه في ما يبدو عن فرصة تولّ ذلك المنصب. وقد جرى لاحقًا فصل غازي صلاح الدين عن المؤتمر الوطني، مع مجموعة من الإسلاميين، بتهمة عدم الانضباط التنظيمي. وكان السبب في فصل غازي ما قام به من إدانة للحكومة، عبر وسائل الإعلام، لسماحها لجهاز الأمن باستخدام القوة المفرطة في قمع التظاهرات السلمية في أيلول / سبتمبر 2013، ما أدّى إلى مقتل المئات من الشبان. وعمومًا، بدا جليًا جدًا، أنّ الرئيس البشير اتّجه بصورة واضحة إلى جمع كلّ من سلطة الحركة الإسلامية وسلطة المؤتمر الوطني والسلطة التنفيذية في يده، وفي يد المقرّبين إليه من العسكريين ومن جهاز الأمن.

صراع طه ونافع على خلافة البشير

حين جرت إزاحة علي عثمان محمد طه من موقع نائب رئيس الجمهورية، بادر البشير وأعلن أنّ نائبه آثر الاستقالة من تلقاء نفسه ليفسح المجال لجيلٍ جديد. غير أنّ الشواهد تقول بخلاف ذلك؛ فقد ظلّ السودانيون يرقبون مجريات الصراع الكتيم الدائر بين النائب

  1. راجع دفاع الأصم وخطاب أبيل ألير: "مختار الأصم: أنا برئ من التهم شاهد الوثائق"، صحيفة الراكوبة الإلكترونية، 2014/9/1، شوهد في 2015/5/3، على الرابط: http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-131749.htm بين التحوّل الديمقراطي وتكريس سلطة الفرد

الأول علي عثمان محمد طه، ومساعد البشير نافع علي نافع القيادي الأجهر صوتًا في الإساءة إلى قوى المعارضة والتقليل المستمر من شأنها. وقد احتدم الصراع بين الرجلين بعد أن ثارت تساؤلات داخل الحزب الحاكم بخصوص مخالفة ترشّح الرئيس لفترة رئاسية جديدة للدستور الذي لا يسمح للرئيس بأكثر من فترتين رئاسيتين17. في ذلك الجوّ صدرت عن طه تلميحات، بأنّ الرئيس لن يرشّح نفسه لفترة جديدة. وأعلن القيادي في حزب المؤتمر الوطني ربيع عبد العاطي، لوكالة فرانس برس في شباط / فبراير 2011، أنّه يؤكّد، مئة في المئة، أنّ الرئيس البشير لن يترشَّح لولاية جديدة18. وقد أكد عدم الترشح الرئيس البشير نفسه، في تصريح له في حوار أجرته معه صحيفة الشرق القطرية19. وقد قلّلت المعارضة السودانية حينها، من قيمة ذلك الإعلان، قائلةً إنّه قُصد به التخدير وتهدئة السودانيين، لتجنّب امتداد الربيع العربي إلى السودان، بخاصة أنّ كلً من زين العابدين بن علي في تونس، ومبارك في مصر، قد أُطيح بنظاميهما حينها20. في السنوات التي أعقبت إعلان أنّ البشير لن يرشّح نفسه لولاية جديدة، أخذ كلٌ من طه ونافع يظهران التطلّع لخلافة البشير على مقعد الرئاسة. غير أنّ البشير ظل يراقب ما يدور خلف الكواليس عن كثب، وانتظر اللحظة الملائمة، فقام بحسم الصراع بين الرجلين لمصلحته؛ فقد نحّى البشير مساعده نافع علي نافع، بعد فترةٍ وجيزة من إعلانه أنّ طه استقال طواعية من منصبه. وقد استخدم البشير مساعده نافع علي نافع لتحجيم طه، فنجح نافع في تلك المهمة نجاحًا باهرًا21. تمكّن نافع علي نافع، قبيل إطاحته، من جعل وجود طه في مقعد نائب الرئيس أقرب ما يكون إلى الوجود الديكوري. غير أن نافع مثّل، وهو يعمل بدأب لتحجيم طه، مركزَ قوة جديدًا، وأضحت تطلعاته إلى مقعد الرئاسة واضحة. ولذلك، ما إن أنجز نافع علي نافع مهمته في إقصاء طه، أطاحه البشير مباشرةً عقب ذهاب طه في التعديل الموسّع لطاقم الحكم الذي أجراه في كانون الأول / ديسمبر 2013. ولقد استبعد كثيرون، منذ أن جرى الإعلان عن أنّ البشير لن يترشّح لولاية جديدة، أن يكون ذلك الإعلان إعلانًا صادقًا، بخاصة أن أمر القبض من جانب المحكمة الجنائية الدولية، لا يزال معلّقًا على رأس الرئيس البشير. ولربما كان الإعلان عن عدم النية في الترشّح، بالون اختبار لمعرفة نوايا نوابه ومساعديه. يلاحظ أنّ الرئيس البشير في كلّ الخطوات التي خطاها، سواء كانت محسوبةً بعناية، أو أنّ تسلسل الأحداث هو الذي فرضها، أخذ يتخلص من قبضة الإسلاميين، ومن حضورهم وراء المشهد السياسي في السودان، الذي طالما جعله يبدو أمام الجميع أداة في منظومة لا يملك هو خيوطها. فسواء استخدم البشير طه في إطاحة الترابي في نهاية التسعينيات، أو أقنعه طه حينها بإطاحة الترابي، فقد وصل البشير إلى النقطة التي رأى فيها أنّ طه قد استنفد غرضه، وأضحت إطاحته ضرورة، في مسلسل لعبة البقاء في السلطة التي يبدو أن البشير قد حذقها وأتقنها. ولذلك، حين جاءت اللحظة الحاسمة، قام البشير بإطاحة طه، من دون أدنى تردد. المحصلة النهائية أنّ هناك خيطًا ناظمً واحدًا، في مسيرة حكم نظام الإنقاذ، منذ بدايته في عام 1989، وهو أنّ الضابط الذي أتى به الإسلاميون في السودان، ليقود انقلابهم على النظام الديمقراطي، ولينتزع لهم الحكم نهائيًا من الأحزاب التقليدية الطائفية، ثم يترك لهم مقعد القيادة، قد أفشل مخطّطهم؛ فقد بقي الرئيس البشير في الحكم ربع قرن من الزمان، أصبح قابلًالآن، بعد فوزه في انتخابات نيسان / أبريل 2015، لأن يمتدّ لثلاثين سنة. فالخلاصة البادية للعيان اليوم، بخاصة عقب الفترة الرئاسية الأخيرة، وفوز البشير في هذه الانتخابات، هي أنّ الرئيس البشير والعسكر المحيطين به قد جمعوا السلطات في أيديهم، ونصّبوا أنفسهم مركزًا للحركة الإسلامية، بدل قياداتها المدنية التاريخية، ولكن، بلا فكرة إسلامية، وبلا مشروع.

الحوار الوطني بالون ا للاختبار

أحسّ البشير أنّ إطاحته لكلٍ من طه ونافع والوزراء الذين بقوا عقودًا وزراء، قد لقيت رضى من الجمهور. فلقد انتعشت بالفعل آمال الجماهير، في أنّ البشير ربّ ا يكون في طريقه إلى قفل صفحة الإسلاميين، مرةً وإلى الأبد، وتهيئة البلاد لمعادلة سياسية جديدة،

  1. يقول الأكاديمي الطيب زين العابدين عن ترشّح البشير لولاية جديدة: "دستوريا لا يفترض أن يترشح، وذلك حسب دستور 1998 ودستور 2005 واللذين نصَّا بأنّ الرئيس يجب ألا يحكم أكثر من مرتين، علمً بأنّ هذه الدساتير صاغتها هذه الحكومة. الحركة الإسلامية أيضًا في دستورها أنّ أهل المناصب العليا عليهم ألا يمكثوا في مناصبهم أكثر من مرتين، المؤتمر الوطني أيضًا في نظامه الأساسي سنّ ألّ يمكث العضو في منصبه أكثر من دورتين، ولكن لأنّ الرئيس عسكري والعسكريون يعدّون أمور الديمقراطية شيئًا من الرفاهية، والتي ليس لها داع.ٍ فهم يعطون الأوامر لمن تحتهم، لذا فإنّه جمّع السلطات حتى داخل الحزب. فأصبح نواب الرئيس يأتون بالتعيين. لذلك عيَّ علي عثمان ثم فصله، وعيَّ نافع ثمّ فصله، وأتى بالحاج آدم ثمّ فصله. وبهذه الطريقة لا يكون هناك نواب منتخبون، فالرئيس وحده يستطيع أن يأتي الصيحة بمعاونيه ويستطيع أن يخلعهم متى ما شاء." راجع صحيفة السودانية،.2015/1/1
  2. لدستور الأردنية البشير لن يترشح لولاية جديدة"، ا،.2011/2/22
  3. الشرق القطرية صحيفة، 12 آذار/مارس، 2011
  4. الدستور الأردنية.
  5. أسماء الحسيني، "صراع الجبابرة في السودان البشير يطيح بمراكز القوى ويحكم سيطرته على القرار"، الأهرام الرقمي، 2013/12/14، شوهد في 2015/5/1، على الرابط: http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=1490786&eid=81.

وخلق وفاق وطني، يمهّد لتحوّلٍ ديمقراطي حقيقي. فبعد شهرين من إجراء تلك التعديلات الكبيرة في طاقم الحكم، خرج البشير على السودانيين، في كانون الثاني / يناير 2014 بما سُمّي حينها "خطاب الوثبة"، مبشّ ا السودانيين بمبادرة للحوار الوطني. ولكن، بعد أربعة أشهر من خطاب الوثبة والتبشير بحوار وطني جامع، جرى اعتقال الصادق المهدي بعد أن فتحت ضده نيابة أمن الدولة بلاغًا بسبب انتقاده قوات التدخّل السريع التابع لجهاز الأمن، بارتكاب انتهاكات كبيرة خلال قتالها في دارفور وكردفان، مشيرًا إلى أنّ معظم عناصرها منفلتون وقبليون. وردّت الأجهزة الأمنية، بأنّ هذه القوات قوات نظامية تابعة لها، وأنّها لا ترتكب انتهاكات22. طلق سراح المهدي بعد شهر من اعتقاله دون أن يقدَّم إلى محاكمة أ، بعد أن وُجّهت إليه تهمٌ تصل عقوبتها إلى الإعدام. وبعد اعتقاله مباشرةً، منعت السلطات الصحف السودانية من تناول قضية اعتقاله23. انسحب حزب الأمة من مبادرة الحوار الوطني، بعد أن انخرط فيها بسبب اعتقال زعيمه. وبعد خروجه، غادر الصادق المهدي السودان وانخرط في النشاط المعارض؛ فوقع ما سمّي بإعلان باريس مع الجبهة الثورية المكوَّنة من الحركات المسلحة التي تقاتل الحكومة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور. ولا يزال المهدي حتى الآن خارج السودان يتجوّل بين العواصم العالمية والعربية. وقد رشحت أنباء من داخل السودان الآن تقول باحتمال عودته إلى البلاد قريبًا. عمومًا، تعثّ الحوار الوطني، وزهد فيه السودانيون بجميع أطيافهم، بخاصة بعد أن أصرّت الحكومة على إجراء الانتخابات في موعدها المقرَّر في نيسان / أبريل 2015. وقد اعترض المجتمع المحلي السوداني والمجتمع الدولي على إجراء هذه الانتخابات. وتكرّرت التنبيهات للحكومة السودانية بأنّ المناخ السائد في السودان لا يشجّع على إجراء انتخابات؛ فالحريات مكبّلة، وأطراف البلاد مشتعلة بالصراعات المسلحة. وجرى التنبيه من مختلف القوى والجهات المحلية والدولية إلى أنّ الوفاق الوطني له أولوية على إجراء هذه الانتخابات. بل إن حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده حسن الترابي الذي يمثّل زعيمه مركز الثقل التاريخي والفكري للحركة الإسلامية السودانية، والذي كان أوّل الداعمين لمبادرة الحوار الوطني، قاطع هذه الانتخابات مع القوى الأخرى المعارضة.

خنق المعارضة والمجتمع المدني

في العامين الأخيرين من دورة الرئيس البشير المنتهية، تواترت الانتقادات، وبشدة، لمسلك الحكومة المتناقض، بخاصة بعد ما سُمي "خطاب الوثبة" ودعوة الرئيس البشير للحوار الوطني. فقد ظلّت حكومة البشير، تعلن من جهة عن نيّتها إجراء حوار وطني جامع. ولكنّها في الوقت نفسه تزيد من تشديد قبضتها الأمنية على أنشطة الأحزاب، ودور الصحف، ومنظمات المجتمع المدني، وخنق كل متنفّس ممكن في المجال العام. ويبدو أنّ الحكومة تريد حوارًا وطنيًا، بشروطها هي التي لم تُظهر، في أيّ وقتٍ من الأوقات، أنّها تقبل فيها أيّ أخذ وردّ، وهي أن يبقى الجميع "ديكورًا" في مشهدها. اتّسم العامان اللذان سبقا هذه الانتخابات، بتشديد القبضة الأمنية على الصحف؛ إذ واصل جهاز الأمن نهجه في الرقابة القبلية، فاستمرت عناصره في مصادرة الصحف بعد صدورها، لتتسبّب لها في خسائر مالية. واستمرت في منع المقالات التي لا تودّها من النشر. وأصبح جهاز الأمن يصدر أوامر لصحف بإيقاف صحفيين بعينهم عن العمل، ويهدّد الصحف بالإغلاق إن لم تستجب للتوجيه. وأضحى فتح بلاغات من جهاز الأمن ضد الصحفيين مسلسلً شبه يومي؛ فلا يمرّ أسبوع أو أسبوعان إلا ويُستدعى صحافي أو صحافية إلى جهاز الأمن للتحقيق معه. ولا يمرّ أسبوع أو أسبوعان حتى تورد الصحف مثول صحافي أمام القضاء. ولقد أوردت شبكة الصحفيين السودانيين، أنّه خلال ستة أشهر بالتقريب، أوقف الأمن السوداني ما يزيد عن ستة عشر صحافيًا عن الكتابة أو ممارسة العمل الصحفي24. وقد استنكرت شبكة

  1. اعتقال الصادق المهدي في السودان"، موقع بي بي سي العربية، 2014/5/17، شوهد في 2015/5/2، على الرابط: http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/05/140517_sudan_mahdi_ arrested
  2. 24 راجع: "التقرير السنوي لصحفيون لحقوق الإنسان (جهر) للعام 2014 حول أوضاع حرية الصحافة والتعبير في السودان"، سودارس، 2014/5/5، شوهد في 2015/4/28، على الرابط: http://www.sudaress.com/sudantoday/14682 بين التحوّل الديمقراطي وتكريس سلطة الفرد
  3. 23 إطلاق سراح الزعيم السوداني المعارض الصادق المهدي بعد حبسه شهرا"، موقع الحرة، 2014/6/15، شوهد في 2015/5/2، على الرابط: http://goo.gl/fXefvw

الصحفيين السودانيين، في بيان لها، منع بعض الصحفيين والكتّاب من ممارسة عملهم. وعدّت ذلك مخالفة واضحة للقوانين والدستور والأعراف والمواثيق الدولية. وطالبت الشبكة جهاز الأمن، بالاحتكام للقضاء في حالة تضرّره من أيّ مادة تكتب وتُنشر في الصحف، بدل استخدام سلطاته في انتهاك حرية التعبير وتكميم الأفواه. وطالبته أيضًا بإيقاف مسلكه المخالف لوثيقة الحقوق التي تضمّنها الدستور الانتقالي25. واستهدف جهاز الأمن أيضًا منظمات المجتمع المدني غلقت والمراكز الثقافية بالإغلاق. ونذكر من المراكز والمنظمات التي أ، على سبيل المثال لا الحصر، مركز الدراسات السودانية، ومركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية، ومركز بيت الفنون، ومركز الأستاذ محمود محمد طه، واتحاد الكتاب السودانيين، ومنظمة أرى، ومنظمة سالمة.

التعديلات الدستورية

في خطوةٍ هدفت إلى تكريس السلطات في يد الرئيس البشير، أقر البرلمان السوداني، في 5 كانون الثاني / يناير 2015؛ أي قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات، تعديلات دستورية تسمح لرئيس الجمهورية بتعيين ولاة الولايات الذين كانوا يأتون عن طريق الانتخابات، وعزلهم. وتحوّل جهاز الأمن والمخابرات، وفقًا لهذه التعديلات، إلى قوة نظامية. وقد كانت سلطاته في الماضي، كما في دستور 2005، مقصورةً على جمع المعلومات وتحليلها. ووصفت كتلة المعارضة التعديلات التي أ جريت ب "الخطيئة"، وقالت إنّها ستحوِّل البلاد إلى "دولة بوليسية." وأجاز البرلمان نهائيًا عبر التصويت، هذه التعديلات التي تتضمّن حق رئيس البلاد في تعيين وﻻة الوﻻيات 18(وﻻية)، وعزلهم. قاطع جلسة التعديلات الدستورية نواب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الشيخ حسن الترابي. ومع ذلك، لم يواجه البرلمان أيّ صعوبة في إجازتها؛ فحزب المؤتمر الوطني الحاكم يسيطر على 90 في المئة من مقاعده البالغ عددها 450 مقعدًا. وأسهمت كلمةٌ ألقاها النائب الأول السابق للرئيس، علي عثمان محمد طه، دفاعًا عن التعديلات، في حشد النواب ورفع حماستهم، لإجازتها دون أيّ مداولات. اكتفى النواب بالتهليل والتكبير، ليجري تمرير التعديلات بالأغلبية الساحقة. وكان الرئيس البشير قد حذّر نواب حزبه الذين يمثّلون أكثر من 95 في المئة من جملة عدد النواب، طالبًا منهم إجازة هذه التعديلات "دون شوشرة"، على حدّ تعبيره26. منحت تلك التعديلات جهاز الأمن صلاحيات تتجاوز اختصاصاته المنحصرة في جمع المعلومات، وتعدّتها إلى تخويله حقّ الاعتقال والتعذيب والمصادرة، وقمع الاحتجاجات السلمية. وجاء في الانتقادات التي وجّهتها قوى المعارضة، أنّ جهاز الأمن أصبح قوة ضاربة، وأضحى يمتلك قوات وعتادًا يضاهي ما تملكه القوات المسلحة. وأصبح يتصدى بالعنف لكلّ عمل جماهيري، ويمنع أي نشاط حتى لو كان داخل دور الأحزاب. وبالفعل، فقد قام جهاز الأمن بخنق أنشطة الأحزاب؛ فبعد أن منعها في السابق من الحديث في الميادين والساحات العامة، أصبح يفضّ أنشطتها داخل دور أحزابها. ويبدو أنّ الرئيس البشير عرف من التجربة، أنّ مناصب ولاة الولايات ذات تأثير قويّ في إنفاذ ما يراه، أو تعويقه. ولذلك حرص على تعديل الدستور، ليمنح نفسه حق تعيين الولاة، بما يخدم هدفه الرئيس في تسيير الأمور، وفقًا لما يحب.

بهذه الإجراءات المتتابعة التي سبقت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بثلاثة أشهر، ركّز الرئيس البشير كلّ السلطات في يده. وأطلق يد جهاز الأمن الذي أضحت له صلاحيات لا حدَّ لها. وبالفعل، أصبح جهاز الأمن قوةً لا ضابطَ لها، إلّ من داخلها. وقد أكّد هذا الاتجاه في 30 نيسان / أبريل 2015، عقب إعلان نتائج الانتخابات بثلاثة أيام، رئيس البرلمان الفاتح عز الدين الذي قال، وهو يخاطب احتفالً، لجهاز الأمن في الخرطوم، إنّ البرلمان سوف يسنّ عددًا من القوانين في مقبل الأيام، لدعم جهاز الأمن. وقال: "سنعمل على تعديل الدستور لتحقيق مظلة قانونية لقوات الأمن حتى تمكّنهم من الانطلاق، وهم مرفوعو الرأس، للدفاع عن بلدهم." وأردف قائلً: "أقول لقوات الأمن لا تلتفتوا إلى كلام المرجفين داخل الصفّ، أو خارجه، بأنّ الأمن قد تغوّل على بعض السلطات، وأنّه تمدّد في بعض الفضاءات... أنا أقول لهم تمددوا كيفما

  1. بيان شبكة الصحفيين السودانيين حول منع بعض الكتاب من ممارسة الكتابة"، سودارس، 2012/3/29، شوهد في 2015/4/29، على الرابط: http://www.sudaress.com/sudaneseonline/14917
  2. البرلمان يقر تعديلات دستورية تسمح للرئيس بتعيين الولاة وتحول 'الأمن' لقوة نظامية"، سودان تربيون، 2015/1/4، شوهد في 2015/5/1، على الرابط: http://goo.gl/ySvm37

شئتم، وتمددوا حيثما وجدتم قعوسًا أو تراخيًا أو ضعفًا، من أي جهة... سدّوا الثغرة دون أن تلتفتوا إلى أي جهة"27.

المناورة الكبرى قبل الانتخابات

في مفاجأة أدهشت كثيرين، قام الرئيس البشير، في أيلول / سبتمبر 2014، بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان، وطرد موظفيها. وقد قُرئت تلك الخطوة منذ البداية على أنّها عربون للتقارب مع كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ فالسنوات القليلة الماضية شهدت تغلغلً كبيرًا للنفوذ الإيراني في السودان، وأصبحت زيارات البوارج الحربية التابعة للبحرية الإيرانية ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، أمرًا روتينيًا. ولم يفق الناس من مفاجأة إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان، حتى قام الرئيس البشير بزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، في شباط / فبراير 2014. وكان أكثر ما أثار الدهشة في زيارته ما ورد في الحوار الصحفي الذي أجرته معه صحيفة الاتحاد الإماراتية، والذي جاء فيه أنّ السودان ليس مع الطابع الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وما يعرف "بالتنظيم الدولي." وذكر البشير أنّ من حق الدول اتّخاذ ما تراه ملائمًا لخدمة أمنها واستقرارها، بخاصة بعد تنامي تأثير التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتدخّله في شؤون عدد من الدول العربية، على حدّ وصفه. ونوّه البشير أنّ بلاده تتفهم كلّ الظروف التي دفعت بعض الدول الخليجية إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن الجماعات الإرهابية المحظورة، مُردفًا أنّه لا يمكن لأيّ دولة أن تقبل تقسيم ولاءات أبنائها بين الداخل والخارج28. جاءت زيارة الرئيس البشير الإمارات، بعد تغييرٍ واضح في الموقف السياسي للسودان من النظام الم يرر، وتحوّل النظرة الرسمية السودانية من عدّه انقلابًا عسكريًا، إلى عدّه نظامًا منتخبًا. وتحوّلت الخرطوم من ماذٍ للهاربين من جماعة الإخوان المسلمين من المطاردين من السلطات المصرية، إلى التعاون الأمني والسياسي مع القاهرة. ويبدو أنّ دول الخليج الداعمة نظام السيسي قد عملت ونجحت في تغيير الموقف السياسي للخرطوم، بخاصة في ما يتعلق بالملف الليبي؛ فقد أكّد علي كرتي، وزير الخارجية السوداني، أنّ الملف الليبي لم يُطرح خلال المباحثات التي جرت أثناء زيارة البشير دولة الإمارات. فهو، بحسب قوله، كان واحدًا من الملفات التي كانت في حاجة إلى المعالجة قبل الزيارة29. وقال إنّ معالجة الملف قبل الزيارة، كانت أحد الأسباب التي ساعدت على إنجاحها. ويبدو أن إعلان الخرطوم تأييدها نظام السيسي، ودفعها إلى الحياد تجاه الصراع في ليبيا، قد جاءا في مقابل الدعم الاقتصادي وتطبيع العلاقات بين الخرطوم والرياض والكويت وأبو ظبي.

خاتمة

أجمع المحللون السياسيون ووسائل الإعلام على أنّ الانتخابات السودانية الأخيرة لم تكن أكثر من تحصيل حاصل، فالنظام لم يكن في حاجة إليها، لأن القوى السياسية موافقة أصلً على أن يستمر البشير في الحكم، على أن يواصل في مسار الحوار الوطني الذي يوقف حروب الأطراف، ويخلق حالة من الاستقرار، ومناخًا سياسيًا أفضل يسمح بالتعبير والتنظيم والتخطيط لانتخابات حرة لا تشرف عليها الحكومة، ولا تتحكم فيها، وليمثّل كلّ ذلك خطوة أولى في طريق التحوّل الديمقراطي. وقد كانت الدعوة للرئيس البشير من أحزاب المعارضة ومن القوى الدولية أن يؤجّل الانتخابات ويسير في وجهة الحوار الوطني، لأنّ الواقع القائم واقع مأزوم، لن تغيّ الانتخابات فيه شيئًا، بل ربّ ا تزيد في تعقيده واحتقانه. كتب محجوب محمد صحيفة العرب الدولية واصفًا الانتخابات التي جرت مؤخرًا صالح في في السودان بما نصّه: "درجت أنظمة شمولية في شتى أنحاء العالم على ممارسة مثل هذا التمرين العبثي في محاولة لإضفاء نوع من الشرعية الصورية على أنظمة لتتوفر لها أدنى مقومات الديمقراطية

  1. رئيس البرلمان السوداني يعد بتعديل الدستور وسن قوانين لتمكين جهاز الأمن"، سودان تربيون، 2015/4/30، شوهد في 2015/5/1، على الرابط: http://goo.gl/fnd7cg
  2. الرئيس السوداني عمر البشير ل 'الاتحاد:' علاقاتنا مع الإمارات متينة ومتواصلة الاتحاد منذ عهد زايد"، صحيفة الإماراتية (النسخة الإلكترونية)، 2015/2/23، شوهد في 2015/5/3، على الرابط: http://www.alittihad.ae/details.php?id=19033&y=2015
  3. البشير ينهي زيارته لأبوظبي وكرتي يؤكد عدم إجراء الوزراء مباحثات مع نظرائهم الإماراتيين"، سودان تربيون، 2015/2/25، شوهد في 2015/5/3، على الرابط: http://www.sudantribune.net/spip.php?iframe&page=imprimable&id_ article=10414 بين التحوّل الديمقراطي وتكريس سلطة الفرد

والحرية والمساواة في الفرص، وهي لا تعدو أن تكون، في الأمر الواقع، سوى محاولة لتجميل الوجه، وخداع الذات، وخديعة الآخرين لأنها لا تحقق سوى إعادة إنتاج نفس الواقع المأزوم30." ولكن يبدو أن ليس لدى الرئيس البشير أيّ رغبة في إجراء تحوّل ديمقراطي. فالتحوّل الديمقراطي ربّ ا عَنى لدى التحليل النهائي، أن يفقد وضعه بوصفه رأس دولة، ما يرفع عنه الحماية بوصفه شخصًا مطلوبًا للعدالة الدولية. ولا يفسّ إصرار الرئيس البشير، على الرغم من عدم الحاجة إليه، سوى أنّه له خطة جديدة لإعادة إنتاج نفسه، وشراء سنوات إضافية في كرسيّ الحكم، بغضّ النظر عن أيّ عامل آخر.

كما لاحظنا في العرض السابق، تخلّص الرئيس البشير من الجميع؛ فبدأ بمعاونيه من الإسلاميين الذين أسهموا معه في إبعاد الشيخ حسن الترابي ورافقوه منذ عام 1999. وقام بتهميش الإصلاحيين من الإسلاميين، وإقصائهم. ووضع الحركة الإسلامية تحت قبضته، فأصبح هو رئيسها، وأصبح نائبه الأول، الفريق بكري حسن صالح، نائبًا لأمينها العام. أمّا أمينها العام الزبير أحمد الحسن الذي يجلس بينه وبين نائبه الأول، وكلاهما من المؤسسة العسكرية، فلم تُعرف عنه أيّ قدرات فكرية. فهو رجل لا تنظير له، بل ولا كتابات له، من أيّ نوع كان. فقد شغل منصب وزير المالية في السابق، وقد وصل إليه عبر عمله السابق في القطاع المصرفي. ولذلك، حرص البشير على إجراء هذه الانتخابات، على الرغم من اعتراض السودانيين عليها، ما تجلَّ عمليًا في ضعف الإقبال على الاقتراع فيها، وعلى الرغم من اعتراض المجتمع الدولي. وقد حرص قبل إجرائها على إغلاق الأبواب واحدًا تلو الآخر أمام أي معارضة، وأيّ تعبير عن الرأي، وأيّ منافسة. نصّب البشير نفسه بهذه الانتخابات حاكمً مفردًا مطلقًا للسودان للسنوات الخمس المقبلة، بدعمٍ من جهاز الأمن وميليشياته التي أصبحت قوة موازية للقوات المسلحة، بل وأقوى منها. ويبدو أنّ البشير ومستشاريه من رجال الأمن قد رأوا أنّ هذا الوضع الذي اختاروه وضعٌ قادر على الصمود، ولكنّه يحتاج إلى سندٍ خارجي قويّ، وهكذا كان الانعطاف مئة وثمانين درجة تجاه كلٍ من إيران ودول الخليج. وهكذا كان التقارب مع نظام السيسي والإعلان، على الأقل، عن دورٍ محايد في الصراع الليبي. ما من شكّ في أنّ ضعف المعارضة وتشرذمها وانعدام وقوفها موقفًا حازمًا تجاه حكم الرئيس البشير، قد قاد البشير والمحيطين به إلى التعوّد على ألّ يأبهوا بها. فأكبر قوى المعارضة، كالصادق المهدي وحزبه، ومحمد عثمان الميرغني وحزبه المتصالح مع النظام، أيأسوا الشعب من وجود معارضة مقتدرة يمكن أن يعلّق عليها آمالً في المستقبل؛ فالمهدي والميرغني زعيمان ظلّ في زعامة حزبيهما نحو نصف قرن. وهو أمر يشير في حدّ ذاته، إلى انعدام الديمقراطية داخل أجهزة حزبيهما. وارتبط إسماهما عبر أكثر من خمسة عقود، بمسلسل فشل بناء الدولة عبر فترة ما بعد الاستقلال. أمّا الشيخ حسن الترابي، فقد خفتت معارضته أخيرًا للبشير، وأصبح أكثر ميلً للتحاور معه، على الرغم من إصرار البشير الواضح على ألّ يحاور قوى المعارضة، إل بشروطه هو. ويبدو أنّ الترابي أصبح حبيسًا لخشيته المتزايدة من أن يكون انهيار نظام البشير انهيارًا نهائيًا للحركة الإسلامية التي استثمر كلّ عمره في مكتسباتها. أمّا الحركات الجهوية المسلحة التي تقاتل في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، فقد نجحت الآلة الإعلامية لنظام البشير في شيطنتها، وإثارة المخاوف وسط سكان الوسط والشمال النيلي منها. وكلّ تلك الأمور أغرت البشير والقلّة المحيطة به الآن، بأن يستمرّوا في المسلك القديم نفسه. فالشعب، في تقديرهم معزول عن هذه القوى المعارضة. وتقديرهم هذا، في نظري، تقدير صحيح. ولذلك، فلربّ ا قام في خلدهم، وهذا راجح جدًا، أنّ الابتعاد عن الإيرانيين، وعن دعم الإسلاميين في ليبيا، والعودة إلى الحضن الخليجي، في جانبه السعودي الإماراتي، سوف يخلق انفراجًا اقتصاديًا في السودان الذي تطحنه الأزمة الاقتصادية والعزلة. وقد بدا هذا التحوّل الجذري في السياسة الخارجية السودانية، جليًا جدًا في انخراط النظام السوداني، بحماسة كبيرة جدًا، في "عاصفة الحزم"، ما أثار دهشة الإيرانيين وغضبهم. يبدو أنّ البشير ومَن حوله قد وصلوا إلى قناعة مفادها أنّ الانفراج الاقتصادي هو المطلوب، لكي يستمرّ نظامهم في السلطة. أما التحوّل الديمقراطي فيحمل في طياته مخاطرَ جمّة، لا يستطيعون معها سلوك درب المقامرة. وتقول كلّ المؤشرات، إنّهم قد ألقوا بثقلهم في تشديد

  1. محجوب محمد صالح، "السودان: انتهت الانتخابات فما الجديد؟"، صحيفة العرب، (النسخة الإلكترونية)، 2015/5/1، شوهد في 2015/5/3، على الرابط: http://goo.gl/ULdU9v

القبضة الأمنية، وفي محاولة حلّ المشكل الاقتصادي، بالارتماء في الحضن السعودي والإماراتي، مع إهمالٍ تامٍ للمشكل السياسي. ولا يبدو أنّ نظام البشير، في غمرة اندفاعه هذا، مستحضر حالتَي الحذر والشكّ اللتين يمكن أن تقابل بهما كلٌ من السعودية والإمارات عودته المندفعة هذه. ولكن، يبدو أنّ نظام الرئيس البشير قد انحصر في الاعتقاد أنّ الانفراج الاقتصادي، وتراجع ضغط المعيشة على الشعب، سوف يسلبان المعارضة كلّ ذريعة لتحريك الشارع، ما يتيح له فرصة البقاء أطول. وبالفعل، فشلت المعارضة السودانية، عبر مناجزتها نظام البشير، في أن تخلق في الشارع السوداني حراكًا جديًا يهدّد هذا النظام؛ فالإسلاميون عملوا عملً ممنهجًا على تكسير آليات العمل المعارض في البنية السياسية السودانية، حتى أصبحت البنية التاريخية للعمل المدني السوداني في المعارضة قوقعة فارغة. ولكن، مع كلّ ذلك، يمكن القول إنّ هذه الوجهة التي يبدو أنّ نظام البشير قد ركن إليها، وجهة خطرة. فهي تبدو، في هذا المنعطف، أقرب ما تكون إلى لعب الورقة الأخيرة؛ فحدوث انفراج اقتصادي يسكت الشارع، لن يتحقّق بالهبات التي تأتي إلى خزينة الدولة من الدول الخليجية، من حين إلى آخر. وقد ظلت تواجه الاستثمار الخليجي في السودان، على الرغم من أرقامه العالية، دوّامة الفساد التي ما فتئت تلتهم مردوده، وتجعله بلا انعكاس يُذكر على أوضاع المواطنين المعيشية. فالسودان ظلّ يتطور في السنوات الأخيرة، وبمعدلات مخيفة، لكي يصبح البلد الأكثر طردًا للمؤهلين وغير المؤهلين من أبنائه وبناته31. وختامًا، فإنّ عناصر اللعبة السياسية في السودان، لم تعد رهينة بما تقوم به القوى الإقليمية العربية وحدها. فمع انتشار السلاح، واتّساع دائرة النزاعات المسلحة، وتفاقم حالة التمزق في النسيج الوطني غير المسبوقة، وازدياد النزعات الجهوية، تصبح أمور السودان منفتحة على فضاء شاسع جدًا، تعمل فيه عوامل كثيرة، شديدة الاختلاف. ولذلك فإنّ هذه الحسابات التي تعتمد على زاوية نظر أحادية، كما يحسبها نظام البشير وجهاز أمنه المسيطر، تقول كلّ مجريات الواقع وديناميات الحراك الدولي والإقليمي، إنّها حسابات خاطئة. وخلاصة القول فإن كان الهدف من الانتخابات هو ترسيخ الممارسة الديمقراطية وتأكيد مبدأ التداول السلمي للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع، فإن انتخابات نيسان/أبريل 2015، تقول من خلال كل ملابساتها إنها كانت مجرد غطاءً شكليًا، لإجراءات دؤوبة كان هدفها الرئيس هو ترسيخ السلطة المطلقة للحاكم الفرد. دلّت الانتخابات الأخيرة هذه على أن شعبية الحزب الحاكم قد شهدت عبر الفترة الرئاسية الأخيرة 2015-2010() تراجعًا كبيرًا. فقد أثبتت المقاطعة الواسعة التي جرت بتلقائية، أن شعبية النظام في أحرج حالاتها. كما دلّ تحول بعض مرشحي المؤتمر الوطني إلى مرشحين مستقلين، وبلوغ عدد من فازوا كمستقلين تسعة عشر نائبًا، على فقدان الحزب الحاكم أراضيه. أما المعارضة والحركات المسلحة فهي الأخرى في أضعف حالاتها. ولذلك، فإن هذا المشهد المتداعي من جميع أركانه، يقول، بأعلى صوت، إنّه لا مناص من إجراء حوار حقيقي شامل يفتح الباب لشراكة كل القوى في العملية السياسية، بعد أن يجري رفع قبضة جهاز الأمن عن الحريات العامة. فكل المؤشرات تقول، إن أي مناورة محتملة يمكن أن تستخدمها الحكومة في إقصاء الآخرين، وإطالة بقائها، قد استنفدت طاقتها.