الصعود السلمي للصين
الملخّص
تناقش هذه الدراسة ظاهرة صعود الصين كقوَّة عالمية جديدة. ليست غربية، ولا تمتلك تاريخ ا إمبرياليًا أو استعماريًا، وتدرس تأثيراتها الإقليمية والعالمية. كما تتبع الدراسة السياق التاريخي لتطور الصين ونموها، خال فترة زمنية قياسية، جعلها قوة اقتصادية وعسكرية حجزت لنفسها مكان ا بين القوى الكبرى في العالم. وتهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على مسألة صعود القوة الصينية الآسيوية ومواكبة الجدل الذي ارتبط بها في الأبحاث والدراسات، وتحاول تقديم صورة واضحة تساعد على فهم أفضل وأعمق لمسألة صعود الصين. وشرح الأسباب التي ساهمت في تحقيق هذا الصعود خال فترة زمنية قصيرة، مقارنة بدول أخرى تمتلك إمكانات النمو والتطور ووسائلهما. كما توضح الدراسة العقبات التي يمكن أن تقف حائا دون استمرار النمو والصعود الصينيين الحاليين. وتشرح الدراسة تأثيرات صعود الصين في العالم، وتناقش الموقفين الإقليمي والدولي من ذلك الصعود.
مقدمة
شكّلت مسألة النمو الصيني، بصرف النظر عن الوصف الذي تعلّق بها، مجالً واسعًا للتوصيفات والدراسات والأبحاث، ولقيت اهتمامًا بالغًا في المستويات السياسية والأكاديمية البحثية والشعبية. فمدار الحديث هو نهوض المارد الصيني أو التنين الصيني الذي سيهتز له العالم، أو القرن الحادي والعشرين بوصفه قرنَ الصين، وإمكان إزاحة الصين الولايات المتحدةَ الأميركيةَ من قمة النظام العالمي مع نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. ومن ثمّة، فإنّ الإشكالية الأساسية لهذا البحث هي دراسة الصعود السلمي للقوة الصينية، ومحاولة الإجابة في أثناء ذلك عن الأسئلة التالية: ما هي حقيقة صعود الصين؟ وما هي أبعاد هذا الصعود وتداعياته على المستويين الإقليمي والدولي؟ وما هي العوامل التي يمكن أن تُشكّل عائقًا تحول دون استمرار النمو الصيني خلال الأعوام المقبلة؟ كما يحاول البحث طرح عدّة فرضيات وآراء في ما يتعلق بنجاح النموذج الصيني في التنمية وتوصيف الصعود الصيني بالسلميّة أو بعكسها. على الرغم من أنّ مفهوم الصعود السلمي للصين لم يظهر إلا عام 2003، فإنّ الضرورة التاريخية اقتضت أن تكون نقطة بداية البحث متمثّلةً بالإصلاح الذي انتهجته صين دينغ سياو بينغ عام 1978، والذي استمر إلى الوقت الحاضر تقريبًا، علمً أنّ الضرورة البحثية اقتضت مراجعات تاريخيةً، لا غنى عنها، تعود إلى فترات من القرن التاسع عشر، وأنّه لا يمكن أن نُقيِّد البحث بمكان بعينه؛ إذ لا يمكن إغفال المجالين الإقليمي والدولي، على الرغم من أنّ البحث يستهدف الصين في المقام الأول. أمّا المنهج المُتّبع في قراءة حوادث هذا البحث، فهو وصفيّ تحليليّ. وأمّا موضوعه، تحديدًا، فهو معالجة قضية الصعود السلمي للصين في خمسة محاور أساسية. فالمحور الأول، يحاول أن يُسلط الضوء على إشكالية مفهوم الصعود السلمي ومدلولاته اللغوية والاقتصادية والجيوسياسية. أمّا المحور الثاني، فهو يعمل على توظيف التاريخ لتعرّف الأصل التاريخي لصعود الصين وقوّتها الاقتصادية منذ العهد الإمبراطوري. وأمّا المحور الثالث، فيُ كز على الإستراتيجية التي اتبعتها الصين في سياستها الاقتصادية والتحولات العميقة التي شهدتها، إضافةً إلى الآثار والنتائج التي تركها صعود الصين الاقتصادي في المستوى الداخلي. وأمّا المحور الرابع، فهو يعالج حقيقة الموقفين الإقليمي والدولي من مسألة الصعود السلمي للصين، ومدى قبولهما له، ويناقش هذا المحور تأثير المواقف الخارجية في صعود الصين سلبيًا أو إيجابيًا، مع إدراك عميق في الصين نفسها، وفي أعلى المستويات، حقيقة الترابط الوثيق بين نوعية علاقاتها وطبيعتها، سواء كانت إقليميةً أو دوليةً؛ بسبب صعودها الكبير واستمرار هذا الصعود. ويعالج المحور الخامس والأخير العقبات التي تقف، أو يمكن أن تقف، حائلً دون استمرار صعود الصين الاقتصادي والعسكري؛ كالفساد، وطبيعة النظام السياسي، والشيخوخة الديموغرافية.. إلخ.
أولا: إشكالية المفهوم
في تشرين الأول 2003، قدّم زهنغ بيجيان Bijian Zheng في خطابه "الطريق الجديدة لصعود الصين السلمي ومستقبل آسيا" مفهوم صعود الصين السلمي. وفي ما بعد، بدأ هذا المفهوم يظهر مرةً أخرى في خطابات الزعماء الصينيين من الجيل الرابع. ففي التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 2003، قال رئيس وزراء الصين وين جياباو Jiabao Wen خلال زيارته الرسمية للولايات المتحدة: "الصعود الصيني هو صعود سلمي؛ لأنّ الصين تتطور بالاعتماد على قواها الخاصة. في مستوى العلاقات الخارجية، أيَّدنا دائمًا تطوير علاقات التعاون والصداقة بين الدول المختلفة التي نعدُّها دائمًا مثل إخوتنا وأخواتنا"1. وفي 29 كانون كانون الأول/ ديسمبر 2003، السكرتير العامّ للجنة المركزية للحزبHu Jintao أعلن هو جينتاو الشيوعي، مصطلح الصعود السلمي للصين بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد ماوتسي تونغ ال 110. وقد أشار الرئيس الصيني إلى استمرار التمسك بطريق الاشتراكية ذات الخصوصية الصينية. مع استعارة حازمة لطريق التطور السلمي2. وكانت المرة الأخيرة التي تحدّث فيها الرئيس الصيني هو جينتاو علنًا عن مفهوم الصعود الصيني في منتدى آسيا السنوي الثالث في
هاينان. وقد شدَّد على الطابع الذي يميّز الظهور السلمي للصين، والذي يُساعد على استقرار آسيا والعالم. فمنذ ذلك الوقت، استعمل كلّ من جينتاو وجياباو مصطلح التطور السلمي بدلً من الصعود السلمي؛ لأنّ هذا المصطلح فُسِّ تفسيرًا سيِّئًا في العالم الذي نظر إليه على أنه تطورٌ سريع ومهدّد3. ويناقش البروفيسور غونغ شاو بينغ، الأستاذ في المعهد الدبلوماسي في بيجين مصطلح الصعود Emergence"" ومدلولاته في اللغات الثلاث: الإنكليزية، والفرنسية، والصينية؛ بهدف تحديد الصيغة الدلالية لهذا المفهوم بدقة. ففي النسخة الإنكليزية للمقالات الذي كتبها شاو بينغ، كان التعبير الذي استخدمه هو Rising""؛ بمعنى ارتفاع أو نهوض، أو Emergence""؛ بمعنى ظهور. وعلى الرغم من ذلك، فإن كثيرين يعتقدون أنّ معنى كلّ من هاتين الكلمتين في اللغة الإنكليزية يختلف اختلافًا كبيرًا عن معناهما في اللغة الصينية4. ولقد قدّم كاتب من تايوان مثالً متعلّقًا بذلك؛ فكلمة ظهور " تعني من ناحية الجغرافية – السياسية، Emergence"ظهورًا مفاجئًا لجبل شاهق على أرض مستوية. وفي حال استعارة هذا المعنى في الدراسات التاريخية، فإنه ينطبق على وصف مجموعة عِرقية غير معروفة ظهرت، وكبرت، وتطورت، على نحوٍ سريع جدًا؛ إذ تُسمّى هذه الظاهرة أيضًا "ظهورًا." وقد عبّ دبلوماسي صيني عن معارضته للشرح الذي قدمه زهنغ بيجيان، فقال إنّ ذلك الاستعمال اللغوي لكلمة Emergence"" يمكن أن يُعبِّ عن النمو السريع لقوة ما خلال فترة قصيرة، مُشيرًا على نحوٍ خاص إلى أنّ القفزة الكبرى إلى الأمام في نهاية الخمسينيات يمكن أن نُطلق عليها كلمة "ظهور"؛ لأنّ الصين قد عانت إخفاقًا ذريعًا، بدلً من تحقيق النمو الذي كانت تأمله5. وفي المستوى اللغوي، فإنّ المصطلح الفرنسي Emergence"" يعني ظهورًا مفاجئًا لفكرة أو ظاهرة ما؛ اقتصاديةً كانت أو اجتماعيةً، أو سياسية.ً وتُؤدّي اللغة الإنكليزية المعنى نفسه؛ وهو ظهور واقع جديد. من جهة أخرى، يُعدّ تعبير "الصعود" الأكثر استعمالً بين أغلب العلماء والمؤرخين الفرنسيين المهتمين بالتاريخ والدراسات الصينية. ويمكن أن نذكر في هذا المجال، على سبيل المثال لا الحصر، كل من عالم الصينيات الفرنسي آلان رو الذي استعمل تعبير "الصعود السلمي للصين La montée pacifique de la Chine "، والمتخصص بالاقتصاد الصيني فرانسوا غيبولو الذي استعمل كلمة "صعود" مرادفًا للتجارة والاقتصاد الصينيين، على أنّ زهنغ بيجيان أشار إلى أنّ التعبير المستخدم مرادف لمعنى "التطور السلمي" أو "طريق التطور الذي يؤدّي إلى الصعود السلمي." وهكذا، بقيَ مفهوم "الصعود السلمي" مُثيرًا للجدل. أيًّا كان التعبير المستخدم لتوصيف قوَّة الصين الحالية، ظهورًا، أو صعودًا، أو منوًا، أو تطورًا، فالنتيجة واحدة: قوَّة عالمية جديدة حقّقت نموًّا اقتصاديًا كبيرًا جعلها تبحث، على غرار اليابان، عن مكان لها على المسرح العالمي يوازي ما حقّقته، أو بمعنى أدقَّ يوازي مكانتها ودورها الاقتصادي العالميين. وهذا ما يُفكر فيه الخبراء الأميركيون. فعلى الرغم من حرصهم على التعبير الدقيق الذي يوصِّف حقيقة التطور الذي حقّقته الصين، فإنّهم كانوا أكثر اهتمامًا بحقيقة ما يجري داخل الصين، وهو ما يُ كن أن يُؤثّر بطريقة حاسمة في ما يجري على المسرح العالمي. فأولئك الخبراء يقرُّون بوجود قوَّة صينية حقيقية حقّقت نموًا وقوَّة، بصرف النظر عن الوسائل التي تستعملها، وبوجوب اتخاذ كلّ التدابير في مختلف المستويات لاحتوائها قبل أن تصل إلى المستوى الذي يُ كّنها من مزاحمة القوة الأميركية الوحيدة المهيمنة في العالم أو إزاحتها. ولكن، يبقى التساؤل عن سبب الاختلاف الكبير في فهم المصطلح نفسه، ولا يعود سبب ذلك إلى المعنى الحرفي للمفهوم، بل إلى أنّ للأمر أصلً تاريخيًّا تترتّب عليه نتائج سياسية – اقتصادية، وجيوسياسية.
ثانيًا: الأصل التاريخي
إذا ما جرى تعريف كلمة "ظهور"، فهي تعني وجود خصائص جديدة إلى درجة معينة من التعقيد، وفي سياق بحثنا هذا، يُشير الظهور المعقد على نحوٍ دقيق إلى عالم ما بعد الحرب الباردة، من دون أن نُهمل الخلفية التاريخية الحاسمة؛ ذلك أنّ الخصائص الجديدة ترتبط على نحوٍ مباشر بالكيفية المتوقَّعة التي يُ كن أن توظِّف فيها الصين الأدوات التي تخدم مصلحتها دوليًّا. فالصين بوصفها قوةً عالمية،ً حقيقة موجودة خلال فترات سابقة من التاريخ، إلا أنّ المفهوم الذي يُ كن أن يعبّ عن هذه الحقيقة لم يكن موجودًا. فقبل حروب الأفيون، كانت الصين تحظى بوضع اقتصادي قويٍّ دفع كثيرًا من
الدول الأوروبية إلى إرسال الوفود إلى بلاطها الإمبراطوري؛ طلبًا لفتح أبوابها أمام دولها وإقامة علاقات اقتصادية وتجارية معها. وعندما حاول الأوروبيون، الإنكليز على نحوٍ خاص، إنشاء قنوات اتصال تجارية مع الصين، اصطدمت محاولاتهم بمقاومة صينية كبيرة. وكان سبب ذلك أنّ الصين لم تكن في ذلك الوقت في حاجة إلى التجارة أو إلى العلاقات الخارجية. فالصينيون كانوا يملكون أفضل أنواع المنسوجات والملابس (الحرير)، وأجود المواد الغذائية (الأرز)، فضل عن الشاي الصيني الذي يُعدّ من أفضل المشروبات6. وكان السفير الإنكليزي اللورد مكارتني قد طلب، خلال رحلته إلى الصين في الفترة 1792 - 1794، السماح بالتجارة في عدد من المدن الصينية والإقامة في العاصمة بيجين. إلا أنّ جواب الإمبراطور تشيان لونغ 1736( - 1795) الذي جاء مُعبرًا عن وجهة النظر المشتركة للصينيين في تلك الفترة، كان متمثّلً بالرفض، وقد اعتمد حينئذٍ على القوة الاقتصادية التي تملكها بلاده في ذلك العصر؛ وذلك من خلال قوله: "إنّ منتوجات السلالة السماوية كانت وفيرةً، وهي تملك كل شيء، ولا تعوِّل على البضائع المقبلة من برابرة الخارج بهدف تعميم الثروة. إنّ الممالك الغربية وبلدانها في حاجة إلى ما تُنتجه الصين من الشاي، والبورسلان، والحرير"7.
وقد أكّد الإمبراطور جيان تشينغ 1796( - 1820)، خليفة الإمبراطور تشيان لونغ هذه القناعة بقوله: "السلالة السماوية غنية بثلاثة بحار، فهل هي في حاجة إلى القليل من بضائع بلادكم الصغيرة؟"8. وعب أحد أباطرة الصين من سلالة تشينغ عن تلك القوة للسفير البريطاني اللورد مكارتني، عندما طلب منه توقيع اتفاقية تجارية بين بريطانيا والصين، بقوله إنّ الصين تمتلك كلّ ما تحتاج إليه من منتوجات، ولسنا في حاجة إلى أيّ شيء من بلادكم. ويُعدُّ عصر سياو بينغ حدًّا فاصلا بين صينيْ: صينٍ متخلِّفةٍ تُعاني البؤس والفقر والمشكلات التي أحدثتها الاشتراكية، وصينِ الإصلاح الذي أظهرها قوةً صاعدةً على رقعة الشطرنج العالمية. وقد عاشت الصين منذ وصول سياو بينغ إلى السُلطة ثورةً صناعيةً؛ إذ كانت عام 1820 القوة الاقتصادية الأولى في العالم9. إلا أنّ الأعوام التي أعقبتها 160( عامًا)، كانت فترة سبات طوال نحو قرن ونصف القرن من حروب الأفيون، وفترة إذلال أوروبي، ومن ثمّة الاشتراكية القاسية، الأمر الذي سمح لإنكلترا ودول أوروبية أخرى بتحقيق كثير من التقدم. أمّا الصين في الوقت الحاليّ، فهي تنهمك في نقل مجتمعها من مجتمع ريفي إلى مجتمع حضري، ومن مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي، ثمّ خدمي. وقد كُرِّس ذلك في بروز ظاهرة الاستهلاك، ولو على نحوٍ بطيء، بعد خروج ملايين الصينيين من حالة الفقر والبؤس التي عانوها خلال الفترة المتقدِّمة على فترة الإصلاح الحديثة10. فحرب الأفيون هي التي فتحت للدول الأوروبية طريقًا للسيطرة على الصين، وأجبرت هذا البلد على فتْح أبوابه لتلك الدول بالقوة العسكرية، وفرضت عليه فتْح موانئه أمام تجارتها، وتوقيع المعاهدات التي أصبحت تُسمى "المعاهدات غير المتكافئة." وأظهرت تلك الحروب ضُ عف الصين وهوانها تجاه الدول الأوروبية. ثمّ جاءت الحرب الصينية – اليابانية في الفترة 1894 - 1895 التي لم تُكرّس هذا العجز والضعف تجاه الدول الأوروبية البعيدة جغرافيًا والأكثر تقدُّمًا، بل تجاه جيرانها الإقليميين. فالحرب الأخيرة، إذن، قد أدَّت إلى تغيير موازين القوى في القارة، مُفسحةًالمجال لصعود قوَّة إقليمية جديدة. وحروب الأفيون والهزيمة المُذلّة للصين من اليابان أكَّدتا اعتقادًا لدى المثقفين الصينيين في ذلك الوقت مفاده ضرورة الاستمرار على طريق "إثراء البلد وتقوية الجيش." إلا أنّ نتائج هذا الشعار، ابتداءً من عام 1949، جاءت قاسيةً على الشعب. فالجزء الأول من الشعار لم يتحقّق وتمَّت التضحية به من أجل تحقيق الجزء الثاني منه؛ أي تقوية الجيش وتطوير قدراته العسكرية بهدف مواجهة تهديد القوى العظمى الأخرى. وأصبح هذا الشعار المعيار الأساسي في عيون الشعب
الصيني للحكم في كفاءة عمل الحزب الشيوعي في الحكومة وإدارة البلد. فالصين الشيوعية الجديدة استطاعت أن تمتلك القوة النووية التي حقّقت لها الأمن القومي ولا سيما خلال مرحلة الحرب الباردة التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الصين، حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، أحد المعسكرات المتنافسة على اقتسام الزعامة العالمية11.
وفي الواقع، نظر المثقفون الصينيون المعاصرون لتلك المرحلة إلى نموذج التطور المستوحى من النموذج الياباني الذي أرادت الصين احتذاءه، على أنه ليس إلا وسيلةً للعدوان وامتلاكًا للقوة من أجل تحقيق الصعود الذي تهدف إليه سائر الدول الإمبريالية الأخرى. فذلك الأنموذج في نظرهم، وسيلة غير أخلاقية لا يمكن لبلد مثل الصين، ليس له تجربة البلدان الإمبريالية أو الاستعمارية، اعتماده أو متابعته. وهو في الوقت نفسه نموذج غير عمليٍّ إنْ جرى تطبيقه في أماكن أخرى تواجه موجةً لا هوادة فيها من استقلال الدول بعد الحرب العالمية الثانية. فلإقامة بلد متطور ومزدهر حقًا، يحتاج الحزب الشيوعي الصيني إلى إيجاد مفهوم جديد للتطور يكون ملائمًا لواقع البلاد. وإنّ التصور الجدِّي لمفهوم التطور كان قد قدَّمه مهندس الإصلاح والانفتاح الصيني دينغ سياو بينغ؛ ذلك أنّه أعلن، بمناسبة لقائه رئيس وزراء اليابان هاشيموتو، في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر 1979، أنّ عملية التحديث الصينية هي عبارة عن عملية مُتدرّجة. ويهدف الإصلاح الذي طرحه سياو بينغ إلى الوصول بدخل الفرد الصيني إلى 1000 دولار في نهاية القرن العشرين، وهو المبلغ الذي يكفل للفرد الصين الكفاية والحصول على حاجاته الضرورية. فالمبدأ الذي طرحه سياو بينغ يُعيدنا إلى شعار "شعب غني وبلد قوي." ولكن على الصين أن تتخلص أوَلّا من الفقر والبؤس الذي تعانيه شريحة واسعة من شعبها، إنْ لم يكن أغلب الشعب الصيني؛ لكي تُصبح بلدًا مُزدهرًا. وبحسب مخططه، تحتاج الصين إلى عشرين عامًا للوصول إلى عتبة ذلك المبلغ12، وهو ما يعكس، فعلً، مقولة سياو بينغ المتمثّلة بأنّ عملية التحديث والإصلاح التي اعتمدتها الصين تجرى على نحوٍ متدرّج، وأنّ الإصلاح الاقتصادي لا يمكن تحقيقه بين عشية وضحاها. فتصور النمو الذي طرحة خلفاء سياو بينغ واعتمدوه، يهدف إلى الوصول إلى دخل فردي مقداره 3000 دولار للشخص الواحد، وهذا الأمر يعني دخول الصين في تصنيف المجتمعات التي تعيش في راحة ورخاء من الناحية الاقتصادية. وينظر الزعماء الصينيون إلى القرن التاسع عشر على أنه قرن الإذلال الذي عاشته الصين بسبب خضوعها للسيطرة الغربية، وإلى أنّ القرن العشرين هو القرن الذي انتعشت فيه الاضطرابات والفوضى. في حين أنّ القرن الحادي والعشرين هو القرن الذي تؤكِّد فيه الصين فعاليتها وقوّتها على المسرح الدولي، بل هو عصر الهيمنة الصينية، وباختصار يمكن أن يُسمّى "قرن الصين"13.
ثًالث ا: الإستراتيجية الكبرى للصين ومرتكزاتها الأساسية
شهدت الصين بعد الحرب العالمية الثانية عديد الاضطرابات والقلاقل والحروب الأهلية، وعاشت حالة فقر وبؤس شديدة. وفي منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت هي المجال الذي تزاحمت فيه الأطماع الأجنبية التي استقرت، على نحوٍ أساسي، في الموانئ الصينية؛ لأنّ الصين جبرت على فتحها أمام الغربيين بموجب معاهدات غير متكافئة أ. وعلى الرغم من ذلك، شهدت الصين في الفترة 1927 - 1937 إعادة تأسيس سمحت ببلوغها مستوى من النمو وصل إلى نحو %7. إلا أن الحرب ستقلب كلّ شيء. فالغزو الياباني، والمواجهة بين الوطنيين والشيوعيين من الأسباب التي ستُدخل الصين، ابتداءً من عام 1946، مرحلةً جديدةً من الخراب والتدمير. وبعد الحرب العالمية الثانية، هُزمت اليابان في الحرب، وأ عيد بناء البلد وما خرَّبته الحرب بفضل دعم الولايات المتحدة في سياق الحرب
الباردة. أمّا الصين التي اعتمدت النظام الشيوعي جذريًّا طوال ثلاثين عامًا، فقد دخلت في مسار من الفوضى. ومع الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في أواخر السبعينيات، شهدت الصين في أقل من ثلاثين عامًا توسعًا واستدراكًا اقتصاديًا غير مسبوق في تاريخ العالم، لتتمركز حاليًّا في المرتبة الثانية عالميًّا، متقدمةً بذلك على اليابان جارِها ومنافسِها الآسيوي14. شكَّل وصول ماوتسي تونغ إلى السُلطة عام 1949 بداية مرحلة جديدة في التاريخ الصيني. فبدايةً من هذا التاريخ، ستصبح الصين بلدًا شيوعيًا بامتياز، وهو ما أدخلها في مرحلة من القطيعة مع كثير من دول الإقليم الآسيوي التي تعتمد النهج الغربي على غرار اليابان مثلً. ودخلت الصين في تحدٍّ واضح وكبير يتمحور حول إعادة تأسيس البلد وإعماره. وكان البدءُ بتطبيق المبادئ الاشتراكية، وتوزيع الأراضي، واستئناف عمليات الإنتاج. وبدا أنّ مسيرة النمو بدأت خاصةً مع استنساخ النموذج السوفياتي، مع الاعتماد أكثر فأكثر على الصناعات الثقيلة. وأقامت الصين علاقات تجاريةً مع الدول الاشتراكية التي قدَّمت دعمً لها. ودخلت في خلاف مع الاتحاد السوفياتي منذ عام 1960، واعتمدت القفزة الكبرى إلى الأمام في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي عام 1958، غير أنّها عاشت أزمةًاقتصاديةً خطِرةً ولَّدت مجاعةً كبيرة 1959( - 1962) كان ضحيتها ملايين الأشخاص. وحاول ماوتسي تونغ، خلال أعوام الثورة الثقافية 1966( - 1976)، القيام بعملية تخليص واسعة؛ قُصد منها التخلص من البرجوازية الصينية والمثقفين، وما يمكن أن يشكّل معارضةً له، وإقامة نظام دكتاتوري يعتمد على الطبقة العاملة. وعلى الرغم من ذلك كلِّه، حقّقت الصين نموًّا ملحوظًا بلغ نحو %5.5 في الفترة 1958 - .1978 وبعد وفاة ماوتسي تونغ، شهدت الصين تحولّات عميقةً شملت جميع المستويات: التحديث الاشتراكي، وانتقاد السياسات المُتَّبعة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، والثورة الثقافية التي ولَّدت نتائج كارثية في البلاد وأسست فكرة عبادة الشخصية التي انتقدها سياو بينغ عام .1977 فالصين عام 1979 كانت تعيش حالةً تشبه الفوضى، وكان الاقتصاد الريفي في ذلك الوقت متخلفًا15. والأمر السائد هو البؤس، والاكتظاظ السكاني، وهاجس الاكتفاء الذاتي. وقد فرض كلّ ذلك على قادة بيجين الجدُد البدء بالإصلاح، عام 1978، انطلاقًا من المناطق الريفية. وهكذا، أصبح الفلاحون قادرين على استغلال الأراضي بحرية، حتى إنْ كانت ملكيتها تعود إلى الدولة. وفي الفترة 1978 – 1984، ارتفع الإنتاج بمعدل %7 سنويًّا16، وساهمت عملية التنمية التي حقّقتها الصين في الإسراع في عملية دخولها التجارة العالمية. ففي شهر آذار/ مارس 1978، طالب سياو بينغ الشعب الصيني، في خطابه الذي ألقاه في مؤتمر العلم القومي، بأن ينهض في أربعة مجالات رئيسة، هي: الزراعة، والصناعة، والدفاع الوطني، والعلم، والتكنولوجيا؛ وهي مجالات تسمح للصين بالوصول إلى مصافّ الدول المتقدمة مع حلول عام 2000، من خلال مضاعفة الإنتاج القومي إلى مستوى أربع مرّات في الفترة 1980 - 2000 17. ومنذ البدء بإدخال الإصلاحات الاقتصادية، نَ ا اقتصاد الصين بطريقة أسرع كثيرًا ممّ كان عليه خلال فترة ما قبل الإصلاح. ووفقًا للحكومة الصينية، قُدِّر نموّ الناتج المحلّ الإجمالي الحقيقي السنوي بنحو 7.6٪ في الفترة 1953 - 1978، على الرغم من أنّ عديد المحللين يُشكِّكون في صحة البيانات الاقتصادية الصينية خلال هذه الفترة. فالمسؤولون الحكوميون الصينيون، بسبب ضغط أسباب سياسية متنوعة، كانوا فيٍ كثير من الأحيان يعملون على تقديم مستويات من الإنتاج مبالغ فيها، وقد عدَّ الاقتصاديُّ أجنس ماديسون أنّ مستوى النمو الحقيقي أقلّ ممّ هو مصُرَّح به. فمتوسط الناتج المحلي الإجمالي السنوي للصين خلال تلك الفترة يبلغ في نظره نحو 4.4٪18. ويمكن أن نرى بعض الآثار ال ت ي تولَّدت من الصعود الاقتصادي للصين، وتطور الصناعة والتصدير في جنوبها. فالنجاحات الأولى ترتبط بالمناطق الصناعية الخاصة مثل شنزهن؛ إذ تحولت شيوعية الموت إلى "اقتصاد السوق الاشتراكية." وبعد ثلاثين عامًا من البدايات الصناعية الأولى، أصبحت المحافظة بأكملها منطقةً صناعيةً ضخمةً متنوعةً19. فحتى خريف عام 1990، كانت السياسة الصينية مترددةً بين المواقف المحافظة المتطرفة والبحث عن صيغة ملائمة يُ كن من خلالها المزاوجة بين الاشتراكية والرأسمالية، ليقرر سياو بينغ إعادة إنعاش الإصلاح. وبينما كان يقوم برحلة في جنوب الصين في كانون الثاني/ يناير 1992، دعا إلى إنشاء اقتصاد السوق الاشتراكية. وهذا التعبير الذي جرت
مصادقته في المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي الصيني في تشرين الأول/ أكتوبر 1992، تمَّ إدراجه في ديباجة الدستور في أيار/ مايو 1993. ومنذ ذلك الحين، قدَّمت الصين صورةً مدهشة للرأسمالية الاشتراكية، مُحقّقةً نموًا استثنائيًا في مستوى العالم، وأصبحت قوَّةًاقتصاديةً من الدرجة الأولى، وهي في طريق قد تُفضي بها إلى أن تكون قوَّةً عالميةً عظمى20.
الجدول)1(نموّ الناتج المحلي الإجمالي الصيني في الفترة 2007 - 2014
يعكس هذا الجدول اختلافًا في نِسب نموّ الناتج المحلي الإجمالي في الصين في الفترة 2007 - 2014. فقد أثَّر التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي بدأ عام 2008 في الاقتصاد الصيني (قطاع التصدير على نحو خاص)؛ ما أدَّى إلى انخفاض نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين إلى %9.6 عام 2008، بعد أن كان 14.2٪ عام 2007. في حين شهد عام 2009 تدنِّ نسبة نموّ الناتج المحلي الصيني. وردًّا على ذلك نفَّذت الحكومة الصينية حزمةً كبيرةً من الحَفْز الاقتصادي، واتبعت سياسةً نقديةً توسعيةً. وعُزّزت هذه التدابير بالاستثمار المحلي والاستهلاك؛ فساعد ذلك على اجتناب تباطؤ اقتصادي حادٍّ في الصين. وعام 2010، نَ ا الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين بنسبة %10.4، وبلغت نسبة هذا الناتج %9.2 عام 2011. وقد استطاعت الصين الحفاظ على معدلات من النمو الاقتصادي السليم، ولا سيما إذا ما جرت مقارنتها بمعدلات الاقتصادات العالمية الرئيسة الأخرى. أمّا عام 2012، فقد شهد تباطؤًا في نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الصين؛ إذ بلغ %7.7. وكانت تقديرات صندوق النقد الدولي IMF في تموز/ يوليو 2013، تتوقّع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين نحو %7.7 عام 2013، ونحو %7.4 عام 2014 21. لقد أصبحت الصين بعد البدء بعملية الإصلاحات الاقتصادية أحد أسرع الاقتصادات العالمية نموًا؛ ذلك أنّ نمو الناتج الداخلي الصيني قد بلغ في الأعوام الأخيرة نحو %10، على أنّ التجارة هي التي تضطلع بالدور الأكثر أهميةً في ازدهار الاقتصاد الصيني؛ فنسبة صادرات الصين قد بلغت نحو %28 عام 2005، في حين بلغت نسبة الواردات نحو %6.17 في العام نفسه. وتُعَدُّ الصين حاليًّا ثالث أكبر اقتصاد تجاري عالمي. ويُبين الجدول التالي فارقًا في نسبة النمو بين الفترة التي سبقت الإصلاح والفترة التي تلته؛ إذ تبلغ هذه النسبة نحو %5.3 في الفترة 1960 - 1978، وتراوح بين %9.3 و%10 في الفترة 1991 – 1996، ثم تراوح بين %11.1 و%10.3 في الفترة 2006 .2010-
الجدول)2(فارق نسب النمو في الفترة 1960 - 2010
بوجه عامّ، يعزو الاقتصاديون النمو الاقتصادي السريع للصين إلى عاملين أساسيين. فالعامل الأوّل متعلّق باستثمار رأس المال على نطاق واسع يعتمد على التمويل من المدخرات المحلية والاستثمارات الأجنبية الكبيرة؛ إذ أصبحت الصين من أفضل الوجهات الاستثمارية الأجنبية المباشرة22.
وهذه الاستثمارات تعتمد على جناحين رئيسين. فالجناح الأول يتعلّق، على نحوٍ أساسي، بانخفاض الأجور، والجناح الثاني يتعلّق بالخدمات التي تُقدّمها الشركات. وهذه الشركات تبحث، بخاصة في البلدان النامية، عن لا مركزية الخدمات؛ بهدف خفْض تكاليف المعالجات البسيطة للمعلومات ورفْع مستوى التنافسية23. ويشير باتريك أرتوز في كتابه صعود الصين إلى أنّ سياسة الانفتاح عن الاستثمار الأجنبي في الصين تبقى غامضةً. فهي في نظره سياسة استثمارية محدودة ومقيدة من جهة السلطات الصينية؛ ولا سيما من خلال فرْض "المشاريع المشتركة"، كما أنّ هذه السياسة لا تزال تقوم أيضًا على "المناطق الاقتصادية الخاصة" الخاضعة لسيطرة الخارج وتوجيه إعادة التصدير24.
| الولايات المتحدة | الصين | العام |
|---|---|---|
| %9.0 %1 | %53 %49 3 | 2008 2 012 |
| %10.0 | %49.3 | 2012 |
لقد بدأت بيجين عام 1979 عملية الإصلاح والانفتاح عن العالم الخارجي؛ بهدف جعْل الصين قوَّةًاقتصاديةً عالميةً ملائمة لوزنها الجيوسياسي. وكان الانفتاح عن التجارة الدولية والاستثمارات ركيزةً أساسيةً في عملية التحديث الاقتصادي التي اختارتها الصين. فأداء الصين على مدى الأعوام الثلاثين الماضية شاهد لنجاح هذه الإستراتيجية، وقد كانت الثمانينيات فترةً من التجريب مع الإصلاحات والانفتاح؛ إذ جرى افتتاح عملية الإصلاح والاستثمارات على نحو خاص، من خلال إنشاء مناطق اقتصادية خاصة مصمّمة لاستقبال الاستثمارات الأجنبية25. أمّا العامل الثاني المتعلّق بنمو الاقتصاد الصيني نموًّا سريعًا، فهو يرتبط بنمو الإنتاجية السريعة نفسهَا. وقد أدَّت الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها الإدارة الصينية إلى زيادة في الكفاءة الاقتصادية، وهو ما عزَّز الإنتاج، وأدَّى إلى زيادة الموارد المخصصة للاستثمارات الإضافية. وقد حافظت الصين تاريخيًا على نسبة عالية من الادخار. ففي بداية الإصلاحات عام 1979، بلغ الادخار المحلي بوصفه نسبةً مئويةً من الناتج المحلي الإجمالي نحو %32. وقد تحقّقت الوفرات بالنسبة إلى جلّ الصينيين خلال هذه الفترة من أرباح الشركات التي تعود ملكيتها إلى الدولة، والتي كانت تستخدمها الحكومة المركزية للاستثمار المحلي. وأدَّت الإصلاحات الاقتصادية التي تضمنت اللامركزية في الإنتاج الاقتصادي إلى زيادة كبيرة في مدخرات الأُسر الصينية ومدخرات الشركات أيضًا.
الجدول)3(نسب الادخار الأسري في كلّ من الولايات المتحدة والصين
يتّضح من هذا الجدول ارتفاع النسبة الإجمالية للمدخرات الصينية ارتفاعًا مطَّردًا، لتصل إلى %53 عام 2008، مقارنةً بنسبة الادخار الأسري في الولايات المتحدة التي بلغت فيها تلك النسبة 9.0٪ في العام نفسه. وإذا كان معدل الادخار قد بلغ ذروته في الصين عام 2008، فإنّ هذه النسبة تراجعت في الأعوام الأخيرة إلى %49.3 عام 2012، في وقتٍ ارتفعت فيه في الولايات المتحدة لتصل إلى.%10.0 وفي تسعينيات القرن العشرين، تحوَّلت الصين - بفضل العولمة - إلى دولة محورية في عملية التكامل الصناعي العالمي. وقد توَّج هذا التطور الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في العاصمة القطرية عام 2001، إضافةً إلى زيادة معدل نموّ تبادل التجارة الخارجية الصينية26. فعام 2009؛ أي بعد ثلاثين عامًا من إطلاق الصين سياستها الانفتاحيه، أصبح هذا البلد أكبر مصدِّر في العالم، وثاني دولة في مستوى الناتج المحلي الإجمالي، وقد مثَّلت الأزمة العالمية عام 2008 بالنسبة إليه فرصةً لبدء مرحلة جديدة من التنمية وتعويض تأخُّرها27.
شكّلت أفريقيا أحد أهمّ ركائز إستراتيجية الصين في بناء اقتصاد متين وضمان نموّ اقتصادي ثابت ودائم. فقد عملت الصين على أن تكون موجودةً في أهمّ المناطق التي تمتلك سوقًا لمنتوجاتها ومصدرًا للمواد الأولية التي تحتاج إليها، ولا سيما موارد الطاقة؛ وخصوصًا أن القارة السوداء تمثّل مصدرًا مهمً لهذه الموارد. فالتوجه الأساسي الذي بُنيت عليه إستراتيجية السياسة الصينية يعتمد على "فلسفة الانفتاح الخارجي أو اشتراكية السوق، إلى جانب نظرية العوالم الثلاثة كما عبر عنها العالم الجيوسياسي الفرنسي يفيس لاكوست ب "الرأسمالية الفريدة"؛ أي اقتصاد رأسمالي بقيادة شيوعية28." لقد خلص عدّة خبراء اقتصاديين إلى أنّ مكاسب الإنتاجية، بخاصة المتعلّقة بالزيادات في الكفاءة الإنتاجية، كانت عاملً رئيسًا في النمو الاقتصادي السريع للصين. وقد ساهمت التحسينات في الإنتاجية إلى حدّ كبير في إعادة تخصيص الموارد لاستخدامات أكثر إنتاجيةً، وخصوصًا في القطاعات التي كانت سابقًا تخضع لرقابة مشدَّدة من الحكومة المركزية؛ مثل الزراعة، والتجارة، والخدمات. وفضلا عن ذلك، عُزِّزت
الشكل البياني معدل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المتوقع في كلّ من الولايات المتحدة والصين: معدلات نموّ سنوية في الفترة 2014 - 2030
الإصلاحات التي شملت مجالات الإنتاج الزراعي، وتحرير العمال من أجل العمل في قطاع الصناعات التحويلية الأكثر إنتاجيةً. وأدَّت اللامركزية في الصين إلى ظهور مؤسسات غير حكومية أكثر كفاءةً من مثيلاتها الحكومية؛ مثل الشركات الخاصة التي تُعنى بالتوجه إلى سوق تتَّسم بالسعي الدائم لمتابعة نشاط أكثر إنتاجيةً من الشركات المملوكة للدولة. يُضاف إلى ذلك ظهور عامل المنافسة الاقتصادية، ولا سيما في قطاع التصدير؛ ما أفسح مجالً للحكومات المحلية والإقليمية لإنشاء المؤسسات المختلفة التي تعتمد على مبادئ السوق وتشغيلها، من دون تدخلٍ من الحكومة المركزية. وعلاوةً على ذلك، أتاح الاستثمار الأجنبي المباشر للصين جلْب تكنولوجيا حديثة وتقنيات متطورة جديدة وضرورية عزَّزت الكفاءة الإنتاجية والإدارية وساهمت في رفعها29. وعلى الرغم من نسب النمو العالية في مستوى الناتج المحلي، أو في مستوى التجارة الصينية، أو في مستوى الاستثمارات الأجنبية30،
فإنّ مسألة استمرار هذا النمو الاقتصادي بوتيرة عالية ومستقرَّة تبقى محلّ جدال وخلاف بين كثير من المهتمين والاقتصاديين. فجُل الاقتصاديين يؤكِّدون أنّ استمرار وتيرة النمو على هذا المستوى في الأعوام المقبلة يتوقف على جملة من العوامل المتركّزة، على نحو أساسي، في ضرورة تنفيذ إصلاحات اقتصادية جوهرية وعميقة في البنية الاقتصادية والسياسية للدولة الصينية. وينبغي أن تشمل هذه الإصلاحات، في المقام الأول، المؤسسات التابعة للدولة التي تُشكّل الأساس الذي يعتمد عليه الاقتصاد الصيني، والنظام البنكي المُرتَهن أساسًا برقابة الحكومة المركزية. وينبغي أن تشمل الإصلاحات أيضًا التلوث، والفساد الحكومي، وضرورة معالجة الفوارق الاجتماعية التي تعصف بالمجتمع الصيني. يُشير الشكل البياني إلى أنّ نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين سوف يتباطأ كثيرًا خلال الأعوام المقبلة؛ إذ سيكون متوسط معدل النمو %6.3 في الفترة 2014 - 2020، و%4.1 في الفترة 2021 – 2030، في وقتٍ سيستقر فيه هذا المعدل بالنسبة إلى الولايات المتحدة بعد عام 2020 في حدود .%2.3 وقد أبدت الصين رغبتها المتزايدة في الابتعاد عن نموذجها الاقتصادي المُتَّبع المتمثّل بالنمو الاقتصادي السريع، والتوجه نحو اعتماد نموذج نموٍّ ذكيٍّ يُقلِّل الاعتماد على الصناعات التي تتطلّب استهلاكًا كثيفًا من الطاقة المتسببة بنسب عالية من التلوث، وهو ما يُ ثِّل مخاطر صحية بالنسبة إلى السكان، ويدفع الحكومة الصينية إلى تجاهل القوانين البيئية الخاصة بها؛ بهدف تعزيز النمو الاقتصادي السريع31. أمّا البدائل من ذلك، فيمكن أن تتمثَّل بزيادة الاعتماد على التكنولوجيا العالية، والطاقة الخضراء، والخدمات الاجتماعية؛ ومن ثمة الحصول على نموّ اقتصادي أكثر توازنًا32.
رابعًا: صعود الصين السلمي والموقفان الإقليمي والدولي
ما لا يمكن إخفاءه أو نكرانه أنّ صعود أيّ دولة أو قوَّة، كثيرًا ما يُثير في الدول الأخرى مخاوف، وهواجس، وقلقًا؛ وتلك هي حال الصين التي استطاعت أن تُحقّق معدلات نموّ هي الأعلى في التاريخ الإنساني، وأن تزيد قدراتها العسكرية زيادةً كبيرةً. وقد أثار صعودها السريع المذهل مخاوف الدول الغربية وقلقها، ولا سيما الولايات المتحدة التي لم تنظر يومًا إلى صعود هذا البلد على أنه صعودٌ سِلميٌّ، بل كانت تميل دائمًا إلى عَدِّه مصدرًا يهدّد مكانتها ومصلحتها القومية، وعاملً سلبيًا يهدّد الاستقرار العالمي والإقليمي. ومما لا شك فيه أن نموّ الصين الاقتصادي قد ارتبط بصعود سياسي وعسكري أثار مخاوف إقليمية وأميركية. أمّا الصين، فقد رفعت شعار "النمو السلمي"؛ بهدف عدم إثارة مثل هذه المخاوف، وأصبح هذا الشعار هو المبدأ الأساسي لسياستها الخارجية في القرن الحادي والعشرين، ومبدأ العمل الأساسي للجيل الرابع من القادة الصينيين33. إنّ التنمية الاقتصادية في الصين هي حالة مذهلة ومثيرة للاهتمام. وبروزها قوةًاقتصاديةً يحمل عواقب مهمةً بالنسبة إلى سائر دول العالم. وهذه العواقب والنتائج تُناقش منذ أعوام في الولايات المتحدة، في حين يُعدُّ مثل هذا الوعي أكثر حداثةً في أوروبا. ولعلّ الأمر الوحيد المؤكد في هذا السياق، هو أنّ الوضع مازال في بدايته. لكنّ الأهم هو أنّ الإستراتيجية الصينية غير ثابتة، ومازالت في طور التغيير، وهو ما يُشكِّل موضوعًا للدراسة والتحليل في الولايات المتحدة، ثمّ في دول أوروبا البعيدة والدول الآسيوية القريبة من الصين34. إنّ بلدان آسيا هي المجال الأساسي الأول المُستهدف من شعار نمو الصين السلمي. وبهدف إزالة مخاوف جيران الصين الإقليميين، وتجنب مواجهة الولايات المتحدة، حرصت الصين على أن تبعث برسائل إلى هذه الدول مفادها أنّ نموّ الصين الاقتصادي والعسكري لا يمثّل تهديدًا للسلم والاستقرار في المنطقة، وأنّه ستكون له انعكاسات إيجابية على العالم. وإنّ الصين كانت تعي، على نحوٍ واقعي وبراغماتي، أهمية المنطقة الآسيوية وأهمية العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة بالنسبة إلى اقتصادها، وقد أصبحت عام 2010 القوة الاقتصادية الأولى في آسيا قبل اليابان، وكلّ منهما يمتلك ثلث الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي تقريبًا. ويُشير انتشار اتفاقيات التجارة الحرَّة والمبادرات الهادفة إلى تحقيق التكامل الإقليمي إلى سعي آسيا للاستفادة من القوة الصينية المتنامية35.
عندما تسلَّم جورج دبليو بوش الرئاسة في الولايات المتحدة عام 2001 وصَف الصين بأنها منافس إستراتيجي لبلاده، وبأنّها تُشكل بالنسبة إليها الشاغل الأساسي والأهم في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. إلا أنّ الأوضاع الدولية التي أعقبت هجمات الحادي عشر من أيلول 2001، دفعت إلى التعاون بين البلدين ضدّ التهديدات المشتركة، وجعلت الصين حليفًا للولايات المتحدة في حربها، ابتداءً من حربها على الإرهاب، مرورًا بمواجهة المشكلات التي نجمت عن العولمة، ومواجهة الانتشار السريع لبعض الأوبئة السارية والأمراض المعدية؛ مثل مرض السارس، ومرض الإيدز36. وقد استطاعت الصين بمهارة سياسية أن تستغل الموقف الأميركي والحالة العامة التي سادت العالم في تلك المرحلة لتُعلن حربها على "الإرهاب" داخل أراضيها في إقليم سنجيانغ الواقع في شمال غرب الصين، ضدّ المجموعات الإسلامية، ولا سيما الإيغور الذين يطمحون إلى تأسيس دول إسلامية مستقلة في تركستان الغربية. وبفضل الحرب على الإرهاب، تحولت الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة، من منافس إلى شريك وحليف إستراتيجي37. ولكنّ ذلك لم يُلغ إطلاقًا مخاوف الولايات المتحدة ممّ يحدث في الصين، وممّ تقوم به. والنظرة الأميركية للصين لم تكن سوى نظرة موقَّتة تطلبتها الأوضاع الدولية التي سادت في تلك الفترة، إضافة إلى المصالح الأميركية. فالإدارة الأميركية بدأت تنظر، في منتصف عام 2005، إلى التطور الذي تُحقّقه الصين، وقدراتها المتعلّقة بالصواريخ المحمولة البعيدة المدى، وحاملات الطائرات، وقاذفة "شبح" الجديدة، والصواريخ البالستية الجديدة القادرة على تهديد القطع البحرية الأميركية، وإنجازات الصين في مجالي الفضاء والحرب الإلكترونية، بوصفه تهديدًا حقيقيًّا. ويضاف إلى ذلك أنّ زيادة ميزانية الصين العسكرية إلى مُعدل سنوي %10(من ميزانيتها) يُشكّل تهديدًا جديًّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ثمّ إنّ ما ضاعف مخاوف الولايات المتحدة استمرار تزايد الإنفاق العسكري الصيني بمعدلات كبيرة، قابَله وضع قيود جديدة على الإنفاق العسكري الأميركي بسبب الأزمة الاقتصادية الأميركية38. يمكن القول إنّ أهمّ أهداف إستراتيجية الصين العسكرية متمثّلة بزيادة ميزانية الإنفاق العسكري وتحديث الترسانة الحربية، وإن تطوير القدرات العسكرية هي أهداف إقليمية وعالمية على حد سواء. فالهدف الإقليمي الأول هو تايوان القسمُ الآخر من الصين الذي يُعدُّ أحد أهمّ القضايا المحورية في العلاقات الأميركية – الصينية؛ لأنّ الصين تهدف إلى منع أيِّ رغبة تايوانية في إعلان استقلالها39. أمّا الهدف الإقليمي الثاني فهو المشكلات الحدودية المستمرة، ولا سيما مع الهند. وتعمل الصين من أجل هدف ثالث متمثّل باستعمال قوَّة الردع العسكرية تجاه اليابان عدوِّها التاريخي، إضافةً إلى محاولة الحدّ من الأهميّة الاقتصادية لهذا البلد. أمّا في المستوى العالمي، فإن الصين تعمل على خلْق توازن إستراتيجي تجاه القوة الأميركية في آسيا. فالتهديد الذي تمثّله الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة، في منطقة آسيا والمحيط الهادي، لا يتعلق بالتوازن الهش بين الصين وتايوان فحسب، بل يتعلق كذلك – من خلال منظور أميركي - بتهديد الصين لتفوقها في منطقة آسيا والمحيط الهادي تهديدًا إستراتيجيًّا شامل40. وشكّلت محاولة احتواء الصعود الصيني وكبح جماح طموحاته السياسية والاقتصادية تجاه المنطقة والعالم، من خلال قطع خطوط إمدادات الصين بموارد الطاقة، أحد أهمّ أهداف إستراتيجية أوباما في منطقة آسيا من المحيط الهادي، وهي الأولوية التي وجَّهها إلى وزارة الدفاع الأميركية، في كانون الثاني/ يناير 2012، بعنوان "الحفاظ على القيادة العالمية، أولوية الدفاع للقرن الحادي والعشرين." فصعود قوَّة آسيوية جديدة في آسيا يمثّل تهديدًا عالميًّا للمصالح الأميركية وزعامتها. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال اعتمادها مثل هذه الإستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادي، إلى الانتقال إلى سياسة الاحتواء المُتعدّد الأطراف (أميركا والدول الآسيوية) التي تنتهجها في ظلّ تسارع صعود الصين الذي أصبح يُ ثّل خطرًا على أمن الولايات المتحدة ومصالحها. غير أنّ ما حقّقته الصين اقتصاديًا، وثقلها الإقليمي الكبير والمهمّ، إضافةً إلى أهمية العلاقات التي تربطها بدول المنطقة، من العوامل التي يمكن أن تُقلِّل فرص نجاح هذه الإستراتيجية. فعلى الرغم من تصاعد التوترات والمشكلات الإقليمية الناتجة من تزايد النفوذ الصيني، فإنّ العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول إقليم
جنوب شرق آسيا تطورت على نحوٍ مستمر وسريع، ولا سيما أن الصين يُنظر إليها بوصفها قاطرة النمو الاقتصادي في القارة الآسيوية التي تُ ثّل مستقبل العالم41. وفي الثمانينيات من القرن العشرين، دخلت الصين في تحالف ضمني مع الولايات المتحدة ضدّ الاتحاد السوفياتي. ولكنّ هذا التحالف، بعد انتهاء الحرب الباردة، لم يعُدْ قائمًا. وتحسنت العلاقات الروسية - الصينية مع نهاية القرن العشرين؛ بهدف مواجهة التفوق العسكري والسياسي العالمي للولايات المتحدة42. وعلى نحوٍ مواز،ٍ عملت كلّ من الصين والولايات المتحدة على تهدئة الخلافات بينهما لئلّ تتفاقم الخلافات. بهذا المعنى، شكّلت تايوان بُؤرة الخلاف الأساسية في العلاقات بين البلدين. فعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة تُدرك أنّ تايوان جزءٌ من الأراضي الصينية، إذ أعلنت مرارًا أنها تُعارض استقلال تايوان، فإنّها ترفض مبدأ ضمّ تايوان إلى الصين بالقوة، أو باستعمال الوسائل العسكرية، وتُفضِّ ل اتباع الوسائل السلمية43. وإذا كانت تايوان تمثّل الموضوع الأكثر حساسيةً، وحجر الزاوية، في ما يتعلق بعلاقات الصين بالولايات المتحدة، فإنّه توجد عدّة مصادر احتكاك أخرى مُؤثِّرة في هذه العلاقة. فالولايات المتحدة هي البلد الأكثر انتقادًا للصين في مجال حقوق الإنسان، وهي توظف الاجتماع السنوي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في توجيه انتقادات إلى الصين. إلا أنّ هذا البلد يرفض كلّ هذه الانتقادات ويعدُّها تدخلً في شؤونه الداخلية. يُضاف إلى ذلك أنّ العجز التجاري بين البلدين (من 44 مليار دولار عام 1997 إلى 162 مليار دولار في نهاية عام 2002) مثَّل مصدرًا آخر مهمًّ للاحتكاك بين البلدين، علاوة على الخلافات بينهما في ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية44. اضطلعت الولايات المتحدة بدور مهمٍّ في استمرار العلاقات الباردة بين الصين والاتحاد الأوروبي. فعندما حاول هذا الاتحاد، عام 2005، رفع الحظر عن السلاح المفروض على الصين منذ حوادث الرابع من حزيران/ يونيو 1989، أدّت المعارضة الأميركية، إضافةً إلى إصدار الصين قانون مناهضة الانفصال الموجه ضدّ تايوان، و"الانتهاكات المستمرة" لحقوق الإنسان على أراضيها، إلى تأجيل هذا الأمر45. وفي الفترة 2004 - 2005، حاولت الشركات الصينية شراء شركات أميركية. وإذا كان استحواذ شركة لينوفو Lenovo على الفرع الرئيس للكمبيوتر المحمول IBM قد أثار بعض الاستياء في الولايات المتحدة، فإنّ الجهد المبذول من شركة النفط الوطنية الصينية في الخارج؛ منLa compagnie d'état China National Offshore Oil أجل شراء الشركة الأميركية ينوكول UNOCAL قد أثار القلق فعلً؛ ذلك أنّ الكونغرس الأميركي أعلن أنّ عملية بيع هذه الشركة يمكن أن تهدّد المصالح الإستراتيجية الأميركية. وفي عُقب ذلك، سحبت شركة النفط الصينية عرضها46. وعرفت الصين صراعات متفرقةً، وعانت نقصًا من مصادر الطاقة في بداية القرن الحادي والعشرين ودخولها عصر صناعة السيارات؛ إذ أدّت أزمة الطاقة إلى دخول الصين في خلافات مع دول متقدمة ومتخلفة على حدّ سواء، بهدف تأمين دخولها إلى مصادر الطاقة العالمية47. وعلى الرغم من اقتناع صموئيل هنتنغتون، صاحب كتاب صراع الحضارات، بأنّ الصين ستكون القوة الإقليمية الأولى في منطقة شرق آسيا، فإنّ هذا البلد يعمل دائمًا على تهدئة الأجواء وتقوية الجوانب الإيجابية في علاقاته بدول المنطقة، وعلى التركيز في عوامل التعاون البينية. فرسالة الصين الأساسية إلى جيرانها الإقليميين هي أنّ صعودها سِلميٌّ، وأنّه لا يمكن أن يُشكِّل تهديدًا توسعيًا لأيّ بلد إقليمي، بل إنّ لدول آسيا أن تُفيد من تطور الصين الاقتصادي. ومن أجل طمأنة الدول الآسيوية، عقدت الصين عدّة اتفاقيات للتجارة الحرَّة مع دول جنوب شرق آسيا آسيان ASEAN؛ بهدف تكوين تجمُّع شرق آسيوي East Asian Community يماثل الاتحاد الأوروبي48.
وقد ترجمت الصين رغبتها في أن تضطلع بدور أكثر فعاليةً في المسائل والقضايا الإقليمية والعالمية، من خلال زيادة انخراطها في إيجاد حلول للقضايا العالمية الرئيسة، ومشاركتها في المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية. فاقترحت منطقةً للتبادل التجاري الحر، وانضمت إلى معاهدة الصداقة والتعاون في منطقة جنوب شرق آسيا عام 2003، وأصبحت عضوًا في الحوار الأمني الإقليمي. ومارست مع نهاية تسعينيات القرن العشرين نشاطًا أكثر فعاليةً في مهمات حفظ السلام العالمية، وأدَّت دورًا مهمًّ في منظمة شنغهاي49. غير أن الرأي الآخر مخالف تمامًا للواقع، ولم يعمل الزعماء الصينيون على الترويج له. فالسماح للصين بأن تُصبح عملاقًا اقتصاديًا، سيؤدِّي، على الأرجح، إلى بناء آلتها وقدراتها الاقتصادية الضخمة؛ ومن ثمة إلى فرض هيمنتها الإقليمية كما فعلت الولايات المتحدة في المنطقة طوال قرنين من الزمن تقريبًا. فصينٌ تمتلك قوَّةًاقتصاديةً عظيمةً هي صينٌ تسعى آجلً أو عاجلً للسيطرة على اليابان، وكوريا الجنوبية، وعلى الفاعلين
| نمو القوة الاقتصادية | نممو القوة العسكرية | |||
|---|---|---|---|---|
| غير مؤيّد | مرؤيّد | غير مؤيّد | مرؤيّد | |
| 41 | 50 | 66 | 16 | كندا |
| 45 | 41 | 68 | 15 | الولايات المتحدة |
| 44 | 35 | 58 | 15 | إسبانيا |
| 64 | 35 | 84 | 15 | فرنسا |
| 41 | 45 | 66 | 12 | المملكة المتحدة |
| 55 | 39 | 77 | 10 | ألمانيا |
| 18 | 62 | 61 | 9 | السويد |
| 44 | 33 | 72 | 8 | بولندا |
| 65 | 19 | 70 | 7 | إيطاليا |
| 60 | 36 | 89 | 8 | كوريا الجنوبية |
| 27 | 57 | 80 | 6 | اليابان |
الإقليميين أيضًا50.
وقد انعكست التطمينات التي دأبت الصين في بثِّها وزرعها في نفوس الجيران الآسيويين انعكاسًا إيجابيًّا؛ إذ يُنظر إليها الآن بوصفها جارًا إيجابيًّا جيّدًا وشريكًا بنَّاءً في المنطقة، ثمّ إنّها بدأت تمتلك شعبية مُتزايدةً بين شعوب شرق آسيا. وقد عكست سياستها تلك في قمة آسيان في جزيرة بالي في تشرين الأول/ أكتوبر 2003؛ ذلك أنّها وقَّعت مع دول الآسيان اتفاقًا متعلّقًا بالشراكة الإستراتيجية، والتجارة الحرَّة، وإلغاء الحواجز الجمركية إلغاءً نهائيًّا، عام 2011 51. واتفق الطرفان عام 2014 على ضرورة تحديث اتفاقية التجارة الحرَّة بينهما؛ لأنّها لم تعُدْ ملائمةً، وصارت غير قادرة على مجاراة التطورات الكبيرة التي تشهدها العلاقات الاقتصادية والتجارية والإمكانات التنموية بين الطرفين. وقد أشار هو تشنغ، وزير التجارة الصيني، إلى أنّ الاتفاقية تستهدف "تحسين الوصول إلى السوق من خلال تمكين الطرفين من التكيُّف بطريقة أفضل مع التحديات الإقليمية والدولية، ودعم تطبيق إستراتيجية طريق الحرير البحري، وتحقيق هدف التجارة بين الصين والآسيان بقيمة تريليون دولار عام 2020 بحسب تحديد زعماء الطرفين52." وتنطلق الصين في سياستها تلك من قناعتها المُطلقة بأنّ بناء علاقات سليمة مع دول الجوار الإقليمي والعالم المتقدّم هو الذي يُ كِن أن يضمن لها استمرار صعودها وعجلتها التنموية.
الجدول)4(تصورات متعلّقة بالنمو الصيني بحسب خصائصه
يؤكِّد هذا الجدول أنّ الموقف الشعبي من صعود الصين ونموها الاقتصادي والعسكري لا يختلف كثيرًا عن الموقف الرسمي، وهو أمرٌ عرضه بارثيليمي كورمونت مُبيِّنًا هذا الموقف في عدد من الدول الغربية والآسيوية. ويظهر من خلال هذا الجدول أنّ الرأي الغربي يبقى أقلّ سلبيةً من الموقف الآسيوي عندما يتعلَّق الأمر بالتطور والتفوق العسكريين، ولا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية، ويتضح أنّ تأييد التطور الاقتصادي الصيني جاء أكثر إيجابيةً أيضًا. ونلاحظ، إضافةً إلى ذلك، أنّ الفارق بين المؤيّدين لنمو الصين الاقتصادي وصعودها والمعارضين له ليس كبيرًا53، في حين نجد أنّ هذا الفارق يزداد كثيرًا عند الحديث عن النمو العسكري. وعلى الرغم من إعلانات الزعماء الصينيين المتكررة التي تُؤكِّد أن صعود الصين هو صعود سلمي، ومن كلّ محاولات الاحتواء السلمي للمشكلات مع الدول الآسيوية، فإنّ مصادر الصراع الثلاثة في آسيا تبقى مرجحةً للتصعيد. وتتعلّق أوّل بُؤر التوتر بمسألة تايوان العصيَّة الحلّ؛ فمن المنظور الصينيّ يُرفض التفاوض في هذه المسألة إلَّ على قاعدة إعادة ضمّ تايوان إلى الصين بوصفها جزءًا من أراضيها. أمّا مصدر التوتر الثاني، فهو الصراع على جزر سبارتلي في بحر الصين الجنوبي. وأمّا مصدر التوتر الثالث، فيتمثّل بالعلاقة بين الصين واليابان؛ ذلك أنّ العلاقات ذات الخلفية التاريخية بينهما تنعكس على العلاقات بينهما في الوقت الحاضر، إضافةً إلى تعرُّضها للتأزُّم بين فترة وأخرى.
خامسًا: عقبات استمرار صعود الصين السلمي
شهدت الصين خلال الثلاثين عامًا الماضية تحولّات وتغيرات فاقت تلك التي شهدتها خلال مرحلة السيطرة الشيوعية وأكثر تأثيرًا فيها. وبالنظر إلى تأثير ثلاثة أبعاد؛ من التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق، ومن الاقتصاد الريفي إلى الاقتصاد الحضري الصناعي، ومن الاكتفاء الذاتي إلى سياسة الانفتاح عن الخارج الذي حمل معه زيادة اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، ولا سيما مع انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، فإنّها لن تكون مركزًا للتصنيع فحسب، بل ستصبح شيئًا فشيئًا مركزًا للبحوث والتطوير. إنّ صعود الصين السلمي في المستوى العالمي لم يأتِ من واقع خال من المشكلات، ولن يستمر أو يتابع مسيرته من دون وجود عقبات ومصاعب يمكن أن تواجهها. فعندما أعلن دينغ سياو بينغ "أبو الصين الحديثة" في نهاية السبعينيات من القرن العشرين برنامجه الإصلاحي، كان الإرث الذي تركته مرحلة الشيوعية الماوية ثقيلً جدًّا، وكانت العقبات الأخرى الحائلة دون استدامة النمو الصيني، على الوتيرة نفسها، كثيرةً ومتنوعة.ً ومما لا شكَّ فيه أنّ استمرار الصعود الصيني على هذا النحو يُ كن أن يواجه مشكلتين رئيستين. فالمشكلة الأولى تتمثّل بالتفاوت الكبير في المستويات الإنمائية والمعيشية بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية. وبناءً على إدراك الزعماء الصينيين أنّ المناطق الساحلية هي دائمًا الأقرب لتقبُّل التغيير والانفتاح، فقد اختارت الصين الساحل الجنوبي لإنشاء مناطق اقتصادية تضمّ الاستثمارات الأجنبية والشركات المختلطة (الصينية - الأجنبية.) وانعكس هذا الأمر على تباين مستوى دخْل الأفراد؛ إذ صار دخلهم في المناطق الساحلية أفضل كثيرًا من المناطق الداخلية الواقعة في الغرب والوسط. ففي شنغهاي على سبيل المثال، بلغ مستوى الدخل خمسة أضعاف مستوى الدخل في مقاطعة سيشوان. وبوجه عامّ، يمكن الإشارة إلى البيانات التي تتحدث عن حظوة أكثر من 200 مليون صيني بدخل فردي يبلغ نحو الألف دولار سنويًّا، في وقتٍ لا يصل فيه دخل أكثر من 900 مليون صيني إلى 137 دولارًا سنويًّا أيضًا54. ويمكن أن تُشكِّل شيخوخة سكان الصين أيضًا عقبةً رئيسةً حائلةً دون نموّ الاقتصاد الصيني الذي لا يزال يحتاج إلى أن ينمو بخطى ثابتة لزيادة دخل الفرد. وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن يظلّ الاقتصاد الصيني يسجّل معدل نموّ مرتفع نسبيًّا. لهذا، ينبغي الاستفادة من عملية التصنيع والتحضر، والاستفادة القصوى من العائد الديموغرافي. وينبغي أيضًا تحسين نوعية النمو الاقتصادي من خلال تنمية رأس المال البشري ودعم الابتكار. فبعض هذه التطورات أو الإجراءات الأخيرة التي اتُّخذت بالفعل صبَّت في الاتجاه الصحيح، ولكن ظل الجهد المبذول في بعض المناطق غير كاف. ويُشير تشي فو لين، مدير المعهد الصيني للإصلاح والتنمية في هاينان، إلى أنّ المشكلات التي ستواجهها الصين مع الإصلاح والتنمية هي
مشكلات اجتماعية وأيديولوجية. ويعني بذلك التعارض المبدئي بين حُكم الفرد وحُكم القانون، وما تحكمه توجهات الحكومة وما تفرضه توجهات السوق. فهذه كلُّها مشكلات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة الإقطاعية القديمة. لذلك، على الصين أن تعتمد ثقافةً متطورةً تتَّسم بالتعامل مع تلك المشكلات على نحوٍ صحيح وأن تقدّم حلولً ملائمةً لها55. ومن المشكلات الأخرى ما يتعلّق بطبيعة النظام الإداري؛ إذ يتطلب هذا النظام إدخال تعديلات جديدة عليه تلائم سياسة الإصلاح، وتستجيب للتنمية الاجتماعية، وتتوافق مع الأوضاع الاجتماعية الجديدة. ولعل أهمّ المشكلات التي تواجهها الصين، في إطار استمرار النمو الذي تعيشه، دور الحكومة وطبيعة النظام السياسي للبلاد؛ إذ ينبغي للصين أن تقوم بإجراء إصلاحات سياسية فاعلة ومستديمة ملائمة للمرحلة التي تعيشها، من خلال تعديل دور الحكومة في ما يتعلق بمسائل الديمقراطية والقانون، ومنع استخدام بعض الأفراد السُلطةَ؛ بهدف تحقيق مصالح خاصة بهم، إضافةً إلى سَنِّ قوانين واعتماد إجراءات تضمن عدم تدخل الحكومة في حقل الأنشطة التجارية56. إنّ التاريخ مازال قريبًا لاستخلاص العبر، أو بمعنى أدق ليتذكر القادة الصينيون نتائج تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد. فالتاريخ الصيني الحديث يُقدِّم محاولات كثيرةً في هذا الشأن، منها: خضوع التجارة لرقابة الماندارين في الفترة الأخيرة لحكم سلالة تشينغ المنشورية، والتحالف التاريخي بين الماندارين والكومبرادور، إضافةً إلى محاولات تخطيط الاقتصاد التي قام به الحزب الوطني خلال فترة الثلاثينيات من القرن العشرين على النسق نفسه الذي كان معمولً به في الاتحاد السوفياتي آنذاك. وقد أخفقت جميع هذه المحاولات في النمو بسبب أوضاع معيّنة، ونقص الدينامية الاقتصادية، وسوء سير جهاز الدولة، وهي أسباب يراها آلان رو قائمةً، وإن كانت بأشكال، ونماذج، وأنماط جديدة ومختلفة57. وتعاني الصين، بعد الخروج من عصر الماوية، عدم المساواة - ولا سيما المالية منها - على الرغم من التحسُّن العامّ في مستوى حياة الصينيين. ومن التحديات التي تواجهها الصين، والتي تؤثِّر سلبيًّا في استمرار صعودها ونموها الاقتصادي، مشكلةُ الفساد. وللفساد في الصين ثلاثة مصادر. فمصدره الأول يأتي من محاولة استعمال السُلطة الإدارية؛ بهدف التدخل في السوق وتحقيق المكاسب. ومصدره الثاني ناجم عن محاولة الحصول على معلومات، قبل الآخرين، تتعلق بالمشاريع والمؤسسات التي يشملها الإصلاح الحكومي. أمّا مصدره الثالث، فهو ناتج من عيوب السوق نفسها. إلا أنّ السبب الرئيس للفساد هو تدخل الدولة في الاقتصاد من دون خوف من الرقابة. ومن أجل تحقيق مكافحة فعالة ضدّ الفساد يجب تحقيق شرطيْ؛ أحدهما يتمثّل بضرورة فكِّ ارتباط الاقتصاد بالدولة من جهة، والآخر يتمثّل بإنشاء لجنة مستقلة من النوع الموجود في هونغ كونغ مهمتها الأساسية مكافحة الفساد من جهة أخرى58.
إضافةً إلى تلك الصعوبات التي تُحصر في واقع الداخل الصيني وترتبط به، توجد عوامل خارجية - منها الإقليمية والدولية - مؤثّرة في حاضر الصين ومستقبلها. وفي هذا السياق، نذكر الصراعات والخلافات الحدودية، ولا سيما أنّ للصين حدودًا مُشتركةً مع 22 دولةً، وملف تايوان موضوع الصراع الصيني -الأميركي، وكذلك العلاقات الثلاثية الأطراف، ونعني بها الصين، واليابان، والولايات المتحدة. فالخلاف الصيني - الياباني يحمل إرثًا تاريخيًا ثقيلً مازال ينعكس، بطريقة أو بأخرى، على طبيعة العلاقات بين البلدين. أمّا علاقات الصين بالولايات المتحدة، فستبقى مرتهنةً بملفات عديدة متشابكة؛ منها ما يرتبط بعلاقات البلدين ببعضهما، ومنها ما يرتبط بملفات أخرى تفرض نفسها على تلك العلاقات (العلاقات التجارية، وسعر صرف اليوان مقابل الدولار)، على أنّ الصين تعمل دائمًا على إظهار أنّها تجنح دائمًا للحوار في علاقاتها الخارجية؛ وذلك من خلال اتباعها طرقًا ملتويةً في
إطار ما يُسمى "فنّ المناورة" لتحقيق أهدافها59. و"الصعوبة في هذا الصدد تتمثّل بجعْل الطريق الملتوية أكثر الطرق مباشرةً واستبدال الضرر بمنفعة"60، وهو ما لا يختلف كثيرًا عن مقولة دينغ سياو بينغ مهندس الإصلاح في الصين؛ إذ لا يهمّ أن يكون لون القطة أبيض أو أسود. فالمهمّ أنها تصطاد الفئران.
خاتمة
استطاع سياو بينغ والجيل الرابع من الزعماء الصينيين الذي جاؤوا بعده، أن يُحقّقوا حُلم الصين القديم الممتدّ إلى مئة عامٍ؛ وهو مُتمثّل بتحويل الصين إلى أمَّة عظيمة. وها أنّها قد أصبحت، بالفعل، قوَّة عالميةً عظيمةً في المستوى الاقتصادي وفي المستوى الجيوسياسي أيضًا. وهي مختلفة عن بعض قوى المسرح العالمي المرتبطة بمحاولات توسع إقليمي أو بشنّ الحروب كما هو الشأن بالنسبة إلى كلّ من اليابان وألمانيا في القرن العشرين، بل إنّها تظهر بعكس ذلك. فقد بادر الزعماء الصينيون إلى طمأنة العالم من خلال تأكيدهم أنّ صعودهم الاقتصادي ليس إلا صعودًا سلميًّا، مُشيرين في الوقت نفسه إلى أن طموح الصين إلى تُصبح قوَّةً عالميةً لن يؤدِّي إلى إحداث اضطرابات، أو إلى مساهمة في زعزعة الاستقرار العالمي. ويعلم الزعماء الصينيون أنّ نموّ التجارة الخارجية للصين، وازدياد حضورها على المسرح العالمي لا يمكن أن يتِمَّ بإثارة الخلافات مع الدول المتقدمة، أو بالعودة إلى سياسة العزلة، أو افتعال حوادث يمكن أن تُثير الحروب أو الصراعات مع دول عالمية فاعلة. فانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، ساهم في تفعيل احترام الصين للقوانين الدولية والحوار مع الدول بهدف إيجاد حلول للخلافات الخطِرة، ولا سيما مع الولايات المتحدة، الفاعل الأساسي العالمي، ومع جيرانها الإقليميين وخصوصًا منهم اليابان. وتمتلك الصين فُرصًا وخيارات كثيرةً تمكّنها من أن تكون من بين القوى العالمية، ومن أن تظلّ كذلك. فهي في طور اكتشاف وتطوير للوسائل التي تُ كِّنها من تقليص الفجوة التي تفصلها عن التفوق الذي تحظى به الولايات المتحدة، بخاصة في مجال التكنولوجيا المتطورة المرتبطة بالفضاء والاتصالات والإنترنت. والأكثر أهميةً من ذلك أنّ الصين ستعمل على توظيف قوّتها العسكرية ووسائلها السياسية لتحقيق أهدافها، من دون اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.
لا شكَّ في أنّ الصين أصبحت قوَّةًاقتصاديةً كبرى وأنّ هذا الأمر صار واقعًا لا جدال فيه، ولكنّها في الوقت نفسه تُثير كثيرًا من الإعجاب، والانتقاد، والقلق. وربما لاحظنا خلال هذا البحث أنّ الاقتصاد الصيني وقدرته اعتمدا على نحوٍ أساسي على نموها الاستثنائي. وبقي أن تحافظ الصين على المكانة العالمية التي وصلت إليها، وأن تُلغي القلق والخوف لدى القوى الكبرى، وأن تكون دولةً مقبولةً عند سائر الدول. إلا أنّ التحدي الأكبر الذي تواجهه هو أن تكون مستعدة لقبول الانتقاد الموجه إليها من الداخل والخارج على حدّ سواء. ويرى دارسون كثيرون أنّ الصين تتَّبع سياسةً ثنائيةً في الترويج للنمو والصعود الذي حقَّقته، وهو الأمر الذي أدَّى إلى التمييز بين صينيْ. فبعضهم يقول إنّ الصين تتَّبع سياسةً هجوميةً في ما يتعلق بالملفات الإقليمية وسياستها مع جيرانها المباشرين ضمن حدود محيطها الإقليمي، وبعضهم يقول إنّ الصين هي الصين الدفاعية، أو الصين المتعاونة المتعدّدة التوجهات في المستوى العالمي. بعد التطور الاقتصادي الكبير الذي حقّقته بعض الدول في آسيا، بدأ بعضها، وبخاصة الصين، في نشر نفوذه الاقتصادي، والثقافي، والسياسي، في مناطق خارج حدود المنطقة الإقليمية إلى مناطق أبعد؛ في أفريقيا، وأميركا اللاتينية، وآسيا الوسطى. ومع النفوذ الكبير الذي حقّقته الصين، بدأ الحديث منذ فترة قصيرة، ولا سيما في الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية على نحوٍ أقلّ، عن القوة الناعمة الصينية بدلً من الصعود السلمي بحسب التعبير الصيني. لذا، فعلى صين المستقبل، مع كلّ التقدم الذي يمكن أن تحقّقه، أن تتعامل مع الدول الأخرى على قَدم المساواة، وأن تُساهم على نحوٍ فعَّال في الاستقرار والازدهار العالميي.