اليمن ما بعد عاصفة الحزم
الملخّص
تحاول هذه الورقة مناقشة أحوال الجماعات الفاعلة في الحقل السياسي اليمني، وإبراز أهمّ رهاناتها في إستراتيجية إدارة الصراع؛ فتعدد الجماعات المحتقنة بثارات الماضي وامتداداتها التاريخية، يخلق تقاطعات معق دة فيما بينها. فتحالف "الزمرة" والتجمع اليمني للإصاح مع المؤتمر الشعبي العام، في حرب صيف 1994، وتحالف الحوثي مع النظام السابق ضد قوى 11 شباط / فبراير 2011 التي أخرجت صالح من السلطة، ودور اللواء علي محسن الأحمر في المواجهات مع الحوثيين في الحروب الست 2006-2004()، وغيرها، تشير في مجموعها إلى ذاكرةٍ مثقلة بالثارات، ما يؤسس، في ظل حالة الااستقرار، لجولات احتراب مقبلة. تناقش الورقة أيض ا انقسام الهوية الوطنية إلى شمالية وجنوبية، ووقوف مزاج شعبي جماهيري رافض كل ما هو شمالي. يضاف إلى ذلك، اشتداد حدة الصراع المذهبي، وما جرى في عهد صالح من تقويضٍ ممنهج لأسس الدولة المدنية الحديثة، وإضعاف قوى التحديث لمصلحة القوى التقليدية، وإضعاف المركز لفائدة الأطراف. وترى الورقة أنّ أيّ معالجة لا تأخذ في الحسبان التشابكات التي ذكرت سابق ا، لن يتحقق لها الملخص النجاح. فأيّ تسوية سياسية توافقية بين الأطراف المتنازعة، تعدّ بمنزلة تأجيل موق ت ا للتدخ ل والنفوذ الخارجيَّين لاحتراب الدوري ولاستمرار حالة الااستقرار، ومنفذ.
متطلبات إعادة بناء الحقل السياسي
مقدمة
تتّخذ هذه الورقة من متطلبات إعادة بناء الحقل السياسي اليمني ما بعد عاصفة الحزم وإعادة الأمل – مازالت الأخيرة مستمرة عسكريًا، وإنسانيًا، وسياسيًا - مجالً لاشتغالها؛ فالمسألة بحسب اعتقادنا لا تتوقّف عند إضعاف قدرات الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح أو تدميرها، والدعوة إثر ذلك إلى تسوية سياسية توافقية بين الأطراف اليمنية المتصارعة. وما يؤكّد وجهة نظرنا استمرار الصراع السياسي والعسكري بعد توقيع الأطراف اليمنية المتصارعة المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية في الرياض 2011، وتنفيذها شكليًا. وخلال المرحلة الانتقالية، تمكّنت إيران من تعزيز نفوذها ومكانة وكلائها المحليين. تتطلّب المعالجة تدخلً قصديًا يتأسّس على حفريات تدريجية لآليات اشتغال الحقل السياسي اليمني تعيد تركيب القوى المتصارعة ورهاناتها؛ فلا يمكن تحقيق استقرارٍ مستدام إلّ من خلال تأصيل مبدأ محافظة الجماعات المتصارعة على الحقل السياسي، ووفقًا لقواعد الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية ومبادئها. وعليه، تفترض هذه الورقة أنّ معالجة المسألة اليمنية وفقًا لتسوية توافقية بين الأطراف المتصارعة هي تأجيل موقّت للاحتراب واستمرار للّ استقرار. ولاختبار مدى صحة الفرضية من عدمها، سنعمل على إعادة تركيب الجماعات المتصارعة ورهاناتها، وكذا مخرجات إدارة شؤون الدولة والمجتمع اليمني.
ثقل جراح الذاكرة الجماعية وترحيلها
لقد أعلنت النخبة السياسية الحاكمة اندماج جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (عدن) والجمهورية العربية اليمنية (صنعاء) في كيان واحد هو الجمهورية اليمنية 1990. وأعلنت اعتماد النظام الديمقراطي التعددي بديلً للنظام الأحادي الحزبي. ولم يأت ذلك قناعة من جانب النخب، وإنّ ا بناءً على حسابات عقلانية للمجال الدولي إثر انهيار الكتلة الاشتراكية، واستمرار القوى الليبرالية الغربية التي حصرت التمتّع بمنافعها والنفاذ إلى مجالها بإجراء تحولّات ديمقراطية. وعليه، لم يأت الانتقال الديمقراطي في اليمن بفعل قناعة النخب السياسية اليمنية علاوةً على تدنّ وعيها المدرِك مقتضياتِ الانتقال الديمقراطي وفقًا لحقل علم الانتقال transitlogy وما يتطلبه من تفكيك متدرّج للنظام السلطوي الشمولي الأحادي تزامنًا والمصالحة مع الذاكرة الوطنية؛ فقد رحّلت النخب السياسية كلّ جراح الماضي إلى الحقل السياسي الجديد؛ من ذلك مثلً صراعات الجبهة الوطنية والقومية، وأحداث كانون الثاني / يناير 1986، والاختفاء القسري، والاغتيالات (جنوبًا)، والصراع الجمهوري الجمهوري، والجمهوري الملكي، والاختفاء القسري والاغتيالات (شمالً)، علاوةً على انعدام الثقة بين النخب السياسية والحزبية اليسارية والقوى الدينية والاجتماعية (شيوخ القبائل)، بفعل التعبئة الأيديولوجية وال اررع السياسي والعسكري إبان الاشتراكية (جنوبًا) والليبرالية الإسلامية (شمال)، الأمر الذي عمّم انعدام الثقة بتصفية الحسابات القديمة؛ فتعددت الاغتيالات واستهداف الشخصيات الحزبية في الحزب الاشتراكي اليمني في عمليات تراكمية قادت نحو حرب صيف 1994 1. والذي يؤكّد وجهة نظرنا من عدم التأسيس المحكم للانتقال الديمقراطي المحدِث للاستقرار، ما تناوله مايكل س. هدسون بالقول2: "على الرغم من الشكل الرسمي للوحدة، فإنّ اليمنيين كانوا مرتبطين معًا عام 1990 في نظام (مندمج) وليس في نظام (متلاحم).(). اتحاد اليمن تم تحقيقه بجرّة قلم في 22 أيار / مايو 1990)..(فهذا بحدّ ذاته لا يضمن أن يكون الاندماج السياسي أمرًا مفروغًا منه. وفي الواقع تحت الغطاء السياسي (الوطن الشرعي) كانت المؤسستان السياسيتان اللتان جمعتا في (عقد قران) الوحدة ولكنّهما لم تدمجا وإنما بقيتا تناوران بالمحافظة على استقلاليتهما وسلطتهما... إلخ." وبالعودة إلى تراكم الاحتقان في الذاكرة الجماعية الوطنية، نجد أنّ الترحيل الأوّل لها للدولة الموحّدة قاد نحو النزوع إلى الاحتراب صيف 1994، والذي شارك فيه بفاعلية إلى جانب المؤتمر الشعبي العام (شمال) التجمع اليمني للإصلاح والقوى الدينية والاجتماعية المناهضة لليسار
(الشيوعي)، نتاج مرحلة التعبئة والصراع بين المرجعيات الأيديولوجية للدولتين الشمالية (ليبرالية إسلامية) والجنوبية (اشتراكية) وجماعات (الزمرة)؛ تلك الجماعات العسكرية والحزبية والسياسية التي نزحت نحو الشمال اليمني إثر أحداث كانون الثاني / يناير 1986، وعادت لتصفية حساباتها مع خصومها. وتراكُم الاحتقان والثأر هو الذي يعيد إنتاج الصراعات في دورات متعاقبة؛ فإثر حرب صيف 1994 لم يتبع النظام السياسي المصالحة الوطنية. بل اتّبع سياسةً قادت إلى نشأة الحراك الجنوبي واستدعاء الهوية الوطنية لأبناء المناطق الجنوبية. وقادت حروب صعدة الستّ نحو تفجير منازل الخصوم، وبصفة خاصة بيت الأحمر؛ فقد كانت قبيلة حاشد تشارك في إطار المجهود الشعبي في حروب صعدة، وملاحقة اللواء علي محسن الأحمر الذي كانت قواته وفقًا لموقعها تواجه الحوثيين في الحروب الست 2004 - 2010 ومازالت التداعيات مستمرة. وفي السياق نفسه، تتنزّل انتهاكات الاحتجاجات المجتمعية 2011، وما يشهده اليمن اليوم منذ تسليم صنعاء في 12 أيلول / سبتمبر 2014، واتّجاه الحوثيين والرئيس السابق صالح نحو الاستيلاء على السلطة وتصفية حساباته مع أولئك الذين أخرجوه من المشهد السياسي بعد ثلاثة وثلاثين عامًا من الحكم. إنّها دورات صراع متراكمة ومزيد من الاحتقان والنزوع نحو الاقتتال الدوري، فاصلة. ولا يمكن إيقاف هذا العنصر الذي يعيد إنتاج الصراع إلّ بإجراء مصالحة مع الذاكرة الوطنية، من خلال آليات العدالة الانتقالية بوصفها شرطًا مسبقًا للاستقرار والانتقال الديمقراطي3.
ثنائية الأجندة الوطنية
أشرنا في ما سبق بإيجاز إلى كيفية إعلان قيام الدولة الجديدة من دون التأثيث المسبق أو اللاحق لها. ولا يهمّنا في هذا السياق الجانب التاريخي لوحدة الهوية والجغرافيا، على أساس أنّ اندماج الدولتين يعدّ لحظة تأسيسية تعاقدية للعيش المشترك القائم على المواطنة والعلاقات التعاقدية والتصورات المشتركة للذات الفردية والجماعية. وخلال الفترة الممتدة من 1990 إلى 1994، لم تُتّخذ عمليات قصدية وعقلانية باتّجاه توحيد الهوية وصهر كلّ الهويات السابقة لها. ويقول بهذا الخصوص ستيفن داي: "فشل توحيد اليمن في العام 1990 في خلق رباط وطني بين الشماليين والجنوبيين، عوضًا عن ذلك كشفت عملية التوحيد عن انقساماتهم، ما دعا إلى التساؤل عمّ إذا كان الشعب يشكّل أمة حقيقية تتشارك ذكريات اجتماعية وثقافية4." ويبدو أنّ هناك جملة من الاستعدادات النفسية والاجتماعية للانخراط في الهوية الجديدة لولا التعثّ في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. ولم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب؛ فالصراع والاضطراب في الحقل السياسي في الفترة 1990 – 1993 ضاعفَا ذلك، علاوةً على نزوع المؤتمر الشعبي العام نحو الاستفراد بالسلطة بعد حرب صيف.1994 وتمثّلت أولى تلك الخطوات بإزاحة الشخصيات السياسية والحزبية المنتمية إلى المناطق الجنوبية وتسريح الشخصيات العسكرية والأمنية قسريًا، وإحالتها على التقاعد المبكر؛ بعبارة أخرى، تعميم النموذج السائد في الجمهورية العربية اليمنية. ويقول بهذا الخصوص ستيفن داي: "اقتحم الحراك الجنوبي المشهد في المكلا ومدن أخرى في جميع أنحاء الجنوب بالاعتصامات والإضرابات والتظاهرات، وتغذّى من تظلمات المنطقة في أعقاب الوحدة وحرب 1994، ومن فشل الحكومة في تطبيق اللامركزية أو توسيع الحكومة المحلية والحال أن أساليب صالح في ترويج المحسوبية مع القبائل باستخدام عائدات النفط، لم تكن ملائمة للمثقف الجنوبي5."
لقد اتّبع النظام الحاكم سياسةً منهجية إقصائية لأبناء المناطق الجنوبية، علاوةً على احتكار السلطة والثروة في يد رئيس السلطة التنفيذية (صالح) وعصبته المحدودة التي اعتقدت أنّها قادرة على السيطرة على الجنوب من خلال اتّباع السياسة القبلية، كما هي الحال في الشمال؛ في محاولةٍ لإحياء الانتماءات الأولية وإعادة الاعتبار لشيوخ القبائل وأبناء السلاطين. إلا أنّ الأمر لم يكن كما هو متوقّع.
وهنا نتّفق مع علي أسعد وطفة في ما يتعلق بالهوية، في قوله: "إن الهوية كيان يجمع انتماءات متكاملة وهوية المجتمع تمنح أفراده مشاعر الأمن والاستقرار، وفي الوقت الذي يكون فيه المجتمع متعددًا بانتماءات وفئات وجماعات عرقية أو دينية أو سياسية، على السياسيين العمل على دمج هذه الانتماءات للوصول إلى هويّة مشتركة6." بعبارة أخرى، لا بدّ من أن تعمل عمليات التحديث المستمرة على ارتباطات الأفراد والجماعات بهوياتهم الأولية وصهرها في هوية وطنية؛ وذلك بواسطة توسيع نطاق المشاركة السياسية وعدالة توزيع الثروات وعائدات النموّ. ولا يتحقق ذلك إلّ بعقدٍ اجتماعي جديد يمنح بموجبه المواطنون السلطة شرعيتها المشروطة والمراقبة. إنّ كلّ ما تقدَّم لم يحدث في الفضاء المجتمعي اليمني؛ فمع تأسيس أوّل جمعية للمتقاعدين والمسرَّحين العسكريين والأمنيين - ورفض التصريح بنشأتها - انبثق الحراك الجنوبي تدريجيًا بدءًا من عام 2007، نحو مطالب متعلقة بالعدالة والمواطنة، وانتهاءً بفكّ الارتباط مع الشمال اليمني. وخلال عمليات الرفض المستمرة لكلّ تلك المطالب، جرى الاستدعاء التدريجي للهوية الجنوبية يسانده مزاجٌ شعبي عام يرفض دون نقاش كلّ ما هو شمالي. وبدَا هذا الاستدعاء للهوية من العقبات التي واجهت صوغ شكل الدولة الفدرالي، أو البسيط. ويعدّ أيضًا نقطة ضعف توحيد المقاومة الشعبية الوطنية تجاه القوى الانقلابية: الحوثيون وصالح قبل 21 أيلول / سبتمبر 2014 وبعده. وهو محور عصيّ على طاولة الحوار. ونعتقد أنّه التحدي الأبرز في إعادة صوغ الدولة اليمنية وبنائها.
المسألة المذهبية (الحوثيون)
تُعدّ هذه المسألة من التحديات المقبلة ذات العلاقة باستقرار اليمن، ليس من حيث استمرارها متقدمة على الهوية الوطنية فحسب، بل من حيث مقدار النفوذ الإيراني واستمراره مرتبطًا بإمكانية تحوّل الحوثيين إلى حركة سياسية، تتخلّ عن المليشيات العسكرية وفقًا للدستور والقوانين الناظمة أو جمعها بين الاثنين وفقًا لمعطيات الواقع. وبذلك سيكون النموذج اللبناني حاضرًا ومماثلً (حزب الله.) في هذا المستوى، سنحاول إبراز نشأة المشروع السلالي الحوثي بعد نحو نصف قرن من نشأة الدولة اليمنية الحديثة عام.1962 وقبل الشروع في ذلك، لا بدّ من أن نشير إلى مسألة مهمة تتمثل بأنّ هناك مذهبًا آخر في اليمن، هو المذهب الإسماعيلي، احتجب أمام قوة التقابل بين المذهب الزيدي والسنّي (الشافعي.) ومرد ذلك التقابل الزيدي الشافعي أنّ له ارتباطاته المادية والجغرافية والاجتماعية والسياسية حتى يومنا هذا. يقول بهذا الخصوص ستيفن داي: "نادرًا ما كان اليمنيون عبر التاريخ موحّدين تحت حكم مشترك، إنّ جغرافية البلاد - جبال شاهقة في الغرب حول العاصمة صنعاء، وصحراء داخلية واسعة ونظام أودية رائع في الشرق معروف باسم وادي حضرموت – خلقت الانقسامات وأدامتها في عصور ما قبل الإسلام. وفي الحقبة الإسلامية ظهرت مدارس دينية وأنظمة حكم متميزة. وقد هيمن الزيديون)....(وأسّ سوا نظام الإمامة في نهاية المطاف، أمّا الشافعية وهم من أتباع المذهب السنّي الرئيس في الإسلام، فقد انتشروا على طول البحر الأحمر والمناطق المنخفضة إلى الجنوب من صنعاء. وهكذا أبقت الجغرافيا أهل السنّة والشيعة منفصلين."
ولا بدّ من تفكيك العلاقة بين الجغرافي والاجتماعي والمذهبي؛ إذ يمكّننا ذلك من تفسير شدة التقابل بين الزيدية والشافعية (السنّة)؛ فمن المعلوم أنّ الحاضنة الاجتماعية والجغرافية والرمزية هي مناطق الطبيعة الوعرة والقبائل ذات البأس الشديد في الشمال. وبذلك التقى مفهوم الغلبة لدى القبائل مع مبدأ خروج الإمام لطلب البيعة بحد السيف، وفقًا لقواعد المذهب الزيدي. ولم يعرف اليمن الاستقرار نحو عشرة قرون ونيف، وهي فترة حكم الإمامة الزيدية التي انحصرت معظمها في مساحة ضيّقة من الشمال، ولم يتسنّ للأئمة فرض نفوذهم السياسي على كامل
الجغرافية اليمنية إلّ في فترات متقطعة ومحدودة من الزمن، قياسًا بالدول السنّية الكبيرة التي تأسست في اليمن، وتجاوَز نفوذها حدودها خلال هذه الفترة. وفي القرن الماضي، وتحديدًا بعد خروج الأتراك من اليمن، فرض الإمام الزيدي سيطرته على ما كان يُعرف باليمن الشمالي. واستمرّ ذلك حتى إطاحة النظام الإمامي عام.1962 على أنّ هيمنة أبناء المناطق الزيدية على المناطق الشافعية، استمرت خلال العهد الجمهوري. وساعد على ذلك نزوع الجماعات السنّية التي تمتهن الزراعة والتجارة إلى الاستقرار. واستمرت هيمنة تلك المناطق على هياكل صناعة القرار ومؤسساتها، بفعل تراثها ووجودها في هياكل الحكم حتى يومنا هذا. وكان هناك دستور عرفي يفيد بأن يكون رئيس الجمهورية من أبناء المناطق الزيدية، ورئيس الوزراء من المناطق السنّية الشافعية. أمّا مفاصل الدولة والقيادات العليا للجيش ومناطق تجنيد المؤسسة العسكرية والأمنية، فكانت حكرًا على أبناء المناطق الزيدية. وكانت تلك السياسة أكثر وضوحًا ومنهجية مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وعلينا أن نشير هنا إلى مسألةٍ أخرى تتعلق بالخلط بين أتباع المذهب الزيدي وأبناء السلالة الهاشمية؛ فبعد الثورة اليمنية 1962، اتّجه الخطاب نحو إقصاء الملكيين من المنتمين بحسب اعتقادهم إلى الرسول (ص.) وظلّ الصراع بين الملكيين المدعومين من المملكة العربية السعودية، والجمهوريين المدعومين من جمهورية مصر العربية، حتى جرى التوصّل إلى عقد اتفاق في الستينيات تمّت بموجبه عودة الملكيين، وتقاسم السلطة والنفوذ. واستمر الصراع غير المعلن للسيطرة على الحقل السياسي. إلا أنّه في مرحلة السبعينيات، في إطار محاربة المدّ الشيوعي، وبتنسيقٍ بين السعودية والدول الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة الأميركية، جرى إنشاء المعاهد العلمية الدينية ومدارس القرآن الكريم، بحيث لا تحدّ من النفوذ الشيوعي فحسب، بل لتخلق نخبتين في الشمال اليمني، وتنخفض، من ثم، نسب ممكنات الاندماج في إطار المرجعية الاشتراكية. واستمر تعميم تلك المدارس والمعاهد والأفكار الدينية في المجال التاريخي الاجتماعي والجغرافي للمذهب الزيدي، وتحديدًا لدى قبائل حاشد وبكيل. وظل الخطاب الرسمي مستهدفًا الإمامة والسلالية دون تمييز في الخطاب أو تعديل في إستراتيجية إدارة الصراع؛ بحيث ينفتح مجال الدولة على تلك الفئة ويستوعبها وفقًا لمبدأ المواطنة والفرص المتساوية. واستمرت تلك المنهجية حتى قيام الوحدة اليمنية عام 1990. وهي السنة التي ظهرت فيها فكرة "الشباب المؤمن" بوصفها بذرة أنبتت الحركة الحوثية التي خاضت مع الدولة ستّ حروب. ولا بدّ من أن نشير هنا إلى أنّ تلك الحروب كانت مدروسة؛ فإضافةً إلى السعودية التي تسكنها فوبيا المدّ الإيراني، أراد الرئيس السابق في الوقت نفسه إنهاك قوات اللواء علي محسن الأحمر المرشَّح المحتمل للرئاسة، وإزاحته؛ تمهيدًا لتوريث الحكم لنجله. زادت تلك الحروب الحوثيين قوةً، وضاعفت دربتهم القتالية، الأمر الذي أحيا نزعة العودة إلى السلطة. وبما أنّ المرجعية التاريخية الداعمة الأسرة الإمامية لم تعد كذلك، توجّهت القيادات الشابة للشباب المؤمن إلى إيران لطلب الدعم والمساعدة، وأدخلت تعديلات على مرجعياتها. يقول بهذا الخصوص عبد الله السالمي: "جماعة الحوثي التي تتكئ في (رؤيتها وعقيدتها) على مقولات الجارودية وامتداداتها الهادوية، أمّا في شعاراتها فتأخذ بنصيبٍ وافر من الإسلام السياسي الشيعي (الإثني عشري)7." لقد اعتمد "الشباب المؤمن" وفيما بعد أنصار الله (الحوثيون) على استيعاب فئة الشباب منذ مراحل مبكرة في معسكرات صيفية تلقّنهم العقيدة، بمرجعيتهم المتشددة، وذلك منذ عام 1990 وحتى يومنا هذا. ومنذ انطلاق الحرب الأولى عام 2004 مع الدولة وحتى السادسة عام 2010، كوّنت مجموعات قتالية محترفة شكّلت منها مليشيات، في استدعاء واضح لنموذج "حزب الله" في لبنان. وبناءً على ما تقدَّم، تُعدّ المسألة المذهبية في تمظهرها الحوثي، إحدى العقبات الرئيسة للدولة اليمنية من حيث التعصب المذهبي لجيل من الشباب جرَت تنشئته على تلك الأفكار منذ حوالى ربع قرن، وجعلته
يحدد الآخر بالنسبة إليه تحت مفردة "الدواعش"، هذا من جانب. واستيلاء حزب الله على أسلحة الدولة وتخزينها علاوةً على امتلاكه مليشيات وأجهزة سياسية وإعلامية تجعل استمراره على شاكلة حزب الله ممكنَ الاحتمال. وهذا يعني بوضوح انعدام فرص بناء الدولة واستقرارها، من جانبٍ آخر.
تقويض أسس الدولة اليمنية الحديثة
لقد اتّبع الرئيس السابق آليةً لإدارة شؤون الدولة والمجتمع تعتمد على تقوية الرموز التقليدية على حساب قوى التحديث الأكاديمية والحزبية والمدنية، بهدف السيطرة على الحقل السياسي. وبدّد إيرادات النفط المحدودة في كسب الولاءات وتمويل الاحتراب بين الجماعات القبلية. وبهذه الآلية جرى اتّباع مسار مغاير الاتجاه لوظائف الدولة الوطنية. ومن أهمّ وظائفها تعزيز المركز وإضعاف نفوذ القوى التقليدية، واحتكار العنف الشرعي، من خلال تعزيز سيادة القانون، وليس تعميم الأعراف والأحكام القبلية في المدن والخضوع لأحكامها حتى من جانب رئيس الدولة ذاته الذي خضع للنفوذ القبلي في قضية جابر الشبواني (الذي اغتيل بطائرة من دون طيار)، وخضوع الدولة لحكم القبيلة في (قضية المعجلة)، وقبول الدولة حكم القبيلة. ونؤكد وجهة نظرنا في الآلية المتّبعة الهادفة إلى إضعاف قوى التحديث، من خلال نِسب تمثيل الرموز القبلية في مجلس النواب مقابل المكوّنات الأخرى؛ إذ نلاحظ الارتفاع التدريجي لنسبة تمثيل القوى التقليدية القبلية من 29.6 في المئة في مجلس النواب الانتقالي للفترة -1990 1993 إلى 44.1 في المئة في مجلس نواب 2001، والذي لا يزال مستمرًا بفعل المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية8. لقد اتبع النظام الحاكم، إعادة إنتاج الرموز التقليدية على حساب قوى التحديث؛ ما أفقد القوى التحديثية والديمقراطية القدرة على الانتظام في حركات اجتماعية فاعلة ومؤثرة، بخاصة مع وجود سياسة إضعاف ممنهجة للأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني التي فقدت القدرة على تجميع مطالب الجماهير وحمايتها لمصلحة القوى التقليدية التي تجمّعت حولها الجماهير واستدعت هوياتها الأولية القبلية والمناطقية. وساعدها في نمائها وثبات وجودها تدنّ أداء مؤسسات الدولة، وضعف سيادة القانون، وتدنّ الشعور بالمواطنة المتساوية، وضعف أداء القضاء وعدم استقلاليته. ففساد السلطة القضائية والتأثيرات القبلية في سير العدالة، وفي الأحكام التي يمكن أن تصدر عنها، أضعفت قدرتها على إصدار أحكام منصفة، ترعى أسس العدالة.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتدت مخرجاته نحو تدنّ ثقة الجماهير بالديمقراطية والتعددية؛ فعلى الرغم من إجراء ثلاث دورات انتخابية برلمانية، ودورتين انتخابيتين رئاسيتين، خلال الفترة 2011-1999() لم تتحصّل أحزاب المعارضة على مقاعد تتجاوز الثلث، الأمر الذي أبقى تأثير المعارضة في البرلمان ضعيفًا، إلى حد أنّها لا تستطيع صناعة القرار أو تأمين النسبة الدستورية لتوجيه الاتهام لرئيس الجمهورية في حال ارتكابه مخالفات مضمّنة في الدستور، منها التفريط في السيادة. أضف إلى ذلك أنّه لم يَحدث تداولٌ سلمي للسلطة، خلال تلك الفترة. يقول محمد الظاهري إن اليمن تعاني من أزمة سياسية ومجتمعية شاملة ومركبة. وأنها ليست على مستوى النظام السياسي فحسب، وإنما على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع لأسباب عدة. وعزا الظاهري الأزمة إلى "افتقار التوجه الرسمي لصدقية الأخذ بجوهر القيم الديمقراطية...9." نجم عن ذلك ضعف كلٍ من المجتمع والدولة وضعف الحاكم السياسي اليمني. وفي الموضع نفسه، يقول التقرير أيضًا: "يقال إنّ مجتمعًا ما يعاني من أزمة تكامل وطني وأزمة هوية عندما تكون انتماءات أفراده وولاءاتهم متّجهة نحو كيان محلي محدود، أدنى من الوطن والدولة
(كالولاء للقبيلة والطائفة والسلالة والمنطقة)..(ويبدو في الأحداث الأخيرة التي عاشتها اليمن بدءًا من 1994 ما يجعلنا نتنّبه إلى خطورة دخول اليمن في أزمة تكامل وطني وربما أزمة هوية.")
الخاتمة
حاولنا تفكيك آلية اشتغال الحقل السياسي وإعادة موضعة الجماعات في هذا الحقل، وإبراز أهمّ رهاناتها في إستراتيجية إدارة الصراع. وبيّنَّا في المحور الأول تعدّد الجماعات المحتقنة بثارات الماضي وذلك التعدد وامتداده التاريخي يوحّد نقاط التقاء مشتركة للتحالف بين الجماعات المتصارعة؛ فعلى سبيل المثال وليس الحصر تحالف "الزمرة" والتجمع اليمني للإصلاح مع المؤتمر الشعبي العام في حرب صيف 1994، وانتهاء ذلك التحالف يعيد الاحتراب مباشرة،ً والتحالف الحوثي مع النظام السابق تجاه قوى 11 شباط / فبراير 2011 التي أخرجت صالح من السلطة واللواء علي محسن الأحمر القائد العسكري للمواجهات مع الحوثيين في الحروب الست -2004(2006.) فبتلك الذاكرة المثقلة بالثارات والاحتقانات، توجد فرص تلاقٍ لرهانات الجماعات في حالات الاضطراب واللااستقرار. وسوف يؤسس ذلك لدورات احتراب مقبلة. أمّا في المحور الثاني، فقد حاولنا مقاربة انقسام الهوية الوطنية إلى ثنائية واضحة شمالية وجنوبية يدعمها مزاج شعبي جماهيري رافض كلّ ما هو شمالي. ويعدّ هذا الانقسام من أهمّ التحديات التي تقف أمام إعادة صوغ العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو أثناء تحديد خيارات شكل الدولة. ولا بدّ من أن نشير هنا إلى أنّ مسألة الثنائية قد أثّرت في المقاومة الشعبية ضد الانقلابيين الحوثيين والنظام السابق. وهذا ما يفسّ ضعف تماسك جبهة المواجهة على الرغم من اتّساعها الديمغرافي. وفي السياق ذاته، لاحظنا مدى وضوح التقابل المذهبي الشيعي (بمرجعيات ولاية الفقيه)، والسنّي ومسوغات استمراره المتمثلة باستمرار التمايز الجغرافي وبقاء الجماعات المنتمية إلى المذهب الزيدي في المواقع المهيمنة في الحقل السياسي والعسكري والاجتماعي. وهو ما يحمل بالقوة والفعل الاحتراب في دورات تعاقبية تتغذّى من الاحتقانات والثارات المرحَّلة. وفي الأخير حاولنا بإيجاز، تبيان مخرجات إدارة شؤون الدولة والمجتمع التي تبين دورها في تقويض أسس الدولة المدنية الحديثة، من خلال إضعاف قوى التحديث لمصلحة الرموز التقليدية، وإضعاف المركز لمصلحة الأطراف. وبذلك تصبح القوى التقليدية والقبلية هي الأكثر تماسكًا وانتظامًا من قوى التحديث التي هي في حاجة إلى وقتٍ للانتظام في حركات اجتماعية فاعلة. وبناءً على ما تقدَّم، فإنّنا نؤكّد أنّ أيّ معالجة لا تأخذ في الحسبان المسائل التي سبق ذكرها، لن يتحقق لها النجاح، وأنّ أيّ تسوية سياسية توافقية بين الأطراف المتنازعة، تعدّ بمنزلة تأجيلٍ موقّت للاحتراب الدوري واللااستقرار، ومنفذًا للتدخّل والنفوذ الخارجييَن. ولا بدّ من أن نشير هنا إلى أنّنا لم نتناول التحدي التنموي الذي يُعد من أهمّ التحديات؛ وذلك لأنّه يتجاوز حدود هذه الورقة.