مراجعة كتاب مسألة أكراد سورية

حازم النهار

عنوان الكتاب: مسألة أكراد سورية: الواقع، التاريخ، الأسطرة المؤلف: فريق باحثين. سنة النشر: كانون الثاني / يناير 2013 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عدد الصفحات: 191 صفحة من القطع الصغير

مقدمة

واجه هذا البحث اعتراضًا شديدًا من بعض القوميين الكرد، لكنهم لم يقدموا نقدًا علميًا موثقًا لمحتوياته. ربما تكون القراءة التاريخية للوجود الكردي في سورية، إضافة إلى نقد بعض مرتكزات الخطاب القومي الكردي في سورية، مثل مسألة "الحزام العربي" و"الإحصاء الاستثنائي" و"كردستان الغربية" و"الحجم السكاني" للأكراد في سورية، هي أكثر ما أثار حفيظة المعترضين، إلى جانب النقد المقدم للحركة السياسية الكردية من خلال استعراض برامجها وآليات عملها وتحالفاتها وأدوارها منذ انطلاقة الثورة السورية. لكن البحث لم ينكر الحيف الذي وقع على الأكراد في سورية، خصوصًا في ظل حكم البعث، ودافع عن الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، وقدم حل ديمقراطيًا يقوم على المواطنة المتساوية وتوسيع نطاق الحكم المحلي في سورية المستقبل. لقد شارك في تأليف الكتاب فريق من الباحثين في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وقد كتب محمد جمال باروت المادة التاريخيّة بالاستناد إلى كتابٍ من تأليفه بعنوان: "التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السوريّة: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدْونة إلى العمران." وسنحاول في ما يأتي تقديم صورة مكثفة لأهم الأفكار الواردة في هذا الكتاب. تركز مقدمة البحث على إحدى الخصائص المميزة للثورة السوريّة عن ثورتي تونس ومصر، من ناحية اجتماعية، وهي خصوصيّة المجتمع السوريّ المركب إثنيَّا، دينيًّا، وطائفيًّا، بالنسبة إلى الهوية المتجانسة نسبيًا في المجتمعين التونسي والمصري، وتشير إلى إمكانية الاستخدام السياسي لهذه الانتماءات الفرعيّة في الأزمات الكبرى، وما يحمله ذلك من تأثير سلبي في التكامل والاندماج الاجتماعيين، وبناء الهوية الوطنية. لكنها تؤكد من جهة ثانية على فشل الدولة القطريّة العربيّة (المشرقيّة) في مرحلة ما بعد الاستقلال – كنظام - في إنتاج هويّة وطنيّة جامعة بالاستناد إلى فكرة المواطنة المتساوية، ولجوئها إلى أيديولوجية توحيدية قسرية أو إلى القمع، وفي محطات عديدة لجأت إلى اتباع آليات سياسيّة لإدارة التنوع الهوياتيّ بمحاصصات هويّاتيّة خفيّة (ص 7 و.)8 أرادت المقدمة أن تقول بوضوح إنّ المسألة الكرديّة في سوريّة من أبرز التحديات الآنية والمستقبليّة التي تواجه الدولة والمجتمع السوريين باعتبارها مشكلة تتشابك فيها العوامل التاريخيّة والديموغرافيّة، إضافة إلى التفاعلات السياسيّة الإقليمية والدوليّة المحيطة. وهي تحمل في طياتها مخاطر عديدة تتجلى في رؤى تقسيمية تقفز فوق الحقائق الديموغرافيّة والجغرافيّة. من هنا يحاول البحث أن يقدم رؤية مغايرة لما هو سائد، خصوصًا في الأوساط الكردية الحزبية.

مسألة أكراد سورية: رؤية مغايرة

القسم الأول يبدو من البحث "الأكراد في سورية: إطار تاريخي عام " الأكثر أهمية من حيث كونه يطرح جملة من المسائل غير المعتادة في و الأوساط السورية الكردية، خصوصًا بعد آذار/ مارس 2011، يمكن تحديد أهم الأفكار التي حاول البحث إيصالها، في هذا القسم، في ما يلي:

-1 الهجرة عامل أساسي في المشكلة الكردية في سورية

يرى البحث أنّ المسألة الكردية في سورية شيء مختلف عما هي عليه في إيران والعراق وتركيا. فالمشكلة الكردية السورية، بمعناها الراهن من الناحية التاريخية الصرف هي مشكلة تركية تساقطت آثارها في سورية أكثر مما هي مشكلة سورية، وإن أعادت القوى السياسية الكردية في المراحل الزمنية السياسية اللاحقة صوغها تدريجيًا على شكل مشكلة كردية سورية (مسألة أكراد سورية ص 15.) فأصل المشكلة، وفقًا لذلك، يكمن في تحطيم الكماليين لمعاهدة سيفر 1920، وإرغامهم الدول الكبرى على إحلال معاهدة لوزان 1923 محلها، ولتي أنهت مشروعين نصت معاهدة سيفر على قيامهما في أراضي ما سيشكل لاحقًا الجمهورية التركية، هما الدولة الأرمنية والكيان الكردي. وكانت أراضي هذين المشروعين اللذين نصت عليهما اتفاقية سيفر 1920 تعتبر كرديّةً وجزءًا لا يتجزّأ من كردستان الشماليّة في منظور القومييّن الأكراد، بينما كانت تُعتبر أرمنيّةً وتشكّل جزءًا من مقاطعات أرمينيا الكبرى الجنوبيّة - الغربيّة في منظور القومييّن الأرمن، في حين كانت تعتبر تركية بالنسبة إلى القوميين الأتراك، كما يعتبر جزء كبير منها من الشام التاريخي بالنسبة إلى القوميين العرب، وتحديدًا بالنسبة إلى النخبة القومية السورية التي قادت مشروع المملكة السورية العربية في عام.1920 أدى إنهاء مشروع الكيان الكردي في كردستان تركيا، وقيام الجمهورية التركية الجديدة إلى نشوب ثورات كردية عشائرية ضارية ضد سياسة الصهر القومية التركية الجديدة. وبين سنوات 1938-1925 قام الأكراد في كردستان تركيا بسبع عشرة ثورة ضد تلك السياسة.

وقد نتج من سحق هذه الثورات تدفق هجرات كردية عديدة إلى سورية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي، وتركّزت معظم الهجرات في منطقة الجزيرة السورية. كذلك، شجعت سياسات الانتداب الفرنسي الإثنية بشكل منهجي على الهجرة إلى الجزيرة السورية، وفتحت أبوابها خلال الفترة 1943-1925 على مصراعيها (ص. 18) ومعنى ذلك أنّ الهجرة شكلت العامل الحاسم في ارتفاع الحجم السكاني الحضري للجزيرة السورية بمعدّل نمو مرتفعٍ مسجّلٍ قدره %5.6() سنويًّا، وكان هذا أعلى معدّل نمو سكانيٍّ إقليميّ في سوريّة الانتدابيّة حتى عام 1943، ويمثل تقريبًا خلال تلك الفترة أكثر من ثلاثة أمثال تقديرات معدل النمو السكاني العام (ص. 21)

-2 الإحصاء الاستثنائي

في مرحلة تطبيق الإصلاح الزراعي 1961-1958() إبان الجمهورية العربية المتحدة، شهدت سورية موجة هجرة جديدة من تركيا، للانتفاع من عملية توزيع الأراضي التي استولت عليها مؤسسة الإصلاح الزراعي على الفلاحين، وقدر حجم هذه الهجرة بألوف) أ المهاجرين. وفي مرحلة الانفصال السوري 1963-1961(لغيَ في المرحلة الأولى قانون الإصلاح الزراعي، وتمت عملية ربط توزيع أراضي الدولة بعملية إعادة "توزيع السكان" في مرحلة حكومة الدواليبي 8(كانون الثاني/ يناير- 28 آذار/ مارس 1962.) وفي 5 تشرين الأول / أكتوبر 1962 قامت حكومة العظم بعملية إحصاء استثنائي للسكان في محافظة الجزيرة (الحسكة)، وقضى قرار وزارة الداخلية التفصيلي بإنهاء كافة سجلات الأحوال المدنية السابقة المتعلقة بسكان المحافظة، وإجراء إحصاء عام جديد لسكان المحافظة سوريين و"أجانب"، واعتبار السوري هو كل من كان مسجّلً في قيود الأحوال المدنية قبل عام 1945، ومن ثمّ اعتبُر المهاجرون المقيدون رسميًا قبل هذا العام سوريين. وارتبط تحديد عام 1945 كسنة أساس بتقدير الحكومة السورية المنطلق من أنّ تدفق الهجرة الجديدة التي حاز أفرادها على هويات شخصية بطرق مختلفة وبمساعدة أقربائهم وعشائرهم قد بدأت في عام 1945، واستقرت على طول الحدود من رأس العين إلى المالكية. وبالتالي كان الهدف هو تحديد دفقة موجة الهجرة الجديدة (ص. 28-33) أدت عملية الإحصاء إلى تسجيل" 85 ألف "مقيمٍ " في محافظة الحسكة في يومٍ واحدٍ بصفة "أجانب أتراك"، وهو مايعادل %28 من سكان المحافظة البالغ يومئذ 302 ألف نسمة في ضوء نتائج التعداد العام الذي تمّ في العام 1960 (ص 36.) وجُرّد من الجنسية السورية عدد من كبار السياسيين والعسكريين السوريين مثل عبد الباقي نظام الدين، النائب والوزير في حكومات متعددة، وشقيقه اللواء توفيق نظام الدين، رئيس هيئة الأركان السورية 1957-1955(.) وفي العائلة الواحدة كان يحدث أن هناك من تم اعتباره سوريًا وهناك من صنّف في خانة "أجانب تركيا." ولكن تجريد نظام الدين وشقيقه من الجنسية أفقد عملية الإحصاء أي صدقية، وصبغها بطابع الانتقام 36(ص و.)37 في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر 1962 استكملت حكومة العظم وضع مبادىء "برنامج إصلاح منطقة الجزيرة"، الذي تمثل جوهره في اعتماد سياسة "تعريب" الجزيرة، وفي تجميد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي كي لا يكون للغريب أي نصيبٍ في الأراضي التي توزّع.

-3 مشروع الحزام العربي

بعد حركة الثامن من آذار/ مارس 1963 أعيد الفلاحون كافة في غضون ثلاثة أسابيع من دون أي تمييز قومي بين كردي وعربي إلى الأراضي التي طردوا منها. لكن قيادة فرع حزب البعث في محافظة الحسكة تبنت دراسة أعدها محمد طلبة هلال بعنوان "دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الاجتماعية، السياسية"، وكانت في العديد من نقاطها استمرارًا لمشروع "إصلاح منطقة الجزيرة" (ص. 38) وقدمت الدراسة رأيها لحل "المشكلة الكردية" في الحسكة من خلال برنامج تعريب شاملٍ يقوم على: تهجير السكان الأكراد إلى الداخل وتوزيعهم، وإجلاء كل من لم تثبت جنسيته، وتسليم كل مزدوجي الجنسية إلى بلدان جنسيتهم الأصلية، واستبدال المشايخ الأكراد بمشايخ عرب، وإسكان عناصر من عشيرة شمر في المناطق الكردية الحدودية، وجعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب وإجلاء الأكراد وفق ما ترسم الدولة من خطة، وعدم السماح لمن لا يتكلّم العربية بممارسة حرية الانتخاب والترشيح... إلخ (ص. 39) وقد عملت القيادة القطرية بدءًا من عام 1966 على دراسة فكرة "الحزام العربي" طردًا مع تنفيذ الاتحاد السوفياتي لمشروع سد الفرات. وتشير دراسة أعدها مكتب الفلاحين القُطري في أواخر عام 1966 إلى أن مساحة الحزام العربي بلغت نحو 3001911() دونمًا ص.)40(أخذت مياه بحيرة الأسد، ابتداءً من عام 1969، تغمر أراضي عشائر الولدة في الفرات الأوسط، لكن فلاحي الغمر لم يرحلوا إلى القرى الجديدة التي حددتها الحكومة لهم إلا رغمً عنهم بعد أن بدأت المياه

تغمرهم بالفعل، ويمكن تقدير الحجم الإجمالي الذي تمّ إسكانه في منطقة الحزام العربي ب 4000 أسرة تشكل نحو 24 ألف نسمة كحد أقصى، ومنحوا حيازات على أساس نسبي بقدر الحيازات التي شملها الغمر. ولم يشكل هذا الحجم تغييرًا أو حتى تعديلً في التركيبة الإثنية الديموغرافية للجزيرة السورية بأكثر من معدل الزيادة السكانية. وقد بلغ عدد قرى "الحزام العربي" 42 قريةً، وروعي في قراه وضع قرية عربية بين كل قريتين أو ثلاث قرى كردية، وأنشئت هذه القرى بمجملها على أراضي الدولة الخالية من العمران، والمستولى عليها من جانب مؤسسة الإصلاح الزراعي، وبالتالي لم ينشأ أي منها في مكان أي قرية كردية عامرة كنتيجة نهائية (ص. 41) ومن ثمّ، يرى البحث أنّ الضوضاء التي أثيرت حول "الحزام العربي" مصطنعة؛ فهذا الحزام لم يكن أكثر من توطين لمغمورين في بلادهم، كما في أي كارثةٍ إنسانيةٍ، لكن السياسات البعثية الضوضائية بالخطاب القومي الصاخب صبغته قوميًا باسم "الحزام العربي"، إلى جانب الضوضاء القومية الكردية التي بالغت في ظروف الشعور بالقهر والحرمان بمخاطر هذا المشروع على الوجود الكردي في الجزيرة. وكانت السياسات التعريبية شكلية ولفظية أكثر مما هي سياسات قومية بالمعنى الكمالي الذي جرى في تركيا مثلً (ص. 42)

-4 "أكراد الدواخل" و"أكراد الأطراف"

يميز البحث بين ما يمكن وصفه ب "أكراد الدواخل" أو أكراد الشام التاريخيين ذوي التاريخ المستقر، وبين "أكراد الأطراف" المهجّرين قسرًا. ويرى أنّ أكراد الدواخل شكلوا جزءًا لا يتجزأ من المنظومة البشرية والاقتصادية – الاجتماعية - السياسية لبلاد الشام، فساهمت نخبهم وقادتهم في الحركة العربية ومشروعها في بناء المملكة السورية العربية 1920-1918()، وبرز في جمعية العربية الفتاة، ثم في واجهتها حزب الاستقلال في طور تلك المملكة، عددٌ من الشخصيات الكردية الفاعلة التي سيستمر دورها الاجتماعي والسياسي حتى خمسينيات القرن العشرين. ومن ثم، كان أكراد الدواخل مندمجين بالمنظومة العربية الشامية (ص. 53) وهناك "أكراد الأطراف" الذين قدم معظمهم إلى سورية عبر موجة هجرات متتالية من تركيا إلى الجزيرة. وبينما مر أكراد الدواخل بمرحلة الاندماج السياسي الوطني في إطار الحركة الوطنية السورية، فإنّ سلطات الانتداب الفرنسي حاولت أن تستغل بعض قادة أكراد الأطراف الأقوياء والمتمركزين في منطقة الجزيرة السورية، لتشكيل كيان كردي -  كلدو - آشوري مستقل ذاتيًا تحت الانتداب الفرنسي، وهو ما تمثل في حركة الجزيرة الانفصالية 1939-1937(.) وقد عارض معظم قادة المجتمع المحلي الكردي السوري في الجزيرة، بالتنسيق مع قيادة الكتلة الوطنية في دمشق، حركة الانفصال، وحملت السلاح ضدها، بل وأحبطتها، ليحتضر المشروع الانفصالي في الجزيرة في أواخر الثلاثينيات (ص. 54)

-5 اختراع كردستان الغربية

يرى البحث أنّ الأكراد في سورية قد تعرّضوا إلى مؤثرين، هما المؤثر الكردستاني المرتبط بحركة الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق ثم المؤثر "الآبوجي" المرتبط بحركة حزب العمال الكردستاني.)PKK(ويعود أوضح تأثير للمؤثر الأول إلى أواخر الخمسينيات، بينما يعود دور المؤثر الثاني إلى مرحلة النصف الثاني من الثمانينيات وما تلاها حتى اليوم (ص. 59) رأى بعض النخب الكردية في سورية، ومعظمها ينتمي إلى أكراد الأطراف بفعل المؤثر الكردستاني العراقي، أول مرة في المجتمعات الكردية المحلية السورية جزءًا تاريخيًا وجغرافيًا من كردستان الكبرى، واخترعت هذه النخب مفهوم "كردستان الغربية"، بينما يرى البحث أنّ المناطق التي يتكثّف فيها الوجود الكردي السوري لم تشكّل جزءًا من كردستان قط في أي مرحلة من مراحل الحركة الكردية الحديثة، كما لم يشكل الأكراد أغلبية سكانها في يوم من الأيام، هذا إضافة إلى أنّ قسمً كبيرًا منهم هاجر من تركيا (ص 59 و.)60 ويستند البحث إلى الخارطة التي قدّمها القوميّون الأكراد في عام 1948 التي ترى أنه لا يدخل في كردستان سوى جيبٍ صغيرٍ جدًا في منطقة جبل الأكراد بعفرين المتاخمة للحدود السورية - التركية، بينما لا يظهر أي حضور للجزيرة السورية في الخارطة. ويذكر البحث أن الأمير كاميران عالي بدرخان لم يدخل في محاضرته "المشكلة الكرديّة" أمام "الجمعية الآسيويّة" في لندن أي جزء في تموز/ يوليو 1949 من أجزاء الجمهوريّة السوريّة في كردستان. وقد ذكر بدرخان في ختام محاضرته: "استولت على الشعب الكردي ثلاث دولٍ، لذا انقسمت كردستان بين هذه الدول الثلاث، تركيا وإيران والعراق" (ص. 61-63) مشاريع كردستان الغربية هذه، وفقًا للبحث، هي مشاريع متأخرة ليس لها تاريخ، ويمتد تاريخها فحسب إلى تأثير كردستان العراق بعد الغزو الأميركي للعراق، وقد أدى ذلك إلى تحولّات جديدة في اتجاهات المجتمع الكردي السوري، تضافرت في وقت لاحق مع اندلاع الثورة السوريّة في عام 2011، وأخذ مفهوم كردستان الغربية أو غرب كردستان ينتعش ويبرز من جديد.

-6 الحجم السكاني وتوزع المجتمعات المحلية الكردية الأساسية

ينتقد البحث، بشكل غير مباشر، المبالغات السائدة لدى القوى الكردية، في ما يتعلق بحجم الأكراد السكاني. فالحجم السكاني للأكراد في سورية يعاني اضطرابات كثيرة تمنع تحديده بشكل دقيق في ضوء بيانات موثوقةٍ. لكن البحث يستخدم إحصاء مجموعة حقوق الأقليات في لندن - وهو تقرير ينطوي على المعقولية بالنظر إلى خبرة واضعيه الجيدة بالمجتمعات المحلية الكردية السورية - لعدد الأكراد في سورية في عام 1985 كسنة أساس، والبالغ 743000 نسمة من أصل 9200000 نسمة يمثلون إجمالي سكان سورية، وبما نسبته 8 في المئة. ووفقًا لذلك، فإنّ عدد السكّان الأكراد، في حده الأدنى، بمعدّل نمو سكاني قدره 2 في المئة، يصل إلى 1218970 نسمة في عام 2010 بنسبة 5.9 في المئة من مجموع السكّان في سورية؛ وعدده في حده الأعلى، بمعدّل نمو سكاني قدره 3 في المئة، يصل إلى 1555677 نسمة في عام 2010 بنسبة 7.6 في المئة من مجموع السكّان في سورية (ص. 67) القسم الثاني أما من البحث، فيركّز على انطلاق الحركة السياسيّة الكرديّة في سورية، ونشوء أحزابها وتطوّرها وبرامجها وعلاقاتها القسم الثالث بالقوى السياسيّة الأخرى في سورية. ويفصّل حراك الأكراد في الثورة السوريّة منذ آذار/ مارس 2011، ودرجة مشاركتهم فيها، وتقاطعهم معها، وافتراقهم عنها؛ ويقارب الانخراط الشبابي ونشوء التنسيقيّات في مقابل التحفّظ الحزبيّ على المشاركة، كما يرصد هذا القسم أيضًا خريطة التحالفات الحزبيّة الكرديّة في الثورة وعلاقاتها بقوى المعارضة السوريّة. وتوجز خاتمة الكتاب نتائج ما توصّل إليه، وتورد تصورًا لحل المسألة الكردية في سورية في إطار حلٍّ وطنيٍّ سوريٍّ، خارج اختراعات "كردستان الغربية"، باعتبارها مسألة وطنية سورية، للسوريين عمومًا، وللسوريين الأكراد خصوصًا، وليست مسألة كردستانية. وهي بهذا الشكل قابلة للحل الديمقراطي الذي يشمل الإقرار بالمواطنة والحقوق اللغوية والثقافية والتعليمية، وتمكين المجتمعات المحلية كافة من إدارة نفسها وفق الإدارة اللامركزية، أو نظام الإدارة المحلية بعد تحريره من سطوة الجهات الوصائية التسلطية السابقة عليه.

كلمة أخيرة

استعرضنا في ما سبق أهم النقاط المطروحة في البحث، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ما جاء فيه، فإنه يمكن الإقرار بجدية البحث وأصالته، سواء لجهة أصالة المراجع المستخدمة والتوثيق المعتمد، أو لجهة استخلاص النتائج بشكل عقيلان بعيدًا من الأيديولوجيات السائدة ومصالح القوى السياسية. لكن يمكن القول إنّ حقيقة اعتبار معظم أكراد الجزيرة السورية لاجئين من تركيا إليها تحتاج إلى مزيد من التوثيق، خصوصًا أنّ بعض النخب الكردية ينطلق من مصادر أخرى ليثبت عكس ذلك، مؤكدًا على أن الأكراد السوريين يعيشون فوق "أرضهم التاريخية"، لذا كان من المهم تناول بعض تلك المؤلفات الكردية بالنقد والتفنيد، كشكل من أشكال تدعيم النتائج التي توصل إليها البحث. من جانب آخر، تناول البحث مسألة أكراد سورية، وقدّم وصفته للحل. ولكن يمكن القول، اليوم، إنّ المسألة الكردية في سورية قد أصبحت أكثر تعقيدًا، ولا يمكن إغفال اشتداد النزعة القومية الكردية الانفصالية على حساب الوطنية السورية، ولا إغفال وجود عوامل خارجية دولية وإقليمية عديدة، دافعة لها، بما يُخرج المسألة برمتها من إطار النقاش البحثي العقيلان المدعّم بالوثائق والحوادث التاريخية إلى الميدان الذي تحكمه موازين القوى المحلية والعالمية. وربما، بسبب هذا الأمر، يصبح من المهم طرح حلول أكثر مقاربة للحقائق الواقعية القائمة اليوم. وهذا معناه، في اللحظة الراهنة، إنتاج حلول إبداعية تجمع بين حقائق التاريخ وحقائق موازين القوى. فالرؤى التي تنطلق من النظريات الحقوقية والحقائق التاريخية فحسب لا تمتلك دائمًا فرصة التطبيق العملي. هذا يعني أنّ التسويات مطلوبة في لحظات سياسية محدّدة، وأنّ حل المشكلات السياسية المتراكمة بشكل تدريجي هو الذي يمكن أن يخلق الفرصة للحلول الواقعية.