مراجعة كتاب 22 فكرة لإصلاح العالم

الصادق الفقيه

عنوان الكتاب: 22 فكرة لإصلاح العالم. المؤلف: فريق باحثين. التحرير: بيوتر دوتكويتز وريتشارد ساكوا. الطابع: مطبعة جامعة نيويورك.2013 سنة النشر: 9 أيلول/ سبتمبر.2013 الناشر: المنتدى العام العالمي "حوار الحضارات." عدد الصفحات: ٠٨٤ صفحة من القطع المتوسط.

استهلال

يجمع العلماء المساهمون في هذا الكتاب على أنّ التحديات الاقتصادية والسياسية والبيئية استطاعت أنّ تحكم قبضتها على العالم، ولم يتّضح بعد ما إذا كانت المؤسسات القائمة من رجال الأعمال والسياسة مؤهلة لمعالجتها. وقد ركّزوا على ضرورة استكشاف الإصلاحات التي قد تحتاج أنظمة الحكم والسوق في العالم إلى اتخاذها، وعلى الحركات الاجتماعية التي قد تتدخل بدلً منها إذا ما فشلت في العمل. ويشيرون إلى أنّ النظريات القائمة فشلت في التنبّؤ بانهيار أسواق المال عام 2008، وثورات ما يُسمّى "الربيع العربي" عام 2011، ويحذّرون من تعاظم خطر الفاشيات الجديدة واحتمالات انتشار الصراع في جميع أنحاء العالم. إنّ التحولات في موازين القوى العالمية، وخاصة تراجع هيمنة الولايات المتحدة، والاهتمام الذي يُحظى به الصعود الموازي للصين، يجعل مقارنة مسارات النمو في المستقبل بين الصين وروسيا وغيرها من البلدان النامية، ومقاربتها بالدول المتقدمة، أمرًا في غاية السهولة. وفيما يفترض عدد قليل من العلماء الحلول الممكنة لتعزيز التعاون الحكومي الدولي على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وتعزيز دور الجمعيات والتعاونيات المحلية للتصدي للمشاكل التي عجزت الأحزاب السياسية عن حلها، لم يشأ معظم العلماء الآخرين تقديم خطط عمل واضحة، ولكنهم قدّموا نقطة انطلاق قيّمة للمناقشة. وقد تعمّد المنتدى العالمي العام "حوار الحضارات" الذي أسس أول عهده في 19 أيار/ مايو 2002، في موسكو (روسيا)، بصفته منظمة دولية غير حكومية، سُجلت رسميًا في فيينا (النمسا)، منذ عام 2003، وتعمل على تنمية الحوار وترسيخه بين الثقافات المختلفة، أن يعلن صراحة في مشروعه البحثي، والذي بدأه في مدينة تورنتو بإيطاليا عام 2007، أنه يهدف إلى توحيد جهود العلماء عالميًا لأجل إيجاد مفهوم جديد للتنمية الاجتماعية بديلً من النموذج الليبيرالي القائم. ويُعدّ كتاب " 22 فكرة لإصلاح العالم" الذي نحن بصدد عرضه ومراجعته، والصادر في 9 أيلول/ سبتمبر 2013، من مطبعة جامعة نيويورك، الأحدث ضمن إصدارات هذا البرنامج، إذ يدوّن عددًا من المقابلات مع كبار المفكرين في العالم الذين تطرقوا في أحاديثهم إلى كيفية تأثير ما يسمّى "الكساد العظيم" في المفهوم التقليدي للسبل التي يمكن وينبغي لدول العالم أن تسلكها لتحقيق التنمية. ويحتوي هذا الكتاب على تحليل للحوادث السياسية الشاملة في الماضي، وتنبؤات بالمستقبل، من خلال هذه اللقاءات مع الخبراء والمناقشات الحية مع المفكرين. وتمثّل فكرة هذا الكتاب، والمشروعات المبتكرة الأخرى، أساسًا وقاعدة لمركز الأبحاث العلمية الذي يعتزم المنتدى العالمي العام "حوار حضارات" افتتاحه في جامعة ترينتو الإيطالية. ويهدف عمل المركز إلى تطوير الرؤية البديلة للعالم وتوسيعها من خلال الدراسات التعليمية، والبحوث العلمية العامة، حول أهم قضايا الساعة في جدول الأعمال الدولي. وتقترن هذه الدراسات والمشروعات الإستراتيجية للمركز بالنشرات المتنوعة والغنية بالموضوعات الاجتماعية والسياسية والإثنية والدينية التي ظل يصدرها المنتدى منذ نشأته.

الأفكار العملاقة

في إطار برنامج نشر الخبرات، وتحت اسم "السيناريو المحتمل للمستقبل"، نشر المنتدى، عام 2011، سلسلة من الكتب؛ عناوينها: " البيزنس كما كان دائمًا"، و" تفاقم الازمات"، و" التبعيات: النظام الاقتصادي الشامل الجديد". وقد كشفت هذه الدراسات عما يسمّى "الأفكار العملاقة" التي تشرح جوهر التغيرات الشاملة التي طرأت على الاقتصاد السياسي والبنية الاجتماعية والأخلاقيات والقانون الدولي من حيث الجوانب الإنسانية. لقد جمع هذا الكتاب 23 من المفكرين البارزين، وكان أحد الحوارات مع اثنين من العلماء، وضمّت هذه الحوارات علماء اقتصاديين، وناشطين سياسيين، وخبراء بيئة، وخبراء في السياسات الاجتماعية والعامة، ومتخصصين في العلوم السياسية، ومعنيين بشكل خاص بالمجتمعات المنقسمة، وفلاسفة سياسيين، وخبراء في هيكلة النظام الدولي وهم: فلاديمير ياكونين (الرئيس مؤسس المنتدى العالمي العام "حوار الحضارات)"، ومحمد يونس (الحائز جائزة نوبل عام 2006، لتطويره نظام القروض الصغيرة في بنغلاديش)، وزيغمونت بومان (الأستاذ الفخري في علم الاجتماع بجامعة ليدز)، وشمشون بيشلر (أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعات إسرائيل)، وجوناثان نيتسان (أستاذ الاقتصاد بجامعات نيويورك)، وكريغ كالهون (مدير مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ورئيس سابق لمجلس بحوث العلوم الاجتماعية، وأستاذ زائر متميز بجامعة نيويورك)، وها جون تشانج (أستاذ الاقتصاد بجامعة كامبردج)، وألفريد دلماير (أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة نوتردام، والرئيس المشارك للمنتدى العالمي العام "حوار الحضارات"، فيينا)، ومايك ديفيس (الأستاذ المتميز في الكتابة الإبداعية بجامعة كاليفورنيا)، وبوب ديكون (مستشار البنك الدولي واليونيسيف والأمم المتحدة والأستاذ الفخري للسياسة الاجتماعية الدولية بجامعة شيفيلد)، وكمال درويش (وزير المالية التركي الأسبق، ونائب الرئيس للاقتصاد والتنمية العالمية، معهد

بروكينغز، واشنطن)، وجيميان يانغ (رئيس معهد شنغهاي للدراسات الدولية، الصين)، وبيتر جي كاتزنستاين (أستاذ الدراسات الدولية بجامعة كورنيل، الولايات المتحدة)، وإيفان كراستيف (رئيس مركز الإستراتيجيات الليبرالية في صوفيا، بلغاريا)، وويل كيمليكا (أستاذ كرسي أبحاث كندا في الفلسفة السياسية، جامعة كوينز، كينغستون، نيوزيلاندا)، ومانويل مونتيس (الرئيس السابق لبرنامج إستراتيجيات التنمية للأمم المتحدة، وكبير المستشارين في مركز الجنوب، جنيف)، وخوسيه أنطونيو أوكامبو (أستاذ التنمية الاقتصادية والسياسية بجامعة كولومبيا، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية، وزير المالية السابق في كولومبيا)، وفلاديمير بوبوف (الأستاذ الفخري، كلية الاقتصاد الجديدة، موسكو، ومستشار في قسم الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية)، وجوزيف ستيغليتز (أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، نيويورك، والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد)، وأولزهاس سليمانوف (ممثّل كازاكستان لدى اليونسكو)، وجومو كوامي سوندارام (الأمين العام المساعد السابق لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، الهند)، وايمانويل والرشتاين (أستاذ علم الاجتماع، ومؤسس برنامج أنظمة العالم)، وبول واتسون (مؤسس جمعية الحفاظ على راعي البحر ورئيسها.) وقد أجرى الحوارات 19 من المناقشين المقتدرين، واستغرقت معظم فترات عام 2012، ومن ثمّ، عكست تاريخ العالم عند نقطة معينة في مسيرة العالم الحديث، وجاءت بعد أربعة أعوام من الأزمة الاقتصادية الأكثر عمقًا منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي. وكشفت الحوارات أيضًا عن ملامح الأزمة السياسية المرتبطة بها، والتي يجري فيها الطعن في الأشكال القديمة للإدارة السياسية والمفاهيم المتعارف عليها في المجتمع السياسي، والتي نادرًا ما نُوقشت من قبل، وقد حرر هذا الكتاب الدكتور بيوتر دوتكويتز (أستاذ العلوم السياسية، ومدير معهد الحوكمة، جامعة كارلتون، أوتاوا)، والدكتور ريتشارد ساكاوا (أستاذ السياسة الروسية والأوروبية، جامعة كينت.) لقد بينت الحوارات بوضوح أنّ الأزمة المعاصرة هي إحدى عمليات استنساخ الأشكال الاجتماعية والأفكار، إن لم تكن من القواعد الاجتماعية والبيئية المعتمدة لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية نفسها. وبرزت هذه القضية بطريقة أكثر وضوحًا في الحوار بين كريغ كالهون وإيفان كراستيف، مثلما كانت واضحة في حديث محمد يونس، وجميع حوارات الآخرين. وهذه الوثيقة الموجزة، بُنيت على خاتمة الكتاب لاستخلاص بعض العناصر الرئيسة المتداخلة لقضية إعادة إنتاج هذه الأزمة، لأنه عندما يصبح المألوف غريبًا سوف لن يكون كما كان مرة أخرى.

من أجل عالم أفضل

إن 23 من أفضل العقول البشرية على كوكب الأرض يمكن أن يسهموا فعلً في تغيير العالم نحو الأفضل. فقد توجهت كل الأفكار في هذا الكتاب نحو التمعن في النظريات، ومعاينة التصورات من أجل تحديد مشاكل العالم، والدعوة الملحة لإيجاد المعالجات. ولا مفاجآت هنا، لأنه ليس من السهل الإصلاح، حتى ولو أراده مفكرون كبار، أو دعت إليه حاجة الإنسان المطحون تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، لأنّ قادة العالم لا يأبهون. وعلى الرغم من الانتقادات التي صدرت ضد هؤلاء القادة، فإنّ ما يثير الدهشة هو ألّ أحد من القادة الحاليين يعتقد أنه يمكن القيام بعمل أفضل مما هو موجود، ولا يجرؤ على ذلك أحد من المعارضين السياسيين في حال انتخابه. وقد تمحور الموضوع الرئيس للكتاب حول الأزمة المالية لعام 2009، وكما يقول بيوتر دوتكويتز "كان ذلك دعوة لليقظة أن ننظر إلى السياسات التي اعتقد القادة أنها كانت تعمل بطريقة صحيحة، ولكنها في الحقيقة لا تعمل. ففي الأزمة، تطفو الأفكار الجديدة على السطح. إذ أنك تسأل: كيف يمكنني التعامل مع أزمات مماثلة وتجنبها؟ هذا ما حدث في الكساد العظيم؛ الأزمة خلقت التغيير. ولكن نحن لم نفعل شيئًا لتفادي وقوع أزمة مماثلة. ليس هناك توازن، ونحن لا نزال نعيش مع ظروف الأزمة." ويلخّص ريتشارد ساكاوا الذي شارك دوتكويتز في تحرير هذا الكتاب، الأزمة المعاصرة بصفتها واحدة من عمليات استنساخ النماذج والأفكار الاجتماعية التي تم اختصارها في أنّ الآفاق الزمنية لعصر ما بعد الشيوعية و"رافق نهاية الطوباوية الشيوعية الحط من جميع الرؤى التقدمية للمستقبل" استنساخ المستقبل؛ واستنساخ الرأسمالية (نظرًا لفشل النظام الرقابي ل "الرأسمالية المتأخرة)"؛ واستنساخ المجتمع (طبيعة دولة الرفاه ودورها، والتعليم، والرعاية الصحية)؛ وكيف أن مؤسسات الحكم العالمية بحاجة إلى التكيف مع التحديات الجديدة (إنّ وضوح فكرة الحكومة العالمية بعيد المنال في المرحلة الراهنة من تطور الكوكب، إذ ترتفع ضغوط مؤسسات أكثر فعالية للحكم العالمي)؛ و"نهاية المستقبل" والأزمة في استنساخ بدائل "أزمة حلول." وخلاصة القول، "لم يقدّم هذا الكتاب أي علاجات جاهزة سهلة، ولكنه قد أشار إلى الكيفية التي يمكننا أن نبدأ بها المساهمة في الحوار والتفاهم، واللذين من دونهما فإنّ أي علاج لا معنى له." إنّ الهزات الارتدادية للأزمة المالية لعام 2008 لا يزال صداها يتردد، وآثارها تتفاعل، في جميع أنحاء العالم. وما تزال مؤشرات الأسواق إلى أسفل، والبطالة إلى أعلى، وأمم كثيرة من اليونان إلى إيرلندا تجد بنية دولها التحتية متردية للغاية وعلى حافة الانهيار. وهناك أيضًا أزمة

في إدارة الشؤون العالمية، مع التحديات غير المسبوقة التي تواجهها مؤسسات الحكم العالمي، وما يرافقها من صراعات تمتد من سورية إلى إيران، وإلى مالي. وعلى المستويات المحلية، فإنّ أسس الشرعية الديمقراطية، والاستدامة الاجتماعية، والبيئية، والقدرة على التكيف، تتغير أيضًا سلبيًا. في هذا الكتاب الفريد من المنتدى العالمي العام "حوار الحضارات" ومجلس بحوث العلوم الاجتماعية، يستكشف بعض من أعظم العقول من الحائزين جائزة نوبل والناشطين لفترة طويلة أسباب عدم الاستقرار الطويل لما يسمّى "الكساد العظيم"، والذي يعني في فهمنا التقليدي كيف يمكن، أو كيف يجب، أن تعمل الحكومات. فمن خلال المقابلات التي تناولت عددًا من المواضيع، من أبرزها؛ حقوق الإنسان، والاقتصاد العالمي، والقروض الصغيرة والمتناهية الصغر، والعمل البيئي، ومستقبل الديمقراطية، والميزان العالمي للقوة، والرد على الأزمة الاقتصادية، والتي من المؤكد أن تثير مناقشات جادة، يقدّم الكتاب 22 فكرة لإصلاح العالم، ويعرض تحليلً للحوادث الجيوسياسية الماضية، والحلول الممكنة، وتوقعات المستقبل. ويستعرض الكتاب القضايا ذات الصلة بالولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط. ويتحدث من خلال مجموعة متنوعة من وجهات النظر، بما في ذلك الاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية، والسياسية، وتزيد المناقشات هنا فهمنا الخطأ الذي حدث للعالم وكيفية إصلاحه. وتستكشف المقابلات موضوعات مثل الربيع العربي، وتأثير المنظمات المالية الدولية، واحتمالات نمو الديمقراطية، وتسارع ظاهرة الاحتباس الحراري، وكيفية وضع معايير قابلة للتنفيذ للسوق والتنظيم الاجتماعي. وهذه التبادلات الملهمة من بعض أكثر المفكرين تطورًا في فهم السياسة العالمية تبدو صادقة، وموجزة، وسهلة الفهم، وتقدم الآراء المثيرة للتفكير بطريقة واضحة وسهلة الاستيعاب، وتتجاوز المصطلحات الأكاديمية التي غالبًا ما تحجب أكثر مما تكشف. إنّ الكتاب يحاور الحاضر بأرقى العبارات، ويحرر سجل واقعيًا لحالة المجتمع العالمي اليوم. إنّ القول في هذه المرحلة إنّ العالم في أزمة لم يعُد يُ ثّل خبرًا. إذ أن تواصل ارتدادات الأزمة المالية العالمية الأخيرة لا يزال يلقي بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي، وتفضي إلى آثار كبيرة في حياة عشرات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم، فقط لأنها لا تزال تؤثر في مصير صانعي السياسات، والنظم السياسية، وسلوك الشركات. وتسهم الأزمات العالمية الأخرى التي لا تُعدّ ولا تُحصى مثل الديمقراطية، والحكم، والبيئة، وعدم المساواة، من بين أمور أخرى، في خلق حاضر محفوف بالمخاطر. وبكل بساطة، نحن نعيش في زمن غير مؤكد، في نوع من "المنزلة بين المنزلتين"، بين النماذج الحاكمة القديمة والجديدة.

إعادة التفكير في الطبيعة الإنسانية

يقول محمد يونس إنّ نظام تقييم المال ينظر قبل كل شيء إلى البشر بوصفهم فاعلين صغارًا وأنانيين. بدلً من ذلك، يرى يونس أن "جميع البشر لديهم إمكانات غير محدودة، وقدرة غير محدودة، وطاقة إبداعية غير محدودة." والفقر هو انسداد هذه الطاقة، لأنه يحرم الناس من إطلاق العنان لإمكاناتهم. والفقر هو نفسه؛ في بنغلاديش، والولايات المتحدة، وأماكن أخرى، وناجم عن نفس العملية ونفس النظام: فإنّ أفضل البذور من أطول شجرة تنمو بقدر ما إذا ما وضعت في وعاء زهرة صغيرة. الفقراء هم الناس البسطاء الذين لم يُعطوا المجال لينموا. فالبشر أنانيون، وتتولد أنانيتهم صورة من صور الحماية الذاتية، ولكن هذا قد تمّت المبالغة في تصويره في التفسير الاقتصادي. إنّ جميع البشر وُهبوا خصيصة نكران الذات على قدم المساواة، إلّ أنّ هذا أمر نسيه الاقتصاديون تمامًا. وفي كل من البلدان النامية والمتقدمة، يمكننا أن نخلق الأعمال الاجتماعية غير الربحية على أساس نكران الذات، من أجل حل المشكلات التي نراها من حولنا، ولا سيما البطالة. وعلينا تصميم نظام جديد يسمح للناس برعاية أنفسهم، حيث كلمة بطالة غير معروفة تمامًا. يجب أولً إعادة تفسير الإنسان بصفته كائنًا أنانيًا وناكرًا للذات على حد سواء، ومن ثمّ نعترف بأنّ نكران الذات يمكن التعبير عنه من خلال الأعمال الخَيِّة. وبهذا الفهم والرؤية المتقدمة، استطاع يونس خلق أكثر من خمسين شركة، بما في ذلك بنك الغارمين للقروض الصغيرة، تم تصميم كل واحدة منها لحل مشكلة معينة. ويلاحظ ويل كيمليكا أنّ التحدي الرئيس ل "التفاوت المذهل" في عالمنا هو إقناع جماعات الأغلبية بأنّ العلاقات الاجتماعية مع الأقليات ليست لعبة محصلتها صفر، إذ يمكن للمجتمع الاستفادة من الحقوق الممنوحة للأقليات. لقد ألغي الرق في الأساس، ولم يعد الاستعمار شرعيًا، وخطونا خطوات ملحوظة في مجال حقوق النساء والأطفال، وطوّرنا ثقافة عالمية لحقوق الإنسان. ولكن هذه التغييرات هشة على المستوى الكلي، وهي أحيانًا بلاغية أكثر منها واقعية، وتنتشر التغييرات في تفاوت كبير، كما أنها عرضة للتراجع. والعولمة التي تبنيناها على مدى السنوات الثلاثين الماضية هي الليبرالية الجديدة التي كانت في كثير من الأحيان ضارة، ولم تخلق أي تعددية ثقافية ذات مغزى. لقد عشنا على مدى السنوات المئتين

الماضية في عالم من الدول التي تسعى إلى بناء الأمّة، أدّى إلى قتل أو طرد الأقليات، والاستيعاب القسري، أو الوصم بعدم الوطنية. ومع ذلك، فإنّ واحدًا أو أكثر من التغيرات التي لا رجعة فيها هي أنّ "الأقليات في جميع أنحاء العالم هي اليوم أكثر استعدادًا للتعبئة السياسية بدلً من السلبية في مواجهة الظلم والإقصاء." وبدرجات متفاوتة، حققت بعض البلدان العدالة الحقيقية بين المجموعات المهيمنة والأقليات التاريخية، ولكن التقدم أقل وضوحًا بالنسبة إلى الشعوب الأصلية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنّ مستوى بداية الظلم كانت أكبر من ذلك كثيرًا.

أزمة المستقبل

إنّ البند الأول، كما لاحظ إيفان كراستيف، هو أزمة إعادة إنتاج المستقبل، لأنّ الآفاق الزمنية في عصر ما بعد الشيوعية قد تم تقصيرها، ورافق نهاية الطوباوية الشيوعية الحط من جميع الرؤى التقدمية للمستقبل. ومن المفهوم تمامًا لماذا قد حدث هذا، ذلك أنّ الثورات الشيوعية في كل مكان رافقها تضحية بالحاضر لمصلحة المستقبل، فدُمِّرت حياة شعوب بأكملها في سبيل تنفيذ مشاريع موجهة نحو المستقبل. لقد وقع عبء التوقع على المستقبل، وهكذا يبدو أنّ هذا يعفي النخب الحاكمة من المسؤولية الأخلاقية اليوم. ومع ذلك، لم يرافق رفض فرضية هذا المجاز اللينيني الكلاسيكي أي جهد ذي وزن كبير في الوقت الحاضر. وهذا ما دعا ميلان كونديرا لوصف الوضع ب "خفة الكائن التي لا تحتمل" التي تبدت في تشيكوسلوفاكيا الشيوعية بطرق جديدة. وقد تم التقاط هذه القضية في جزء من فكرة زيغمونت بومان حول الذين يعيشون في "الفاصلة"، أو "المنعطف" التاريخي، إذ لم تعد تطبق القواعد والاتفاقيات الخاصة بنظام الفرد الاجتماعي على الذي يليه، وإنما حدث، بدلً من ذلك، التغيير الدائم والمتسارع، أو ما يسميه كونديرا "الحداثة السائلة" التي أصبحت ميزة العصر. وعلى الرغم من أنّ طبيعة الزمن التاريخي قد تغيرت، وأننا نعيش الآن ما يبدو في عصر ما بعد الأيديولوجيا، في الممارسة المعاصرة، فإن الزمن التاريخي يماثل في العديد من الصفات الحقبة السابقة. وبدل من استشراف التطلعات في المستقبل، يبدو اليوم أنّ هناك مزيدًا من التركيز على الماضي، يرافقه عبء أفقي أكبر من التوقعات على الرؤى المكانية للمستقبل. ذلك أنّ شعار "العودة إلى أوروبا" بعد سقوط جدار برلين عام 1989، أصبح في حد ذاته مشروعًا سياسيًا، عززته في وقت لاحق تطلعات، معظمها ناجحة، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ويسود الاعتقاد أنّ مثل هذه الرؤية المكانية لا مجال لها في معظم عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. إذ تمّ السعي إلى ذلك، كما هو الحال في جورجيا، وأثارت عام 2008 واحدًا من أخطر صراعات حقبة ما بعد الحرب الباردة. وأخذت الصراعات على موارد الطاقة أيضًا صورًا مكانية، كما أظهرت النزاعات على جزر مختلفة في آسيا الشرقية. وقد ترافقت نهاية المستقبل مع استعادة الجغرافيا مشروعًا سياسيًا، ما أدى إلى استفحال الصراعات الجيوسياسية.

استنساخ الرأسمالية

وتركّز الأزمة الثانية على المشكلات المرتبطة باستنساخ الرأسمالية نفسها. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، جرى تكريس جزء كبير من الكتاب لمناقشة ملامح الأزمة الاقتصادية، فضلً عن أزمة الاقتصاد والأشكال الاجتماعية المرتبطة بالنظام الاقتصادي الحالي. وقد وفّر لنا العديد من كبار خبراء الاقتصاد والاقتصاد السياسي تحليلً معمقًا لهذا الموضوع في الحوارات المختلفة التي احتواها هذا الكتاب. لذلك، ولفائدة قارئ هذا العرض، سوف نقتصر هنا على مجرد تعليقات نأمل أن تكون شارحة المعاني الكلية التي أوضحتها آراء المشاركين في هذه الحوارات. فبالنسبة إلى جوزيف ستيغليتز، فإنّ جزءًا من المشكلة هو تطوير الاقتصاد مقررًا أكاديميًا. ويتجلى هذا الموضوع في العديد من الأحاديث الأخرى التي تمسكت في عمومها بأنّ ثمة سمة رئيسة تشبه الكساد العظيم هي فشل النظام الرقابي، أو ما اصطلح على تسميته ب "الرأسمالية المتأخرة." وبعبارة أخرى، فإنّ انهيار بديل الشيوعية المنظمة في 1991-1989() قد استبق بنتيجة تراجع طويل في الاعتقاد بفعالية عمل الدولة. وكان هناك الكثير من الأدلة التي تشير إلى أنّ الصناعات المؤممة والتدخل الحكومي الأخرق يمكن أن يؤدّي إلى عواقب وخيمة؛ وقبل كل شيء، البيروقراطية التوسعية والعمالة غير المسؤولة، مصحوبة في بعض الدول بإنشاء فئة خدمة طفيلية كاملة على النظام الرقابي نفسه. ومع ذلك، وقعت الأسس الجامحة النيوليبرالية في الفخ بنفس القدر من السذاجة، أي الاعتقاد أنّ الأسواق التي تحررت من قيود الدولة، سوف تكون قادرة على توليد آليات التصحيح والاكتفاء الذاتيين، على الرغم من أنّ الكساد العظيم ما يزال أداة تذكير حية، تنبهنا إلى أنه يمكن أن يكون فشل السوق بقدر فشل الدولة. وليس من الواضح بعد ما ستكون العواقب السياسية للانحدار النسبي للقوة الاقتصادية الغربية. نحن لسنا في حاجة لننغمس في

أوهام مبالغ فيها حول "التراجع" الأميركي، إذ أنّ علينا أن نلاحظ أن وضع الولايات المتحدة بصفتها قوة عسكرية، وسياسية، واقتصادية عظمى، هي بلا منازع، الأولى في العالم، ولا يُتوقع لها أن تنهار في المدى المنظور من المستقبل، أو ربّ ا في وقت أقرب مما يعتقد المتشائمون. ومما لا شك فيه أن يرافق هذا التحول العالمي في الوزن الاقتصادي دعوات لإعادة توزيع القوة على الصعيد العالمي، مثل تلك البلدان التي كانت سابقًا في "الهامش" ستصر على تدعيم اهتماماتها. وسيتم تحدى الهيمنة الأنجلو أميركية القديمة كما لم يحدث من قبل، كما أن التفسيرات التقليدية لقيادة "الغرب" والبنية الفوقية الأيديولوجية المرتبطة بها، والتي تأخذ اليوم شكل الليبرالية الجديدة، لن تكون قادرة على أن تعدّ تفوقها أمرًا مفروغًا منه. والرأسمالية، كما لاحظ شمشون بيتشلر وجوناثان نيتسان، هي شكل من أشكال الطاقة، إل إذا كان هناك بعض التفكير الذي يمكن أن يوضع بطريقة جديدة. ويحتجّان على العلاقة بين السوق والدولة، وكيف يمكن التغلب على سلالات النظام الحالي.

فهم التوازن العالمي للقوة

لقد نظر ايمانويل والرشتاين إلى تراجع الهيمنة النسبية للولايات المتحدة لأكثر من ثلاثة عقود، مع انحدار أسرع منذ عام 2000، كما بدأت دول أخرى العمل مباشرة بصورة مضادة للطريقة التي تود الولايات المتحدة منها أن تعمل بها. ونمو ديون الولايات المتحدة هو علامة على هذا التراجع. فقد كانت الفترة 1945( - 1968) ذروة الهيمنة الأميركية، وأقوى فترة نمو اقتصادي في تاريخ النظام العالمي. نحن في أزمة هيكلية اليوم، يمكن أن يُنظر إليها على أنها روح دافوس (النخب في المنتدى الاقتصادي العالمي) في مقابل روح بورتو أليغري (مكان اجتماع المنتدى الاجتماعي العالمي المناهض للعولمة) الذي يسعى لعالم ديمقراطي ومتساوٍ نسبيًا. وبالنسبة إلى والرشتاين، فقد كانت هذه عملية طويلة الأمد مع عواقب أيديولوجية عميقة. وفي أحدث مجلد من سلسلة أعماله الموسومة في تحليل النظام الرأسمالي العالمي، يجادل والرشتاين بأن "الليبرالية الوسطية" كانت قادرة على استيعاب منافسيها الذين ولدوا في خضم صدمات الثورات الصناعية والفرنسية، ولا سيما المحافظة والراديكالية، لتصبح أكبر قوة "سياسية فوق - إستراتيجية" وأوسعها انتشارًا في عصرنا. وطوال القرنين الماضيين، استطاعت الليبرالية أن تصدّ التحديات من اليسار واليمين، بينما كانت تعمل باستمرار على إيجاد سبل للتوفيق بين الرأسمالية والدولة الحديثة. وأصبحت الليبرالية الوسطية هي الشرعية الشاملة ل "الثقافة الكونية" لعصرنا التي انعكست في النصر الكاسح لأفكار "نهاية التاريخ" في سقوط الشيوعية، لتتمتع بهيمنة لا منازع لها تقريبًا اليوم. وبالتأكيد، فقد أصبحت الدولة أكثر ترحيبًا بالرأسمالية، ولكن يبدو أنها الآن تتعامل فقط مع المهمات المتبقية؛ تدريب القوى العاملة والتعامل مع قضايا الرعاية الاجتماعية، في حين يستمر النظام الاقتصادي في خلق الثروة، ويتدخل فقط في حالة استشعار خطر العواقب الوخيمة. ويلاحظ زيغمونت بومان الانفصال المتزايد بين السياسة والسلطة، بين وسائل سن التغيير واتساع نطاق المشكلات التي تحتاج معالجة، ويرى أننا نعيش في عالم جديد من الحداثة السائلة، حيث التغيير هو الثابت الوحيد وعدم اليقين هو اليقين الوحيد. وتستند مشاكلنا الحالية إلى ندرة التنظيم المعياري، ورفع القيود التي لا تنتهي، والانخفاض العام للجمهور. ويلاحظ بوب ديكون أنّ منظمة العمل الدولية التي تعود إلى عام 1919، قد حاولت التعبير عن المعايير الدولية للعمال. وبما أنّ المشكلات الاجتماعية عابرة للحدود على نحو متزايد، فنحن بحاجة إلى الخطوط العريضة لمجموعة من الحجج والسياسات لتنتقل بنا من النيوليبرالية العالمية إلى نوع من الديمقراطية الاجتماعية العالمية، مع نظم ضرائب عالمية وتنظيم عالمي. ويصف بيتر جي كاتزنستاين الاتجاه الرئيس الذي يواجه عالمنا المبتلى بالأزمات بنشره السلطة بين مجموعة من الأطراف الفاعلة، مع أنّ الولايات المتحدة لم تعد بارزة كما كانت عليه قبل 30 أو 50 عامًا. هذا هو الاتجاه الشامل الوحيد في العالم الذي نعيش فيه. فهو يجعل الحكم والحوكمة أكثر تحديًا، ومثيرًا للاهتمام، ومبتكرًا. إنه يفتح الكثير من الاحتمالات الجديدة، كما أنه يخلق العديد من المخاطر الجديدة.

دور الدولة

ويشدد العديد من المساهمين في هذه الحوارات على ضرورة إعادة النظر في دور الدولة في ظروف الرأسمالية المعاصرة، ولاحظ البعض الآخر أنّ هذا ينتزع تمثيل المجتمع الحديث، إذ يتم اختزال البشر في عمال ومستهلكين، هذا إذا كانت هناك حاجة للسكان على الإطلاق، وهذا لا يمكن أن يكون أساسًا عمليًا لخلق مجتمع ديناميكي. وكما يقول محمد يونس، إنّ معظم الاقتصادات تستبعد إمكانية البشر في نكران الذات والسعي للكسب غير المالي من قطاع الأعمال، وعلى عكس العمل الخيري، من خلال تجاهل تحقيق مكاسب مالية، يمكن أن تفتقر للاستدامة، أو تساهم في إنشاء تبعية بين المتلقين. ويقترح، بدلً من ذلك، نموذجًا للعمل

الاجتماعي الذي يستخدم نظام السوق لتقديم حلول للعلل الاجتماعية. وما هو ضمني في كثير من هذه الحجة هو أنّ العودة إلى الميتافيزيقيا، واهتمامات الروح، أمر ضروري لتحقيق التوازن في التدابير الاقتصادية للوجود الاجتماعي المعاصر. ويقودنا هذا إلى البعد الثالث، وهو إعادة إنتاج المجتمع نفسه. ففي العديد من الحوارات، طُرحت المشكلات المرتبطة بطبيعة دولة الرفاه ودورها، وبالتربية والتعليم، والرعاية الصحية، وغيرها من الآليات، إذ يسعى مجتمع حديث لإعادة إنتاج نفسه بطريقة صحية وقادرة على المنافسة. وقد بدأ الكساد العظيم يؤسس نقطة تحول جديدة، مع التراجع عن توفير الدولة التي يُنظر إليها تحت الضغط، وفي بعض الحالات، للحاجة الفعلية لخفض الميزانية. ويمكن رؤية هذا في مستواه الأقصى في ما حدث في اليونان، ولكن هذه الظاهرة هي أكثر انتشارًا في البلدان المتقدمة. ووسائل إعادة الإنتاج هي في محتوى الأزمة، فضلً عن الأشكال. وردًا على ذلك، هناك وعي جديد في المجتمعات النامية بالحاجة إلى التركيز على "التنمية البشرية" بوصفها نتيجة طبيعية للدخول في التقسيم الدولي للعمل. فالصين تكرّس الآن المزيد من الموارد للاستهلاك، ولكن في الوقت نفسه يتكيف نظامها التعليمي مع تحديات النظام التنافسي الدولي. هذا ما يحدث بالفعل في كثير من دول العالم الثالث، في حين بدأ العالم المتقدم في تفكيك بعض من إنجازاته. فقد وفرت نظم الرعاية التي تدعمها الدولة، مثل التعليم والصحة، المنافع العامة الهائلة، لكنها لم تحقق الأرباح للقطاع الخاص، وأنه لهذا السبب يتم الآن فتحها للذين بمقدورهم أن يقدّموها تجاريًا، أي يحققوا ربحًا من خلال توفيرها في الفضاء العام، على الرغم من أنه لا يوجد دليل يثبت أنّ نوعية العمل العام سوف تتعزز. وإذا أردنا أن نصدق الحجة التي تقدمت بها نعومي كلاين (مؤلفة كتاب "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث" الذي أثار جدلً كبيرًا في الأوساط الاقتصادية العالمية)، من أنّ الشركات تغتنم الفرصة التي أوجدها الكساد العظيم لفتح مساحات جديدة كاملة من الحياة الاجتماعية لمبدأ السوق، فعلينا التحقق من ذلك بحيادية في العالمين النامي والمتقدم.

التكيف مع التحديات الجديدة

وكان البعد الرابع من الحوارات، هو الحديث حول حاجة مؤسسات الحكم العالمية إلى التكيف مع التحديات الجديدة. وإن كانت هناك تغييرات جوهرية في الاقتصاد العالمي ونظام الحكم، فإنّ مؤسسات الحكم العالمية لا تزال مجمدة في منتصف القرن العشرين. ولا يزال نظام بريتون وودز يعمل؛ لا سيما في شكل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهناك طلب واضح لإحداث تحول في حقوق التصويت واختيار القادة لتعكس القوة المتنامية والمسؤولية لدول جنوب الكرة الأرضية. ومن الواضح أنّ الاتفاقية الحالية التي تقول إنّ رئيس البنك الدولي يجب أن يكون شخصًا أميركيًا ورئيس صندوق النقد الدولي أوروبيًا، قد تجاوزت غرضها وعمرها الافتراضي. وهناك أيضًا مطالبات متزايدة على هذه المؤسسات، بطريقة أو بأخرى، للحد من التهرب الضريبي العالمي عبر تسجيل الشركات خارج الحدود. إنّ فقدان عائدات الأعمال الخارجية وتقليل الضرائب، يؤديان إلى حرمان قطاع الخدمات العامة من الموارد. وتبقى منظومة الأمم المتحدة في قلب الحوكمة العالمية، ومع ذلك، فإنّ وضعية الدول الخمس الدائمة العضوية (الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) من الواضح أنها لم تعد منسجمة مع التوازن الحقيقي للقوى في العالم اليوم. إذ ركزت معظم أفكار الإصلاح على وجود مقعد واحد للاتحاد الأوروبي، وربما توسيع عدد الأعضاء الدائمين، مع إدراج بلدان مثل البرازيل، والهند، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا. ومن الواضح أنّ الشكل القديم لل G8 لا يمكن أن يقدم حلولً كثيرة جدًا للمشاكل العالمية، وهكذا فقد جاء خلق G20 عقب بداية الكساد العظيم عام.2008 وأيًّا كان الشكل الذي قد يأخذه إصلاح نظام الحوكمة الدولية، فمن الواضح أنّ القضية الإستراتيجية هي العثور على طريقة ما لإعطاء صوت للفعاليات الاقتصادية والسياسية الصاعدة. وسوف يؤدي هذا بالضرورة إلى تناقص صوت القوى الإمبريالية القديمة، وذلك بعد إساءتها الواضحة للنظام في القرن العشرين وبدايات هذا القرن، ولا سيما بشأن غزو العراق، إذ أنّ عددًا قليلً يستطيع أن يشك في أنّ الإصلاح قد تأخّر كثيرًا. ومن الواضح أنّ فكرة الحكومة العالمية بعيدة المنال في المرحلة الراهنة من تطور الكواكب. فالدول ال 193 الممثلة في الأمم المتحدة من غير المحتمل أن تتخلى قريبًا عن سيادتها لبعض في شكل من أشكال الهيئة فوق الوطنية التي تعمل على نطاق عالمي. وهذا يضع الآن المزيد من الضغوط على استنباط مؤسسات أكثر فعالية للحكم العالمي، في نظام يمكن أن يشمل احتياجات تعزيز القوى الصاعدة من الجنوب، في حين يمنع إدخال طغيان الأغلبية. في النهاية كل هذا يجب أن يتوجه إلى منع العودة إلى الصراعات بين القوى العظمى التي أفسدت أوروبا حتى حالة "التنفيس الكبير" في 1939( - 1945)، أي فترة الحرب العالمية الثانية.

نهاية المستقبل

وفي البعد الخامس، ناقشت عدة أحاديث، إما صراحة أو ضمنيًا، "نهاية المستقبل." ومع ذلك، فإنّ الأزمة هي في استنساخ البدائل. وهذه يمكن تعيينها أزمة حلول. إذ يبدو أننا نفتقر إلى اللغة، فضلً عن المؤسسات، لمقاومة تعديات القطاع الخاص في مجالات كانت تعمل في الماضي وفق منطق مختلف. وقبل كل شيء، كانت تعمل على أساس الأفكار والخدمة، والواجب، والصالح العام. إنّ مؤسسات "التضامن" القديمة، مثل النقابات وحتى الأحزاب السياسية، هي في تراجع واضح؛ وظهرت مكانه أصناف غير متجانسة من منظمات النشاط الاجتماعي، أو منظمات المجتمع المدني، وغالبًا ما تستخدم أشكالً جديدة من التواصل الاجتماعي (تويتر، والفاسبوك)، وقد تبدو قادرة جزئيًا فقط على التعويض. فقد تطورت حركة "احتلوا" من تمظهراتها المبكرة، كما في "احتلوا وول ستريت"، وشاركت في صور جديدة من المساعدات المتبادلة، لا سيما في "احتلال ساندي" لمساعدة أولئك الذين عانوا من آثار الإعصار عام 2012. في حين اتخذت حركة "نحتل منازلنا" حافة بديل أكثر راديكالية، ما مثّل تحديًا على فشل جهاز الائتمان المصرفي، وما أدى إلى حبس الرهن، وخلق حالات التشرد، وكثرة ظاهرة المنازل الفارغة المملوكة للبنوك. وفي بريطانيا، واصلت "أنكت - Uncut"، أو غير المختصر، تعقب المتهربين من الضرائب، وتطلعت إلى إيجاد بدائل من سياسات التقشف. وقد استخدمت هذه السياسات، كما اقترح في وقت سابق، لتغيير الأساس الفعلي لعقد الرعاية الاجتماعية التقليدية، لتعزيز اقتصاد السوق والتربح. إنّ التغيير الذي لا يهدأ هو إحدى سمات الحداثة، وبينما تسعى بعض الحركات الشعبوية والتقليدية إلى استعادة بعض العصر الذهبي، فإنّ التحدي الذي تواجهه الحركات الراديكالية هو في النقد والمشاركة في بناء أشكال جديدة من التضامن، تستجيب لاحتياجات المجتمع الحالية. إنه ليس من المفيد استنساخ الأشكال الاجتماعية القديمة فقط من أجل القيام بذلك؛ وبدلً من ذلك، فإنّ الحركات الاجتماعية الجديدة التي تجابه التحديات الحقيقية للحاضر، وتقدّم رؤية مقنعة للمستقبل، سوف تكون قادرة على تشكيل العلاجات بالنسبة إلينا جميعًا. والتحدي الأساسي هو إيجاد طرق جديدة لإضفاء الطابع المؤسسي للإيثار. وبالفعل يوجد الملايين الذين يكرسون وقتهم للعمل الخيري والإيثار، ولكن على المستوى المحلي والوطني فإنّ هذه الناحية تفتقر بالفعل إلى القدرة على الطعن في التسلسل الهرمي للسلطة القائمة. هناك العديد من الجوانب الأخرى للأزمة المعاصرة لاستنساخ الأشكال الاجتماعية القائمة، من أهمها الفشل المحتمل للاتحاد الأوروبي للحفاظ على نفسه، بخلاف ما هو عليه بما هو منطقة سوق حرة. فالتحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي معروفة جيدًا، لا سيما الأدلة الواضحة على عدم وجود تضامن بين الأعضاء في الشمال والجنوب من منطقة اليورو. فقد تحول نموذجها القديم للرعاية الاجتماعية بالفعل، بسبب أجندة لشبونة الداعية لخلق أسواق عمل أكثر مرونة وقدرة على المنافسة. وقد تم تحدي غرض الاتحاد الأوروبي الأساسي الأصلي بما هو مشروع سلام، أو الطعن فيه، لأنه أصبح أكثر قليلً من مجرد شكل مختلف من أشكال التعبير عن نظام الهيمنة الغربية، وهكذا، كان غير قادر على توسيع نطاق منطقة السلام أكثر إلى الشرق، إلى ما وراء الحدود السوفياتية القديمة. إنّ زخم عملية السلام بالتأكيد لم يستنفد بعد، وفي البلقان يعني استمرار الانضمام لجدول الأعمال الأوروبي أنّ قوته التحويلية لا تزال في حاجة إلى الاستكمال. قد يكون هذا الحد الطبيعي للاتحاد، ولأحلام ضم تركيا، وبعض دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، وحتى البلدان في جنوب أوروبا قد تم تعليق عضويتها إلى أجل غير مسمّى. ومع ذلك، فبالنسبة إلى بومان وغيره الكثيرين، ما يزال الاتحاد الأوروبي مصدر إلهام، وترك الاحتمال مفتوحًا أمام إعادة خلق حالة اجتماعية ومنطقة للتضامن.

التعددية الثقافية العالمية

أحد التحديات الرئيسة التي تواجه المجتمعات، حتى المتجانسة تقليديًا، هو تزايد التنوّع الوطني. وواحدة من الاستجابات الرئيسة منذ ستينيات القرن الماضي، هي بالتأكيد في عالم الأنجلو سكسونيين، كانت التعددية الثقافية. ومن المهم التأكيد أنّ التعددية الثقافية ليست استجابة سياسة واحدة ولكنها في الغالب نهج عام بني على أساس الإقامة والتكيف المرن مع الاحتياجات المتغيرة. ومما لا شك فيه، أنّ هناك إخفاقات حدثت، وقبل كل شيء في السماح بدرجة من العزل العرقي، كما هو الحال في بعض المدن البريطانية الشمالية. لهذا السبب، تعرضت الفكرة لانتقادات حادة في السنوات الأخيرة، قبل كل شيء لتأثيرها الضار في التماسك الاجتماعي المفترض. وقد تصوّر اليمين أنّ التعددية الثقافية مدمّرة لحقوق الثقافة السائدة؛ وتصوّرها اليسار تقوّض غيرها من صور التضامن، تأسيسًا على فكرة الطبقة. بينما يجادل ويل كيمليكا بأنّ الاعتراف بالتنوع الثقافي لا يستتبع ترسيخ أساسيات خصائص المجموعة، ولكن بدلً من ذلك، يسمح بالتطور الديناميكي لمجتمعات جديدة تقوم على مجموعة من الخبرات الوطنية. لقد ركّز على التفاهم المتبادل، وليس ما يمكن

أن يكون تنازلً متسامحًا، يساعدنا على الخروج من المأزق الذي دفعت العديد من المجتمعات نفسها في تعاملها مع التنويع المتعجل لأجندته، تأسيسًا ليس فقط على الحقوق، ولكن أيضًا على التزامات تجاه المجتمعات المجاورة الأوسع. ومن المواضيع التي طرحت بوضوح في هذه الحوارات، ظهور ما يمكن أن يسمّى التعددية الثقافية على نطاق عالمي. إنّ الحقيقة الثابتة الآن أنّ عصر الاستعمار قد انتهى منذ فترة طويلة، ومع زيادة الثقة بين مائتين من الدول التي تشكّل مجتمعًا دوليًا قويًا، فإنّ كل منها يتمنّى أن تكون له مساهمته في السياسة والتنمية في العالم. ويؤكد جيميان يانغ هذه الحقيقة في ما يتعلق بالصين، وكذلك الحال بالنسبة إلى الكاتب والشاعر الكازاخستاني الكبير والناشط الاجتماعي أولزهاس سليمانوف.  ولكن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلّ من خلال حوار حقيقي، والأسس الفلسفية لمثل هذا الخطاب هي ما قد وضحه ألفريد دلماير. وقد دعم هذه الحجة أكثر فلاديمير ياكونين الذي يشدد على ضرورة عكس الهرم القديم الذي أخذت العوامل الاجتماعية والاقتصادية فيه الأولوية، وبدلً من ذلك، هناك حاجة إلى تأسيس تسلسل هرمي جديد تُعطى فيه احتياجات الإنسانية الروحية الوزن المناسب. وعلى هذا الأساس فقط، يمكن لإجراء حوار حقيقي بين الأمم والحضارات أن يأخذ مكانه. لقد تصوّر الذين نظموا هذه الحوارات إمكانية جعلها وسيلة لتوضيح أبعاد الأزمة الحالية، ولكنهم أرادوها أيضًا أفكارًا تعرض معالجات. فقد سبق أن ظهرت الكثير من الأفكار العامة، ترافقها بعض المقترحات المحددة جدًّا. ولكن اللافت هنا هو الإجماع على أنّ المناهج التطورية والشاملة هي فقط بمقدورها أن تعمل على مواجهة منطق الحصرية للرأسمالية المعاصرة والثورية الغاضبة التي كانت في السنوات السابقة. والجدير بالذكر أنّ ها جون تشانج يصرّ على أنه ليس هناك سوى التدرج والواقعية اللذين يمكنهما أن يخلقا أسس نظام اقتصادي أكثر استدامة. وهذا الموقف عكسه بيتر كاتزنتاين الذي هو أيضًا غاضب من التكهنات المبالغ فيها بشأن صعود الصين والآثار المفيدة للاتحاد الأوروبي. ويرفض قطعيًا المفاهيم المعززة ل "الأزمة"، أو "السوق"، وبدلً من ذلك يفترض سلسلة من التفاعلات المعقدة بين الفاعلين. ويصرّ مايك ديفيس على أنّ الحلول لها بعد مكاني، وفوق كل شيء "أنسنة" من الفضاءات الحضرية. وهناك موضوع ملح وهو الطريقة التي يفاقم بها الفقر وعدم المساواة في الدخل، ولكن أيضًا في الحصول على فرص للتنمية الشخصية، بسبب الانقسامات القائمة ويكون بهذا بمنزلة كوابح للتنمية الاقتصادية. ويمكن للمناهج التطورية أن تكون جذرية، ولكنها لهذا في حاجة إلى أن تستند إلى النقد المتواصل والمراجعة من النظام الحالي.

الخاتمة

إنّ هذا الكتاب عبارة عن أفكار حول كيفية التعامل مع التقلبات العالمية، وعلى رأسها الأزمة المالية الأخيرة. وهو ليس وثيقة "مانفستو" تقدّم خطة موحدة للعمل من أجل المضي قدمًا في التعامل مع هذه التقلبات. بدلً من ذلك، يسعى هذا الكتاب إلى رسم معالم المستقبل القريب، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو بيئية. وقد اقترح عدد من المساهمين البارزين أساليب مبتكرة لفهم أفضل لما هو مطلوب، لاستعارة عبارة ألبرت أينشتاين "البقاء على قيد الحياة والانتقال إلى مستويات أعلى." وأخيرًا، فإنّ هذا الكتاب يدور حول الأفكار التي يمكن أن تساعد على تشكيل السياسات داخل الحدود الوطنية وخارجها على نطاق عالمي. وما يوحّد المساهمين في هذا الكتاب هو أنّهم، ونحن معهم، يعتقدون أننا نعيش في عالم هش للغاية. لهذا، فنحن في حاجة إلى أفكار جديدة من مختلف الثقافات والتقاليد الفكرية لزيادة فهمنا التهديدات التي نواجهها، والحلول الممكنة للمشاكل التي تواجهنا. ونحن نعتقد أنه من خلال مقارنة الخبرات والأفكار من بعض المفكرين المتميزين في العالم يمكن أن نبدأ وضع نصائح عملية حول ما يمكن القيام به، ولنتمكن من تحقيق قدر من السلام والازدهار في الأعوام المقبلة. وعلى الرغم من أنّ الكتاب لم يقدّم أي علاجات جاهزة سهلة، فإن فيه إشارة إلى كيف يمكننا أن نبدأ المساهمة في الحوار والتفاهم اللذين من دونهما يصبح أي علاج لا معنى له. وإننا ليحدونا أمل كبير أن تبعث هذه الحوارات روحًا جديدة في الفكر الإنساني، لينظر في جوانب الأزمات الكونية بلا استثناء، ويعيد ترتيب الأولويات، ويجابه كل التحديات، ويستشرف المآلات، ويعيد إنتاج مستقبل أفضل للإنسان. لقد أظهر جميع المساهمين فهمً معمّقًا للتوقعات الحالية والمستقبلية للأعمال التجارية العالمية، والجغرافيا السياسية، والصحة البيئية، والديناميات الفاعلة داخل كل منها. لهذا، سوف يجد القرّاء الذين يبحثون عن تقييمات فكرية صارمة حول وجهة المجتمع الدولي، في كتاب " 22 فكرة لإصلاح العالم " عرضًا مجزيًا جدًا يستحق القراءة.