المسار السياسي في اليمن من المبادرة الخليجية إلى "عاصفة الحزم"
[تشرين الثاني / نوفمبر 2011 - آذار / مارس 2015]
أول: من أجل فهمٍ موضوعي لسياق الأزمة: بداياتها وتطوراتها وخلفيات مواقف أطرافها، من الأفضل أن نتطرق أولً إلى الأجندة الداخلية التي أسهمت في توليد هذه الأزمة. الأجندة الداخلية: تلاقت أجندة الحركة الحوثية وجبهة الرئيس السابق علي عبد الله صالح على إفشال مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي كان أحد استحقاقات المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، لما يتوقّع أن تكون عليه المخرجات النهائية للمؤتمر التي ستصبّ في مصلحة إقامة دولة اتحادية فيدرالية ديمقراطية تتخفّف فيها مناطق اليمن من المركزية الحادة التي كانت تعمل لمصلحة ما يوصف في اليمن بالمركز المقدّس: القبلي المذهبي الذي احتكر قمة السلطة والنفوذ السياسي والمالي في شمال اليمن منذ ألف عام، ثم في اليمن الموحّد بعد حرب عام.1994 وإضافةً إلى البعد المذهبي الشيعي الذي مثّلته الحركة الحوثية التي تؤمن بأنّ الحكم محصور في العلويين، فإنّ الرئيس السابق وجماعته وجدوا أنّ مقررات مؤتمر الحوار الوطني سوف تستكمل تحقيق الكثير من أهداف الثورة الشعبية ضدّه 2011() التي كان أبرز أهدافها بناء الدولة الفيدرالية الديمقراطية، ومنع العسكريين من مزاولة العمل السياسي إلا بعد عشر سنوات من تركهم السلك العسكري، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف والقتل ضد المتظاهرين السلميين. وعلى الرغم من أنّ هذين الطرفين شاركا في مؤتمر الحوار الوطني بنصيب كبير لكلٍ منهما ظنًّا منهما أنّ الحوار لن ينتج شيئًا، فمشاركتهما كانت تتخفّى وراء محاولة إفشال الخروج بالنتائج المتوقَّعة المذكورة سابقًا التي تقضي في مجملها على البيئة السياسية والمذهبية التي تضمن الحكم لهما. وعلى الرغم من المحاولات المستميتة التي بُذلت في سبيل تحقيق هدف الإفشال، فشلا في عرقلة صدورها. ومن يومها بدأت تتكرس مظاهر التحالف المحيّ بين العدوّين اللدودين اللذين تقاتلا ست سنوات 2010-2004() في ستّ حروب دامية، ثم اتفقا على رفض فكرة النظام الفيدرالي الاتحادي، ولو أدّى الأمر إلى تدمير المسار السياسي السلمي والزجّ باليمن في أتون حرب طاحنة كما هو حادث اليوم. وكان بداية المخطط هو التخلّص من القوى الفاعلة والمعارضة لهما والتي كان لها دور حاسم في إجبار الرئيس السابق على التنحّي عن السلطة، وبخاصة القوى التي لها مرجعية متعارضة مع المرجعية الشيعية للحوثيين، وتمثّل خطرًا حقيقيًا عليها. خلال عام الزحف الحوثي المسنود بدعم الرئيس السابق، ظلّت العلاقة التحالفية السرّية بين الطرفين مثار خلاف وجدل بين المحذّرين منها والرافضين تصديقها ابتداءً، مع أنّ مظاهر هذا التحالف المحيّ (كما وُصف يومها) كانت واضحة في تطابق المنطلقات الإعلامية للطرفين، وتصنيف الأعداء المشتركين المحدّدين في: حزب الإصلاح الإسلامي، وآل الأحمر، والقادة العسكريين بقيادة اللواء علي محسن الأحمر الذين انشقّوا عن نظام الرئيس السابق علي صالح، وسماح القادة العسكريين الموالين لصالح للميليشيات الحوثية بالاستيلاء بسهولة على معسكرات الجيش اليمني وعتاده الضخم والمتطور في محافظة صعدة وبعض المناطق التي سيطروا عليها. وآخر هذه المظاهر، كان التقارب السريع بين علي صالح وعدد من رموز الزيدية السياسية الموجودين ضمن اللقاء المشترك الذين دعوا إلى تحالف الحوثيين مع خصمهم القديم علي صالح. ثانيًا: تحكّمت عدة عوامل في طبيعة المرحلة الانتقالية التي دخلها اليمن بتوقيع فرقاء السياسة اليمنية المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية في المملكة العربية السعودية برعاية مجلس التعاون الخليجي. وكان أبرز هذه العوامل هو حالة التوازن في القوة بين طرف الصراع، وهما: جبهة الرئيس السابق علي عبد الله صالح وحلفائه وجبهة قوى الثورة الشبابية وذراعها السياسية التي كان يمثّلها اللقاء المشترك وشركاؤه. وقد أدّت هذه الحالة إلى قبول الطرفين بخيارات مريرة، مثل تنحّي علي صالح عن الحكم وقبول المعارضة بمنحه الحصانة عن فترة حكمه. بعد توقيع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية في الرياض في 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2011، بدأ حينها ما سُمّي بالعملية الانتقالية في اليمن برعاية الدول العشر، ووظيفتها مساعدة انتقال البلد إلى إقامة نظام سياسي توافقي جديد، أو الانتقال إلى حكم ديمقراطي رشيد وفقًا لتعبير المبادرة الخليجية، بوصفه حلً وسطًا يجمع بين مطالب النظام السابق، وتطلعات قوى ثورة شباط / فبراير 2011 المطالبة بالتغيير. وعلى الرغم من الآمال العريضة التي رافقت توقيع المبادرة الخليجية، فالتآمر عليها بدأ مبكرًا من خلال تهديدٍ غير مباشر وجّهه الرئيس
المخلوع علي صالح لمعارضيه السابقين وشركائه الجدد (بأنّه سوف يعلّمهم معنى المعارضة.) وفي المقابل كان الحوثيون يرفعون عقيرتهم بالصراخ ورفض المبادرة الخليجية بحجّة أنّها تمنح علي صالح الحصانة عن جرائمه. واليوم باستعراض وقائع الفوضى في الفترة الانتقالية، تتّضح جدية تلك التهديدات ويتأكّد أنّ أصحابها كانوا صادقين فيها. ثالثًا: أبرز المعوقات والمؤامرات التي واجهتها المبادرة الخليجية خلال الفترة الانتقالية: وضع العراقيل أمام إعادة الطابع الوطني في جهاز الدولة المدني والعسكري (أي إعادة هيكلة الجيش والأمن والوظيفة العامة على أسس وطنية)، من خلال إثارة الفوضى والعواصف الإعلامية ضد كلّ قرار يستهدف تحقيق هذا الهدف. والغرض كان واضحًا. وهو المحافظة على الطابع الحزبي والطائفي المهيمن على الدولة الذي يوالي شخص الرئيس السابق ولا يعترف بأيّ ولاية لغيره. في السياق نفسه، كان الحوثيون يشنّون حملات تخوين ضدّ المبادرة الخليجية بحجّة أنّها فرّطت في ثورة الشباب ودمائهم ومنحت الحصانة لعلي صالح. دعم الرئيس السابق الفوضى في البلاد وتقويض الأمن خلال الفترة الانتقالية، وتقديمه إعلاميًا بأنّه دليل فشل المبادرة الخليجية وما نتج منها من تغييرات، من خلال الأساليب التالية: تسليم أسلحة المعسكرات للحوثيين في صعدة ممّ حوّلهم إلى قوة عسكرية كبيرة جدًا. وقد أسهم ذلك في نشر الفوضى والحروب في مناطق سعى الحوثيون للتمدّد فيها، مثل حجة والجوف وأرحب. تسليم محافظة أبين لتنظيم القاعدة. وكان القائد المسؤول عن ذلك هو العميد عبد الرزاق المروني الذي تأكّد ارتباطه بالمخلوع علي صالح والحوثيين، وجرى تعيينه بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء قائدًا للقوات الخاصة. وقد أدّى ذلك إلى حدوث مآسٍ وكوارثَ وفواجعَ في أبين تسبّبت في نزوح عشرات الآلاف من الأسر إلى عدن حيث عاشوا في ظروف مأساوية. ويلاحظ أيضًا اشتداد عمليات القاعدة في تلك الفترة التي أربكت عملية التغيير ومسار التسوية السلمية. والمعروف أن تنظيم القاعدة هو أحد الأقنعة التي يتحرّك من خلالها الرئيس السابق لتنفيذ أجندته السياسية؛ مثل إثارة الفوضى وتخويف الناس في الداخل والخارج من شبح تنظيم القاعدة، وأنّه الوحيد القادر على مواجهته. ونذكّر هنا بتصريح السفير البريطاني في اليمن لجريدة يمن تايمز (جوناثان ويلكس) أثناء سقوط أبين بيد القاعدة، عندما أبدى استغرابه بسبب عدم وجود أيّ دليل على وجود قوّات مكافحة الإرهاب في أبين التي درّبتها بلاده لهذا الغرض. تنفيذ سلسلة متواصلة من أعمال الاعتداءات على خطوط الكهرباء وأنابيب البترول والغاز التي تسببت في تأجيج النقمة الشعبية على سلطة الفترة الانتقالية بفعل استغلالها إعلاميًا وسياسيًا من جانب الرئيس المخلوع والحوثيين، لإقناع الرأي العام الناقم بفشل الترتيبات السياسية التي جاءت بها المبادرة الخليجية، وبخاصة تقاسم السلطة مع المعارضة وإقصاء علي صالح، وهيكلة الجيش والأمن. التحريض السياسي والإعلامي على السلطة الانتقالية بحجّة فشلها في إدارة الدولة ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، والمطالبة بتغييرها خلافًا للمبادرة الخليجية، على الرغم من حقيقة أنّ جبهة الرئيس السابق مشاركة في إدارة الفترة الانتقالية بالنصيب الأكبر في كلّ شيء، ووفقًا للأرقام التالية: 17 وزيرًا مؤتمريًا في الحكومة. 15 محافظًا مؤتمريًا. 95 في المئة من وكلاء المحافظات مؤتمريون. 90 في المئة من وكلاء الوزارات مؤتمريون. 85 في المئة من مدراء العموم مؤتمريون. 220 عضو برلمان مؤتمريون. 90 في المئة من القادة الكبار ومعاونيهم في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، موالون للرئيس السابق ولاء حزبيًا وقبليًا وطائفيًا. 90 في المئة من أعضاء المجالس المحلية في الجمهورية مؤتمريون. 95 في المئة من رؤساء أقسام الشرطة ومدراء المدارس مؤتمريون. 80 في المئة من مدراء أمن المحافظات والمديريات وعقال الحارات مؤتمريون. 80 في المئة من رؤساء الجامعات وعمداء الكليات مؤتمريون.
السعي لإفشال مؤتمر الحوار الوطني الشامل من خلال رفض مبدأ الفيدرالية والأقاليم التي نجحت في جذب المكوّنات الجنوبية لفكرة البقاء في ظل الوحدة ونبذ فكرة الانفصال. وعندما شعروا أنّ فكرة الفيدرالية تحظى بالأغلبية وجرى تمريرها، بدأوا تنفيذ خطة السيطرة العسكرية المسلحة على الأرض مستفيدين من سيطرتهم الفعلية على الجيش والأمن. وقد تحالف الرئيس السابق في ذلك مع الحوثيين الذين انقلبوا على أطروحاتهم السابقة. وبدأت تظهر قرائن على وجود تحالف سرّي بين الطرفين لتدمير الفترة الانتقالية، بدأت علاماته في حروب السيطرة على دماج وكتاف وحاشد وعمران، بتحالفٍ واضح بين الحوثيين وأتباع الرئيس السابق. وكانت تلك التحركات تمهيدًا للانقلاب الكبير على المسار السياسي والمبادرة الخليجية الذي بدأ بحجّة رفض الجرعة السعرية في المشتقات النفطية، ومحاربة الفساد، والمطالبة بإقالة حكومة الوفاق الوطني. في الوقت الذي بدا فيه أنّ بشائر نجاح مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وأنّ المسار السياسي ماضٍ في اتّجاه التغيير الشامل لبنية الدولة اليمنية، بدأت منذ منتصف عام 2013 العمليات العسكرية الحوثية ضد مجموعة الشيخ يحيى الحجوري السلفية التي كان مركزها التعليمي الشهير يقع في منطقة دماج في محافظة صعدة معقل الجماعة الحوثية الشيعية، بحجّة محاربة المتطرفين والتكفيريين. وبعد أربعة شهور من الحصار اللاإنساني والقصف الهمجي، وبوساطة من رئاسة الجمهورية، اضطرت الجماعة السلفية للجلاء عن صعدة كلّها برجالها ونسائها وأطفالها، تاركين منازلهم ومساجدهم وأشهر مركز سلفي للعلوم الشرعية في اليمن. ومع أنّ كثيرين ظنّوا أنّ ما حدث كان أمرًا خاصًا بالعلاقة المتوترة مذهبيًا بين الجماعتين، وتعامل معه البعض على أنّه تعبير مشروع عن مخاوف الحوثيين الشيعة من تكرار ما يتعرّض له أمثالهم في العراق ولبنان، ما اتّضح فيما بعد كشف أنّ الهدف الحقيقي هو رغبتهم في إحكام السيطرة الكاملة على المحافظة وتأمينها من أيّ وجود قد يمثّل خطرًا عليهم أثناء زحفهم خارج مناطقهم التقليدية. ما حصل بعد أحداث دماج وتهجير السلفيين منها، بدأ يكشف تدريجيًا عن تحوّلٍ نوعي في إستراتيجية جماعة الحوثيين وتحالفاتها الجديدة على الأرض، وبخاصة مع حزب الرئيس السابق علي صالح، والتي تعززت من خلال مشاركة أنصاره والرموز المشيخية والعسكرية الموالية له في دعم الزحف العسكري للحوثيين الذي بدأ بعد إخراج السلفيين من دماج يستهدف أبرز القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية التي دعمت الثورة الشبابية ضدّ علي صالح؛ من خلال التوجّه للسيطرة على مطارح أسرة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر المحاذية لمحافظة صعدة، وتدمير منازلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وطردهم خارجها، على الرغم من عدم وجود أيّ مسبّبات حقيقية للعداء بينهم وبين الحوثيين. ولكنّها كانت أجندة الطرف الآخر في التحالف. وهو الرئيس السابق الذي أراد أن ينتقم منهم جزاء مشاركتهم في خلعه. انتقل الزحف الحوثي إلى محافظة عمران حيث توجد أقوى الألوية العسكرية في الجيش اليمني برمّته، والتي ساندت الثورة الشبابية، وكان لها أيضًا دور كبير في الحروب التي نشبت ضد الحوثيين خلال الفترة 2010-2004(.) ويعدّ قائدها الشهير حميد القشيبي من أبرز المناوئين للحوثيين. وكانت المبررات هذه المرة هي مطلب استقالة المحافظ المنتمي إلى حزب الإصلاح واستبداله بمحافظ محايد، وإبعاد اللواء القشيبي المعادي للحوثيين. وبعد أسابيع من القتال من دون دعم الدولة، وصمت المبعوث الدولي جمال بن عمر ووزارة الدفاع، بل تخاذلها في نجدة وحداتها العسكرية المحاصرة وتحوّلها إلى وسيط يعرض على الجيش الانسحاب من عمران ثمنًا لسلامته، اكتسح الحوثيون عمران مدعومين بالوحدات العسكرية والأمنية والتشكيلات القبلية الموالية للرئيس السابق علنًا هذه المرة. وجرَت السيطرة على اللواء المدرع الأقوى في اليمن وترحيل أسلحته إلى صعدة، وإعدام قائده ورجاله. وأقام الحوثيون سلطتهم الخاصة في المنطقة. وفرضوا أجندتهم المذهبية، بما فيها تحريم الموسيقى والغناء وصلاة التراويح وتغيير أئمة المساجد بموالين لهم. وكان من الغريب أن يقابل الزحف الحوثي صمت قيادة الدولة والمبعوث الدولي للأمم المتحدة (جمال بن عمر) اللذَين يفترض أنّهما حارسَا العملية السياسية التشاركية؛ وكان مفزعًا أن تظلّ الدولة اليمنية محايدة تجاه كلّ ما حدث وأدّى إلى انهيار سلطتها واستيلاء ميليشيات مسلّحة على وحدات مهمة من الجيش اليمني، وقتل اللواء حميد القشيبي أحد كبار القادة العسكريين. وكان إعلان الدولة ووزارة الدفاع أنّهما محايدتان في المعركة قاصمً للظهر. وقامتا بدور الوساطة بين الجماعة المسلحة ووحداتها العسكرية في كلّ المعارك التي دارت وكأنّهما طرف ثالث محايد. وكان ملفتًا للنظر قيام وزير الدفاع حينها (محمد ناصر أحمد) بزيارة تجمّعات الحوثيين المسلحة المحاصرة لقوّاته العسكرية في عمران، والتقاط الصور التذكارية مع قادتهم، وتأخير إصدار بيان نعي رسمي فضلً عن التنديد،
وعدم حضور الرئيس ووزير الدفاع مراسيم تشييع جنازة القشيبي التي على الرغم من ذلك اتّخذت طابعًا شعبيًا غير مسبوق في صنعاء. بعد عمران، تمدّدت حركة الحوثيين وحلفائهم في المناطق التي تقع على الطريق إلى صنعاء العاصمة في إشارةٍ واضحة أنّها هدفهم التالي. وانتهزت فرصة إعلان الرئيس هادي قرارات رفع أسعار المشتقات النفطية لمواجهة عجز الموازنة العامة الخطير. وأعلنت إقامة اعتصامات في مداخل العاصمة وفي داخلها رافعةً مطالب إقالة الحكومة، وإلغاء قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، ومحاربة الفساد. وفشلت كلّ محاولات التفاهم للوصول إلى حلٍ وسط مع الحوثيين. وتزايدت عوامل التوتّر بين مؤيدي الحوثيين ومعارضيهم الذين شكّلوا اصطفافًا مؤيّدًا للرئيس كان له أيضًا فعاليات جماهيرية ضخمة في العاصمة. وتجوّلت الوساطات دون فائدة بين صنعاء وصعدة. وشارك فيها المبعوث الدولي جمال بن عمر الذي لم يجد مانعًا في التحاور مع ميليشيا مسلّحة تحاصر العاصمة، ومحاولة إقناعها بالتنازل. كانت عملية الحوار والوفود وسيلة لضمان الوقت اللازم لاستكمال الاستعدادات العسكرية حول العاصمة وداخلها. وكالعادة في كل الحالات المماثلة، انتهز الحوثيون المنتشون بالقوة وتخاذل الدولة والأحزاب وقوع مناوشات بين رجال الأمن ومتظاهرين حاولوا محاصرة بوابات وزارات الداخلية والاتصالات والكهرباء. فاستغلّها الحوثيون وحلفاؤهم للبدء في الزحف على مؤسسات سيادية؛ مثل مقرّ التلفزيون الرسمي، ومحاصرة مقرّ الحكومة، ووزارة الداخلية بحجة أنّ فيها قناصين أطلقوا الرصاص على المعتصمين السلميين. وصاحَب ذلك دخول ميليشيات مسلّحة من مداخل متعددة للعاصمة سرعان ما اشتبكت مع المواطنين الرافضين لها، لوجودها في مناطقهم. بدأ الحوثيون وحلفاؤهم في تنفيذ المرحلة الأخيرة من خطتهم للتخلّص من خصومهم والسيطرة على أخطر المراكز السيادية في الدولة، والزحف على المؤسسات المستهدفة سواء كانت عسكرية معادية لهم أو مؤسسات مدنية اتّهمت بأنّها مراكز للإرهابيين الدواعش والقاعدة، وتحديدًا دُور القرآن والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإعلامية والتعليمية المحسوبة على حزب الإصلاح. وفي الوقت نفسه، قضى جمال بن عمر أيامًا في صعدة لإقناع قادة الحوثيين باتفاقٍ جديد يضمن لهم تنفيذ كلّ شروطهم. وتأخّرت المباحثات حتى استكمل الحوثيون اقتحام العاصمة والسيطرة على كلّ ما فيها بمساعدة القادة العسكريين والأمنيين الموالين للرئيس السابق الذين أعلنوا انضمامهم لثورة الحوثيين الجديدة. انقلب المشهد السياسي في اليمن في 21 أيلول / سبتمبر 2014 رأسًا على عقب، بعد اقتحام الميليشيات الحوثية العاصمة اليمنية صنعاء مدعومة بوحدات قبلية وعسكرية مدرّبة موالية للرئيس السابق علي صالح، قبل أن تتمدد إلى محافظات أخرى مثل الحديدة الميناء الإستراتيجي على البحر الأحمر ومعظم المحافظات الشمالية؛ بحجّة محاربة الإرهابيين والقاعدة والدواعش. وأينما حلّوا، نشبت الحروب وانتشرت الفوضى والقتل. لم يلتزم الحوثيون وحلفاؤهم اتفاق السلم والشراكة الذي جرى توقيعه مساء 21 أيلول / سبتمبر بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء كاملة، والذي قضى بانسحاب قوّاتهم من صنعاء والمدن. وأعلن قادتهم أنّ المبادرة الخليجية انتهت وحلّ محلّها اتفاق السلم والشراكة. وأنّ كلّ الترتيبات التي نتجت من المبادرة الخليجية صارت غير قائمة. وبدأوا يفرضون ممثّلين لهم في الشوارع والمعسكرات ومؤسسات الدولة، مثل الوزارات والمحافظات، ويصدرون الأوامر للمسؤولين وعرقلوا تشكيل حكومة جديدة بدعم علي صالح؛ بحجّة أنّ أحمد بن مبارك الذي جرى تكليفه رسميًا بتشكيل الحكومة عميل أميركي. وعندما تشكّلت حكومة خالد بحاح، عرقلوا نشاطها، ولم يستطع رئيس الوزراء أن يمارس عمله بصورة طبيعية. لم تؤدّ كلّ التنازلات التي قدّمت للحوثيين، والتغاضي عن زحفهم للسيطرة على كلّ البلاد، إلى حلّ الأزمة وانفراج الوضع السياسي. وتنقّلت البلاد من أزمةٍ إلى أخرى حتى بعد موافقة الحوثيين على تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية. وفي الداخل، اختلطت الأوراق بعنف؛ فلم يمرّ بسهولة تمدّد الحوثيين في المحافظات مدعومين هذه المرة علنًا بقوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة؛ فقد واجهوا مقاومة شرسة من القبائل بخاصة في محافظتَي البيضاء ومأرب. وواجهوا أيضًا مقاومة شعبية سلمية في الحديدة وتعز وإب وذمار، وإلى حدٍ ما في العاصمة صنعاء. وأمّا في الجنوب فقد أدّت أحداث استيلاء الحوثيين على مراكز القرار السياسي والعسكري في العاصمة إلى طغيان المطالب الانفصالية وخفوت صوت الراضين باستمرار الوحدة في ظلّ نظام اتحاد فيدرالي، وأعلنت المحافظات الجنوبية وأخرى شمالية رفضها قبول أيّ توجيهات من صنعاء. وفيما بعد، انتقلت أعمال المقاومة المسلّحة ضد الحوثيين إلى الجنوب، عندما توغّلوا فيه.
كان آخر أعمال الحوثيين الفوضوية وبدعم علي صالح، اختطاف مدير مكتب رئيس الجمهورية أحمد بن مبارك، وهو في طريقه إلى اجتماع لجنة الدستور الجديد لتسليم نسخة الدستور الجديد لرئيس الجمهورية ولجنة الرقابة على مخرجات الحوار الوطني؛ لمنع ما وصفوه بمؤامرة تمزيق اليمن باعتماد الفيدرالية والأقاليم الستة في الدستور الجديد. واستمرت أزمة اختطاف مبارك فترةً تدهورت فيها حال البلاد، وانتشرت الفوضى واليأس من أيّ تغيير. في 21 كانون الثاني / يناير، قدّم رئيس الوزراء خالد بحاح استقالته، بعد أن وجد أن لا فائدة في انفراج الأزمة. وفي اليوم نفسه قدّم رئيس الجمهورية أيضًا استقالته، بعد أن فرض عليه الحوثيون تعيين عدد كبير من أنصارهم في مناصبَ سيادية عسكرية ومدنية، بدءًا من منصب نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء ونواب وزراء، وغيره. وفي 6 شباط / فبراير 2015، استغلّ الحوثيون إصرار رئيس الجمهورية والوزراء على عدم التراجع عن استقالتهما في 22 كانون الثاني / يناير 2015؛ فأحكموا قبضتهم الفعلية على الوضع في العاصمة السياسية بإعلان دستوري أعلنوه على مسؤوليتهم، وقضوا فيه بحلّ مجلس النواب، وتجميد العمل بالدستور اليمني، وتشكيل مجلس وطني، ولجنة ثورية عليا لإدارة البلاد. وأعقب ذلك فرض الإقامة الجبرية على الرجلين ومعهما مجموعة من الوزراء المستقيلين. ودخلت البلاد في مرحلة جديدة من التأزّم السياسي والاجتماعي، قبل أن يتمكّن الرئيس من كسر الحصار المفروض عليه، وينتقل إلى مدينة عدن البعيدة عن سيطرة المتمردين، حيث يوجد أنصار كثيرون له. ومن هناك أعلنها عاصمة موقّتة للبلاد. وفي خطوةٍ مفاجئة، تمكّن الرئيس هادي من كسر الحصار المفروض عليه والانتقال إلى عدن؛ معلنًا تراجعه عن الاستقالة، وعَدِّ صنعاء عاصمة محتلة وعدن عاصمة موقّتة والحوثيين ميليشيا متمردة. وانقسمت البلاد على الطريقة الليبية بين سلطةٍ شرعية في عدن وسلطة الأمر الواقع في صنعاء. وانسحبت معظم السفارات والمؤسسات الدولية التنموية. وتوقّفت الأعمال الخاصة والعامة. بعد انتقال الرئيس إلى عدن، لم يبق أمام الحوثيين وحلفائهم إل الزحف من جديد صوب عدن والمحافظات الثائرة عليهم لإخضاعها بالقوة المسلّحة تحت الم رررات نفسها: حماية الوحدة ومحاربة التكفيريين والإرهابيين حتى وصلت الأمور إلى ماهي عليه الآن من حروب محلية ومحاولة السيطرة على عدن، ما استدعى تدخّلً عربيًا خليجيًا بناءً على طلب الرئيس هادي. وخلال الشهر التالي، تطوّرت الأزمة سلبيًا مع اتخاذ الحوثيين وحلفائهم قرار التمدد إلى المحافظات المتحررة من سيطرتهم، ولا سيمّا عدن، حيث بدأت حشودهم العسكرية في التحرّك وبسط سيطرتها، ولكن في مواجهة مقاومة شعبية وعسكرية كانت ضعيفة على أيّ حال. ومع اقتراب الزحف من عدن وظهور تحركات عسكرية موالية للمتمردين في داخل عدن وغيرها، تصاعد خطر سقوط العاصمة الموقّتة؛ ما دفع بالمملكة العربية السعودية وحلفاء عرب وخليجيين إلى شنّ حملة عسكرية قويّة لمنع الحوثيين وحلفائهم من السيطرة على عدن، ولدعم الشرعية الدستورية، ورفض الانقلاب المتكامل الأركان الذي قاده صالح مع حلفائه الحوثيين، وخطّط له منذ توقيعه المبادرة الخليجية في العاصمة السعودية الرياض، في تشرين الثاني / نوفمبر.2011