روسيا وتركيا: علاقات متطورة وطموحات متنافسة في المنطقة العربية

عماد قدورة

الملخّص

على الرغم من إرث النزاع والتنافس على النفوذ الذي شهدته العلاقات الروسية - التركية منذ قرون، فقد شك لت الظروف الاقتصادية والمتغيرات السياسية التي تشهدها الدولتان لإعادة النظر في طبيعة علاقاتهما السابقة منذ بداية القرن الحادي والعشرين فرصة. فبوصفهما دولتين كبيرتين متجاورتين، وتتبنيان إستراتيجية جديدة لاستعادة الدور الفاعل على الساحة الدولية وإحياء المكانة التاريخية، فقد تطلب صعودهما، وبخاصة الاقتصادي، تعزيز التعاون بينهما بسبب وفرة المصالح المتبادلة وتنوّعها. ومع أنّ شراكتهما قد تكرّست في مجالات إستراتيجية عديدة، فلم يؤدِ ذلك إلى تلاشي طموحاتهما التاريخية المتنافسة ولا نزاعهما الإقليمي، وبخاصة في المنطقة العربية. فبسبب طبيعة مصالحهما في المنطقة التي تنطوي على تحالفات مع أطراف متناقضة، أصبح تعزيز دور أحدهما وعلاقاته يعني إضعاف ا لدور الآخر ومصالحه. يناقش هذا البحث التقارب التاريخي الذي توصلت إليه روسيا وتركيا، ومجالات التعاون الإستراتيجي ومصالح الدولتين ومكاسبهما، والانعكاسات بعيدة المدى لهذا الترابط على سياسات الدولتين إقليميًا، ويفسِّ ر التناقض الظاهر بين العلاقات الثنائية المتطورة من جهة، وبين التنافس الإقليمي وتباين سياساتهما في المنطقة العربية من جهة أخرى.

تشهد العلاقات الثنائية الروسية – التركية في الفترة الحالية ذروة التطور؛ فعلى الرغم من إرث النزاع والمواجهة والتنافس على النفوذ منذ قرون، شكّلت الظروف الاقتصادية والمتغيرات السياسية التي شهدتها الدولتان في بداية القرن الحالي فرصةً لإعادة النظر في طبيعة علاقاتهما السابقة. فبوصفهما دولتين كبيرتين متجاورتين، وتتبنيان إستراتيجية جديدة لاستعادة الدور الفاعل على الساحة الدولية وإحياء المكانة التاريخية، فقد تطلب صعودهما، وبخاصة الاقتصادي، ضرورة تعزيز التعاون بينهما بسبب وفرة المصالح المتبادلة وتنوّعها. وبالفعل، تسارع انفتاح علاقات الدولتين تجاه بعضهما بعضًا حتى توصلا إلى تأسيس "مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى" في عام 2012، ثمّ كرّست القمة الروسية – التركية التي عقدت في كانون الأول/ ديسمبر 2014 شراكتهما في مجالات إستراتيجية عديدة، ومنها تطوير القدرات الفضائية التركية، وبناء مفاعلها النووي الأول، واعتمادها ناقلً وحيدًا للغاز الروسي إلى أوروبا، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى مئة مليار دولار في المدى القريب. وفضلً عن ذلك، تطمح تركيا إلى أن يؤدي ذلك إلى تجسير الفجوة مع القوى الإقليمية المنافسة مثل إيران وإسرائيل، وتعزيز وضعها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي لنيل عضويته، وزيادة أهميتها الغربية والأطلسية. أما روسيا، فتطمح في أن يساعدها هذا التعاون في مواجهة المخاطر الاقتصادية المترتبة على العقوبات الغربية التي فرضت عليها بسبب الأزمة الأوكرانية، وإيجاد شركاء كبار ضمن التحالف الغربي لاستقطابهم وتحييدهم عن أي خطة غربية تستهدف احتواءها مجددًا، فضلً عن محاولتها التأثير في السياسات التركية تجاه القضايا المتعلقة بمصالحها ونفوذها مثلما أثرت الروابط والتحالفات الغربية بسياسات تركيا الشرق أوسطية. وعلى الرغم من تحسّن العلاقات الروسية – التركية على نحو غير مسبوق، فإنها لم تؤدِ مع ذلك إلى تلاشي طموحاتهما التاريخية المتنافسة ولا نزاعهما الإقليمي، وبخاصة في المنطقة العربية. فبسبب طبيعة مصالحهما في المنطقة التي تنطوي على تحالفات مع أطراف متناقضة، أصبح تعزيز دور أحدهما وعلاقاته يعني إضعافًا لدور الآخر ومصالحه؛ كما هو الحال في سورية ومصر ومع الأحزاب السياسية الإسلامية. كما أقلقت طبيعة الثورات العربية موسكو التي تخشى أن يؤدي نجاحها إلى مزيد من وصول الأحزاب السياسية الإسلامية إلى الحكم في العالم العربي؛ وهو ما يصبّ في مصلحة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وقد يؤدي ذلك إلى تشكّل محورٍ إقليمي يوسّع النفوذ التركي. وتعدّ الأزمة السورية المثال الأبرز على تناقض المصالح الروسية - التركية؛ ففي ظل سعي روسيا للحفاظ على مصالحها مع أهم حلفائها في الشرق الأوسط، والحفاظ على قاعدتها البحرية الوحيدة في البحر المتوسط، فقد عارضت أي تدخل عسكري خارجي في سورية ودعمت النظام بشتى السبل؛ ما أبرز دورها مجددًا في المنطقة، وأظهرها كحليفٍ يمكن الاعتماد عليه، وشجع ذلك دولً عربية أخرى مثل مصر للبحث في إمكانية تطوير العلاقة معها. أما تركيا، فقد أضعف التدخل الروسي، فضلً عن الإيراني، دورها في سورية وقوّض حضورها الإقليمي الذي كان فاعلً قبل الأزمة. وعلى الرغم من هذا التناقض في سياسات الدولتين ومصالحهما في المنطقة، فليس من المستبعد أن يتواصل الأتراك والروس مثلً بشأن البحث عن حلٍ للأزمة السورية بما يحفظ حدًا معقولً من مصالحهما، وذلك بتأثير علاقاتهما التي لا تزال تتطور، وحفاظًا على ديمومتها. يناقش البحث هذا التقارب التاريخي الذي توصلت إليه روسيا وتركيا، ومجالات التعاون الإستراتيجي المتضمنة فيه ومصالح الدولتين ومكاسبهما، كما يحلل الانعكاسات بعيدة المدى للترابط الوثيق وتعاظم الاعتماد المتبادل بينهما على سياسات الدولتين إقليميًا، ويسعى إلى تفسير التناقض الظاهر بين العلاقات الثنائية المتطورة والتنافس الإقليمي وتباين سياساتهما في المنطقة العربية.

أولا: روسيا وتركيا وإحياء المكانة والنفوذ

استمر التنافس بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية لبسط السيادة الإقليمية نحو قرنين من الزمان. فمنذ عهد بطرس الأكبر في نهاية القرن السابع عشر، كانت روسيا الصاعدة تحاول التوسّع وتقوم بهجمات ضد العثمانيين الذين كانوا يدافعون عن دولتهم ونفوذهم. وفي خضم هذا الصراع، برز العنصر الديني؛ فروسيا الأرثوذكسية اعتبرت نفسها المدافع عن المسيحيين ضد الأتراك المسلمين، ولكن أهدافها كانت أبعد من ذلك، فقد كانت تتطلع إلى السيطرة على المضائق التركية، وكذلك على العاصمة العثمانية نفسها التي رأى الروس أنها جزء من تراثهم التاريخي. وقد تجلّ الصراع بين الطرفين

في حرب القرم الشهيرة 1856-1853() للسيطرة على البحر الأسود وما وراءه. إلا أنّ انهيار الإمبراطوريتين في الوقت نفسه بسبب الحرب العالمية الأولى، والتغييرات الداخلية اللاحقة في روسيا وتركيا، أذنت ببدء فترة أكثر استقرارًا في العلاقات الثنائية. ومع ذلك، دفعت محاولات جوزيف ستالين لتوسيع النفوذ السوفياتي وبسط السيطرة على تركيا، أنقرة إلى الانضمام إلى المعسكر الغربي في بداية الحرب الباردة. وعلى مدار أربعة عقود من المواجهة، كانت تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، بمنزلة الحصن الجنوبي1 والحاجز الطبيعي للدفاع عن أوروبا الغربية. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، انفتحت آفاق جديدة أمام الجمهورية التركية لمدّ نفوذها لأول مرة خارج حدودها باتجاه "العالم التركي" المكوّن من معظم جمهوريات آسيا الوسطى وأذربيجان، ولكنّ هذا النشاط تم تقويضه مبكرًا؛ لاستشعار روسيا مخاطر وصول النفوذ التركي، وربما الغربي، إلى حدودها ومجالها الحيوي الجنوبي.

لقد شكلت بداية القرن الحادي والعشرين انطلاقةً فارقةً للدولتين معًا على صعيد النهوض السياسي والاقتصادي؛ فقد تزامن انطلاق مشروع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ عام 2000 لاستعادة قوة روسيا الاقتصادية ونفوذها الخارجي، مع مشروع حزب العدالة والتنمية عام 2002 لإحياء المكانة الإقليمية والدولية لتركيا. بالنسبة إلى روسيا، فقد خرجت من فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي في شكلٍ جديدٍ؛ فمع أنها فقدت السيطرة على كثيرٍ من الأراضي والموارد، فإنها حافظت إلى حدٍ كبير على استقلالها الإستراتيجي، ونفوذها في محيطها الإقليمي المباشر، وتأثيرها في أجزاء من الشرق الأوسط. كما احتفظت بمكانة دولية مؤثرة بفضل مقعدها الدائم في مجلس الأمن وقوتها النووية التي تعد إحدى ركائز التوازن الإستراتيجي العالمي2. ولكنّ استعادة مكانتها الدولية تطلب أبعد من الحفاظ على الوضع القائم، وبخاصة أنها تراقب الغرب وهو يوسِّع نفوذه في اتجاهها حتى وصل إلى حدودها المباشرة عبر أوكرانيا وجورجيا. ونتيجةً لعمليات توسيع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي باتجاه الشرق، فقد خلصت روسيا إلى أنه "في حين تم استبعاد التنافس الأيديولوجي الذي ساد في الحرب الباردة، فإنّ الصراع لتحقيق أهداف جيوبولتيكية لا يزال قائمًا"3. ومن هنا، أعادت روسيا نسج تحالفاتها مع دول إقليمية رئيسة مثل الصين والهند فعقدت شراكات إستراتيجية معهما، كما أعادت تشكيل روابطها مع محيطها الحيوي فأسست الاتحاد الاقتصادي الأوراسي على غرار الاتحاد الأوروبي، والذي يضم حاليًا بيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان ويسعى لإقامة مناطق تجارة حرة وشراكات اقتصادية مع دول أخرى. وفي هذا السياق، تعد تركيا بمكانتها الاقتصادية المتقدمة، ودورها السياسي الفاعل، وموقعها كمدخلٍ للغرب وللشرق الأوسط، هدفًا مهمً لتوسيع نفوذ روسيا الخارجي، وتفعيل مكانتها الدولية. أما تركيا، فتشترك مع روسيا في تطلعها إلى إحياء مكانتها الإقليمية والدولية التي تليق بإرثها التاريخي، وموقعها الجغرافي، وإمكاناتها الإستراتيجية الكامنة. فهي ترى أنها كانت ولا تزال دولة مركزية فاعلة؛ إذ يقول رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو "إنّ الدول المركز مثل تركيا، التي تحتل موقعًا مركزيًا في القارة الأم أفرو-أوراسيا، لا تقبل أن تظل منحصرة في منطقة بعينها وتُعرَف بها، بل لديها القدرة على النفاذ إلى مناطق أخرى متعددة في آنٍ واحد." لذا، فهو يرى أنه لا بد من النظر إلى هذا الوضع الجيوبولتيكي كأداةٍ للانفتاح على العالم ضمن خطوات مرحلية من أجل تحويل التأثير الإقليمي إلى تأثير دولي وبما يسمح لتركيا في صنع سياسات دولية4. ومن هنا، تعمل تركيا من أجل إحياء مكانتها على الحضور السياسي والاقتصادي في العديد من المناطق في الشرق والغرب، وعلى عقد شراكات مع عدة قوى دولية وإقليمية كبرى، ومنها مع خصمها التاريخي روسيا.

  1. 4 العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية أحمد داود أوغلو،، ترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبدالجليل (بيروت والدوحة: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات، 2010)، ص 143 و.619-609
  2. المرجع نفسه.
  3. John Berryman, "Geopolitics and Russian Foreign Policy," International Politics (July 2012), pp. 539 - 540.
  4. 1 ديمتري ترينين، "من إسطنبول إلى كابول: هل ثمة أرضية مشتركة بين تركيا وروسيا؟"، رؤية تركية (صيف، انظر 2013:) http://bit.ly/1BIvtqO

ثانيًا: دوافع تطوير العلاقات الثنائية ومكاسبها

مع أنّ بداية تطور العلاقات الروسية - التركية تعود إلى نحو عقدين، وازداد زخمها عام 2012 عندما تأسس "مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى"، فإنّ القمة الروسية – التركية التي عقدت في أنقرة في كانون الأول/ ديسمبر 2014 كرّست الشراكة بينهما في مجالات إستراتيجية عديدة. ويمكن استكشاف دوافع كل طرف ومصالحه من هذا التقارب التاريخي من خلال الآتي:

1. روسيا

تعمد روسيا في إطار محاولتها النهوض اقتصاديًا إلى التعامل مع الشركاء الأقوياء المستقلين وذوي الاقتصادات الضخمة، مثل ألمانيا وفرنسا والصين والهند. ومع امتلاك تركيا إمكانات إستراتيجية واعدة وتقدّمها في سلم الاقتصادات العالمية الكبرى، لم تعد روسيا تنظر إليها من مجرد ارتباطها بالغرب أو من منظور الإرث التاريخي التنافسي، ولكن أيضًا كشريكٍ تجاري وجيوستراتيجي محتمل في الجوار المشترك5. لذا، فهناك مصالح عديدة تتطلع روسيا إلى تحقيقها عبر علاقاتها المتطورة الجديدة مع تركيا، منها: مواجهة المخاطر الاقتصادية: يمر الاقتصاد الروسي بفترة صعبة بفعل العقوبات الغربية الصارمة بعد أزمة أوكرانيا. وقد فاقم انخفاض أسعار النفط مشاكلها الاقتصادية بوصفها أكبر المنتجين في العالم وتعتمد مواردها المالية على أسعاره المرتفعة بشكل أساسي. وفي ظل هذه الظروف، تتطلع روسيا إلى تركيا كشريك اقتصادي قد يساهم في إعادة التوازن للاقتصاد الروسي في ما بعد العقوبات الأوروبية. ويبدو أنّ زيارة بوتين إلى تركيا جاءت بوصفها إحدى الخطوات المهمة لمواجهة أزمات روسيا المتلاحقة التي أثقلت كاهلها المالي. وتبدو تجليات الأزمة واضحة في تصريحات وزير المالية الروسي، أنطون سلوانوف قبل زيارة بوتين، إذ قال: "إننا نخسر نحو 40 مليار دولار سنويًا بسبب العقوبات الجيوسياسية، كما نخسر من 90 إلى 100 مليار دولار أخرى بسبب تدني أسعار النفط بنحو %30." كما تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي في روسيا نحو 100 مليار دولار بنهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لتصل إلى 428.6 مليار دولار، مقابل 524.3 مليار دولار في الشهر نفسه من عام 2013، بسبب تدخل البنك المركزي بمليارات الدولارات لدعم الروبل6. وتعبِّ الزيادة المستهدفة والمتفق عليها في حجم التبادل التجاري بين البلدين (مئة مليار دولار) عن شكوك روسيا بأنّ علاقاتها مع الغرب لن تعود إلى سابق عهدها في المدى القريب، كما تعبّ عن الآمال التي تعقدها على الشريك التركي في تعويض جزء من علاقاتها الاقتصادية مع الغرب.

محاولة استقطاب تركيا وتحييدها: ركزت روسيا عبر الإغراءات الاقتصادية على استقطاب تركيا وتحييدها عن السياسات الغربية المتعلقة بروسيا مثل العقوبات أو أي سياسة احتواء جديدة بوصف تركيا حليفًا تقليديًا للغرب. لذا، سعى بوتين إلى التأكيد على ذلك عبر إشادته باستقلالية تركيا عن الغرب وتوقيعها اتفاقيات إستراتيجية مع روسيا، فقد قال: "نثمن اتخاذ تركيا القرارات المتعلقة بعلاقاتها مع روسيا، بما فيها التعاون الاقتصادي، بشكل مستقل. لقد رفض شركاؤنا الأتراك التفريط بمصالحهم في سبيل المطامع السياسية للآخرين"7. كما أثنى وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك على موقف تركيا، وقال: "لقد عملت تركيا في اتجاهٍ مخالفٍ لمواقف الدول الغربية حول روسيا، ونحن نقدّر ذلك"8. وتحاول روسيا اتباع سياستها الناجحة مع إيران تجاه تركيا - مع الفرق بين حالتي الدولتين - مستفيدة من التململ التركي من سياسة الاتحاد الأوروبي الناقدة

  1. ترينين.
  2. الشرق تركيا وروسيا.. فرقتهما السياسة وجمعهما الاقتصاد"، جريدة القطرية، 2015/12/1، انظر: http://bit.ly/1GoXR7j
  3. Putin sees new opportunities for Turkey-Russia relations" Anadolu Agency , at: http://bit.ly/1EdDGmT
  4. Nerdun Hacıo ğ lu, "Turkey wants to renew gas deal, Russian energy minister says," Hurriyet Daily News, November 29, 2014, at: http://bit. ly/1L3j072

لتركيا ووصول عضويتها إلى طريق شبه مسدودة. وربما تسعى روسيا لخلق تباينات بين تركيا وأوروبا عبر إظهار تركيا مستفيدة من الخسائر الأوروبية المتعلقة بآثار العقوبات على روسيا تارة، ومحاولة ربط أوروبا بالغاز الروسي عبر تركيا فقط وليس عبر الطريق المعتادة والمؤهلة من خلال أوكرانيا، تارة أخرى. إنّ دوافع روسيا الجيوبولتيكية لا تقل أهمية عن الأهداف الاقتصادية؛ إذ إنّ ربط المصالح التركية في مجالات إستراتيجية كالفضاء والطاقة الأحفورية والطاقة النووية والاقتصاد والشركات ورجال الأعمال والسياحة بروابط وثيقة جدًا سوف يخلق اعتمادًا تركيًا اقتصاديًا وإستراتيجيًا على روسيا، بحيث يصعب التخلي عنه لاحقًا بسهولة. وقد تخلق هذه الاتفاقيات على المدى البعيد جماعات ضغط وعامل تأثير روسي داخل السياسة التركية. ولعل روسيا تعوّل على ديمقراطية تركيا، من حيث تأثير أصحاب رؤوس الأموال والفواعل المدنية والاقتصادية وأصحاب المصالح في قرارات الحكومة، وفي التأثير في العملية الانتخابية لمصلحة الأحزاب، وحتى الأشخاص داخل هذه الأحزاب، التي تعمل وفق تلك المصالح. لقد نجح هذا النهج الروسي حتى مع ألمانيا نسبيًا، فقد عملت روسيا طوال العقدين الماضيين على فتح السوق الروسية أمام الشركات الألمانية، حتى غدا تأثير العقوبات في روسيا ينعكس على ألمانيا. كما أصبحت الشركات الألمانية عاملً مؤثرًا في سياسة ألمانيا نحو روسيا، والتي تميل إلى التهدئة والبحث عن حلٍ للأزمة الأوكرانية وتفادي الصدام وعدم تصعيد العقوبات9. لذا، لا يستبعد استفادة روسيا من الدروس التاريخية لسياسة الاحتواء الغربية تجاهها، فاتخذت اتجاهًا جيوبولتيكيًا معاكسًا لإفشال تكرار هذه السياسة عبر تقويض الإجماع الغربي ضدها مجددًا، والذي ربما بدأ مع ألمانيا منذ التسعينيات من القرن الماضي، ونشهده حاليًا مع تركيا. التأثير في سياسات تركيا الإقليمية: قد يؤدي تعاظم مصالح روسيا مع تركيا أيضًا إلى التأثير في السياسة الخارجية التركية في المنطقة العربية في القضايا التي تتعلق بروسيا ونفوذها. فمثلما تؤثر الروابط الغربية في سياسة تركيا الشرق أوسطية، بوصفها ذراعًا للناتو وقوةً مركزيةً تعمل وتنسق مع الولايات المتحدة في هذه المنطقة10، فإنّ الترابط الإستراتيجي الذي تنسجه روسيا مع تركيا عبر اختراق البنية المعرفية والتقنية والاقتصادية والطاقة وجعلها معتمدة إلى درجة كبيرة على هذه العلاقات قد تؤثر بالضرورة في سياساتها الخارجية. ومثلما أثّرت هذه العلاقات فعليًا في موقف تركيا من أزمة أوكرانيا - مع تجاهلها الخطر الذي قد تشكله هيمنة روسيا على البحر الأسود بعد ضم القرم وتجاهلها العقوبات الغربية – فقد أثرت أيضًا في تجاهل موقف روسيا المناقض لسياستها في سورية، ومضت في تطوير العلاقات الثنائية معها.

2. تركيا

تسعى تركيا من خلال تطوير شراكتها الحالية مع روسيا إلى تحقيق أهدافٍ إستراتيجية على الصعد الدولية والإقليمية والمحلية، ومنها: تصحيح الخلل في التوازن الإقليمي: تعوّل تركيا على الشراكة مع روسيا لإحداث تحولٍ إستراتيجي في مكانتها بعد أن اختل توازن القوى الإقليمي غير التقليدي لمصلحة إيران وإسرائيل في المجال النووي وتقنيات الفضاء؛ إذ تعدّ روسيا مصدرًا مهمً و"متاحًا" لتمكينها من تسريع بناء مشاريع الطاقة النووية والأقمار الاصطناعية لتجسير هذه الفجوة ما أمكن. فقد أتاحت الاتفاقيات بينهما في عام 2010 في مجال الطاقة النووية والتكنولوجيا المتقدمة المرتبطة بها بناء محطة "آق قويو" للطاقة النووية وتشغيلها في محافظة مرسين التركية، وأكدت الاتفاقيات الموقعة في كانون الأول/ ديسمبر 2014 على استمرار هذا المشروع الذي تبلغ تكلفته نحو 20 مليار دولار، والذي سيساهم في خلق نواة جيلٍ من العلماء والفنيين الأتراك في مجال الطاقة النووية بعد أن أرسلت تركيا أكثر من مئتي طالب إلى روسيا لتلقي التعليم في هذا المجال منذ عام 2011. أما في مجال الفضاء، فقد تم إطلاق أول قمرٍ صناعي تركي Türksat-4A للاتصالات على متن صاروخ روسي في شباط/ فبراير 2014، وأكدت الاتفاقيات الأخيرة على عزم البلدين إطلاق القمر الثاني 4B-Türksat في عام 2015 11.

  1. Hans Kundnani, "Leaving the West Behind: Germany Looks East," Foreign Affairs , (January/February 2015), at: http://fam.ag/1IGBjRq
  2. داود أوغلو، ص 633؛ وانظر أيضًا: Ahmet Davuto ğ lu, "Transformation of NATO and Turkey's Position," Perceptions, vol. 17, no. 1 (Spring 2012), p. 16.
  3. Putin sees new opportunities for Turkey-Russia relations"; "Putin: Energy is 'locomotive' of Russia-Turkey economic cooperation," RT , November 28, 2014, at: http://bit.ly/1L0gsWt

مركز إقليمي للطاقة: تطمح تركيا في أن تصبح المركز الإقليمي الرئيس لنقل النفط والغاز الطبيعي من الدول النفطية الأساسية في الشرق إلى أوروبا. فبعد اتفاقها مع أذربيجان على نقل الغاز الطبيعي من حقل "شاه دينيز" الضخم عبر "خط أنابيب الغاز العابر للأناضول" ابتداءً من عام 2018 12، واتفاقها مع الحكومة العراقية وإقليم كردستان العراق على نقل النفط والغاز عبر ميناء جيهان التركي، واحتمال أن تصبح منفذًا للغاز الإيراني إلى أوروبا بعد توقيع الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، حصلت مؤخرا على صفقة روسية ضخمة تصبح بموجبها الناقل الوحيد للغاز الروسي إلى أوروبا. فقد أوضح ألكسي ميللر، الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم، أنّ روسيا تخطط إلى أن يصبح مشروع "خط التيار التركي" Stream Turk الطريق الوحيدة لإمدادات الغاز الروسية البالغة 63 مليار متر مكعب إلى أوروبا، والتي تنقل حاليًا عبر أوكرانيا. وقد أعلمت غازبروم الشركاء الأوربيين بضرورة تهيئة بناهم التحتية المتعلقة بنقل الغاز على هذا الأساس وخلق البنية التحتية التي تنقله من الحدود التركية – اليونانية إلى داخل أوروبا13. ولا تقتصر أهمية روسيا في مجال الطاقة على هذا المشروع الضخم، بل تتجاوز ذلك بوصفها مصدر ثلثي احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي؛ إذ وصلت كمية وارداتها إلى 26.6 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن تتجاوز ذلك14. المكانة الاقتصادية العالمية: حاز حزب العدالة والتنمية كثيرًا من أصوات الأتراك في الانتخابات المتتالية على أساس التنمية الاقتصادية وتحقيق أهداف إستراتيجيته المتعلقة بعام 2023 والطامحة إلى وصول تركيا للمرتبة العاشرة عالميًا، بحيث يصبح حجم اقتصادها تريليونيّ دولار، وصادراتها 500 مليار دولار، ودخل الفرد فيها 25 ألف دولار15. وفي هذا السياق، تعد روسيا خيارًا أمثلَ لتلبية متطلبات هذا الهدف، نظرًا لحجم اقتصادها الضخم والمشروعات الواعدة التي تم الاتفاق عليها مؤخرًا؛ إذ سيرتفع التبادل التجاري بين البلدين من نحو 32.7 مليار دولار في عام 2013 إلى 100 مليار دولار في عام 2023 16. وفضلً عن ذلك، تمثل السوق الروسية فرصة كبيرة للمنتجين الأتراك لزيادة حجم صادراتهم من اللحوم والألبان والأسماك والخضروات والفواكه لتغطية العجز من أوروبا؛ إذ ستبلغ صادرات الغذاء التركية إلى روسيا ثلاثة مليارات دولار عام 2015. أما السياحة الروسية فيعدّ الحفاظ على مستواها البالغ نحو 4.3 ملايين سائح ضروريًا لاستمرار انتعاش هذا القطاع المهم الذي يستفيد منه عدد كبير من رجال الأعمال والمواطنين الأتراك17. ومن المتوقع أن تساهم الاتفاقيات الجديدة في زيادة هذا العدد إلى أكثر من خمسة ملايين سائح، وبخاصة في ظل انخفاض الفرص الاقتصادية المتاحة أمام الروس في أوروبا في ظل العقوبات.

تعزيز الأهمية الغربية لتركيا: تساهم العلاقة التركية الإستراتيجية الراهنة مع روسيا في تحقيق هدفين على صعيد الأول سياستها الغربية:، تعزيز الوضع التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي في ظل محاولات حرمانها من عضويته؛ إذ تستشعر تركيا أنّ عضويتها الكاملة في الاتحاد مهدَّدة بالرفض مهما لبّت من معايير. لذا فهي تسعى إلى تعزيز قوتها الاقتصادية لزيادة الحاجة الأوروبية إليها وتعزيز فرص قبولها. كما تلوح عبر توسيع شراكتها ومشاريعها مع روسيا بأنّ بدائلها جاهزة في حال رُفضت والثاني عضويتها الأوروبية.، كان من المتوقع بعد أزمة أوكرانيا وتبنّي الغرب سياسة المواجهة مع روسيا، أن تلتزم تركيا سياسات حلفائها الغربيين أو على الأقل أن تحافظ على مستوى العلاقات القائم مع روسيا بدلً من توسيعها بشكل كبير. كما كان متوقعًا أيضًا أن تتخذ تركيا موقفًا حاسمً تجاه روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم التي تمثل أهمية إستراتيجية وتاريخية بالنسبة إليها، فقد أعطى ذلك أفضليةً لروسيا في البحر الأسود عبر ضمان

  1. Iran to become partner in TANAP," Daily Sabah , April 8, 2015, at: http://bit.ly/1IcMI7O
  2. Gazprom to EU: link to Turkey or lose Russian gas," Global Research, January 19, 2015, at: http://bit.ly/1HeTTwK
  3. Putin sees new opportunities for Turkey-Russia relations"; "Putin: Energy is 'locomotive' of Russia-Turkey economic cooperation"; and Hacıo ğ lu.
  4. Political Vision of AK Parti 2023," September 30, 2012, at: http://www.
  5. Putin sees new opportunities for Turkey-Russia relations." 17  Ibid.
  6. akparti.org.tr/upload/documents/akparti2023siyasivizyonuingilizce.pdf

وجود أسطولها دونما حاجة إلى اتفاقية مع أوكرانيا. لكنّ تركيا تعاملت ببراغماتية مع أزمة أوكرانيا، فمن جهة، حظيت بحصة كبيرة من السوق الروسية بعد العقوبات الغربية عليها بسبب الأزمة، ومن جهة أخرى، زادت الأزمة من إحياء الحاجة الأمنية الغربية لتركيا وعززت من أهمية التعاون العسكري والأمني معها بوصفها إحدى دول حلف شمال الأطلسي وأنها خط دفاع جغرافي طبيعي عن أجزاء من أوروبا. الترابط مع "العالم التركي" مجددًا: استطاعت روسيا في التسعينيات وهي في قمة ضعفها تقويض مساعي تركيا لبناء أي شكل من أشكال التعاون والترابط الإستراتيجي مع "العالم التركي." ومع أن تركيا تراجعت "مؤقتًا" عن خططها الطموحة تلك، فإنها لم تلغها مطلقًا؛ إذ تظل هذه الدائرة إحدى دوائر اهتمامها وأولوياتها الخارجية. ومع استعادة روسيا قوتها وزخمها الإستراتيجي، يصعب على تركيا النفاذ مجددًا إلى تلك المنطقة إلا عبر التفاهم والتوافق معها. وتأمل تركيا أن يؤدي تطور العلاقات الثنائية وتشابك مصالحها مع روسيا إلى "السماح" لها بتعزيز علاقاتها بتلك الجمهوريات أو غض الطرف عن نشاطاتها الثقافية فيها. وقد بدأت آثار هذا النشاط تظهر عبر انتشار المدارس والمعاهد والجامعات التركية في آسيا الوسطى، ولعلها تعوّل على تطوّر هذا الجهد إلى ترابط سياسي واقتصادي مستقبلا، وبخاصة مع ظهور نخبة جديدة في تلك المنطقة ترتبط بها وجدانيًا وثقافيًا. تكريس قوة حزب العدالة والتنمية محليًا: يطمح حزب العدالة والتنمية الحاكم في أن تساهم المشروعات الاقتصادية الكبرى مع روسيا في تحقيق طموحاته على الصعيد السياسة الداخلية؛ فالحزب يواجه انتخابات برلمانية مصيرية في حزيران/ يونيو 2015، وحكومته بحاجة إلى تحقيق نموٍ اقتصادي وطفرة سريعة وملموسة يشعر بها المواطن التركي قبل الانتخابات؛ إذ يحتاج الحزب إلى الفوز بثلثي مقاعد البرلمان من أجل إقرار دستورٍ جديدٍ يكرّس "الجمهورية الجديدة." كما يسعى الحزب إلى استقطاب مزيدٍ من رجال الأعمال المحافظين الذين ما زالوا قريبين من جماعة الداعية فتح الله غولن، وذلك في إطار محاولته تفكيك منظومة القوى التي يستند إليها الأخير، ومنها القطاع الاقتصادي. لذلك، فإنّ فتح المجال لإبرام عقود صناعية وزراعية وتجارية كبيرة أمام هؤلاء من شأنه ربط مصالحهم مع الحزب الحاكم.

ثًالث ا: تنافس المصالح في المنطقة العربية

لم تلغِ المقاربة الثنائية الروسية – التركية الجديدة الخلافات التاريخية بين البلدين بالضرورة، ولم تساهم حتى الآن في تقليص الخلافات في محيطهما الإقليمي ولا تنافسهما على النفوذ. لقد أظهر "الربيع العربي" وتطوراته مدى التباين في المواقف الروسية والتركية المتناقضة، وهو ما يثير التساؤل حول مدى انعكاس هذه الخلافات على العلاقات الثنائية بينهما في المستقبل. ونناقش في ما يلي مدى استمرارية معادلة التنافس التاريخي بين الدولتين التي عنت أنّ توسيع نفوذ أحدهما يعني إضعاف الآخر، ثم موقفهما من حركات "الإسلام السياسي" والجماعات "الجهادية" التي تنامت قوتها وانتشارها وتأثيرها بعد الربيع العربي، وأخيرًا ماهية مواقفهما من الأزمة السورية التي وصلت حد "الحرب بالوكالة"، وانعكاسات استمرار الأزمة أو حلها على نفوذهما.

1. استمرار عوامل التنافس الإقليمي

ينطوي التنافس الإقليمي بين روسيا وتركيا على عوامل عديدة تعد بالنسبة إلى إحداهما عوامل قوة وتعزيز للنفوذ، فيما تعدّ بالنسبة إلى الأخرى عوامل ضعفٍ وتهديدٍ للمصالح. وقد لا تتعمّد إحداهما استهداف الأخرى من خلال هذه العوامل، ولكن طبيعة التحالفات المتناقضة والرؤى المتعارضة هي التي تؤدي إلى هذه المحصلة. أما عوامل القوة الروسية التي قد تؤثر في إضعاف الموقف التركي أو التأثير في نفوذه فمنها18: اعتماد تركيا الأساسي على موارد الطاقة الروسية بوصفها تستورد ثلثي احتياجاتها من الغاز من روسيا، كما سيعزز هذه الاعتمادية مشروع نقل الغاز الروسي عبر تركيا إلى أوروبا؛ وهو ما قد يشكل عامل ضغط على السياسات التركية المتعلقة بمصالح روسيا ونفوذها في المنطقة. لا تزال الفاعلية الروسية في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز تشكل ضغطًا كبيرًا على أنقرة وتمنع مدّ نفوذها أو قيامها بدور فاعل فيها.

  1. Gökhan Bacik, "Turkey and Russia in the Arab Spring: Straining Old Rifts Further?" The German Marshal Fund of the US (August 16, 2012), pp.

أضعف التوافق الروسي - الإيراني في العديد من القضايا الإقليمية الدور والنفوذ الإقليمي التركي في المنطقة، كما في سورية، وإلى حد ما في العراق. وفي مقابل ذلك، ترى روسيا أنّ هناك عوامل قوة تركية وانعكاسات سلبية لسياساتها بعد الربيع العربي على المصالح والنفوذ الروسي في المنطقة، ومنها19: هناك تغير رئيس حصل في السياسة الخارجية التركية بعد الربيع العربي، وتخشى روسيا تداعياته السلبية على مصالحها، ويتمثل في "دعم أنقرة لتغيير الأنظمة في المنطقة." فقد أعلنت تركيا أنها لن تدعم أي نظام يقمع شعبه، ومن ثم أصبحت تطالب بتنحيه. ويعدّ هذا الموقف بالنسبة إلى روسيا خروجًا عن السياسة التركية المعروفة "تصفير المشاكل والعلاقة الجيدة مع جميع الجيران" والتي كانت تتبناها على الرغم من أنّ أغلبية علاقاتها كانت مع دول عربية غير ديمقراطية. وقد تكون لهذا التغير انعكاسات على مصالح روسيا ليس في المنطقة العربية فحسب، بل أيضًا في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. فهل تدعم تركيا مثلًانتفاضات وثورات قد تنشأ ضد أنظمة مقربة من روسيا في تلك المنطقة؟ وفي المقابل، هل تدعم تركيا مثل هذه الانتفاضات لو حصلت في دول حليفة لها مثل أذربيجان؟ أم إنها ستكون انتقائية؟ لذا تركيا. ليس من الواضح بالنسبة إلى الجانب الروسي كيف سيؤثر هذا التغير الجديد في السياسة الخارجية التركية، ومن ثمّ في مصالح روسيا. بحكم تبنيها إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأفضليتها الجغرافية وتداخل روابطها مع سورية، فإنّ تركيا ستكون حاضرة بقوة وسيكون دورها فاعلً جدًا في حقبة ما بعد الأسد، ولكن هذه النتيجة تعني بالنسبة إلى روسيا خسارة فادحة لمصالحها الراسخة منذ عقود ولنفوذها الكبير في سورية وشرق البحر المتوسط. تثير علاقات تركيا مع أطراف عربية في المنطقة قلق روسيا تجاه القضايا التي تخصها، مثل التنسيق التركي الوثيق مع بعض دول الخليج العربية الداعمة للمعارضة السورية، والتي تتبنى مبادرات سياسية لحلّ الأزمة السورية وتعارض مبادرات موسكو ومواقفها.

2. الإسلام والحركات الإسلامية

تحرص روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وعقيدته الشيوعية على إظهار أنه ليس لها مشكلة مع الإسلام محليًا ولا في المنطقة العربية؛ إذ لديها أقلية مسلمة كبيرة، وحصلت في عام 2005 على العضوية المراقبة في منظمة التعاون الإسلامي. ولكن لديها تصورات سلبية تجاه الحركات الإسلامية السياسية والجهادية. أما تركيا، فلديها رؤية مختلفة تمامًا عن روسيا تجاه الحركات الإسلامية السياسية، ولكنها تتقارب مع روسيا في مواقفها تجاه بعض الحركات الجهادية. بالنسبة إلى الحركات الإسلامية السياسية، فقد عبرت المواقف والسياسات الروسية عن الخشية من تزايد فرصها في الوصول إلى السلطة بعد الربيع العربي، كما حصل في مصر وليبيا وتونس أو غيرها لو نجحت الثورات فيها. فهي تخشى أن تسفر مثل هذه التحولات عن زيادة نفوذ دول أخرى مثل تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية؛ ما يعزز "النموذج التركي" الذي يروجه، ويزيد من محاولات محاكاته ليس في المنطقة العربية فحسب، وإنما في مناطق الجوار الروسي في آسيا الوسطى والقوقاز. وقد يعني ذلك احتمال امتداد النفوذ التركي إلى المجال الروسي الحيوي، وتقويض مصالح روسيا في المنطقة العربية، وتشكّل محورٍ إقليمي فاعلٍ تقوده

من جهة أخرى، يثير إضعاف الأنظمة السياسية في المنطقة العربية بعد ثورات الربيع العربي قلق روسيا على استقرارها الداخلي؛ فهي تخشى انتقال تأثير الجماعات الجهادية إلى المناطق المسلمة فيها وفي جوارها، مما قد يشعل حروبًا جديدة كحرب الشيشان في التسعينيات من القرن الماضي. وتتشارك تركيا القلق مع روسيا من تنامي قوة الجماعات "الجهادية" وانتشارها، فهي تشكّل أيضًا تهديدًا لأمنها الداخلي ومصالحها في المنطقة، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، ولكنها تختلف معها الموقف تجاه حرب الشيشان، وكذلك في مواقفها تجاه العديد من الحركات العسكرية المعارضة في سورية.

3. سورية

طورت كلٌ من روسيا وتركيا علاقات وثيقة جدًا مع سورية بسبب أهميتها الجيوبولتيكية وتأثيرها في موازين القوى الإقليمية. فقد حافظت روسيا منذ عقود وحتى الآن على تحالفها مع النظام السوري، فقامت

  1. Ibid.

إبان فترة الاتحاد السوفياتي بتزويده بمساعدات مالية وعسكرية20، ثم وقفت بكل ثقلها العسكري والسياسي خلفه في الأزمة الراهنة. ومن ثم،ّ فإنّ سقوط هذا الحليف الأساسي في منطقة الشرق الأوسط يعدّ خسارة كبيرة لها، وقد يؤدي إلى التأثير السلبي في وضع روسيا طويل المدى في المنطقة21. لذا تسعى روسيا للحفاظ على مصالحها القائمة في سورية عبر استمرار دعم النظام، واستمرار صفقات السلاح معه، والمحافظة على قاعدتها البحرية في ميناء طرطوس على البحر المتوسط. وتعارض أي تدخل خارجي ضد النظام في سورية، فهي ترى أنّ تغيير النظام من الخارج يعد زعزعةً للاستقرار في المنطقة، وأنّ أي تدخل عسكري في سورية يجب أن يكون عبر موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ أي من خلال موافقتها نفسها على ذلك22. وبناء عليه، تسعى روسيا إلى أن يسفر أي حلٍ للأزمة السورية عن ترتيبات تضمن استمرار وجودها الإستراتيجي في سورية والبحر المتوسط.

من جهة أخرى، أدت صلابة موقف روسيا ودفاعها عن مصالحها وحلفائها بعد الربيع العربي إلى إعادة الزخم للدور الروسي وزيادة فاعليته في المنطقة، فقد أظهر مدى موثوقية الاعتماد على روسيا وعدم تخليها عن حلفائها، على عكس بعض المواقف الغربية التي تخلت عن حلفائها في مصر واليمن. وقد شجع هذا الموقف دولً عربية عديدة للبحث في تطوير العلاقة مع روسيا، كما فعلت مصر مثل. أما تركيا، فقد طورت علاقات شراكة إستراتيجية مع سورية في العقد الأول من القرن الحالي، وعملت على تكريس الاعتماد الاقتصادي المتبادل والحدود المفتوحة، وأسست مجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى معها، والذي كان من المفترض أن يشرف على تنفيذ شراكة طويلة المدى ومتعددة الجوانب. ولكنها فقدت كثيرًا من مصالحها إثر اندلاع الثورة السورية وانحيازها ودعمها للمعارضة. كما تراجع الدور التركي مع تعقّد الأزمة وتدخل عدة أطراف دولية وإقليمية فيها مثل إيران وروسيا و"داعش"؛ وهو ما قوّض طموحاتها ونفوذها في المنطقة العربية، وأظهر ضعف سياساتها في الجوار، وقلل من موثوقية الاعتماد عليها. إنّ بقاء النظام السوري ما بعد الأزمة الحالية، يعني خسارةً كبيرة لنفوذ تركيا في سورية والمنطقة، ولكنه يعني في الوقت نفسه تكريس النفوذ الروسي في الجوار التركي وفي البحر المتوسط، بعد أن تكرّس في الشمال التركي والبحر الأسود بعد ضم شبه جزيرة القرم. لذلك، تعد محصلة الأزمة السورية وفق الحسابات الراهنة "صفرية" وحرجة بالنسبة إلى الطرفين الروسي والتركي، فهي ستؤثر إستراتيجيًا في مصير نفوذهما في المنطقة. وعلى الرغم من ذلك، قد تستجيب تركيا لإفساح المجال لروسيا للمشاركة في حل الأزمة السورية بعد أن رأت أنّ هناك توجهًا أميركيًا وغربيًا لمساهمة موسكو في هذا الحل عبر مشاركتها الفاعلة في مؤتمري "جنيف 1" و"جنيف "223، وبعد أن تكثفت اتصالات مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستافان دي ميستورا بروسيا24 للتحضير لمؤتمر "جنيف 3"، فضلً عن أنّ الطرف الروسي هو الأكثر تأثيرًا في النظام السوري. أما روسيا، فتدرك أنّها لا تستطيع إبعاد تركيا إلى الأبد عن الحضور في سورية بسبب القرب الجغرافي وتداخل روابط البلدين، كما تدرك أنّ ضمان حضورها الدائم في سورية والبحر المتوسط في مرحلة ما بعد الأسد يتطلب التواصل مع الفواعل المحلية في سورية ومع الدول الإقليمية المؤثرة فيهم مثل تركيا. لذلك، يبقى هناك احتمال لبحث الطرفين عن حلٍ للأزمة السورية بما يقلل انعكاساتها السلبية عليهما.

  1. Jon B. Alterman, "Turkey, Russia, and Iran in the Middle East," in Samuel Brennen (ed.), The Turkey, Russia, Iran Nexus (Lanham: Center for Strategic and International Studies, 2013), p. 4.
  2. Bacik, p. 1.
  3. تيرنين.
  4. إرول مانيصالي، "سلبيات زيارة بوتين تركيا وإيجابياتها"، الحياة، 3 كانون الأول/ ديسمبر.2014
  5. Semih Idiz, "Turkey sidelines itself in US-led coalition against IS," Al- Monitor , March 22, 2015, at: http://bit.ly/1Jo2lw7

خاتمة

تدرك روسيا وتركيا أنّ الواقعية السياسية وحدها هي التي تفرض تقارب المصالح الراهن. كما تدركان تمامًا أنّ المنطلقات التاريخية والطموحات القومية، وربما "الأيديولوجية"، لا تزال كامنة في سياساتهما الخارجية تجاه بعضهما بعضًا. ومن ثمّ، لا يعني التوافق على المصالح الضرورية إلغاء التنافس التاريخي بينهما. وإذا كان هذا التنافس لا يظهر في العلاقة الثنائية الآن، فإنه يتجلّ بصورة واضحة في الهوامش أو الأقاليم المجاورة. فقد ظهر هذا التنافس بوضوح في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان، وفي أوكرانيا والبحر الأسود مؤخرًا، فيما نشهده على أشده حاليًا في سورية، وتجاه قضايا عديدة في المنطقة العربية. لذلك، فإنّ المعادلة التاريخية التي حكمت العلاقة الروسية – التركية، والتي قامت على توسيع النفوذ وتعزيز القوة على حساب نفوذ الآخر وإضعافه، لا تزال تعمل في الوقت الحاضر، ولكن في هوامش الدولتين وليس في العلاقة المباشرة بينهما.

ومع ذلك، فإنّ المستوى العالي من تشابك العلاقات الروسية – التركية في مجالات إستراتيجية مثل الطاقة النووية والفضاء ونقل الغاز الطبيعي والتجارة الحرة، سوف يخلق نوعًا من الاعتماد المتبادل والمصالح التي تحتّم استمرار العلاقة على الرغم من التوترات المباشرة المتعلقة مثلً بالأزمة الأوكرانية أو المتعلقة بتضارب المصالح في المنطقة العربية. فمن جهة، ربما يؤدي تزايد اعتماد الشركات ورجال الأعمال الأتراك على السوق الروسية الضخمة إلى تشكيل جماعات ضغط اقتصادية داخل تركيا تدفع لاستمرار العلاقة الجيدة مع روسيا على الرغم من التوتر بين حلفائها الغربيين وروسيا، ورغم تزايد هيمنة الأخيرة في البحر الأسود بعد ضم شبه جزيرة القرم مما قد يهدّد المصالح التركية فيه. وفضلً عن ذلك، قد يضيف تزايد الاعتماد الإستراتيجي على روسيا قيودًا جديدًا على سياسات تركيا في المنطقة العربية فوق قيود تحالفاتها الغربية، بدلً من زيادة استقلالية تحركاتها وهامش المناورة بما يخدم نفوذها. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال أنّ تركيا تنظر لتعاظم مصالحها مع روسيا أيضًا من منظور "الدبلوماسية المتعددة" التي تروم تعزيز استقلالية مواقفها وتحركاتها الخارجية اعتمادًا على تنويع شراكاتها بدلً من أن تكون معتمدة تمامًا على التحالفات الغربية التقليدية فحسب. كما أنّها تأمل أن تساهم الطبيعة النوعيّة لمجالات التعاون الجديدة مع روسيا، وبخاصة في الطاقة النووية والفضاء، في تجسير الفجوة نسبيًا في التوزان الإستراتيجي غير التقليدي مع القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة؛ وهو ما تأمل في أن يعزز دورها ويزيد فاعلية سياساتها. وبناء عليه، فكما لا يخفي الطرفان الروسي والتركي اختلافهما في المنطقة العربية، فمن الواضح أنّ تنافس الأهداف بعيدة المدى في علاقتهما الثنائية نفسها يبقى كامنًا فيها على الرغم من الازدهار الحالي الظاهر. وبهذا، تبقى الطبيعةُ التاريخية المتنافسة بين البلدين حاكمةً لمسار أي علاقات بينهما سواء الثنائية أو في أقاليمهما المجاورة.