هل يمكن تقسيم دول المشرق العربي؟
الملخّص
تناقش هذه الورقة امكانية تقسيم دول المشرق العربي على خلفية حالة الاضطراب الكبيرة التي يشهدها الإقليم. ترى الورقة أن المؤشرات الميدانية والسياسية في سورية والعراق تدل على أنّ الأكراد بدأوا يستعيدون وحدتهم ووعيهم القومي. فهم الآن الطرف الوحيد في المشرق العربي الذي يقاتل على أسس قومية وعرقية. ومما يسهل عليهم إنشاء كيان كردي قابل للحياة، على الصعيد المحلي، كونهم يمتلكون مقومات اقتصادية وسياسية وبشرية وعسكرية كبيرة. ومن غير اعتراف دولي لا تحظى الدول الجديدة بشرعية دولية. غير أن الاعتراف الدولي بكردستان يبدو سلسً ا إلى حدٍ ما. أما على الصعيد الإقليمي فإن الاعتراف بها سيكون في غاية التعقيد. وترى الورقة أنه من غير المرجح إنشاء كيانات طائفية في سورية والعراق، في الظروف المحلية والدولية الحالية. فالعنف الطائفي ليس سوى توترات اجتماعية نتيجة للخلل في توزيع الثروة والسلطة، ونتيجة للاستبداد السياسي. ولذلك لا تندرج الجماعات المتصارعة في إطار النزعات الانفصالية، الملخص لكن ها قابلة للتحول إلى قوميات طائفية بفعل التدخ تاا والرؤى الخارجية؛ (الاستشراق الغربي، والدور الروسي الجديد ومسألة الأقليات، والمذهبية السياسية الإقليمية.)
مقدمة
لم تتناول الأدبيات العربية أفكار تقسيم الدول العربية منذ نشوء عهد الدولة الوطنية، بل كانت تركّز على مسائل الاندماج العربي وقضايا العروبة. ولم تظهر تلك الأطروحات إلا في حالات قليلة مثل العراق - شمال العراق، والسودان - جنوب السودان، ولبنان خلال الحرب الأهلية في السبعينيات والثمانينيات. لكن، تكاثرت هذه الأدبيات مع الاحتلال الأميركي للعراق 2003، حيث دخل العراق في حالة اقتتال أهلي أخذت تعبيرات طائفية وإثنية، وارتسمت حدودًا في بعض المناطق تمايز بين العراقيين أنفسهم على أسس فرعية وبخاصة الإثنية منها. كان شمال العراق أكبر تجلٍّ لتلك الانقسامات، والذي أصبح يتمتع بالاستقلال الذاتي رسميًا تحت مسمّى "كردستان العراق." ولأنّ الثورات العربية مطلع عام 2011 هي هبّات شعبية محلية وطنية، كان لا بد لها أن تعكس واقع البنى الاجتماعية والتقليدية للشعوب العربية في دول المشرق العربي1، بما يتضمنه التراث العربي من حداثة وتخلّف. التحقت سورية (قلب المشرق العربي) بالثورات العربية، ومن ثمّ تحوّلت إلى ساحة لصراعات مسلّحة تختلط فيها أبعاد اجتماعية وسياسية وإقليمية، وارتسمت فيها أماكن معزولة على خلفيات طائفية في العديد من المناطق السورية، وخضعت المناطق ذات الغالبية الكردية لإدارة قوى مسلحة كردية، وشُكِّل فيها مجلس إدارة حكم ذاتي. سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" على مدينة الموصل في العراق في 10 حزيران / يونيو 2014 2، وأزال مقاتلوه الحدود بين سورية والعراق3. كما انسحب الجيش العراقي من مدينة كركوك بفعل تقدّم تنظيم الدولة، ما دفع قوات البشمركة الكردية إلى السيطرة التامة على المدينة في 12 حزيران / يونيو 2014 4. حينها أعلن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في جلسة أمام برلمان إقليم "كردستان العراق" في 3 تموز / يوليو 2014 انتهاء مفاعيل المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، كما أنّ القوات الكردية لن تنسحب من المناطق التي جرى السيطرة عليها لأنّها مناطق كردية5، فهناك واقع جديد على الأرض قد طرأ وفرض نفسه، ومسألة استقلال إقليم كردستان ب "كامل حدوده التاريخية" متوقّفة على بعض الإجراءات الخاصة بالإعداد لإجراء استفتاء عامّ في الإقليم والمناطق المتنازع عليها6. أجاز الرئيس الأميركي باراك أوباما في 8 آب / أغسطس 2014 توجيه ضربات عسكرية محددة الأهداف في العراق7. وقرّر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 15 آب / أغسطس 2014 تسليح قوات البشمركة الكردية في العراق بأسلحة متطورة8، والتنسيق مع القوات الكردية في سورية. فاستطاعت قوات "حماية الشعب الكردي" منع التنظيم من السيطرة على مدينة عين العرب "كوباني" في سورية، وما زالت تتقدم نحو مدينة الرقة. وعليه، تعاظمت القوة العسكرية والسياسية للأكراد، واستمر الاحتقان الطائفي الفئوي بين المكونات الاجتماعية في المشرق العربي، لعدم زوال الأسباب التي أدت إلى وجوده. تحاول هذه الورقة أن تناقش قابلية الدول المركزية في المشرق العربي، سورية والعراق، للتقسيم وفقًا لثلاثة عوامل تعدّها مؤثّرة في التقسيم مستمدة من التجربة التاريخية لنشوء الدولة الحديثة؛ وهي: بنية النظام الدولي، والمستوى الإقليمي، والدولة الوطنية ذاتها. وهذا لا يعني أنّ هذه المستويات، تحفّز على تقسيم الدول، بل قد تكون مثبطة، وإنّ ا هي المحددات الأساسية لنشوء دولة جديدة في أيّ منطقة جغرافية في العالم.
بنية النظام الدولي
يشير مفهوم النظام الدولي إلى التفاعلات والأنشطة السياسية الدولية التي ينتج منها بروز أنماط مختلفة ونماذج متباينة من العلاقات التي ترتكز على أطر تنظيمية وهياكل مؤسسية معيّنة، وقواعد سلوكية دولية محددة، وهي القواعد التي يمكن أن تتطور مع الوقت وفقًا لما تقضي به معطيات الواقع، وتفرضه متغيرات الظروف المتعلقة بهيكل القوة والسلطة والتأثير وأنواع الصراعات وطرق حلّها التي يستخدمها اللاعبون الدوليون من أجل تحقيق مصالحهم9. وعليه، يساعد النظام الدولي على ظهور دول جديدة في المناطق الجغرافية ذات القابلية للتغيير في نظامها الإقليمي، لقدرة الدول الفاعلة في النظام الدولي ذات المصلحة على التأثير في مجريات الصراع السياسي في تلك المنطقة. ولا يستكمل الكيان الجديد مقوماته بوصفه دولة، إن لم يحصل على اعتراف الدول الأخرى. ركّزت نظرية الواقعية الجديدة على بنية النظام الدولي بوصفه أهم مستوى من مستويات التحليل في العلاقات الدولية. ويرى كينيث والتز – منظّر الواقعية الجديدة – أنّ موازين القوى العالمية هي التي تحدد بنية النظام الدولي، والذي سيكون نظام مساعدة ذاتية للفاعلين الدوليين الآخرين في توجيه سياساتهم الخارجية. أمّا الدول التي لا تتجاوب مع معطيات بنية النظام الدولي، فإنّها قد تفقد استقلالها، أو تتغير حدودها، أو تتعرض للأذى على أقل تقدير10. ظهرت أطروحات نهاية نظام الأحادي القطبية مع عدم نجاح إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في فرض الأمن والاستقرار في العراق وأفغانستان واستعادة روسيا قدرتها على الدفاع عن مصالحها الوطنية في دول الجوار القريب منها. وبينما ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008 التحالف الغربي، استمر الشرق الآسيوي يحقق نموًا اقتصاديًا مطردًا. بدأ تلك الأطروحات الباحث الأميركي ريتشارد هاس في مقالته في فورين أفيرز Affairs Foreign في عام 2008 بما أسماه "عالم اللاقطبية"11، وقد اتفق معه بعض من الباحثين الغربيين في العديد من النقاط تحت مسميات مختلفة أشارت إلى تراجع في الدور الأميركي في العالم. بينما تمسّك قسم من الباحثين وبخاصة الواقعيين منهم بفرضية أنّ الولايات المتحدة ما زالت القوة الأعظم في النظام الدولي كونها الأقوى عسكريًا في العالم. تشير التطورات الدولية منذ عام 2008 إلى اختلاف في المشهد الدولي، فقد فصلت روسيا إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا، وضمّت شبه جزيرة القرم إلى أراضيها. وفي الشرق الآسيوي، مازالت الولايات المتحدة تتبع سياسة تطويق الصين واحتوائها بأحلاف أو تفاهمات عسكرية مع الدول المحيطة بها. إنّ التفوّق العسكري والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي الأميركي، وقدرة الدول الصاعدة في النظام الدولي على الدفاع عن مصالحها الوطنية، يدفعاننا إلى توصيف بنية النظام الدولي بأنّه نظام أحادي القطبية تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، لكن الدول الصاعدة فيه أصبحت قادرة على الدفاع عن مصالحها الوطنية في مناطق أمنها القومي12. قد تكون أوكرانيا إحدى أهمّ ساحات الصراعات الدولية التي شرحت واقع بنية النظام الدولي، حيث لم تفهم النخبة الروسية المعارضة أنّ روسيا أصبحت في مكانة دولية، تستطيع فيها الدفاع عن مصالحها القومية. وكذلك الحكومة السابقة الموالية لروسيا، أقصت المعارضة عن الحكم، واستقوت بتحالفها مع روسيا، وتجاهلت المصالح الغربية. وهذا ما يقودنا إلى ما شرحه كينيث والتز "الدول التي لا تفهم بنية النظام الدولي، تخسر استقلالها أو تتعرض للأذى على أقل تقدير." فخسرت أوكرانيا شبه جزيرة القرم، ودخلت البلاد في حالة من الاحتراب الأهلي. وبناءً عليه، هل للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الغربيين مصلحة في تقسيم المشرق العربي؟ وهل يقع المشرق العربي في مناطق الأمن القومي الروسي13؟ تأثّر الاستشراق الأميركي بالاستشراق الأوروبي، والذي يقوم على المركزية الأوروبية في رسم تاريخ الآخرين وتحليله وفقًا للمعطيات الأوروبية، وإن تمايز عنه في جوهره وأدبياته. أنتجت الأدبيات الأميركية ومصالحها الإستراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (ضمان إمدادات
النفط، وأمن إسرائيل، والحدّ من النفوذ الشيوعي) ظهور مصطلح الشرق الأوسط بدلً من المشرق العربي تدريجيًا. وتحوّل بذلك المشرق العربي إلى نظام إقليمي فرعي من النظام الدولي، له مراكز بحثية خاصة به، ومختصون غربيون في منطقة "الشرق الأوسط"14. ازداد الاستشراق الأميركي تأثّرًا بالاستشراق الأوروبي، بخاصة بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، فصاغت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الغربيون رؤاهم الاستشراقية للمجتمعات العربية في تشكيل النظام العراقي الجديد بعد احتلال العراق 2003. فأنتجت الديمقراطية الغربية في الم قرر العربي، "ديمقراطية الطوائف والإثنيات"، بما يسمّى "الديمقراطية التوافقية"15، فكان النظام السياسي العراقي الجديد قائمًا على المحاصصة الطائفية والإثنية.
تعاملت الولايات المتحدة الأميركية مع الثورات والانتفاضات في المشرق العربي التي تطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وعدم التهميش والمشاركة السياسية، وفقًا لمصالحها الوطنية وتفاهماتها الدولية في المشرق العربي. فقد حافظت الولايات المتحدة الأميركية في سورية على نوع من التوازن في موقفها بين القوى الإقليمية الفاعلة، حيث تركت ميزان القوى الإقليمي الذي تشكَّل على الساحة السورية، يستثمر صراعات الأطراف المحلية السورية، دون انحيازها ميدانيًا لأيّ جهة. بينما أزاحت بالتفاهم الضمني مع إيران رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي عن رئاسة الحكومة العراقية، بعد أن أصبح من الاستحالة للمجتمعات الأهلية في مدن وقرى وسط العراق وغربه التعايش مع سياساته الإقصائية، بخاصة بعد سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" على الموصل. وفي المجمل، حاولت الولايات المتحدة أن تحافظ على مؤسسات الدولة المركزية في سورية والعراق (بعد أن تعلمت من درس العراق في)2003 مع محاولات استبدال الشخصيات السياسية فقط، وذلك حتى تضمن استقرار المنطقة، وعدم فسح المجال أمام الحركات الجهادية للتمدد. لكن خطابها كان استشراقيًا، يُعَرِّف العراقيين والسوريين على أنّهم "سنة وشيعة وكرد"16، يتصارعون منذ الأزل. وتختصر بذلك الولايات المتحدة كلّ الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأزمات سورية والعراق بالأبعاد الدينية والإثنية17، وإن وجدت هذه الأبعاد في أزماتهما، لكنّها ليست الوحيدة. إن كانت الولايات المتحدة الأميركية ترغب في الحفاظ على شكل الدول المركزية حاليًا، فسلوكها الاستشراقي، وسياساتها في المشرق العربي، سوف يؤديان إلى مأسسة هويات متناحرة في إطار الدولة أو الكيان الواحد. ومثلما صاغت المصالح والإستراتيجيات الأميركية مصطلح الشرق الأوسط، بوصفه نظامًا إقليميًا فرعيًا من النظام الدولي18، يمكن إعادة صوغه على أسس مذهبية وإثنية19، إذا ما اقتضت المصالح الأميركية ذلك. عدّلت روسيا وثيقتها في السياسة الخارجية الروسية في شباط / فبراير 2013 عن وثيقتها السابقة المعتمدة في عام 2000، لتأخذ في الحسبان المتغيرات الدولية وإعادة توزيع توازن القوى في العالم، والأزمة المالية
العالمية، والوضع المضطرب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إلا أن الوثيقة لم ترد على ذكر الشرق الأوسط إلّ في البند ال 88 ومن خلال مبادئ عامة فقط في إطار الأولويات الإقليمية التي جاءت في البند ال 42 من الوثيقة20. وفقًا لوثيقة الخارجية الروسية، لا يقع المشرق العربي ضمن مناطق الأمن القومي الروسي. وعليه، لن تكون روسيا قادرة على الدفاع عن مصالحها الوطنية بصورة تنافسية مع الولايات المتحدة الأميركية، كما في دول الجوار الروسي القريب، بناءً على موقعها في النظام الدولي، كما أسلفنا سابقًا. إلّ أنّ مسألة الحركات العابرة للحدود وبخاصة "الحركات الإسلامية المتطرفة" وانتشارها في المشرق العربي، لا بدّ وأن تترك تأثيرها في مناطق النفوذ الروسية القريبة في دول بحر قزوين وآسيا الوسطى، بل وفي العمق الروسي نفسه في الشيشان وداغستان. أضف إلى ذلك التقارب الجيوسياسي بين المشرق العربي ودول آسيا الوسطى وبحر قزوين. ما يجعل روسيا دولة ناشطة جيوستراتيجيًا في المشرق العربي، لكن ليس في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وإنّ ا في مواجهة تركيا. تكوّنت الحضارة الروسية على أساس التمازج العرقي التركي - السلافي تاريخيًا21. وبما أنّ أجزاء كبيرة من مواطني دول آسيا الوسطى، تتكلّم اللغة التركية ومن أصول تركية، إضافةً إلى المواطنين من الأصول التتارية والمسلمين في داخل روسيا نفسها. فإنّ ذلك يعني رصيدًا من القوة التركية للتمدد في العمق الروسي بعد زيادة رصيدها الجيوستراتيجي في المشرق العربي ممزوجًا بخلفيات أيديولوجية دينية تسمح بنقلها إلى العمق الروسي. يعني ذلك نقل الإشكالية الثقافية إلى داخل روسيا وعزل روسيا إثنيًا22، وإبعاد روسيا عن المواطنين ذوي القومية الروسية في الدول الأوراسية. وستصبح مناطق القوقاز والشيشان وداغستان وأبخازيا بؤرة للصراعات والاضطرابات، ما إن تتصادم فيها المصالح الجيوبوليتكية لتركيا الأطلسية مع روسيا الأوراسية23. أي هناك قلق روسي كبير من النفوذ التركي في آسيا الوسطى والعمق الروسي، يستند على أسس مذهبية وإثنية، وعليه لا بدّ لها من الحد من النفوذ التركي في المشرق العربي حتى لا تتعاظم قوة تركيا في النظام الدولي. وكذلك يُنَظِّر المفكرون الروس الأوراسيون الساعون إلى إقامة الاتحاد الأوراسي24لضرورة تمجيد "المسيحية الأرذثوكسية" عنصرًا جوهريًا من عناصر الهوية الأوراسية التي يكون فيها للقومية الروسية طابع متروبولي في بناء الاتحاد الأوراسي25. ولذلك سنجد روسيا هي من أكثر الدول حديثًا عن حقوق "الأقليات"، وضرورة حمايتها في سورية، والتخوّف من وصول الإسلاميين إلى السلطة في سورية، وباقي دول الثورات العربية26.
تسعى روسيا إلى المساهمة في تسليح الجيش العراقي27، وتقدّم كلّ أنواع الدعم العسكري والسياسي للنظام السياسي السوري على الرغم من مطالبتها بالحلّ السياسي القائم على الحوار مع المعارضة السورية. كما وقّعت مع الحكومة السورية عقد التنقيب عن الغاز والنفط في الساحل السوري28، وأرسلت عددًا من السفن الحربية إلى قاعدة طرطوس على البحر المتوسط، كلمّا توترت الأوضاع العسكرية في سورية بصورة متزايدة29. وبناءً على وزن روسيا الجيوستراتيجي في النظام الدولي وحجم امتلاكها أدوات التأثير في المشرق العربي، تكون قدرتها محدودة على الدفع باتجاه التقسيم في المنطقة، وضعيفة القدرة على منعه، لكن سياساتها مؤثّرة وفاعلة في تطوّر الأحداث في سورية والعراق. إنّ التركيز الروسي على مسألة "الأقليات" في المشرق العربي، قد يتلاقى مع الاستشراق الغربي في النظرة إلى المشرق العربي. ما يجعل بنية النظام الدولي مهيّأة لتقبّل فكرة تجزئة المشرق العربي إلى دويلات، أو فيدراليات، أو صناعة جماعات سياسية متناحرة هوياتيًا في إطار الدولة الوطنية الواحدة.
المستوى الإقليمي
يتأثر المستوى الثاني (الإقليمي) بالمستوى الأوّل (الدولي)، ويؤثّر فيه. لقد احتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق على الرغم من معارضة أغلب الدول الإقليمية المجاورة للعراق أو عدم حماستها، لكنّها ظلت تراعي المصالح الإقليمية للدول المجاورة المتضررة والمستفيدة من الفوضى في العراق. وفي الأزمتين السورية والعراقية، صاغت الولايات المتحدة الأميركية مخرجاتها الدولية، بالتنسيق مع القوى الإقليمية في المشرق العربي (إيران، وتركيا، والسعودية، وإسرائيل.) يتباين باحثو العلاقات الدولية في ضرورة تحليل أيديولوجية النظام السياسي أو العوامل الداخلية في الدولة خلال تحليل السياسة الخارجية لأيّ دولة في العالم. يذهب البعض منهم إلى أنّ الدولة ستتخذ قراراتها، وفقًا لمصالحها الوطنية على أن يكون أمنها القومي على رأس أولوياتها، وذلك بغض النظر عن أيّ مسائل أخرى داخلية. بينما يذهب البعض الآخر، إلى ضرورة الأخذ في تحليل السياسة الخارجية المسائل الأيديولوجية للنخبة الحاكمة، أو العوامل الاقتصادية، أو أي قضية محلية أخرى... تمثّل السياسة الخارجية الإيرانية أكبر جدلً حول هذه المسألة في المشرق العربي في وسمها بسياسات طائفية شيعية أو سياسات مصالح قومية إيرانية. تدعم إيران جميع حركات الإسلام السياسي الشيعية في لبنان والعراق والبحرين واليمن. وتُرَسِخ بناء سياسات طائفية في العراق، بإصرارها على دعم حكومات إقصائية طائفية30. وتسهّل مشاركة مقاتلين شيعة إلى جانب النظام السياسي الحاكم في الحرب السورية أو تجنّدهم، عدا عن وجود عسكري للحرس الثوري الإيراني على الأراضي السورية. لكنّها في منطقة القوقاز مثلً، تساند إيران أرمينيا (غالبية سكانها يدينون بالدين المسيحي) في نزاعها حول إقليم ناغورني كارباخ مع أذربيجان (غالبية سكانها يدينون بالدين الإسلامي وبالمذهب الشيعي.) في جميع الحالات، المصلحة القومية الإيرانية هي المحدد الأساسي لسياساتها الخارجية، لكن ضمان المصلحة القومية، يحتاج إلى أدوات تأثير في أيّ صراع سياسي خارجي. وفي حالة المشرق العربي، يكون الإسلام السياسي الشيعي، هو الأداة الأكثر سهولة والأقلّ كلفة، لتعظيم أكبر قدر ممكن من المصالح القومية الإيرانية. إنّ إيران بوصفها دولة متعددة الإثنيات والمذاهب، وهي لا تزال في مرحلة بناء الدولة الوطنية31، قد لا تمتلك أيّ مصلحة في الدفع باتجاه أي تقسيمات لدول المشرق العربي، طالما أنّ مصالحها تُؤخذ في الحسبان، لكنّها سوف تستمر في دعم الحركات الإسلامية الشيعية، ما يترك آثارًا ونتائجَ غاية في السلبية على هوية دول المشرق العربي.
استطاعت تركيا خلال العقود الماضية بناء دولة مؤسسات ونظام سياسي ديمقراطي، يقوم على التعددية الحزبية والانتقال السلمي للسلطة. ترافق ذلك مع إنجازات اقتصادية مهمة، نقلت تركيا لأن تصبح إحدى دول مجموعة 20 G. ما حوّلها إلى أحد أهمّ اللاعبين الإقليميين الفاعلين في المشرق العربي. لكن الجنوب التركي ظلّ منطقة جغرافية تؤرق الحكومات المركزية المتعاقبة في تركيا، بفعل النزعات المتمردة لدى بعض القوى السياسية أو الميليشيات الكردية، وأزمة الهوية (التركية/العربية/الطائفية) لدى المواطنين الأتراك من ذوي الأصول العربية السورية. نشطت تركيا توجهاتها الجيوستراتيجية في المشرق العربي، بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة (الإسلامي المعتدل) والاحتلال الأميركي للعراق 2003، بسبب الفراغ الأمني الذي أحدثه الاحتلال وحاجتها إلى التنسيق مع الدول العربية والإقليمية لضبط التفاعلات المحلية في العراق والتوازنات الإقليمية. لكن ترتيبات الاحتلال أسفرت عن تجسيد كيان سياسي واقعي بمسمّى "كردستان العراق" في شمال العراق، وهو ما يتعارض مع صلب المصالح القومية التركية. كانت العلاقات التركية السورية، مدخلً لتشابك تركيا الإقليمي مع الدول والقوى العربية الأخرى وممرًا لتسويق بضائعها ومنتجاتها حتى وصلت درجة التعاون بين كلا الدولتين إلى إلغاء سمات الدخول بينهما، ومن ثمة مع العديد من الدول العربية الأخرى، كلبنان والأردن. ارتكزت السياسة الخارجية التركية في المشرق العربي في تلك الفترة على بعدين أساسيين هما: بعد أمني، يقوم على محاولة وضع حد للفوضى في العراق وضمان استقرار العراق ووحدته، والحدّ من حركة حزب العمال الكردستاني ونشاطه في سورية والعراق. وبعد اقتصادي، يتمثل بتعظيم المصالح الاقتصادية التركية في المشرق العربي، حتى غدت تركيا أكبر دولة مستثمرة في سورية. قلب الربيع العربي، والانتفاضة السورية بخاصة، المشهد الإقليمي برمّته؛ إذ تدرجت تركيا في سياساتها من مرحلة الدعوات إلى الإصلاح في سورية، وإشراك القوى السياسية المعارضة في الحكم بما فيها الإخوان المسلمون، إلى الانحياز الكامل للمعارضة السورية، مع تقديم الدعم اللوجستي للمعارضة المسلحة في شمال سورية وشمال غربها، وتزويدها بأنواع محددة من الأسلحة والمعدات. خشيت تركيا التطورات العسكرية في شمال شرق سورية وتفاعلاتها التي أدت إلى ظهور مقاتلين أكراد أطلقوا على أنفسهم "قوات حماية الشعب الكردي." فاتجهت تركيا إلى التنسيق والتعاون مع حكومة إقليم كردستان العراق وفقًا لحسابات دقيقة ومعقدة (اقتصادية، وسياسية.) ومن ثمّة سيطر المقاتلون الأكراد على مناطق إستراتيجية في سورية، وأعلنوا إنشاء منطقة حكم ذاتي للأكراد في سورية سالفة الذكر أعلاه. ولذلك، سوف نجد أنّ تركيا لم تتدخل في أزمة عين العرب "كوباني" 2014 ذات الغالبية الكردية عندما حاول تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" اقتحامها والسيطرة عليها على الرغم من المطالب الدولية والمحلية الكردية بذلك، إلّ وفقًا لإستراتيجية متكاملة تأخذ في الحسبان المصالح التركية32.
عملت تركيا طيلة الصراع العسكري في سورية على عدم السماح لميزان القوى المحلي بالاختلال لمصلحة النظام السياسي في سورية وحلفائه الإقليميين. فعندما حقق الجيش السوري وحزب الله اللبناني تقدمًا عسكريًا كبيرًا في منطقة القلمون في ريف دمشق في نهايات آذار / مارس 2014 33، قدّمت تركيا للمعارضة السورية المسلحة دعم لوجستيًا وعسكريا، لفتح جبهة جديدة في مدينة كسب الحدودية في مدينة اللاذقية في نهاية آذار / مارس 2014، حتى لو ضمّت بينها تنظيمات إسلامية متشددة34. ما وضع مدينة اللاذقية على حافة
الصدام الأهلي والعنف المجتمعي في المدينة على غرار المدن السورية الأخرى المختلطة طائفيًا، كحمص وريف حماه. تفرض الحسابات الاجتماعية والإثنية على تركيا، ألّ تدعم بأيّ نمط أو زمن أيّ توجهات ذات نزعات انفصالية35. لكن تجاهل مصالحها، قد يدفعها إلى تبنّي سياسات تؤدي إلى المزيد من العنف السياسي والاجتماعي في المشرق العربي. بخاصة إذا ما تعلقت المسألة بأمن المواطنين السوريين أو العراقيين من التركمان36. أمّا المملكة العربية السعودية، وهي الدولة العربية الإقليمية الأكثر تأثيرًا في مجريات الأحداث في المشرق العربي، فقد تكونت تاريخيًا من ضمّ أقاليم جغرافية في شبه الجزيرة العربية. بمعنى أنّها ما زالت دولة في طور تكوينها الوطني، وبناء نظام سياسي يواجه تحديات سياسية واجتماعية عميقة. لم توافق المملكة العربية السعودية على الاحتلال الأميركي للعراق 2003 من حيث المبدأ، لكنّها خضعت مثلها مثل القوى الدولية الأخرى، للرغبة الأميركية ومصالحها. ومن ثمّة عملت على التركيز على ثلاث نقاط رئيسة في سياساتها تجاه العراق؛ وهي: استقرار العراق ووحدته وعروبته، والتي تعني ضمنيًا الحد من النفوذ الإيراني في العراق. لكن التنسيق الأميركي الإيراني كان جليًا بصورة أكبر من التنسيق مع السعودية، وهو ما أوصل إلى الحكم حكومات عراقية متتالية، تدين بالولاء لإيران. لم تدعم المملكة العربية السعودية الثورات العربية، بل قادت معسكر الثورات المضادة. يمكن تحديد الموقف السعودي من الثورات العربية في إطار اتجاهين؛ هما منع الحركات الإسلامية من الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وألّ تؤول مجريات الثورات في مصلحة التمدد الإيراني في المشرق العربي37. وانطلاقًا من ذلك، لا يوجد أيّ مصلحة للمملكة العربية السعودية باتباع سياسات تدعم أيّ نزعات انفصالية في سورية والعراق. لكن مشكلتها الأساسية في مدى تأثّرها بقرارات حليفتها الولايات المتحدة الأميركية. مثّل الصراع العربي - الإسرائيلي، وسياسات الدول العربية تجاهه وتحديد أولوياته، المحور الأساسي للتفاعلات بين الدول العربية. وهو ما صاغ النظام الإقليمي العربي منذ نكبة فلسطين 1948. وعلى الرغم من الإخفاق العربي في تحرير فلسطين، ظلت إسرائيل تشعر بمعضلتها الأمنية، ما دامت هي في خارج سياق هذا النظام. صعدت قوى اجتماعية وسياسية جديدة في الدول العربية بعد هزيمة عام 1967، واستمر خلافها في سياساتها وأولوياتها تجاه القضية الفلسطينية وقضايا إقليمية أخرى، إضافةً إلى تراكم التغيير في بنية النظام الدولي. ما دفع بالحكومات العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية - بصورة متتالية - إلى الدخول في مفاوضات سلام مع إسرائيل، ووقّعت مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية معاهدات "سلام" مع إسرائيل بصورة منفردة. لكن إسرائيل ظلت تعاني مأزقًا أمنيًا مع صعود حركات أيديولوجية دون دولاتية في فلسطين ولبنان، رفضت تلك التسويات مع إسرائيل، وتبنّت الكفاح المسلح لتحرير الأراضي العربية. فأقدمت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، واستكملت إجراءات انسحابها من قطاع غزة في عام.2005 أنتج الاحتلال الأميركي العراق 2003، وتحوّله إلى دولة ميليشيات متصارعة، تضعضعًا أو انهيارًا للنظام الإقليمي العربي، بل فتح عهد اختلال الدولة الوطنية ذاتها في المشرق العربي وتشرذمها. ومن حينها، لم تُقدِم إسرائيل على تقديم أيّ تنازل إستراتيجي للدول العربية، بل وَسعت عملياتها الاستيطانية، وتشددت في المفاوضات مع كل
الأطراف العربية، وكررت استخدامها القوة العسكرية في ضرب خصومها في سورية ولبنان وفلسطين في عدة حروب أو اغتيالات أو قصف مواقع عسكرية. قلقت إسرائيل من مسار الثورات العربية ومآلاتها، في مرحلتها الأولى على الأقل. وظلت في موقع المراقب القريب لأحداث الانتفاضة الشعبية في سورية. إذ لم تكن معنيّة بقيام نظام ديمقراطي في سورية مجهول الهوية والسلوك، قد يهدد أمنها مستقبلً. ولن تخسر سياسيًا أو أمنيًا، في حال نجحت المعارضة السورية في إسقاط نظام، لم تستطع التوصل معه لاتفاق سلام، ويساند حركات المقاومة في فلسطين ولبنان. لكن السمة الأساسية التي ميّزت الموقف الإسرائيلي من الأحداث في سورية هي مدى قدرتها على استغلال هذه الحرب بالتخلص من أي قدرات إستراتيجية في سورية تهدد أمنها، وذلك بغضّ النظر، عمّن يملكها أو سيمتلكها، أو يستخدمها أو لا يستخدمها. ولذلك، سوف يقوم سلاح الجو الإسرائيلي بقصف مواقع تخزين الصواريخ السورية عدة مرات. وسوف ينشط اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية لتوجيه ضربة عسكرية للجيش السوري، عندما استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية في خريف عام 2013، ومن ثمّة تراجع نشاطه بعد إتمام صفقة الكيماوي التي ضمنت التخلص من المخزون السوري من الأسلحة الكيماوية، بحيث تحقق بذلك أحد أهمّ أهداف الأمن الإسرائيلي38. انتقلت إسرائيل في حالة حروبها مع الدول العربية من حروب ضد مجموعة من الجيوش العربية (حرب فلسطين 1948، حرب حزيران / يونيو 1967، حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973) إلى عدوانيات جزئية ضد حركات وفصائل أيديولوجية عربية، والتي تقدّمها إسرائيل على أنّها ليست حربًا ضد "دولة مجاورة"، وإنّ ا ضد مجموعة مسلحة أو حركة "إرهابية" في محاولة منها لاستثمار التنوّع السياسي والهوياتي في المشرق العربي. إسرائيل هي القوة الإقليمية الوحيدة التي تتحقق مصالحها في تقسيم دول المشرق العربي، وتحوّلها إلى جماعات متناحرة فيما بينها بدلً من التناحر معها، ليس من منطق تحقيق أمنها الذاتي فقط والحفاظ على التفوق الإستراتيجي العسكري على مجموع الدول العربية، وإنّ ا أيضًا لشرعنة سياستها في الداخل الإسرائيلي في تحقيق مبدأ "يهودية الدولة"، والذي يتجاهل البعد الاستعماري، ويحوّل الصراع إلى صراع ديني، حيث يطغى على الهوية الإسرائيلية الطابع الديني اليهودي بوصفه انعكاسًا لهوية الجماعة الإسرائيلية وروحها الثقافية39. ولا تخفي إسرائيل مثل دعمها استقلال إقليم شمال العراق أو "كردستان العراق" على أساس أنّ العراقيين الأكراد شعب يستحق الديمقراطية والاستقلال40. منذ معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية والحرب العراقية – الإيرانية، اتسم النظام الإقليمي العربي بالهشاشة والقابلية للتغيير؛ إذ بقي يتغير كلّ مدة عشر سنوات تقريبًا، وأصبحت محاوره تقاد من أطراف غير عربية. وذلك بسبب بقائه عرضة للتأثر بطبيعة الصراع في بنية النظام الدولي. وفي المحصلة، لا يبدو المستوى الإقليمي عامل دافعًا باتجاه تقسيم دول المشرق العربي. لكن تعارض مصالح أطرافه، قد يدفع فاعليه الأساسيين إلى تبنّي سياسات لا تتوافق مع وحدة دول المشرق العربي ومصلحتها. كما أنّه هو ذاته، أي المستوى الإقليمي، فشل في تحقيق ضمان أو توافق على الأمن الإقليمي منذ احتلال العراق.2003
الدولة الوطنية وصراعات الهوية
ما كان للنظام الدولي والمستوى الإقليمي أن يكون له فاعلية فيصوغ قرارات مستقبل المشرق العربي ومخرجاته، لو أنّ أنظمته السياسية نجحت في بناء مؤسسات الدولة، وساهمت لترسّخ الهوية الوطنية أو فتحت المجال لذلك. نشأت دولتا سورية والعراق من منطقة المشرق العربي بعد خضوعها لعهود طويلة من الاحتلال الأجنبي (العثماني، والأوروبي)، عرفت خلالها - بخاصة سورية في عهد الاحتلال الفرنسي - سياسات الهوية الطائفية والإثنية، وتطبيقها فعليًا في ممارسات الحياة اليومية أو على شكل كيانات سياسية.
الهوية العراقية
يعتقد الباحث العراقي في علم الاجتماع عصام الخفاجي أنّ بدايات تشكّل الهوية الوطنية العراقية الحديثة تعود إلى القرن الثامن عشر مع بروز وحدة إدارية تجمع مدن العراق الرئيسة مركزها بغداد. ويجادل في تبسيط بعض الباحثين العراقيين بأنّ المستعمر البريطاني شكّل الدولة العراقية من اتحاد أقاليمه الإدارية الثلاثة (بغداد، والموصل، والبصرة) ومعها نشأت الهوية العراقية، حيث يقدّم أدلة وبراهين ووقائع سياسية واجتماعية واقتصادية على نشوء الهوية الوطنية العراقية قبل الاحتلال البريطاني. بمعنى أنّ القرارات الاستعمارية في ترسيم حدود الدولة العراقية الحديثة، وبغض النظر عن النوايا الاستعمارية، هي نتاج تكيّفها مع الحقائق الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمعات العراقية41. تفاقمت مشكلة الهويات الفرعية في العراق مع دخوله في سلسلة من موجات العنف الدولية والمحلية. ومن ثمّة فرض المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية على العراق، أنهكت المجتمع العراقي. تزامن ذلك مع حدة الاستبداد السياسي وإغلاق القنوات السياسية كافّة أمام القوى الاجتماعية العراقية، لطرح حلول سياسية بديلة لأزمات العراق الدولية والمحلية. ما أثّر سلبيًا في بعض من فئات المجتمع العراقي، وغيّ اتجاهاتها السياسية والفكرية42. لم تبدأ الطائفية الاجتماعية في العراق مع الاحتلال الأميركي للعراق 2003، لكن صناعة الطائفية السياسية ومأسستها هوية سياسية انطلقت معه، بتفكيك بنية الدولة العراقية43، وصوغ دستورها الجديد على أسس ومبادئ مذهبية وإثنية44، أتاحت لقوى سياسية كردية إنشاء فيدرالية في شمال العراق، ومحاصصة عُرفية طائفية وإثنية لمناصب السلطة السياسية الجديدة. وتبعًا لتركيبة هذه السلطة السياسية، مازالت العملية السياسية تتعثر في العراق، وتنشأ أزمة سياسية حادة مع كلّ انتخابات برلمانية. وهو ما يحتاج إلى تدخّل كلّ القوى الإقليمية والقوى الدولية الفاعلة للاتفاق على تشكيل الحكومة العراقية وأحيانًا حكومات غير مكتملة. وفي كل أزمة تظهر أصواتٌ وكتابات تدعو أو تنادي بالتقسيم أو فيدرالية لإقليم "شيعي" أو "سني." لكن أشدّها أو بلغت مداها عندما انتفض أهالي المحافظات الغربية في العراق ضد حكومة نوري المالكي في ربيع عام 2013، لما مارسته بحقّهم من تهميش وإقصاء وتضييق. ودخلت العشائر العراقية في مواجهات مع قوات الأمن والجيش العراقيين بعد فضّ ها اعتصام أهالي مدينة الرمادي في مطلع عام 2014 45. وكانت صورة انهيار الجيش العراقي أمام تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" في العاشر من حزيران / يونيو 2014 في مدينة الموصل، الأكثر تعبيرًا عن فشل النظام العراقي وحلفائه في إعادة بناء الدولة الوطنية العراقية. ما سمح لقوات غير نظامية وميليشيات محلية طائفية أو قومية، تمتلك القوة العسكرية، بالدخول في معارك طويلة للسيطرة على مدن ومناطق عراقية خارجة عن إرادة الحكومة المركزية العراقية وإدارتها. ثمّة تنافس تاريخي بين مركزين حضاريين كرديين في العراق، إربيل (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والسليمانية (الاتحاد الوطني الكردستاني)؛ يتنافسان سياسيًا، ويتمايزان اقتصاديًا واجتماعيًا46. لم تخف حكومة إقليم كردستان العراق رغبتها في الاستفادة من الأوضاع الحالية في العراق، فأعلنت رسميًا أنّ ميليشياتها لن تخرج من المناطق الجديدة التي سيطرت عليها قوات البشمركة الكردية بعد سقوط
الموصل، وكذلك عن رغبتها في انفصال الإقليم عن العراق47. وهو ما لم يلق معارضة من الاتحاد الوطني الكردستاني، بل وجد تشجيعًا لتلك الخطوة، على الرغم من التنافس التاريخي بينهما48. يقرّ الدستور العراقي بأنّ جمهورية العراق هي دولة اتحادية واحدة مستقلة، وينظّم في مواده -116(119) آلية غير معقدة لإنشاء أقاليم اتحادية من محافظة واحدة أو عدة محافظات49. وعلى الرغم من دستورية إنشاء أقاليم في الجنوب (شيعي) والوسط (سني)، لم يجْر تشكيل أيّ منهما حتى يومنا هذا، ولا يوجد قوة سياسية عراقية واضحة ولها شعبية، تدعو إلى إنشائهما. أمّا الأصوات الداعية إلى تجزئة الجنوب والوسط، فقد ظلت مرهونة بحسابات الضغط السياسي بين القوى العراقية المتنافسة على نتائج الانتخابات، ومرتبطة بمدى حدة الأزمات السياسية والأمنية وضعف حكومات الوحدة الوطنية، كما أن تلك الأصوات ضعيفة في حالات الاستقرار النسبي50. يعود اختلاط سكان العراق في وحدات جغرافية عابرة للطوائف إلى عهود سابقة قديمة51، وعلى الرغم من موجات الحروب والعنف التي شهدها العراق52، بقي كثير من المناطق في العراق مختلطًا طائفيًا، أو مناطق يقطنها أغلبية مذهبية، لكن محطيها الجغرافي مغاير مذهبيًا. لا تزال العاصمة بغداد مدينة تضمّ جميع مكونات المجتمع العراقي، وحزامها الجغرافي الذي يحيط بها، يشتمل في أغلبه على مناطق ريفية وأغلب سكانه من العشائر المختلطة طائفيًا. وهو يمتدّ من جنوب بغداد، حيث مناطق المحمودية واليوسفية إلى مناطق الغرب حيث أطراف أبو غريب وإلى شمال شرق بغداد حيث أرياف مدينة سلمان باك53. وكذلك العديد من المناطق في محافظات ديالى (مندلي، وجلولاء، والمقدادية، والخالص، والسعدية)...، وصلاح الدين، (بلد، والدجيل)...، والبصرة (الزبير، والفاو، وأبو الخصيب)54.
تنقسم هذه المناطق نفسها المختلطة طائفيًا بصورة حادة في كثير من الأزمات حول موقفها السياسي، وأحيانًا عديدة تشهد عنفًا طائفيًا مريرًا. لكن يجب التمييز هنا ما بين التوتر السياسي والاجتماعي والصراع بين المكونات العراقية. لم يبدأ العنف الطائفي في العراق إلّ مع تعثّ العملية السياسية وتطييفها والشروع في عملية اجتثاث البعث بعد الاحتلال الأميركي. إنّ التوتر السياسي والاجتماعي في المجتمع العراقي، هو نتيجة طبيعية للخلل في توزيع الثروة والسلطة في مجتمع غير متجانس على مستوى الهوية، لا تكاد توجد فيه مؤسسات الدولة المشكوك في شرعيتها أصلً. وهو ما ظل يولّد العنف الطائفي بين الفينة والأخرى منذ الاحتلال الأميركي للعراق 2003. أمّا
الصراع، فهو حالة مستديمة لها جذورها التاريخية، ولو كان المجتمع العراقي يشهد صراعًا مستديمًا بين مكوناته الاجتماعية، لما تشكّل العراق بالأصل، ولما كانت تعايشت مكوناته الاجتماعية طيلة العهود السابقة، ولما تشكّلت فيه أحزاب سياسية علمانية وغير علمانية. تتشكّل الميليشيات على أسس مذهبية، وهي من تقوم بالجرائم الطائفية، وعليه فهي تعبّ عن قوى اجتماعية طائفية موجودة في العراق. لكن يجب الانتباه هنا إلى مسألة التمثيل. فلا يجوز عد أيّ فصيل عسكري أو قوة سياسية ممثلً لمجموعة من المواطنين، ما هي بجماعة متجانسة ولا متماثلة في الآراء والأفكار، أو أنّ لهم سلوكًا واحدًا55. فهل يمثّل تنظيم الدولة الإسلامية مثلً "السنة" في العراق (أهل بغداد والموصل والأنبار وديالى)...؟ وهل تمثّل عصائب أهل الحق "الشيعة" في العراق (أهل البصرة وبغداد وديالى)...؟ إن المجتمع العراقي هو مجتمع متعدد الأفكار والآراء والأيديولوجيات الطائفية وغير الطائفية. لكن الحاضر على الساحة السياسية هو القوى العراقية الطائفية، بينما تغيب أصوات عراقية أخرى، لها رؤية مختلفة عن مستقبل العراق. تشير نتائج المؤشر العربي لعام 2011 إلى أنّ العراق هو البلد العربي الثاني بعد لبنان والذي يرى مواطنوه ضرورة فصل الدين عن السياسة، إذ إن %47 يوافقون جدا على ذلك، و 27 % يوافقون إلى حد ما، ولم يعارضه إل %5 فقط56. إنّه مأزق النخب السياسية العراقية التي تخضع للقوى الطائفية في توجهاتها وسياساتها، وفقًا لحساباتها السياسية والانتخابية الضيّقة وارتباطاتها الإقليمية المذهبية. إذًا، لا يمكن وصف المجتمع العراقي بالمجتمع الطائفي ولا توجد جماعة سياسية ممثلة لطائفة معيّنة، ولكن المشكلة تكمن في أن الاحتلال ومن معه من القوى السياسية العراقية، بنوا نظامًا يقوم على أسس فرعية غير وطنية، فُرضت فيه الطائفية السياسية، وارتبطت القوى السياسية العراقية فيه بمركبات خارجية.
الهوية السورية
نادرة هي الدراسات التي تناولت الهوية السورية وتكوينها؛ فغالبًا ما اتجه الباحثون لدراسة نشوء القومية العربية في سورية في مدنها وأريافها. تناول الباحث الأميركي مايكل برفنس في كتابه عن الثورة السورية الكبرى 1925 "الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية" مسألة الهوية السورية العربية. ورأى أنّ الثورة السورية، سمحت للسوريين بالحفاظ على ذواتهم الاجتماعية والثقافية المختلفة، لكنّها ساعدتهم في النهاية على تخيّل أنفسهم أمّة واحدة تحت فكرة الأمة العربية السورية من خلال النظرة السلبية تجاه المُستعمِر57. ووصف التحاق دمشق بالثورة بأنّه اتحاد غير مسبوق ما بين الريف والمدينة في سورية بناءً على علاقات اقتصادية، قد نشأت سابقًا بين العاصمة دمشق والجنوب السوري. وإذا ما تجاوزنا مسألة دور السيادة وهي قضية جوهرية في مراحل تشكّل الدولة – الأمة، كون أنّ برفنس يقرّ بعدم وجودها أصلً، فهو يرى أنّ بالإمكان "إيجاد مجمل الهوية الوطنية من دون الفكرة الوحدوية"، فإنّه لا يمكن تجاوز شرط اختلاط السكان مع بعضهم البعض، بفعل تفكك الجماعة المحلية بسبب الهجرة من الريف إلى المدينة والجماعة المهنية الحرفية في المدينة في إقليم جغرافي، لم تكن حدوده واضحة حينها58. وباعتقادنا أنّ الهوية السورية لم تتشكّل إلّ مع الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، فقد بدأ معه انفتاح المجتمعات الأهلية على بعضها في إطار جغرافي محدد وواضح، وزمن جديد يؤرخ لمرحلة تاريخية جديدة59. للطائفية الاجتماعية تاريخ حديث في سورية، يعود إلى أحداث العنف الطائفي في دمشق في عام 1860 خلال فترة الاحتلال العثماني. ومن ثم اتبعت حكومة الاحتلال الفرنسي سياسات هوية طائفية
منظمة نحو عقدين ونيف، حوّلت فيها الطوائف والإثنيات إلى قوميات واعية بذاتها60. لكن دولة الاستقلال السورية، وضعت ذلك الإرث الاستعماري وراءها، وعكست ما في المجتمع السوري من أيديولوجيات في إطار دولة وطنية علمانية. ومع تسلّم حزب البعث (القومي العربي) الحكم في سورية، واحتكاره السلطة منذ عام 1963، أقصى الأيديولوجيات والتوجهات الأخرى في المجتمع السوري عن المشاركة السياسية، فحافظ على البنى الاجتماعية الطائفية والعشائرية والإثنية في سورية، أو أعاد إيقاظها، فظل التوتر الاجتماعي قائمًا في المجتمع السوري، يعبّ عن نفسه بأشكال مستترة أو ظاهرة أحيانًا مع كلّ أزمة سياسية محلية. ولذلك، لم تنشأ الطائفية الاجتماعية أو النزعات الانفصالية القومية في سورية مع يوميات انتفاضة عام 2011 ومراحلها، لكنّها جسّدت ذاتها في التعبير عن تراكمات تاريخية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية.
شهدت سورية على مدار السنوات الأربع الماضية عنفًا طائفيًا مريرًا في العديد من البلدات والقرى والأحياء السورية. ارتسمت فيها حدود الصراع العسكري على أسس مذهبية في مدينة حمص وريفها وريف حماه في المنطقة الوسطى من سورية. وعلى الرغم من وقوع عدة أنماط من العنف الطائفي في ريف دمشق والساحل السوري، فقد بقيتا منطقتين مختلطتين طائفيًا، إضافةً إلى العاصمة دمشق. وما زال أهالي هذه المناطق يتشابكون مع بعضهم البعض في علاقات اقتصادية معقدة ومتشابكة نسبيًا، تختلف بين المدينة أو البلدة والأخرى. ومن خلال دراسة أحداث المجازر والجرائم الطائفية ووقائعها، فإنّه يتبين لنا أنّ المجازر الطائفية الكبرى، لم تقع إلّ في المناطق المختلطة طائفيًا التي تشهد عمليات عسكرية كبرى في إطار صيرورة تطور الصراع السوري، ومحكومة بأبعادها الاقتصادية والسياسية61. إنّ أخطر ظاهرة على حالة الاختلاط السكاني، هي ظاهرة الميليشيات بمذاهبها وطوائفها المختلفة السورية، وبخاصة غير السورية منها التي تعرف نفسها على أسس مذهبية فقط، وتسلك سلوكًا طائفيًا انتقاميًا في المجتمعات التي توجد فيها، وتتعامل مع المواطن السوري وفقًا لمذهبه الديني بوصفه فردًا في جماعة تسلك سلوكًا واحدًا. وهو ما يدفع إلى هجرة السوريين وتهجيرهم من مناطق سكنهم التي عاشوا فيها، والذي يفتح المجال لاحتمالات وسيناريوهات متعددة تخضع للحسابات والرؤى الإقليمية والدولية. تنقسم القوى السورية الكردية إلى تكتلين رئيسين: المجلس الوطني الكردستاني - سورية ومقرّه في مدينة أربيل العراقية، ويطالب بفيدرالية كردية في سورية على غرار كردستان العراق62. وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (جناح حزب العمال الكردستاني في سورية)، والذي شكّل ميليشيات أطلق عليها "قوات حماية الشعب الكردي"، سيطرت على مدنٍ وقرى ذات غالبية كردية في ريف حلب والحسكة. لكنّهما يشتركان في تسمية المناطق الشمالية الشرقية في سورية والتي يسكنها سوريون من مكونات اجتماعية متعددة (أشوريين، وأرمن، وعرب، وأكراد، وسريان)... باسم "غرب كردستان"، أي أنّها جزء (غرب) من كلّ (كردستان.) وعلى الرغم من خلافاتهما السياسية على تمثيل الكرد في سورية، فقد أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي في 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2013 تشكيل مجلس حكم ذاتي انتقالي "لإدارة الشؤون الإدارية" في ثلاث مدن غالبية سكانها من السوريين الأكراد، هي: القامشلي، وكوباني، وعفرين. تنفصل هذه المدن عن بعضها من الناحية الديموغرافية في وجود مناطق وقرى
عربية، ما يُصعّب إقامة وحدة جغرافية بين هذه المدن على أسس إثنية63. إلّ أنّ ذلك يفتح المجال لحروب ونزاعات أهلية في الجزيرة السورية، بدأت تظهر إلى العلن بعد معركة كوباني، والتي ستترك أثرًا كبيرًا في تغيير بنيتها الديموغرافية. لا توجد قوة سياسية أو اجتماعية سورية تطالب بإدارة إقليم جغرافي معيّ أو استقلاله على أسس طائفية. وما زال الصراع يدور حول من يحكم سورية64. بمعنى أنّ الطائفية السياسية غير مطروحة بوصفها نظام حكم بالنسبة إلى السوريين. والقوى السياسية السورية الكردية وحدها، تطالب بإدارة إقليم ذاتي، تعدّه مؤقتًا، وهي مطالب مازالت صيرورة تطوّرها قيد التشكل.
النتائج
تسمح بنية النظام الدولي الحالي بدرجة كبيرة من التدخّل الخارجي في المشرق العربي، إذ تسعى القوى الكبرى لتحقيق أكبر قدر ممكن من مصالحها الوطنية وضمان أمنها القومي، وذلك بسبب توافر عوامل داخلية محلية وهشاشة الدولة الوطنية في المشرق العربي. وبذلك تتشابك القضايا الداخلية مع المصالح الدولية. وتُصاغ على شكل مخرجاتٍ نتيجة التفاعل بين المدخلات الوافدة من البيئتين الداخلية والخارجية. يتبين لنا من خلال العرض السابق أنّه كلمّا ازداد دور القوى الدولية الصاعدة في بنية النظام الدولي، ازدادت احتمالات تقسيم العراق أو استكمال فدرلته، وصوغ نظام سياسي توافقي فرعي في سورية على أقلّ تقدير. وكذلك فإنّ تعدّد دور الفاعلين الإقليميين، سوف يؤدي إلى زيادة هذا الاحتمال. وذلك بسبب تضارب مصالحها الوطنية وصراعها على الموارد والأدوار في المشرق العربي. أمّا على الصعيد المحلي، فإنّ امتداد النزاعات العسكرية أو صراع الميليشيات إلى المناطق التي لا تزال مختلطة سكانيًا، سوف يؤدي بالضرورة إلى تغيير بنيتها الديموغرافية، وهو ما يهيّئ لظهور جماعات سياسية ذات نزعات انفصالية، مدعومة ميليشاويًا، قد تحظى بدعم من قوى إقليمية ودولية، وتتحول إلى ممثل لجماعة معيّنة بفعل التعامل الدولي معها. بينما تغيب فاعلية قوى سياسية أخرى لها رؤية مختلفة عن مستقبل سورية والعراق، كونها لا تنظّم ميليشيات، ولا تحظى بدعم دولي. تدلّ المؤشرات الميدانية والسياسية في سورية والعراق على أن الأكراد بدأوا يستعيدون وحدتهم ووعيهم القومي65، وهم الطرف الوحيد في المشرق العربي الذي يقاتل على أسس قومية وعرقية. ما يسهّل إنشاء كيان كردي قابل للحياة على الصعيد المحلي، كونهم يمتلكون مقومات اقتصادية وسياسية وبشرية وعسكرية كبيرة. ومن دون الاعتراف الدولي لا تحظى الدول الجديدة بشرعية دولية، والذي يبدو سلسًا إلى حدٍ ما على الصعيد العالمي، لكنّه في غاية التعقيد على الصعيد الإقليمي. أمّا عن إمكانية إنشاء كيانات طائفية في سورية والعراق، فمن غير المرجّح نشوء هذه الكيانات في الظروف المحلية والدولية الحالية. فالعنف الطائفي ما هو إلّ توترات اجتماعية نتيجة الخلل في توزيع الثروة والسلطة والاستبداد السياسي، لا تندرج ضمن النزعات الانفصالية، لكنّها قابلة للتحول إلى قوميات طائفية بفعل التدخلات والرؤى الخارجية (الاستشراق الغربي، والدور الروسي الجديد ومسألة الأقليات، والمذهبية السياسية الإقليمية.) إنّ الاقتتال الطائفي في سورية والعراق، ليس انتصارًا للهوية الطائفية، بل هو تجسيد لفشلها في محاولة فرض نفسها هوية واحدة. ويتمثل ذلك بفشل أيّ من القوى في تقديم نفسها على أنّها الممثل الشرعي لجماعة قائمة بحدّ ذاتها. أمّا المشكلة فتكمن في القوى السياسية المحلية المتنافسة التابعة ثقافيًا وسياسيًا إلى قوى خارجية لها مصالحها الخاصة المتضاربة والمتصارعة في النظام الدولي. وهذا لا يعني أنّ القوى السياسية الطائفية ليس لها جمهورها، ولكن الفكرة أنّها ليست الوحيدة، أمّا المفقود فهو أصوات السوريين والعراقيين.