الدوافع والانعكاسات
الملخّص
تمث ل الهجرة غير الشرعية أحد التهديدات التي تواجهها الدول الأوروبية، نظرًا لاستمرار تدفق عدد كبير من المهاجرين بطرق شرعية وغير شرعية، وما يخلفونه من مظاهر الخوف والعنصرية في المجتمعات الأوروبية، وقد حاولت الحكومات الأوروبية معالجة الظاهرة بانتهاج مقاربة أمنية، تقوم على تجنيد كل الوسائل القمعية والبوليسية، وسن القوانين الردعية لمواجهتها، وهو ما يعرف بأمننة ظاهرة الهجرة، التي جاءت بفعل تكاثف عدة عوامل منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي؛ فمن العوامل الخارجية حوادث، ودورها في إلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين الذين يمث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 لون نسبة كبيرة من المهاجرين الوافدين إلى أوروبا، أما العوامل الداخلية فتتمثل في التوظيف الإعلامي والسياسي لظاهرة الهجرة لدى وسائل الإعلام وأحزاب اليمين المتطرف التي تسعى دائمً ا لربط الهجرة بمختلف الظواهر السلبية كالجريمة المنظمة والإرهاب، ما انعكس سلبيًا على وضع المهاجر وحقوقه المنصوص عليها في المواثيق والاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها حق اللجوء السياسي الذي عرف تضييق ا كبيرًا من الدول الأوروبية في سبيل القضاء عليه نهائيا، كما انعكست سياسة أمننة الهجرة على علاقة المهاجرين الوافدين بالمجتمعات المستقبلة التي تزايد لديها هاجس الخوف والعنصرية، كان من الملخص أهم انعكاساته رفض كل ما هو أجنبي والتعصب للقيم والهوية الوطنية، مكرسً ا بذلك مقولة صدام الحضارات.
أمننة الهجرة غير الشرعية في السياسات الأوروبية:
مقدمة
تُعدّ ظاهرة الهجرة بكل أنواعها (شرعية وغير شرعية) ظاهرة إنسانية، فرضتها الاختلافات الموجودة في الأوضاع الأمنية والمعيشية بين مختلف مناطق العالم، فهي انتقال الأفراد بحثًا عن مكان آمن للاستقرار وتحقيق العيش الكريم، وقد تغير هذا المنظور البسيط لظاهرة الهجرة لتصبح ملازمة لمظاهر العنف والإرهاب والجريمة المنظمة، نظرًا للتحولات الحاصلة على مستوى الدول المصدرة والمستقبلة في آن واحد، فعلى مستوى الدول المصدرة ودول العبور سيطرت عصابات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والمخدرات على شبكات الهجرة، وأصبحت تستخدمها في الترويج لنشاطاتها في دول الاستقبال، كما انعكست الأوضاع السياسية والأمنية المتدهورة في دول المصدر على نوعية المهاجرين، فأصبحت تضم متطرفين ومجرمين يمثّلون خطرًا على الأمن الاجتماعي في الدول الأوروبية.
أما على مستوى الدول المستقبلة للهجرة، فقد ساهمت حوادث دولية ومتغيرات وطنية في تغيير نظرة هذه الدول لظاهرة الهجرة من كونها حلً لمشكلة نقص اليد العاملة وتناقص النمو الديمغرافي، إلى كونها مشكلة تتسبب في حالة من الفوضى واللاأمن في المجتمعات الأوروبية، فقد كان لحوادث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة، و 11 مارس بمدريد وتفجيرات لندن، مادة إعلامية استخدمتها وسائل الإعلام الغربية لتهويل ظاهرة الهجرة وتخويف الدول الأوروبية منها، كما وظفتها أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية للنجاح في الانتخابات والمشاركة في الحكومات. وفي هذه الظروف تحوّل مفهوم الهجرة من ظاهرة إنسانية اجتماعية تساهم في نقل الثقافات واحتكاك الشعوب بعضها ببعض، إلى ظاهرة تنقل الدمار والخوف وتؤدي إلى تصادم الشعوب والدول، فهل تتضمن ظاهرة الهجرة كل هذه المخاطر والتحديات، أم أنّ التوظيف السياسي والإعلامي لها جرّدها من كل إيجابياتها وجعلها هاجسًا أمنيًا للدول الأوروبية؟
أولا: دوافع أمننة ظاهرة الهجرة
1. الأمننة: المدلول والمعنى
أ-التغير في مفهوم الأمن
ارتبط مفهوم الأمن لعقود طويلة بالحرب والتهديدات العسكرية، إذ "ساد هذا المنظور الواقعي للأمن منذ صلح وستفاليا ونشأة الدولة القومية عام 1648، أي لمدة ثلاثة قرون ونصف القرن"، وقد تأثر هذا المنظور بعاملين ساهما في تغييره من المنظور الصلب إلى المنظور الليّ وهما1: لم يعد الفعل والتأثير في العلاقات الدولية حكرًا على الدولة القومية؛ إذ أصبح هناك فاعلون دوليون من غير الدول كالمنظمات الحكومية الإقليمية والدولية، والمنظمات الدولية غير الحكومية. حدث تحول في طبيعة مصادر التهديد للدولة القومية؛ إذ لم يصبح التهديد العسكري الخارجي هو مصدر التهديد الوحيد لأمن الدولة (كما يفترض أنصار المنظور الواقعي.) فالدولة أصبحت الآن تواجه بأنماط عدة من مصادر التهديد، والتي ليست بالضرورة مصادر عسكرية، ومنها تجارة المخدرات عبر الحدود، والجريمة المنظمة، وانتشار الإرهاب الدولي، والهجرة غير الشرعية، وانتشار الأمراض والأوبئة كالإيدز، وانتشار الفقر، والتلوث البيئي... إلخ. وعجز المنظور التقليدي للأمن عن التعامل مع تلك القضايا. وبذلك ظهرت الدراسات النقدية التي حاولت أن تعوّض النقص الحاصل في هذا التصور، وذلك من خلال رفض ربط الأمن بالحرب، وركزت عوضًا عن ذلك على مفهوم أكثر إيجابية، فقد دعا Johan Galtung إلى السلام الإيجابي Positive Peace و Kenneth Ewart Boulding الذي يستند إلى فكرة السلام المستقر Peace Stable. فمن منظور المدرسة النقدية يتضمن الأمن القضاء والتخفيف من العنف غير المباشر كمً وكيفًا، ولا يقتصر على غياب الحرب2. ويؤكد هذا التصور "تقرير Bahr Egon المقدم للجنة Palme 1982() والذي كان بعنوان
"الأمن المشترك" Security Common. ويرى فيه أنّ التركيز على القوة في عالم يتميّز بمستويات عالية من التسلح وتضبطه حركية الاعتماد المتبادل غير مؤسس، فسعي الدول منفردة لتعزيز أمنها، سوف يقلّص في نهاية المطاف أمن الدول الأخرى. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ التركيز على المخاطر العسكرية في التعامل مع المأزق الأمني غير واقعي، فهناك أنواع أخرى من المخاطر التي تتهدد الدول، وهي ذات طبيعة اقتصادية، وبيئية وحتى ثقافية، كما قد يكون وراءها فاعلون آخرون غير الدولة كالمنظمات الإرهابية3. ونتيجة هذا التوجه النقدي الجديد في التنظير لمفهوم الأمن التقليدي، ظهرت عدة مفاهيم منبثقة عنه كالأمن الإنساني والأمن المجتمعي، إذ تُعدّ "مدرسة كوبنهاجن" الرائدة في تطوير مثل هذا التوجه لمفهوم الأمن، فقد قدّمت للأمن إطارًا ملائمًا لدراسة الطبيعة الديناميكية لمدركات الأمن، بإقرارها بأنه ليس مفهومًا ثابتًا، بل هو بناء اجتماعي يتشكّل عبر الممارسة وبصفة ديناميكية، ويُعدّ باري بوزان Barry Buzan أحد أهم رواد هذه المدرسة، فبالنسبة إلى بوزان فإنّ إضفاء الطابع الأمني securitization على مجال معيّ يكون عبر عملية خطابية لغوية، إذ يعمل هذا الخطاب على الاستدلال بوجود تهديد يمس البقاء (المادي أو المعنوي) لمرجعية أمنية ما، قد تكون الفرد أو الجماعة أو الدولة أو الهوية.
وتهدف "عملية إضفاء الطابع الأمني على قضية ما إلى تشريع لجوء القائمين على رسم السياسة العامة لانتهاج ترتيبات استثنائية الغاية منها تأمين "الكيان" (المرجعية) محل التهديد من المخاطر المحدقة به. إذ يمكن التعامل معها بحرية أكثر، بعيدًا عن الضغوط والقيود التي تمارسها الضوابط الديمقراطية لصناعة القرار، لا سيما ما يرافقها من ضغط لمنظمات المجتمع المدني"4. ويصنف الأمن المجتمعي، بحسب مدرسة كوبنهاجن، ضمن أهم القطاعات الأمنية للدولة في إطار النظرة الموسعة والمعمقة للأمن، إذ يتركّز أساسًا حول استمرارية حياة المجتمع والدولة، في إطار يضمن التطور الطبيعي للمجتمع في لغته، وثقافته، وديانته، وعاداته وتقاليده وكل خصائص هويته الوطنية؛ و"يعدّ تهديدًا كل ما يعرّض الهوية الجماعية والثقافية للمجموعة إلى الخطر. وما يشار إليه في غالب الأحيان بصفته تهديدًا للأمن المجتمعي هو الهجرة، فقد يحدث أن يذوب شعب في آخر جراء تدفقات الهجرة أو تسرب قيم ثقافية، لغوية وحضارية على قيم شعب آخر فتذيبها أو تهمّشها"5. كما يُعدّ من التهديد للأمن المجتمعي كل ما يعرّض قومية شعب ما لذوبان عن طريق الإدماج جراء الاحتلال، والاتحاد أو الوحدة، ويرى باري بوزان Barry Buzan وأول ويفير Ole Weaver أنّ أمننة هوية المهاجرين أو الهويات المنافسة يرتبط بالشكل الذي يتبعه المحافظون على الهوية الجماعية، في كيفية فهم هويتهم الخاصة وبنائها والحفاظ عليها، ومن ثمّ الانفتاح أو الانغلاق تجاه هذه الهويات6.
مفهوم الأمننة
ظهر مفهوم الأمننة أول مرة في مدرسة كوبنهاجن، وهو يعني تحول أي موضوع إلى قضية أمنية، بحيث يقدمها الفاعلون على أنها تهديد لوجودهم، ويتقبلها الجمهور7. "فنقطة البداية في مفهوم الأمننة هي نظرية الفعل الخطابي، أي كيف يمكن القيام بأفعال بالكلمات، فالأمننة تدرس من خلال تحليل الخطاب لتقديم شيء ما بوصفه تهديدًا وجوديًا، بحيث يتقبلها الجمهور ويسمح باستخدام الإجراءات الاستثنائية لمحاربة التهديد"8.
وبذلك فإنّ أمننة الهجرة غير الشرعية يعني تحويلها من قضية إنسانية بسبب فرار الأشخاص من ظروف اقتصادية وسياسية وأمنية صعبة، إلى قضية أمنية وتحدٍ يهدد الوجود الحضاري والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدول الأوروبية، ما يستوجب اتخاذ تدابير استثنائية ردعية وعقابية لمواجهة هذا التحدي. وفي هذا الإطار يمكن أن يتقاطع مفهوم الأمننة مع مفهوم آخر وهو مفهوم تجريم الهجرة غير الشرعية. وتتكون مستويات الأمننة من ثلاثة مستويات هي9: الفواعل: يمكن تقسيم هذا المستوى إلى شقين؛ الشق الأول يتمحور حول الفواعل، وهو يضمّ أولئك الذين يساهمون أو يقاومون، مباشرة أو عن طريق الوكالة، في تصميم القضايا الأمنية أو ظهورها (أمننة الفواعل، والجماهير، والفواعل الوظيفية)، أمّا الشق الثاني فيتضمن المواضيع التي تشكّل العلاقة التي تؤطر الوضعية الأمنية، وهي وضعيات القوة (العلاقات البديلة) للفواعل، والهويات الشخصية والهويات الاجتماعية التي تكشف سلوك الفواعل، وكذلك الموضوع المرجعي والشخص المعني، أي من يهدد وماذا يهدد؟ الفعل: ويهتم هذا المستوى بالممارسات استطرادية أكانت أم غير استطرادية، والتي تدخل ضمن مسار الأمننة قيد الدراسة، والنتيجة الشاملة تشمل السياسات والطرق التي تخلق الأمن، ويتكون هذا المستوى بدوره من أربعة جوانب: • نوع الفعل • الإستراتيجية • مكونات الأمننة • السياسات الناجمة عن الأمننة السياق: ذلك أنّ الخطاب الأمني لا ينبع من فراغ بل ينتج عن سياق الحوادث والتهديدات. وعلى هذا الأساس "فإنّ تعامل الاتحاد الأوروبي مع قضية الهجرة غير الشرعية مر بعدة مراحل، وذلك عبر إدراجها في إطار التعاون بين الأطراف المتوسطيين، ثم التحول إلى تسييس هذه القضايا وإبرازها بصفتها أهدافًا خاصة في السياسات العامة للاتحاد الأوروبي، وذلك بتخصيص الإمكانيات والميزانيات اللازمة لمواجهتها، ثم الوصول إلى المرحلة الأخيرة وهي أمننة هذه القضايا، فهي تعطي الحق للجوء إلى وسائل وإجراءات استثنائية وغير عادية لمواجهتها"10.
2. دور الإعلام في أمننة الهجرة وربطها بالتهديدات الأخرى
تعتمد الحكومات والدول الأوروبية بصفة متزايدة على تصور وسائل الإعلام والاتصال في صوغ سياساتها للهجرة، نظرًا لقدرة الإعلام على صناعة رأي عام وطني تجاه أي قضية، كما تستخدم هذه الحكومات وسائل الإعلام من أجل توجيه الرأي العام الوطني والدولي في اتجاه يخدم مصالحها، وهو في هذه الحالة توجيه من أجل أمننة ظاهرة الهجرة بشقيها الشرعية وغير الشرعية. ففي دراسة نوعية لمضمون أهم الصحف الوطنية والقنوات التلفزيونية قامت بها الباحثة Tsoukala Anastassia، استنتجت أنّ وسائل الإعلام في فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليونان تجرّم الهجرة، دون أن تعكس واقعها الحقيقي، بحيث تساهم في صنع رأي عام مناهض للهجرة من خلال ربطها بالانحراف والعنف، فكانت الصحف تركّز في مقالاتها على الجرائم والمخالفات التي يرتكبها المهاجرون، حتى وإن كانت تافهة؛ ففي ألمانيا مثل 2 / 5 من المقالات المنشورة في بداية التسعينيات تناولت قضايا الهجرة وربطتها بالجرائم التي ارتكبها الأجانب، %60 منها متعلقة بالمتاجرة بالمخدرات والجريمة المنظمة، أمّا في إيطاليا %47 من المواضيع المنشورة في أهم سبع صحف يومية كانت تتحدث عن الهجرة في الفترة الممتدة بين 1992 - 1993، إذ تناولت الجرائم المرتكبة من المهاجرين، أو الإجراءات الأمنية المتخذة ضدهم لحفظ الأمن العمومي11. وبالنظر إلى نوعية العناوين التي تتناول مواضيع الهجرة والمهاجرين نجد وسائل الإعلام الأوروبية تختار العناوين المثيرة، فهذه الصحف الإيطالية تكتب مثل12:
اقتحام السواحل الإيطالية Prise d'assaut des côtes italiennes (صحيفة L'Unità الصادرة بتاريخ.)1997/3/14 غزو اليائسين L'invasion des désespérés صحيفة La (Repubblica الصادرة بتاريخ.)1997/03/15 حالة طوارئ قصوى ضد خطر الغزو الإجرامي Alerte maximale contre le risque d'une invasion criminelle صحيفة Il Corriere della Sera (الصادرة في.)1997/3/18 أما الصحافة الألمانية فقد تناولت قضية الهجرة (خلال النقاش الدائر حول اللجوء في ألمانيا خلال الفترة 1993-1991) وكأنها موجة بحرية أو طوفان من طالبي اللجوء، وأنّ ألمانيا تمثّل السفينة المملوءة أو الجزيرة المزدحمة بالناس والتي تشرف على الغرق. وفي فرنسا ربطت وسائل الإعلام الفرنسية بين الهجرة والجرائم التي يرتكبها المهاجرون، والتي تمثّل مشاكل الضاحية الباريسية أشهرها، إذ اتهم الشبان من أصول مهاجرة وبالأخص من أصول مغاربية بمسؤوليتهم في حوادث العنف التي حصلت، وكذلك بدورهم في تنامي الجريمة، وذلك من خلال عناوين مثل الضواحي والهجرة: حالة (صحيفةBanlieue, immigration: l'état d'urgence طوارئ L'express الصادرة في 1991/6/12-5 13. وعلى الرغم من الانقسام الإعلامي والاختلافات الأيديولوجية الموجودة بين مختلف الصحف الفرنسية منها صحيفة لوفيغارو Figaro()Le القريبة من اليمين المتطرف والجبهة الوطنية national()Front وصحيفة لوموند Monde(Le) القريبة من اليسار والوسط، فإن موقفها من الهجرة لم يكن مختلفًا، ويظهر ذلك من خلال عناوين هذه الصحف، ومنها: الهجرة غير الشرعية: فرنسا تحت الضغط Immigration clandestine: la France sous pression صحيفة Le Figaro (الصادرة في)2013/12/17 فيون: عدد كبير من المهاجرين في فرنسا trop Fillon: d'immigrés en France صحيفة Le Figaro (الصادرة في ضد الهجرة غير الشرعية، يجب فرض مشروطية المساعدات للمغرب العربي Contre l'immigration clandestine, il faut conditionner les aides au Maghreb صحيفة Le (monde الصادرة بتاريخ)2013/10/22 ونتيجة للحملة الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الأوروبية على المهاجرين، فقد تشكّل رأي عام معادٍ للهجرة والمهاجرين، ففي استطلاع للرأي أجرته الأوروبية للمسح الاجتماعي في 2002، صرّح قرابة %40 من الأوروبيين بالتأثير السلبي للهجرة في الأجور14. كما رأى عدد من الباحثين الألمان أنّ الهجمات التي تمّت ضد مهاجرين في مدينتي روستوك Rostock وهويارسويردا Hoyerswerda الألمانيتين في بداية التسعينيات سببها المعالجة الإعلامية لمسألة الهجرة، وقد تفاقمت النزعة العدائية ضد المهاجرين لدرجة أن أنصار اليمين المتطرف اعتقدوا أنهم باستهدافهم المهاجرين سيحظون بتعاطف الجماهير15.
3. صعود ﺍﻟﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻴﻤﻴﻨﻴﺔ16 ﻭمعاداتها المهاجرين
جرت العادة في الحملات الانتخابية أن تركّز الأحزاب السياسية في الدول الأوروبية على توظيف هواجس الجماهير ومخاوفها، والاستثمار في مشاكلها من خلال التطرق إليها وتقديم الحلول لها، وهو نهج الأحزاب اليمينية المتطرفة باستثناء أنّ هذا التوظيف يمثّل لب العمل السياسي للأحزاب اليمينية التي تقوم أيديولوجيتها على المحاور التالية: مناهضة الهجرة، وبالضبط اعتماد كراهية الأجانب وسيلة انتخابية. رفض التعددية الثقافية، والنظر إلى الثقافات الأخرى نظرة دونية. التأكيد على الهوية الوطنية، ونقاء القومية من العناصر الدخيلة.
و " تُعدّ الهجرة أحد الأسس المهمة في خطاب اليمين المتطرف في أوروبا، فقد كان لتوظيف قضية الهجرة دور كبير في نهضة أحزاب اليمين المتطرف، إذ لا يفوّت رؤساء هذه الأحزاب فرصة في تصريحاتهم إل وتطرقوا إلى مشكلة الهجرة، فهذا بيم فورتيون رئيس الحزب اليميني الهولندي يصرح قائلً: "لقد امتلأت هولندا، ويجب أن تغلق أبوابها." وكذلك لوبان بمقولته الشهيرة "الفرنسيون أولً "، كما طالب بالنص في الدستور على ما يدعوه "الأولوية الوطنية"، وبذلك أصبح المهاجر في نظر اليمين المتطرف هو السبب الرئيس لكل المشاكل التي تعانيها المجتمعات الأوروبية كالبطالة والجريمة"17. كما ترى الأحزاب اليمينية سبب وجودها هو الحفاظ على الهوية الوطنية وحمايتها، "فالجبهة الوطنية ترى أنّ المبرر الأساسي لوجودها هو تمثيلها للثقافة والهوية الفرنسية اللتين تدّعي أنّ الأحزاب السياسية الأخرى وأجهزة الإعلام لا تعبّ عنهما بصدق، كما أنها تتحرك بدعوى الدفاع عن التقاليد الفرنسية التي هي أقدم من دستور الجمهورية الخامسة ذاته"18. وقد اعتمدت الأحزاب المتطرفة على الصحافة الموالية لها في نشر دعايتها، وترويج مواقفها تجاه المهاجرين، فمثلً نجد المجلة الفرنسية "المناضل" Militant(Le) في أحدى مقالاتها المتطرفة جاء فيها: "هل نحن مرغمون على تحويل باريس ولندن وميونخ إلى مدن أفريقية وآسيوية." وفي مجلة أخرى "الوطني" National(Le) جاء فيها...":أنهم يرغبون في إلحاق فرنسا وأوروبا بالعالم الثالث." وفي مقالة آخرى للمجلة نفسها ورد فيها: "أنّ الفرنسيين ليسوا فقط مطالبين بالدفاع عن حقوقهم الشرعية، وإنما هذا يُعدّ كذلك واجبًا مقدسًا تجاه الأجيال القادمة، وعلينا ألّ ننحني أمام الهجرة "19. وبذلك استثمرت الأحزاب اليمينية في المشاكل التي يواجهها المواطن الأوروبي، ذلك أنّ استفحال ظاهرة البطالة في فرنسا دفع بعدد كبير من الفرنسيين للتصويت لمصلحة الجبهة الوطنية عام 1984 في الانتخابات البلدية والانتخابات الأوروبية التي حققت فيها نجاحًا باهرًا، لم يسبق لها منذ أن أنشئت عام 1972، وبذلك نجح الحزب اليميني الفرنسي في تطبيق الإستراتيجية المبنية على أيديولوجية التخويف من خطر المهاجرين20. وعلى نطاق واسع شهدت سنوات عقدي الثمانينيات والتسعينيات صعودًا واضحًا لأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، إذ أخذت هذه الظاهرة في بعض الدول بعدًا ذا عواقب خطيرة على النظام الحزبي والسياسي في تلك الدول، تجسد في النتائج الباهرة التي حققتها الأحزاب اليمينية في الانتخابات المحلية والتشريعية وحتى الأوروبية، ففي فرنسا مثلً بدأت النجاحات الانتخابية للجبهة الوطنية عام 1984 حين حققت 2،%11 من الأصوات، وبلغت ذروة انتصاراتها الانتخابية في الانتخابات الرئاسية لعام 2002، حين وصل مرشحها جان ماري لوبان إلى الدور الثاني أول مرة في تاريخ الرئاسيات وأحزاب اليمين المتطرف في فرنسا. وفي النمسا (التي تعدّ ثالث الدول الأوروبية من حيث شعبية الأحزاب اليمينية) حصل حزب الحرية اليميني Parti autrichien de la liberté (FPO) في الانتخابات التشريعية في كانون الأول/ ديسمبر 1995 على 9،%21 من الأصوات، وفي العام الموالي في الانتخابات الأوروبية حقق الحزب 6،%27، أمّا في الانتخابات المحلية التي جرت في تشرين الأول / أكتوبر 1996 تحصل الحزب اليميني على %28 من الأصوات21. كما حقق الحزب 9،%26 و 52 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية لعام 1999، و 60 مقعدًا في الانتخابات التشريعية لعام 2008، ما سمح له بالدخول في الحكومة، وبذلك تحول هذا الحزب إلى ثاني قوة سياسية في البرلمان. أمّا في سويسرا فقد حقق حزب الشعب السويسري انتصارًا انتخابيًا في الانتخابات الفدرالية لعام 2007 بنسبة %29 من الأصوات و 62 مقعدًا من بين 200 مقعد تشكّل البرلمان22. من خلال النظر إلى النتائج الانتخابية التي صار يحققها اليمين المتطرف، نلاحظ توجه شريحة واسعة من الشعوب الأوروبية للتصويت لمصلحة اليمين، خاصة في ظل عجز اليسار واليمين المعتدل الأوروبي على الاستجابة لمتطلبات المواطن الأوروبي، بالأخص قضيتي البطالة والأمن. وبذلك أصبحت أحزاب اليمين المتطرف جزءًا من اللعبة السياسية الأوروبية يحسب له حساب في صوغ سياسات الهجرة، هذا إن لم يكن تصور اليمين للمهاجرين هو السائد حتى لدى التيارات السياسية
المعتدلة في اليمين أكانت أم في اليسار، خاصة أنها تسعى للحفاظ على وعائها الانتخابي الذي صار ينزف بسرعة لمصلحة اليمين المتطرف الذي نصّب نفسه ناطقًا رسميًا باسم الشعوب الأوروبية.
4. أمننة الهجرة وتأكيد نظرية صدام الحضارات تقوم نظرية صدام الحضارات على الاختلافات الثقافية الموجودة بين مختلف الشعوب والثقافات، وتزداد حدة التصادم بين الثقافات عندما يترسّخ في ذهن البعض فكرة سمو ثقافتهم وازدراء ثقافة الآخرين، كما أنّ التقاء المتعصبين من مختلف الحضارات يكرّس هذا الطرح. غير أنّ إضفاء الطابع الأمني على ظاهرة الهجرة على أنّها تأتي بأشخاص من ثقافات دونية مختلفة ويرفضون الاندماج بالمفهوم الغربي، وسّع مفهوم التصادم ليتجاوز الجماعات المتطرفة من الحضارتين، ويشمل باقي أفراد المجتمع فباتت المجتمعات الأوروبية تنظر لصدام الحضارات على أنه ينتج بفعل شعور المهاجر – عند وصوله ولفترة زمنية معينة - بالعجز والإحباط في مجتمع لا يتكلم لغته ولا يتفهم ثقافته. بل وأكثر من ذلك يحاول إدماجه بالقوة من خلال إجباره على اعتناق ثقافة المجتمع المستقبل، فأصبح هذا المفهوم الخاطئ للإدماج الأساس الذي تقوم عليه السياسة الأوروبية للهجرة، ففي فرنسا مثل أصبحت الإشكاليات المتعلقة بالهجرة والمهاجرين أكثر حضورًا منذ وصول الرئيس نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة الفرنسية، وهي تعكس، في الواقع، إيمانه الشديد بنظريات "اليمين الجديد" وقناعاته حول أثر الاختلافات العرقية، وضرورة حماية الثقافة الوطنية ومنعها من الاختلاط بمختلف أشكال الثقافات الأجنبية الأخرى، أو ما يسمى ب "نظرية الاختلاف"23. وفي السياق نفسه كتب الباحث والصحافي الفرنسي دانيال فيرني على صفحات موقع "سلات" الإخباري "عندما يقول لنا وزير الداخلية الفرنسي كلود غيان بأنه وخلافًا لليساريين و(مذهبهم النسبوي) الذي يتبنى فكرة أنّ لكل ثقافة قيمها ومعتقداتها التي لا يجب أن تقارن بأخرى، فهو ومن معه من نخبة اليمين الحاكم يؤمن بأنّ الحضارات لا تتساوى"24. وقد فسر عالم الأنثروبولوجيا كاليرفو أوب غرر الذي كان أول من استخدم مصطلح الصدمة الثقافية، بأن الصدمة الثقافية تحدث بسبب القلق الناجم عن فقدان المرجعيات والرموز المألوفة لدينا في التفاعل الاجتماعي.
5. حوادث 11 سبتمبر 2001 والتغير في سياسات الهجرة
خلفت حوادث 11 سبتمبر آثارًا اقتصادية وسياسية على الدول الغربية، كانت ضخمة في حجمها وقصيرة في مداها الزمني، غير أن الآثار النفسية التي تركتها في نفوس المجتمعات الغربية كانت أعظم، ذلك أنّها رسّخت فكرة الخوف من الأجنبي القادم من الدول العربية والإسلامية، ويظهر ذلك جليًا في تعامل الدول والحكومات الغربية مع ظاهرة الهجرة. "ففي أعقاب هذه الحوادث أعلنت الحكومة الأميركية الحرب على الإرهاب، وتم اتخاذ تدابير عدة، كان من بينها إصلاح النظم القانونية بغية التصدي للتهديدات الجديدة التي يمثلها الإرهاب في أحدث صوره، وتمت إعادة صوغ قانون الهجرة، وتركزت التدابير الأخرى على تحسين الآليات الرامية إلى ضمان الحد من تدفق الموارد الاقتصادية والمالية لدعم الأنشطة الإرهابية، وربما وقفها كليا"ً25. وبحسب وثيقة "ﺍﻹستراتيجية ﺍﻷوروبيةلﻸمن"، ﺍلتي ﺍﻗترحها الممثل الأوروبي للسياسة ﺍلخارجية خافيير صولانا وتبناها ﺍلمجلس ﺍﻷوروبي في ﺍجتماعﻪ في كانون الأول / ديسمبر 2003، فإنّ ﺍلتهديدﺍﺕ ﺍلجديدﺓ من بينها ﺍﻹرهاب وﺍلجريمة ﺍلمنظمة وﺍلهجرﺓ ﺍلسرية ﻻ يمكن معالجتها بالوسائل ﺍلعسكرية، ما يحتم اللجوﺀ ﺇلى جملة من ﺍلوسائل ﺍلمختلطة كالعمل ﺍلمخابرﺍتي، وﺍستخدﺍم وسائل ﺍلشرطة وﺍلوسائل ﺍلقانونية وﺍلعسكرية ﺇذﺍ لزم ﺍﻷمر. وبذلك أصبﺢ بإمكان الدول الأوروبية بموجب ﺍجتماﻉ برلين ﺍستخدﺍم ﺇمكانياﺕ ﺍلحلف
الأطلسي من أجل مواجهة مثل هذه التهديدات، وقد تقاطعت الرؤية الأوروبية مع التصور الأطلسي ﺍلذﻱ يرى حوﺽ ﺍلمتوسط منطقة جيوسياسية حيوية لها ديناميكيتها ﺍلخاصة، فالهجرﺓ ﺍلدولية بشقيها ﺍلشرعية وغير ﺍلشرعية ومختلف ﺍلتهديدﺍﺕ ﺍلصادرﺓ عن تلك ﺍلمنطقة تُعدّ هوﺍجس ﺃمنية كبرى بالنسبة إلى أوروبا والحلف الأطلسي26. لقد كان لحوادث 11 سبتمبر وقع على السياسات الأوروبية بصفة عامة ومن ضمنها سياسات تنظيم الهجرة، إذ أدت إلى مراجعة كل سياسات الهجرة للدول الأوروبية، فهذا توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يعلن عن إصلاحات صارمة في قانون اللجوء في المملكة المتحدة، كما قامت الحكومة الألمانية بتعليق النقاش البرلماني حول مقترحات لقانون الهجرة الجديد، في حين تساءلت الصحافة الإيرلندية حول ما إذا كان الإيرلنديون يبالغون في الترحيب بالمهاجرين المسلمين أكثر من اللازم، كما قامت الدول الأوروبية بعد حوادث 11 سبتمبر 2001 بتقديم مقترحات من أجل صرامة أكثر في سياساتها للهجرة، إذ اقترحت ألمانيا إنشاء قاعدة بيانات أوروبية يُدرج ضمنها كل الموقوفين من المهاجرين27. وبموجب ردات الأفعال الناتجة من حوادث 11 سبتمبر 2001، عرفت فرنسا عقب هذه الحوادث أسوأ قانون للهجرة في تاريخها بتولي ساركوزي منصب وزارة الداخلية، حاملً معه قناعة مفادها أن الهجرة في سياقها القديم تمثّل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا على فرنسا، وتشكّل مصدر تهديد وتوتر كونها لا تؤدي إلى أكثر من ضم بائسين جدد إلى المهاجرين الموجودين في الدولة ويعانون أوضاعًا بائسة في الأساس28. كما عدّل ساركوزي بعد توليه رئاسة الجمهورية بعض النقاط في قانون الاندماج من أهمها شرط اكتساب اللغة الفرنسية وتحديده بصفته شرطًا مسبقًا للمهاجرين القادمين إلى فرنسا، وفي هذا السياق يقول كريستوفر بيرتوسي الخبير في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية IFRI(:) "هناك اتجاه سائد في السياسة الفرنسية لوقف الهجرة العائلية، لا سيما بعد تكييف قانون 2006 عن طريق الحد الأدنى من اللغة الفرنسية واختبارها"29. أمّا في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية فقد أنشأت الدول الأوروبية في 1 أيار/ ماي 2005، الوكالة الأوروبية للتسيير والتعاون الميداني للحدود الخارجية Frontex()، والتي دخلت مجال النشاط في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، إذ تتمثل مهماتها الرئيسة في التنسيق وتقديم الدعم الميداني، ودراسة إمكانية إنشاء جهاز أوروبي لحرس السواحل30.
ثانيًا: انعكاسات أمننة ظاهرة الهجرة
اعتمد مفهوم الأمننة على الخوف الجماهيري من ظاهرة الهجرة، ما انجرّ عنه انعكاسات سلبية، شملت المستويين الرسمي والشعبي، وكذلك الجبهتين الداخلية والخارجية، إذ صادرت أمننة مفهوم الهجرة حق المهاجرين في اللجوء السياسي، وصارت السياسات الأوروبية تراوح بين الإشادة بحقوق الإنسان وضرورة حمايتها وتعميمها في كل بقاع العالم من ناحية، وضرب هذه المبادئ عرض الحائط من خلال التضييق على حق المهاجر في اللجوء من ناحية أخرى، كما أن مفهوم الأمننة ساهم في انتشار ظاهرة سلبية في المجتمعات الأوروبية وهي الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) الذي يُعدّ الدين الرسمي لغالبية المهاجرين الوافدين من منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط، وبذلك أصبحت السياسات الأوروبية للهجرة تؤكد الطرح القائل بصدام الحضارات، وبالنظرة العنصرية التي تميز موقف الدول الأوروبية من الثقافات الوافدة إليها.
1. الإسلاموفوبيا
نظرًا لتزايد أعداد المهاجرين وتزايد حجم خوف الشعوب الأوروبية من الإرهاب والجريمة التي أصبحت مرادفة للمهاجرين، بفعل سياسات أمننة ظاهرة الهجرة، نتج من ذلك نشوء ظاهرة الخوف المرضي غير المبرر من الإس ماا والمسلمين الذين يشكّلون غالبية المهاجرين، وهذا ما أكدته التقارير التي أصدرتها اللجنة الأوروبية ضد العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا، إذ تضمنت توصيات للسياسات العامة متعلقة بوضع الأجانب في أوروبا، منها التوصية
رقم 5 لمكافحة التمييز والتعصب ضد المسلمين الصادرة عام 2000، والتوصية رقم 7 الصادرة عام 2003، المتعلقة بمكافحة العنصرية والتمييز الاجتماعي، فلقد جاء فيها أنه وبسبب سياسات مكافحة الإرهاب، أصبحت بعض الجماعات، ولا سيما العرب واليهود والمسلمين، وبعض طالبي اللجوء، واللاجئين السياسيين والمهاجرين، وبعض الأقليات، معرّضة للعنصرية والتمييز العنصري في العديد من المجالات منها على مستوى التعليم، وفي العمل، والسكن، والحصول على الخدمات، والولوج إلى الأماكن العامة31. وذلك بسبب الجهل والأحكام الجاهزة الموروثة منها أو المركبة والمعززة بأصناف من النزاعات الاختزالية والأحكام الدونية، اتخذت القولبة الإعلامية مكانها في الفكر والوعي المعاصرين، واستغلت الأمر وسائل الإعلام بتقنياتها المتطورة وانتشارها السريع الفاعل والمكثف، لتقدم تخيلات وصورًا جاهزة لشخصية المهاجر في أنماط كليشيهات32. كما خلّفت حوادث 11 سبتمبر جوًا من الفوبيا ضد الإسلام والمسلمين، خاصة المهاجرين الوافدين الجدد، وهذا ما خلص إليه تقرير المرصد الأوروبي لظواهر العنصرية والخوف من الأجانب، إذ ميز ثلاث ظواهر ترسخت في المجتمعات الأوروبية هي33: تضاعف الاعتداءات الجسدية وخاصة اللفظية. تغيّ سلوك الجماهير الأوروبية ومواقفها: قلق، وعدائية. محاولات التوظيف السياسي والانتخابي للخوف من الإسلام من بعض الأحزاب السياسية، والمنظمات. وترجع الإسلاموفوبيا وفق التقرير ذاته إلى الأسباب التالية34: نقص المعرفة القاعدية حول الإسلام والمسلمين. الخطاب المعتمد في وسائل إعلام خطابًا وصورة. انخراط بعض الدول الأوروبية في الحرب على الإرهاب. غياب التفاعل على المستوى الشخصي بين المسلمين وغير المسلمين. وفي إطار انتقاده لمصطلح الإسلاموفوبيا يعترض فريد هاليداي Fred(Halliday) على مصطلح الإسلاموفوبيا، فهو يرى أنّ القضية تتعلق بظهور العداء للمسلمين، بصفتهم شعوبًا أو جاليات مهاجرة، في إطار بيئة تاريخية وإستراتيجية واجتماعية معينة، ولا تتعلق بالاعتراض على الإسلام بما هو دين. ولذلك، فلا يرى هاليداي العداء للمسلمين منظومة فكرية متكاملة في حد ذاته، بل هو "شبه أيديولوجيا"، يرتبط ظهوره بوجود مشاكل أخرى، مثل التباين الإثني، والمشاكل الاقتصادية والمجتمعية، والاستغلال السياسي لهذا العداء لحشد الدعم والأنصار. ولذلك، فإنّ صورة العداء للمسلمين ومضمونه يختلف باختلاف البيئة التي يظهر فيها، والأغراض التي يوظف من أجلها. وبالنسبة إلى ظهور العداء للمسلمين في مجتمعات أوروبا الغربية، فإنّ جذوره ترجع، بحسب هاليداي، إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، فقد كان له رافد "إستراتيجي" ورافد "اجتماعي." ارتبط ظهور فكرة أن المسلمين يمثّلون خطرًا إستراتيجيًا على الغرب بالحظر الذي فرضته منظمة الأوبك على صادرات البترول لبعض الدول الغربية عام 1973، والارتفاع الكبير في أسعار البترول الذي واكبه. وقد مثّل ذلك صدمة كبيرة للنظام الاقتصادي الغربي والمجتمعات الغربية التي سرعان ما وصفت هذا الفعل بأنه "مبادرة إسلامية"، على الرغم من أنّ منظمة الأوبك تضم أيضًا دولً غير إسلامية35.
2. مستقل الهجرة غير الشرعية في ظل أمننة الهجرة
تمخض عن أمننة ظاهرة الهجرة غير الشرعية وعدّها تمثّل تهديدًا على الأمن الأوروبي بجميع أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تحول هذه الظاهرة من بعدها الإنساني المتمثل في طلب اللجوء والعيش الكريم إلى بعد إجرامي، إذ تحوّل المهاجرون غير الشرعيين نحو اح اررف الجريمة بكافة أنواعها وارتباطها بعصابات تجارة المخدرات وتهريب البشر والمنظمات الإرهابية المتطرفة، فقد باتت هذه المنظمات السبيل الوحيد أمام المهاجرين الوافدين إلى أوروبا في ظل انقطاع كافة السبل بهم.
وقد وجد المدافعون عن الطرح القائم على ربط الهجرة غير الشرعية بالجرائم التي تحدث في المجتمعات الأوروبية من رأسماليين ومقاولين سياسيين في تقارير الشرطة ووكالات الأمن سندًا قويًا لطرحهم، ففي عام 2010، أصدرت العدالة الفرنسية 630 ألف حكم راوح بين المخالفات المرورية البسيطة، والمتاجرة بالمخدرات والسرقة والعنف الجسدي، إذ كانت نسبة المهاجرين تقدر ب 7،%12. كما قدرت نسبة المسجونين من أصول مهاجرة في السجون الفرنسية ب 7،%17 أي 66089 مسجونًا36. ويؤكد المرصد الوطني للمنحرفين والرد القضائي L'Observatoire(national de la délinquance et de la réponse pénale (ONDRP)) في تقريره الصادر بتاريخ 15 شباط / فبراير 2012، المعنون ب "الزاوية الكبيرة" Angle(Grand)، أنّ نسبة الجرائم التي ارتكبها المهاجرون قد ارتفعت خلال 5 سنوات أي ما بين 2006 و 2011، إذ قدرت ب 8،%12 إلى 3،%17 عام 2011 من مجموع الجرائم المرتكبة37. نتيجة لهذا الترابط الذي صار بين الهجرة غير الشرعية ومختلف أشكال الجريمة المنظمة، أصبحت السلطات الأوروبية وخاصة الفرنسية تضيّق على المهاجرين، وقد شمل هذا التضييق حتى المهاجرين الذين طلبوا اللجوء السياسي والمطاردين في دولهم الأصلية، كما وجدت الدول الأوروبية في الهجرة القادمة من أوروبا الشرقية بديلً يسمح لها باستبدالها بدل الهجرة من الدول المغاربية، خاصة أنها تشترك معها في القيم والقواسم الحضارية.
مستقبل حق اللجوء السياسي في ظل أمننة الهجرة
أدت أمننة ظاهرة الهجرة إلى تشدد الدول الأوروبية في قوانين منح اللجوء السياسي، إذ أصبحت كل دولة تحاول قدر المستطاع التضييق على طالبي اللجوء من أجل إجبارهم على الرحيل سواء بوضعهم في معسكرات لاإنسانية وجعلهم يتحملون ظروف حياة قاسية، أو بتركهم في الشارع. ففي إيطاليا تستغرق فترة دراسة ملفات طالبي اللجوء 10 أشهر يقيم خلالها اللاجئون في محطات السكك أو الأبنية المهجورة، فيما يلقى ثلث هذه الطلبات الرفض. أمّا فرنسا التي تعرف زيادة كبيرة في طلبات اللجوء بلغت نحو %73 خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، فيحصل فيها غالبية طالبي اللجوء على إقامة موقتة لمدة 70 يومًا، لكن عملية دراسة طلباتهم قد تستغرق 20 شهرًا، مع احتمال بنسبة 90 % لرفض هذه الطلبات38. وتبعًا لإحصاءات المكتب الأوروبي للإحصاءات Eurostat()، في عام 2011 استقبلت ال 27 دولة الأوروبية 301000 طلب لجوء سياسي تم رفض %75 منها، فيما تم قبول %12 فقط، وحصل %9 على المتابعة الحمائية subsidiaire( protection)، أمّا ال %4 الباقية فقد حصلت على البقاء لدواعٍ إنسانية39. وتعدّ هذه النتائج المسجلة على مستوى دراسة ملفات اللجوء ثمرة الجهود التي بذلتها مجموعات التفكير حول الهجرة واللجوء، فقد كان موضوع اللجوء السياسي محور محادثات غير رسمية وسرية بين موظفين وخبراء أوروبيين للنظر في الطرق المثلى للحد منه، فكانت انطلاقة الاستشارات بمبادرة سويدية عام 1985، والتي تحولت فيما بعد إلى المشاروات بين الحكومات حول الهجرة واللجوء consultations intergouvernementales (IGC) تضم، وهي 17 حكومة، منها 10 حكومات منخرطة في الاتحاد الأوروبي. وبذلك أصبحت مجموعات التشاور نموذجًا اقتدت به باقي الدول الأوروبية، بحيث فتح المجال لإنشاء مجموعات خبراء حكوميين ومنتديات لتبادل الخبرات في إطار غير ملزم، بعيدًا عن الأنظار، ففي عام 1986، تم إنشاء المجموعة الاستشارية الخاصة بالهجرة واللجوء، والتي تضم وزراء الهجرة لدول الجماعة الاقتصادية الأوروبية40. وقد تمخض عن هذه المحادثات غير الرسمية، مفاهيم ووسائل من أجل منع وصول طالبي اللجوء السياسي، حتى في حالة وصولهم إلى أي بلد أوروبي فإنّ هذه الوسائل كفيلة بالحيلولة دون حصولهم على حق اللجوء، ومن بينها منحهم وضعيات مؤقتة، أو إدراجهم ضمن وضعيات غير معترف بها قانونيًا، وتعدّ مختلف الميكانيزمات والوسائل التي تصبّ في إطار مكافحة الهجرة غير الشرعية أهم الوسائل التي
تحول دون وصول طلبات اللجوء، بما أنهم يستخدمون طرقًا غير شرعية للفرار من الدول التي يضطهدون فيها. وبذلك فإنّ مكافحة الهجرة والتصدي لها تدخل في إطاره مكافحة اللجوء السياسي. وبالنظر إلى اختلاف طرق معالجة ملفات اللجوء السياسي بين مختلف الدول الأوروبية – ما أدى إلى تفاوت نسب الملفات المقبولة بين مختلف الدول - صادق البرلمان الأوروبي على مشروع توحيد نظام منح اللجوء السياسي41، يدخل حيز التنفيذ في الثلاثي الأول من عام 2015، وعلى الرغم من المزايا التي يتضمنها قانون الهجرة واللجوء الجديد42، منها تحديد فترة معالجة ملفات اللجوء إلى ستة أشهر، بعدما كانت مفتوحة في القوانين السابقة، فإنّه يتضمن سلبيات كثيرة منها سماح القانون الجديد لطالبي اللجوء بالبحث عن عمل بعد تسعة أشهر من الإجراءات الأولى لمعالجة ملفه، إلا أنه لا يتضمن تصريحًا له بالعمل. كما يمكن التحفظ على طالبي اللجوء واحتجازهم وهو إجراء استثنائي، إلّ أنّ مكمن الخطر في كيفية تفسير الدول الأوروبية وتطبيقها لهذا الإجراء وإدراجه ضمن قوانينها الوطنية. وبسبب تزايد الهاجس الأمني في معالجة ظاهرة الهجرة واللجوء، ضربت قوانين الهجرة واللجوء الأوروبية قواعد اتفاقية جنيف لعام 1951 عرض الحائط، بداعي التحكم في موجات الهجرة الوافدة إليها. ولكون الاتفاقية المذكورة لم تفرض على الدول الموقعة طرق تطبيق أحكامها، تاركة لكل منها وضع شروط الحصول على وضع لاجئ، فقد بات قانون اللجوء الأوروبي رهين أمننة ظاهرة الهجرة.
الهجرة من أوروبا الشرقية بديلا من الهجرة غير الشرعية المغاربية
تعدّ توسعة الاتحاد الأوروبي عام 2007 ليشمل دول أوروبا الشرقية أهم الحوادث التي أثرت في الهجرة الوافدة من جنوب المتوسط، ذلك أنها وفرت يدًا عاملة كبيرة من حيث العدد ورخيصة من حيث الكلفة، غير أنّ أهم العوامل التي ساهمت في رواج المهاجرين من أوروبا الشرقية في سوق العمل كان التجانس الحضاري والثقافي بينها وبين شعوب الدول الأوروبية المستقبلة لها. فوفقًا لتقرير منظمة التعاون والتنمية الأوروبية OCDE() فإنّ الهجرة من شرق أوروبا كانت جدّ نافعة، خاصة في القطاعات التي تشهد نقصًا في اليد العاملة، ويضيف التقرير أنّ هؤلاء المهاجرين يشغلون مناصب العمل التي يرفض العمل بها المواطنون الأوروبيون والبريطانيون أو الفرنسيون أو الألمان، كما أنهم يقللون من نسبة البطالة في بلدانهم الأصلية التي تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي. ويشير التقرير إلى أنه خلال عامي 2011 - 2012 فإنّ نسبة المهاجرين الرومانيين والبلغار الذين وجدوا عملً في بريطانيا قدّرت ب %76، و%62 منهم وجدوا عملً في ألمانيا43. أمّا في فرنسا فقد فتحت السلطات أمام هؤلاء المهاجرين سوق العمل منذ عام 2008، إذ يحق لهم العمل ضمن قائمة تضم 150 وظيفة، كما أنّ العديد من الأطباء والممرضين الرومانيين يشتغلون في المستشفيات الفرنسية، وقد تمّت توسعة هذه القائمة إلى 291 وظيفة يمكن للمهاجرين البلغار والرومانيين العمل بها عام 2012، منها قيادة المعدات الفلاحية، وتهيئة المساحات العمومية، والحلاقة44. وهي المهن نفسها التي كان يشغلها المهاجرون من أصول مغاربية ولكن بصفة سرية، قبل أن تشرع السلطات الفرنسية في سن قوانين تعاقب أرباب العمل الذين يشغلون مهاجرين دون ترخيص عمل. لقد دفع التجانس الحضاري والثقافي الذي يجمع شعوب دول أوروبا الغربية بشعوب أوروبا الشرقية إلى تشجيع الهجرة من هذه الأخيرة من أجل تحقيق غايتين هما: تعويض النقص الكبير في اليد العاملة في الدول الأوروبية، نظرًا لقلتها بسبب النمو الديمغرافي البطيء أو في القطاعات التي يعزف الشباب الأوروبي عن العمل بها. تعويض المهاجرين من أصول أفريقية، وخاصة المغاربية منها، بسبب كثرة المشاكل والجرائم التي تنسب إليهم صحيحة كانت أو تلفيقات.
وبذلك سار الموقف الأوروبي تجاه الهجرة من أوروبا الشرقية ومن جنوب المتوسط بنسق تصاعدي بالنسبة إلى الأولى وبنسق تنازلي بالنسبة إلى الثانية، خاصة في ظل تنامي مظاهر الرفض والخوف من أولئك المختلفين حضاريًا وثقافيًا والمرتبطين دومًا بمظاهر العنف والإرهاب.
خاتمة
يعبّ مفهوم أمننة الهجرة عن التوجهات السياسية للحكومات الأوروبية، وعن النفوذ السياسي الذي تملكه المعارضة خاصة اليمينية المتطرفة منها، وقد سيطر الطابع الأمني على الخطاب الأوروبي في معالجة ظاهرة الهجرة، إذ أصبح يستند خطاب أمننة الهجرة إلى أربعة محاور؛ المحور السوسيو - اقتصادي إذ ترتبط الهجرة بالبطالة والأزمات الاقتصادية، والمحور الأمني وفيه يتم التطرق إلى تأثير الهجرة في السيادة والأمن الداخلي والصحة العمومية، والمحور الثالث متعلق بالهوية والاغتراب الاجتماعي وضياع الهوية الوطنية بفعل الهجرة، أما المحور الأخير فهو المحور السياسي الذي يركّز على اللعبة الانتخابية التي تقوم على خطابات حول التمييز العنصري وكراهية الأجانب. وقد استفاد مفهوم الأمننة في رواجه وانتشاره الواسع من بعض العوامل التي تكاثفت لتقدّم وجهًا مشوّهًا عن الهجرة والعلاقات الحضارية بين المهاجرين ومجتمعات الاستقبال، إذ عملت بعض وسائل الإعلام التابعة لدوائر صهيونية مسيحية أو تلك الراغبة في تحقيق رواج كبير، على تشويه صورة المهاجرين واتهامهم بمختلف الآفات والجرائم كالإرهاب والتطرف والمخدرات وتجارة الأسلحة والسرقة. كما وظفت الأحزاب اليمينية، الطامحة للوصول إلى السلطة وتغيير الأوضاع في المجتمع بما يتوافق وأيديولوجيتها الهجرة، فركّزت على بعض الحوادث المعزولة التي ضلع فيها أو اتهم بها زورًا مسلمون، وقامت بتعميمها وجعلت منها صفة راسخة في كل المهاجرين المستقرين أو الوافدين إلى الأراضي الأوروبية، ما مكنها من الحصول على شعبية واسعة في أوساط المجتمعات الأوروبية وتحقيق نتائج انتخابية غير مسبوقة، فأصبحت تشارك في الحكومات وتحظى بالأغلبية البرلمانية. وكان من نتيجة هذا التوظيف الأمني لظاهرة الهجرة أن تزايدت نسبة الخوف من المهاجرين، والعنصرية تجاههم، وتراجع الدول الأوروبية عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الأشخاص المضطهدين الفارين من أوطانهم، بما يتماشى والشعارات الكبيرة التي ترفعها الدول الأوروبية كحماية حقوق الإنسان وحرياته. كما أبان التوظيف الأمني للهجرة في السياسات الأوروبية نزعتها العنصرية المتطرفة، ونظرتها الاحتقارية المتكبرة المتمركزة حول الذات تجاه الثقافات والشعوب الأخرى، رافضة الحوار والتعاون، ومتجهة نحو المزيد من الهيمنة والصدام.